Indexed OCR Text

Pages 101-120

كتاب القضاء والأحكام والحدود
ما قد حَدَّثَنَا إِبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حَدَّثْنَا أبو عاصمٍ، عن ابن
جُريج، قال: قلتُ لِعطاء: ﴿وَلا تَقْلُوا لهم شَهَادَةَ أبداً﴾، قال: إذا تاب،
قُبِلَتْ شهادتُه.
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عزَّ وجَلَّ وعونِه: أنَّه قد
خالفهم في ذلك من هُوَ أجَلُّ منهم، وهو سعيدُ بنُ المسيّب، ووافقه
على ذلك مثلُه ممن قد قضى للخفاء الراشدين المهديين، وهو شُریحٌ.
كما قد حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ داود، قال: حَدَّثْنَا إسماعيلُ بنُ سالم،.
قال: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قال: حَدَّثْنَا الشَّيْيانِيُّ، عن الشعبيِّ، عن شُرِيحِ، قال:
لا تَجُوزَ شهادتُه إذا تابَ - يعني القاذف - توبتُه فيما بينَه وبينَ رَبِّه.
وخالفهم في ذلك من هو مِثْلُهُمْ أو فوقَهم، وهو الحسنُ البصريُّ،
ولما اختلفوا في ذلك هذا الاختلاف، نظرنا فيما اختلفوا فيه مِن ذلك،
فوجدناهم لا يختلِفُونَ في القَذْفِ أنه لا يمنع من قبولِ شهادةِ القاذفِ،
قبل أن يُحَدَّ فيها.
ألا ترى أن رجلاً لو شَهِدَ على رجلٍ بالزِّنى وَحْدَهُ، ثم شَهِدَ
بشهادةٍ وظاهره العدلُ في شهادته، وهو يقولُ: ما شهدتُ عليه إلاَّ بحقٌ
أن شهادته مقبولةٌ، وأنّه إذا حُدَّ فيها، ثم جاءَ فَشَهِدَ بشهادةٍ سواها،
وهو مقيمٌ على شهادته تِلْكَ أن شهادته مردودةٌ، وإن كان الحَدُّ الذي
أُقِيمَ عليه طهارةً له، إن كان كاذباً في شهادته، ولما كانت الشهادةُ غَيْرَ
مردودةٍ بما قد جعل فيه قاذفاً بظاهره، ومردودةٌ بإقامة العقوبة عليه
فيها، وهو الحدُّ الذي حُدَّ فيها، وكانت التوبةُ إن كانت منه بَعْدَ ذلك،
- ١٠١ -

كتاب القضاء والأحكام والحدود
فإنما هي مِن القول الذي كان منه في الشهادة التي شَهِدَ بها، ولم تُرَدَّ
شهادتُه بذلك القولِ، وإنما رُدَّتْ بغيرِهِ، وهو الجلدُ، وكان الجلدُ مما لا
توبة فيه، وإنما التوبة فيما قد تقدمه من الشهادةِ التي كان فيه قاذفاً، ولم
تكن مسقطةً للشهادة، وإنما الذي أسقط الشهادةَ الحَدُّ الذي كان
بَعْدَها، وكانت الشهادةُ بَعْدَ الجلدِ، وقبلَ الجلد بمعنى واحدٍ، فلما
كانت لا تمنعُ من قبولِ الشهادة، وكان الذي يمنعُ من قبول الشهادة
سواها مما هو مفعولٌ بالشاهِدِ، وكانت توبته إنما تكونُ مِن أفعاله ومِنْ
أقوالِه لا مما فعل به، كان رَدُّ شهادته بَعْدَها على حُكمه الذي كان
عليه قبلها، لأنَّ الذي رُدَّتْ به شهادتُه هو مما لا توبةَ فيه، وإنما التوبةُ
في غيره، وفيما ذكرنا دليلٌ صحيحٌ على ثبوتِ قولِ الذينَ ذهُبُوا إلى رَدّ
الشهادةِ بَعْدَ التوبةِ ممن ذكرنا، والله نسأله التوفيق.
-١٠٢-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
٤٢٦- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول اللهَ في الوعيد
على الشّفاعة في الحُدود التي لله عز وجل
٣١٨٢- حَدَّثْنَا يُونسُ، قال: أخبرنا عبد الله بن وَهْب، قال:
أخبرني يُونُس بن يزيد، عن ابن شِهاب أنَّ عُروة بن الزبير أخبره، عن
عائشة رضي الله عنها أن امرأة سَرَقت في عهد رسول اللهمَ﴿، فأمَرَ بها
رسولُ الله ﴿ أن تُقْطَعَ، فَكلَّمَهُ فيها أسامةُ بن زيدٍ، فتلوَّنَ وجهُ رسول
الله﴿، فقال: (أَتَشْفَعُ فِي حَدِّ مِنْ حُدُودِ الله تَعَالَى)؟! فقال أسامةُ:
اسْتَغْفِرْ لي يا رسولَ الله. فلما كان العَشِيّ، قام رسولُ الله ◌َ، فأثْنَى
على الله عز وجل بما هو أهلُه، ثم قال: ((أمَّا بَعْدُ، فإِنّما أهْلَكَ النّاسَ
قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إذا سَرَقَ فيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وإذا سَرَقَ فيهم
الضَّفِيفُ، أَقَامُوا عَليهِ الحَدَّ، والذي نَفْسِي بَيَدِهِ لَوْ أنَّ فَاطِمَةَ ابنةً
مُحمدٍ سَرَقَتْ، لَقَطَعْتُ يَدَها) ثم أمرَ بتلك المرأةِ التي سرقت، فقُطِعَتْ
يدُها(١).
٣١٨٣- حَدَّثْنَا يُونُس، قال: حَدَّثْنَا شُعيب بن اللَّيث بنِ سعد،
(١) إسناده صحيح، ورواه في ((شرح معاني الآثار)) ١٧١/٣ بإسناده ومتنه.
ورواه مسلم (١٦٨٨)، والنسائي ٧٤/٨-٧٥ و ٧٥ من طرق عن عبد الله بن
وهب، به.
ورواه الطحاوي ١٧٠/٣، وعبد الرزاق (١٨٨٣٠)، وأحمد ٦٢/٦، ومسلم
(١٦٨٨) (٩)، وأبو داود (٤٣٧٤)، والنسائي ٧٢/٨-٧٣ و٧٤ من طرق عن
الزهري، بنحوه.
-١٠٣ -

كتاب القضاء والأحكام والحدود
عن أبيه، عن ابن شهابٍ، عن عروة، عن عائشة أن قريشاً أهَمَّهُم شأنُ
المخزوميَّةِ التي سرقت، فقالوا: مَنْ يُكُلِّم فيها رسولَ اللهِ﴿؟ قالوا:
ومَنْ يَحْترئ عليه إلاَّ أسامةُ ... ثم ذكر معنى الحديثِ الذي ذكرناه
قبله(١).
فقال قائل: فقد رَويتم عن الزُّبير بن العوام رضي الله عنه أنه شَفَعَ
لِسَارِقٍ، وفي ذلك ما قد دلَّ على خلاف ما في هذا الحديثِ الذي
رَوَ يِتموه، والزبير رضي الله عنه، فلم يَأْتِ ما أتى من ذلك إلاَّ بَعْدَ
وقوفِه على إباحةٍ ذلك له، وذلك مما لا يجوزُ أن يكون فعلَه رأياً، ولكنّه
فعلَه توقيفاً، والتوقيفُ في مثل هذا، فلا يكون إلاَّ من رسول الله (ص 9.
٣١٨٤ - وذكر ما قد حَدَّثْنَا محمد بن خُزيمة، قال: حَدَّثَنَا
حجاج بن مِنْهال، قال: حَدَّثَنَا حَمَّدٌ - يعني ابن سَلَمَةٍ - قال: أخبرنا
هشامُ بن عُروة، عن أخيه عبدِ الله بنِ عُروة، عن الفَرَافِصَة، أن الزبير
رضي الله عنه مرَّ بلصُ قد سرق، فقال: دعُوهُ، اعفُوا عنهُ. فقالوا:
تَأْمُرُنا بهذا يا أبا عبدِ الله، وأنت صاحبُ رسول الله ﴿؟ فقال الزُّبير:
إِنَّ الْحُدودَ يُعفى عنها ما لم تُرْفَعْ إلى السُّلطان، فإذا رُفِعَتْ إلى
السُّلطان، فلا أعفاهُ الله إنْ عفا عنه(٢).
(١) إسنادُه صحيح، ورواه في ((شرح معاني الآثار)) ١٧١/٣ بإسناده ومتنه.
ورواه ابن حبان (٤٤٠٢) من طريق الليث بن سعد، به
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٤٦٤/٩-٤٦٥، والدارقطني ٢٠٥/٣ عن وكيع،
و٥٦٥/٩ عن حميد بن عبد الرحمن، والبيهقي ٣٣٣/٨ من طريق جعفر بن عون،
- ١٠٤ -

كتاب القضاء والأحكام والحدود
٣١٨٥ - وما قد حَدَّثْنَا ابنُ أبي مريم، قال: حَدَّثْنَا الفِرْيابي قال:
حَدَّثْنَا سُفيان، عن هشام بن عُرْوَةً، عن عبد الله بن عُروة، عن فَرَافِصَةً
الحنفي، عن الزبير بن العوام أنهم مُرُّوا عليه بسارق، فقال: أرسلُوه،
فقالوا: أتأمُرُنا بذلك؟ فقال: نعم ما لم يُرْفَع إلى الإمامِ، فإذا رُفِعَ إلى
الإِمام فلا أعفاهُ الله إنْ عفَاه.
قال أبو جعفر: فَبَّين الزُّبير بن العوام للناس بما قد رويناه عنه
موضِعَ الشَّفَاعة التي فيها وَعِيدُ الله عز وجل الذي في الحديث الأول،
وأنها الشفاعة على ما قد أنهي إلى الإِمام، وأن الشفاعة قبل أن تُنهى
إلى الإِمام بخلافها، وأنْ لا وَعِيدَ فيها، ومثلُ الذي قال ذلك ثَمّا لا
يحتمله الرأي، ولا يكون إلاَّ بالتوقيفَ مِن رسول الله : ﴿ الناس على
ذلك، والله نسأله التوفيق.
وسنذكر فيما بَعْدُ مِنْ كتابنا هذا ما قد رُوِيَ عن رسول الله ◌َ
من قوله لِصفوانَ بن أُميَّة في السَّارِقِ الذي جاء به إلى رسول الله :﴿ٌ لما
سرقٌ خميصَتَهُ، فوهَبَها عند رسول الله﴿: ((أوَلاَ قَبْلَ أنْ تأْتِيَنِي بِهِ)) !!
إن شاءَ الله عز وجلَّ.
ثلاثتهم عن هشام بن عروة، به. وانظر عبد الرزاق (١٨٩٢٧) (١٨٩٢٨)، والفتح
٨٧/١٢.
-١٠٥ -

كتاب القضاء والأحكام والحدود
٤٢٧- بابُ بیانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله ﴿ فِي إِقَالَةٍ
ذوي الھیئات عثراتهم إلاَّ في حد من حدود الله عز وجل
٣١٨٦- حَدَّثْنَا الربيعُ بنُ سليمان الجيزِي، قال: حَدَّثَنَا أسدُ بنُ
موسى، قال: حَدَّثَنَا أبو بكر بنُ نافع الَّدِيني مولى العمريين، قال:
سمعتُ محمد بن أبي بكر بن عَمْرو بن حَزْم يقول: قالت عَمْرَة ابنة عبد
الرحمن، قالت: عائشة، قال رسول الله﴿: ((أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ
عَثَرَاتِهم))(١).
قال: وقضى بذلك محمد بن أبي بكر في رجلٍ من آل عُمر رضي
الله عنه شَجَّ رجلاً، وضربَهُ فأرْسَلَهُ، وقال: أنتَ من ذوي الهيئة.
٣١٨٧- حَدَّثْنَا صالحُ بنُ عبد الرحمن بن عَمْرو بن الحارث قال:
حَدَّثْنَا سعيدُ بنُ منصور، قال: حَدَّثَنَا أبو بكر بنُ نافع مولى العمریین،
ثم ذكر مثلّه غير أنه لم يذكر فيه ما كان من محمد بن أبي بكر في
إرساله العمري وفي قوله له ما قَالَهُ له.
٣١٨٨- حَدَّثْنَا إبراهيمُ بن مرزوق، قال: حَدَّثْنَا أبو عامر
العَقَدِي، قال: حَدَّثْنَا أبو بكر بنُ نافع، قال: سمعتُ محمد بن أبي بكر
بن حَزْم يقول: قالت عَمْرة، قالت عائشة: قال رسولُ اللهُمُ﴿: «أَقِلُوا
ذَوِي الهَيْئَاتِ زلاتِهم)(٢).
(١) رواه ابنُ حبان (٩٤)، والبيهقي ٣٣٤/٨ من طرق عن أبي بكر بن نافع،
به .
(٢) رواه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٤٦٥) عن عبد الله بن عبد الوهّاب، به.
-١٠٦-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
قال أبو جعفر: فتأمُّلْنا هذه الآثار، فوجدناه كلَّها تَرْجِعُ إلى أبي
بكر بن نافع، فاحتمل أن يكونَ أبو بكر هذا هو أبو بكر بن نافع مولى
عبد الله بن عُمر الذي حدَّث عنه مالك بن أنس، فإن كان كذلك،
فهو رجلٌ مقبول الرواية، فنظرنا في ذلك
٣١٨٩- فوجدنا محمد بنَ سليمان البَاغَنْدِي قد حَدَّثْنَا، قال:
حَدَّثْنَا عبدُ الله بنُ عبد الوهَّابِ الحَجَبِي، قال: حَدَّثَنَا أبو بكر بن نافع
مولى زيد بنِ الخطاب، قال: سمعتُ محمد بن أبي بكر بن عَمْرو بن
حزْمِ، قال: قالت عَمْرة، قالت عائشة رضي الله عنها، قال رسولُ الله
*: ((أَقِيلُوا ذَوِي الهَيْئَةِ زَلاَتِهم))(١).
قال أبو جعفر: فعقلنا بذلك أنه غيرُ أبي بكر بن نافع الذي رَوَى
عنه مالك، وأنَّه في الحقيقة مولى زيدٍ بن الخطّاب، لا مولى عُمر بنِ
الخطاب رَضِيَ الله عنهما.
٣١٩٠- ثم وجدنا نصرَ بنَ مرزوق، قد حَدَّثْنَا قال: حَدَّثْنَا يحيى
بنُ مسلمة بن قَعْنَب، قال: حَدَّثْنَا أبو بكر بنُ نافعِ الَّدِيني، عن أبي
الرِّجال محمد بن عبد الرحمن، عن عَمْرة، عن عائشة رضي الله عنها،
قالت: سمعتُ رسولَ اللهِ ﴿ يقول: «أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَةِ عَثَرَاتِهِمْ)).
فكان في هذا الحديث مكان محمد بن أبي بكر فيما رويناه قبله
(١) رواه النسائي في ((الكبرى)) (٧٢٩٧) كما في ((التحفة)) ٤١٣/١٢ عن
إبراهيم بن يعقوب، والعقيلي في ((الضعفاء)) ٣٤٣/٢ عن الحسن بن علي، كلاهما
عن سعيد بن أبي مريم، به.
-١٠٧ -

كتاب القضاء والأحكام والحدود
أبو الرجال، وقد خالف يحيى هذا فيه أبو عامر، وسعيد بن منصور
وأسد بن موسى، وعبد الله بن عبد الوهَّاب الحَجَبي فذكروا أنه عن
محمد بن أبي بكر، وأربعة أوْلى بالحفظ من واحد. ثم نظرنا هل رُوِيَ
فيه شيءٌ من غيرِ هذا الوجه؟
٣١٩١- فوجدنا فهداً وابنَ أبي مريم حدثانا، قالا: حَدَّثَنَا سعيدُ
بنُ أبي مريم، قال: أخبرني العَطَّافُ بن خالد الْمَخْرُومِي، قال: أخبرني
عبدُ الرحمن بنُ محمد بن أبي بكر بن حزْم، عن أبيه، عن عَمْرة بنت
عبد الرحمن، عن عائشة زوج النبي®، قالت: قال رسولُ الله ◌ِ لّ:
((أَقِيلُوا ذَوِي الَيْئِات عَثَرَاتِهِم)).
قال أبو جعفر: فكان هذا الحديثُ قد جاء من طريق عبد الرحمن
بن أبي بكر من رواية العَطَّافُ إِيَّه عنه، ولم نسمع لعبد الرحمن هذا
ذكراً في غير هذا الحديث، ثمَّ نظرنا هل رُوِيَ هذا الحديثُ من غير
هذه الوجوه
٣١٩٢- فوجدنا عليّ بنَ عبد الرحمن بنِ محمد بنِ الْمُغِيرة قد
حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ يوسُف، قال: حَدَّثْنَا ابنُ أبي الرِّجَال -
قال أبو جعفر: وهو عبدُ الرحمن بن أبي الرِّجَال، وهو محمودٌ في
روايته- عن ابنِ أبي ذئب، عن عبد العزيز بنِ عبد الله بنِ عبد الله بنِ
عُمَر بن الخطاب، قال: اسْتَأدى عليّ مولى لي جرحته، يُقَالُ له: سلام
البَرْبري إلى ابنِ حَزْمِ، فَأَتَانِي، فقالَ: جرحتَه؟ فقلت: نَعَمْ. فقالَ:
سمعتُ من خالتِي عمرة تقولُ: قالت عائشةُ: قال النبيِمَ﴿: «أَقِيلُوا
ذَوِي الھَيْئَات عَثَرَتَهِمْ)) فخَلَّى سبيلَهُ ولم يعاقِبْهُ.
-١٠٨ =

كتاب القضاء والأحكام والحدود
قال أبو جعفر: فنظرنا هل خُولِف ابنُ أبي الرِّجال عن ابنِ أبي
ذئبٍ في إسنادٍ هذا الحديث أمْ لا؟
٣١٩٣- فوجدنا يونس قد حَدَّثَنَا، قال: حَدَّثْنَا مَعْنِ بنُ عيسى
القَرَّاز، عن ابن أبي ذِئْبٍ، عن عبدِ العزيز بن عبد الله، عن أبي بكر بن
حزم، عن عَمْرة ابنة عبد الرحمن أنَّ النبيِ ﴿، قال: «أَقِيلُوا ذَوِي
الَيْئَات عَثَرَاتِهِمْ)).
فوقفنا على أن مَعْن بن عيسى قد خالف ابنَ أبي الرِّجال في
إسنادٍ هذا الحديثِ عن ابنِ أبي ذئبٍ، فرواه عنه مقطواً موقوفاً على
عَمْرة. ثم نظرنا: هل رُوِيَ من غير طريق ابن أبي ذئبٍ عن الشيخ
الذي رواه عنه ابنُ أبي ذئب
٣١٩٤- فوجدنا أحمد بن شُعَيب قد حَدَّثْنَا، قال: أنبأنا محمد بن
حاتم، قال: حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بنُ نصرِ، قال: أنبأنا عبدُ الله - يعني ابنَ
المبارك-، عن عبد العزيز بن عبد الله بن عُمر، عن محمد بن ابي بكر
بن محمد بن حزْم، عن أبيه، عن عَمْرة، عن رسول الله :﴿ فذكره.
فوقفنا بذلك على قطعِ ابنِ المباركِ إِيَّاه، وعلى موافقته فيه مَعْنَ
بن عيسى، وعلى مخالفته فيه ابنَ ابي الرِّجَال.
ثم نظرنا هل رُوِيَ هذا الحديثُ من غير هذه الوجود؟
٣١٩٥- فوجدنا يونسَ بنَ عبدِ الأعْلِى ومحمدَ بن عبد الله بن
عبد الحكم جميعاً قد حدَّثانا، قالا: حَدَّثْنَا محمدُ بنُ إسماعيل بن أبي
فُدَيْك، عن عبد الملك بنِ زيد، عن محمد بنِ أبي بكر بن حزم، عن
أبيه، عن عَمْرة ابنة عبد الرحمن، عن عائشة رضي الله عنها أنّها قالت:
-١٠٩-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
قال النبيُّ ◌َ﴿: ((أَقِيلُوا ذَوِي الغَيْئَاتِ عَخَرَاتِهِم إلاّ حدَّاً مِنْ حُدودِ الله
عزَّ وجَلَّ).
ثم طلبنا الوقوفَ على عبدِ الملك بنِ زيد هذا من هو؟ فوجدناه
عبد الملك بن زيد بن سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفَيل، كذلك ذكره
دُحَيْمٌ، عن ابن أبي فُدَيْك في غير هذا الحديث. ثم نظرنا هل روى هذا
الحديث عن عبد الملك هذا غيرُ ابن أبي فُديك
٣١٩٦- فوجدنا أحمد بنَ شُعَيب، قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثَنَا عَمْرو
بنُ علي، قال: حَدَّثْنَا عبدُ الرحمن بنُ مَهْدِي، قال: حَدَّثْنَا عبدُ الملك بن
زيد المدني، عن محمد بن أبي بكر، عن أبيه، عن عَمْرة، عن عائشة
رضي الله عنها أنَّ النبي﴿ قال: «أقِلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِم إلاَّ
الحُدودَ)(١).
فوقفنا على رواية ابنٍ فُدَيك وعبد الرحمن بن مَهْدِي هذا الحديث
عن عبد الملك بن زيد هذا، فصار عن عَدْلَيْنِ من أهلِ الحديث عنه،
وقَوِيّ هذا الحديثُ في قلوبنا، واحتجنا إلى الوقوف على معناه.
فوجدنا المتقدمين من أهلِ العلم قد جعلوا المرادِين بالتجافي عن
تلك الزلاَت الأئمَّة، وجعلوهم مأمورين بالتحافي عنها عن ذوي الهيئة،
ثم نظرنا في ذوي الهيئة
(١) الحديث في ((سنن النسائي الكبرى)) كما في ((التحفة)) ٤٣١/١٢، ورواه أحمد
١٨١/٦، وأبو نعيم في ((الحلية) ٤٣/٩ من طريق عبد الرحمن بن مهدي، عن عبد
الملك بن زيد، به.
- ١١٠ -

كتاب القضاء والأحكام والحدود
٣١٩٧- فوجدنا الحسن بن عبد الله بن منصور البَالِسِي أبا علي
قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثْنَا موسى بنُ داود قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عبد العزيز
بن عمر بن عبد الرحمن بن عَوْف، عن عبد العزيز بن عبد الله بن عبد
الله بن عمر، عن أبيه، عن جدِّه، قال: قال رسول اللهلح﴿ٌ: (تَجَافَوا عن
عُقُوبَةِ ذَوِي الْمُرُوءَةِ، وهو ذو الصَّلاَحِ))(١).
فعقلنا بذلك أنَّ ذوي الهيئة في الآثار التي تقدَّمت روايتُنَا لهم هُمْ
ذوو الصلاح، لا مَنْ سواهم، ثم طلبنا ما قال أهلُ العلم في المرادِينَ
بذلك الأمر، فوجدنا منهم مَنْ يقول: إنّهم الأئمةُ الذي إليهم إقامةٌ
العقوبات على الذنوب، وإنه ينبغي لهم أنْ يمتثلوا ذلك فيمن أتاها إلاَّ ما
كان من ذلك من حدود الله، وممن قال ذلك منهم أبو حنيفة رحمه الله،
وأبو يوسف، ومحمدُ بنُ الحسن
كما حَدَّثْنَا سليمانُ بن شُعَيْب، عن أبيه، عن محمد بنِ الحسن،
عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة، ولم يَحكِ فيه خلافاً.
وقد رُوِيّ عن الشافعي رحمه الله ما يَدُلُّ على أنه كان يذهبُ
هذا المذهب أيضاً، كما حكاه لنا الربيعُ عنه سماعاً أو إجازة منه لنا
فيما ذكره في «سِیَرِ الواقدي».
ومنهم من قد كانَ يدفع هذا الحديثَ، منهم مالك بن أنس رحمه
الله كما ذكر عنه أَشْهَبُ بنُ عبد العزيز من إنكاره هذا الحديث وَمِنْ
(١) محمد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف، قال البخاري في
((تاريخه) ١٦٧/١: منكر الحديث.
-١١١-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
نفيه إياه عن النبيِّ ◌َ﴾.
ثم تأملنا نحن معنى هذا الحديثِ، فوجدناه مُحتمِلاً أن يكونَ
المرادون بالأمر بالتجافي عن زلاَّت الموصوفين فيه، هُمُ الذين وجبت لهم
المطالباتُ بالعقوبات على الآداب الواجبة بتلك الزلاَت عَنْ ذوي
الهيئات، إذ كانت ليست لهم خُلّقاً ولا عادةً، وإنما كانت لهم هفوةً،
فكان الأحسنُ بهم الصفحَ عنها لهم، وتركَ حقوقهم فيها عنهم، كما
لهم أنْ يعفوا عن سائرٍ حقوقهم سواها إلاّ الأئمة الذين ليست تلك
الحقوق لهم، فيؤمرون بالتجافي عنها، وقد شدَّ هذا المعنى قولُ النِي و9َ:
(إنَّ دماءكم وأموالَكم وأعراضَكم حرامٌ عليكم)).
٣١٩٨- كما حَدَّثَنَا الربيعُ بنُ سليمان المُرَادي، قال: حَدَّثْنَا أسدُ
بنُ موسى، قال: حَدَّثْنَا حاتِمُ بنُ إسماعيل، قال: حَدَّثْنَا جعفرُ بنُ محمد
بن علي، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، عن رسول
اللَّه ◌َ﴿ بذلك(١).
٣١٩٩ - وكما حَدَّثَنَا عليُّ بنُ مَعْبَد، قال: حَدَّثْنَا هَوْذَةُ بن
خليفة أبو الأَشْهِب الْبَكْرَاوِي، قال: حَدَّثْنَا عبدُ الله بن عَونْ، عن محمد
بن سيرين، عن عبد الرحمن بن أبي بَكْرة، عن أبي بَكْرَة رَضِيَ الله عنه،
(١) رواه مسلم (١٢٠٨)، وأبو داود (١٩٠٥)، والنسائي ٢٩٠/١، والدارمي
٤٤/٢ و٤٩، وابن ماجه (٣٠٧٤)، وابن الجارود (٤٦٩)، والبيهقي ٧/٥-٩ من
طرق عن حاتم بنِ إسماعيل، به، وصححه ابن حبان (١٤٥٧).
- ١١٢-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
عن رسول الله ﴿ بذلك أيضاً(١).
٣٢٠٠ - وحَدَّثْنَا عليُّ بنُ مَعْبَد، قال: حَدَّثْنَا يونسُ بن محمد
المُؤَدِّب، قال: حَدَّثْنَا حسينُ بن عازِب، عن شبيب بن غَرْقَدَة، عن
سليمان بن عَمْرو بن الأحوص، عن عمرو بن الأحوص، عن رسول
الله ◌َ﴿ بذلك أيضاً، غير أنّه لم يقل فيه: وأموالكم(٢).
قال: وكان ما وَجَبَ مِن الحقوقِ في الأموال المحرَّمة، وفي الدماء
المحرمة من العقوباتِ العفوَ عنها إلى أهلها الذين وجبت لهم، لا إلى
الأئمة الذين يُقيمونها لهم، فمثل ذلك الحقوقُ في الأعراض إنما هي
التجافي عنها، والعفوُ عنها هي إلى أهلها الذين يأخذها الأئمة لهم، لا
إلى الأئمة الذين يأخذونَها لهم.
فقال قائل: فما معنى قوله:﴿: ((إلاَّ حدّاً من حُدُودِ اللهِ عزّ
وجلَ)) أو ((إلاّ الحدودَ)؟
فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله وعونه أنَّ الذي أمر بالتجافي
عنه، والصفح عمن كان منه مما ذكرنا من الهفواتِ ومن الزلاَّت إنما هو
(١) رواه البخاري (٦٧)، والنسائي في ((الكبرى)) كما في ((التحفة)) ٥٠/٩، وابن
حبان (٣٨٤٨) من طرق عن بشر بن المفضّل، عن عبد الله بنِ عون، به.
(٢) رواه ابن ماجه (٣٠٥٥)، والطبراني ١٧/(٥٨)، والنسائي في ((الكبرى) كما
في ((التحفة) ١٣٢/٨ من طرق عن أبي الأحوص، عن شبيب بن غرقدة، به.
رواه الترمذي (٣٠٨٧) عن الحسن بن علي الخلال، عن حسين بن علي الجعفي،
عن زائدة، عن شبيب، به. وقال: حديث حسن صحيح.
- ١١٣-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
عمَّن معه المروءةٌ أو الهيئة الذينَ لم يُخرجهم ما كان منهم من الزلات
والهفوات عما كانوا عليه قبلَ ذلك من المروءات ومن الهيئات التي هي
الصلاحُ، فاستحقُّوا بذلك التجافي لهم، والعفوَ عنهم. فأمَّا من أتى ما
يُوجبُ حدّاً، إما قذفاً لمحصنةٍ أو ما سوى ذلك من الأشياء التي توجب
الحدودَ، فقد خرج بذلك عن المعنى الذي أمر أن يتجافى عن زلاتٍ
أهله، وصار بذلك فاسقاً راكباً للكبائر التي قد تقدَّم وعيدُ الله عز وجل
لراكبيها بالعقوبات عليها، وإلزام الفسقِ إِيَّهم لأجلها، وإسقاطِ العدل
من الشهادات منهم لها، ومن صار كذلك، ففرض الله عز وجل على
الأئمة التعزير في ذلك، وعلى ذوي الحقوق الواجبة لهم فيه إقامة
عقوباتهم عليهم، ليكون ذلك زاجراً لهم ولغيرهم عن إتيان مثل ذلك،
والمعاودة لهم، ولإقامة الحُجَّة لما يُوحب تفسيقَ من يجب تفسيقه منهم
حتى لا تُقبل لهم شهادة بعد ذلك على أحدٍ من عباد الله عز وجل كما
حكم الله عز وجل فيهم. والله نسأله التوفيق.
- ١١٤ -

كتاب القضاء والأحكام والحدود
٤٢٨- بابُ بیانِ مُشْكِل ما رُوِي عن رسول الله ﴾ من قوله:
(لا يُجْلَدُ فوق عشر جلدات إلاّ في حد من حدود الله عز
وجل)) وفي وجوب الاقتصار على ذلك وفيما رُوِيَ عنه مما
يوجب خلاف ذلك وفي الأولى منهما ما هو
٣٢٠١- حَدَّثْنَا يونس، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ يوسف، قال:
حَدَّثْنَا اللَّيْث، عن يزيد بنِ أبي حَبيب، قال: حدثني بُكَيْر بن الأشَجِ
[ح]
وحَدَّثْنَا الربيعُ الْمُرَادِي، قال: حَدَّثْنَا شُعَيْبُ بنُ الليث، قال: حَدَّثْنَا
الليثُ، عن يزيد، عن بُكَيْر بنِ عبد الله بن الأشَجِّ، عن سليمان بنِ
يَسَار، عن عبد الرحمن بنِ جابر بن عبد الله، عن أبي بُرْدَةً بن نِيَار أن
رسولَ الله ﴿ كان يقولُ: «لا يُخْلَدُ فَوْقَ عشرٍ جَلْدَاتٍ إِلاَّ في حدٍّ من
حُدُودِ اللهِ)(١).
قال أبو جعفر: فلم يذكر الليثُ عن يزيد في هذا الحديث بَيْنَ
(١) رواه البخاري (٦٨٤٨)، ومن طريقه البغوي (٢٦٠٩) عن عبد الله بن
یوسف، و به.
ورواه أحمد ٤٦٦/٣ و٥٤/٤ وابن أبي شيبة ١٠٧/١٠، وأبو داود (٤٤٩١)،
والترمذي (١٤٦٣)، والنسائي كما في ((التحقة) ٦٦/٩، وابن ماجه (٢٦٠١)،
والطبراني ٢٢/(٥١٧) من طرق عن الليث، به.
ورواه ابن حبان (٤٤٥٢) من طريق سعيد بن أبي أيوب، عن يزيد بن أبي
حبيب، به.
- ١١٥-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
عبد الرحمن بن جابر وبين أبي بُرْدَة أحداً، وقد ذكر غيره بينهما أباه
جابراً.
٣٢٠٢- كما حَدَّثْنَا أحمد بن شعب، قال: أخبرني محمد بن
وَهْب بن أبي كريمة، قال: حَدَّثْنَا محمد بن سلمة، عن أبي عبد الرحيم،
قال: حدثني زيدُ بنُ أبي أُنْسَة، عن يزيد بن أبي حَبِيب، عن بكر بن
عبد الله، عن سليمان بن يَسَار، قال: بينا أنا عندَ سليمان إذْ جاءَهُ عبدُ
الرحمن بنُ جابر، فحدَّث سليمان، ثم أقبل عليهم سليمانُ، فقال:
حدثني عبدُ الرحمن بنُ جابر أنَّ أباه حدَّته، أنه سَمِعَ أبا بُرْدَة الأنصاريَّ
يقولُ: سمعت رسولَ الله ﴿ يقول: ((لا جَلْدَ فَوْقَ عَشْرَةٍ أَسْواطٍ إلاّ في
حدٍّ من حُدُودِ اللهِ عز وجل))(١).
وقد وافق زيداً على ما رَوى من ذلك زيادة على ما رواه الليثُ
فيه: أسامةُ بنُ زيد الليثي وعمرو بن الحارث الأنصاري، فروياه عن
بُگیر کذلك
٣٢٠٣- كما حَدَّثْنَا صالحُ بنُ حكيم النصري الثَّمَّار أبو شُعيب،
قال: حَدَّثَنَا أبو يعلى محمد بن الصلت التَّوَّزِي، قال: حَدَّثَنَا عبدُ العزيز
بن أبي حازم، عن أسامة بن زيد، عن بُكَيْر بن عبد الله بن الأشج، عن
سليمان بن يَسَار، عن عبد الرحمن بن جابر، عن أبيه، عن أبي بُرْدَةً بن
نِيَارِ، أَنَّ النبي ◌َ﴿َّ، قال: «لا يحِلُّ لرجلٍ أنْ يجلدَ فوقَ عشرةِ أسْوَاطٍ إلا
في حَدِّ من حُدُودِ اللهِ عزَّ وجلَّ).
(١) في ((الفتح)) ١٧٧/١٢ رجح قول الليث ومنْ وافقه.
-١١٦-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
٣٢٠٤- وكما حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ عبد الرحمن بنِ وَهْبٍ، قال:
حَدَّثَنَا عَمِّي عبدُ الله بن وَهْب، قال: حدثنيٍ عَمْرو بنُ الحارث
الأنصاري، عن بُكَيْر بنِ عبد الله بنِ الأشَجِّ، قال: كنت عندَ سليمان
بِنِ يَسَار إذ جاءَه عبدُ الرحمن بنُ جابر، فحدَّث سليمان بنُ يَسَار، ثم
أقبل علينا سليمانُ بن يَسَار، فقال: حدثني عبدُ الرحمن بنُ جابر أنَّ أباه
حدَّته، أنّه سمع أبا بُرْدَة بن نِيَار، يقول: سمعتُ رسولَ اللهِ﴿: يقولُ: ((لا
يُجْلَدُ فَوْقَ عَشْرَةٍ أَسْواطٍ إلاّ في حَدٍّ من حُدُودِ اللهِ عزَّ وجلَّ)(١).
فقال قائل: هذا الحديث قد تركوه أهلُ العلم جميعاً، لأنّهم لم
يختلفوا في التعزير أنَّ للإمامِ أنْ يتجاوزَ به عشرةً أسواطٍ، وإنّما يختلفون
فيما لا يتجاوزه بعدَها في ذلك، فتقول طائفة منهم: لا يتجاوزُ به
تسعة وثلاثين سوطاً، ومِمَّن قال ذلك: أبو حنيفة ومحمدُ بنُ الحسن
والشافعي، وتقول طائفةٌ منهم لا يتجاوز خمسةً وسبعين سوطاً، وممن
قال ذلك منهم ابنُ أبي ليلى، وتقول طائفةٌ منهم: لا يتجاوز تسعة
وسبعين سوطاً. ومِمَّن قال ذلك منهم أبو يوسف مرَّة، وتقول طائفة
منهم: إنه يتجاوز به إلى ما رأى وإن تجاوز ذلك أكثرَ الحدود التي
حدَّها الله عز وجل لعباده على قدر الجُرْم، وممن قال ذلك منهم مالكُ
بن أنس وأبو يوسف مرَّةً، وقال مرَّةً أخرى القولَ الذي ذكرناه عنه،
(١) إسناده صحيح، ورواه أحمد ٤٥/٤، والبخاري (٦٨٥٠)، ومسلم
(١٧٠٨)، وأبو داود (٤٤٩٢)، والحاكم ٣٦٩/٤-٣٧٠، والبيهقي ٣٢٧/٨ عن
عبد الله بن وهب، به.
-١١٧-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
وقال مَرَّة أخرى بقول أبي حنيفة. وفي ذلك ما قد دلَّ على تركهم هذا
الحديث، فمن أين جاز لهم تركُه؟
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجلَّ وعونه أنَّ هؤلاء
الذين ذكرنا من الفقهاء الذين سمِينا وإنْ كانوا قد خالفوا ما في الحديث
وتركوه، فقد قال به مَنْ سِوَاهم من فقهاء الأمصارِ وهو الليثُ بنُ
سعدٍ، قال به مرَّةً وتركه مَرَّةً أُخرى، وقال في قوله الذي قال به فيه
يُخالِفُ بين العشرة على مقدار الجُرْم، فإن كان غليظاً، غلّظ في العشرة،
وإنْ كان خفيفاً خَفَّفَ فيها.
فقال هذا القائل: فهل للآخرين حُجَّةٌ في خلافهم هذا الحديث؟
فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله وعونه أنَّ الحجة لهم في
اتساع خِلافهم له ما قد رُوِيَ عن رسولِ اللهِ ﴿َ في جَلْدِهِ في الخمر.
٣٢٠٥- كما حَدَّثَنَا ابنُ أبي داود، قال: حَدَّثْنَا مُسَدَّد، قال:
حَدَّثْنَا يحيى القَطَّان، قال: حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ أبي عَرُوبة، عن الدَّانَاج، عن
حُضَيْن بن مُنْذِرِ الرَّقَاشِي أبي سَاسَان، عن علي رضي الله عنه، قال:
جَلَدَ رسول الله ﴿ في الخمر أربعين وأبو بكر رضي الله عنه أربعينَ،
وكَمَّلَها عُمر ري الله عنه ثمانين، وكلُّ سُنَّةٌ(١).
(١) رواه أبو داود (٤٤٨١) عن مسدد، به.
ورواه أحمد ٨٢/١، ومسلم (١٧٠٧)، وابن ماجه (٢٥٧١)، وأبو يعلى (٥٩٨)
عن إسماعيل بن عُلية، والنسائي في ((الكبرى) كما في ((التحفة)) ٣٦٨/٧ من طريق
يزيد بن زريع، وأحمد ١٤٠/١ عن محمد بن جعفر، و١٤٤-١٤٥ عن يزيد بن
-١١٨-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
٣٢٠٦- وحَدَّثْنَا محمدُ بنُ خزيمة، قال: حَدَّثَنَا مُسْلُمٍ بن إبراهيم،
قال: حَدَّثْنَا عبدُ العزيز بنُ المختار الأنصاري، قال: حَدَّثْنَا عبدُ الله
الدَّانَاجِ، قال: حَدَّثْنَا حُضَيْنِ بنِ الْنْذِرِ الرَّقَاشِي، قال: شهدتُ عثمانَ
بن عفّان رضي الله عنه وقد أُتي بالوليد بنٍ عُقْبة وقد صلَّى بأهل
الكُوفة الصبح أربعاً، وقال: أزيدُكم؟ قال: فشهد عليه حُمْرَادُ، ورجلٌ
آخر، فشهد أحدُهما أنّه رآه يَشْرَبُهَا، وشهدَ الآخرُ أَنَّه رآه يَقِيتُهَا،
فقال عثمان: إنه لم يَقِتْهَا حتى شَرِبَها، فقال عثمان لِعلي رضي الله
عنهما: أقِمْ عليه الحدَّ. فقال علي رضي الله عنه لابنه الحسن: أقِمْ علي
الحَدَّ. فقال الحسن: وَلِّ حَارَّهَا مَنْ تولَّى قارَّها. فقال علي لعبدِ الله بنِ
جعفر: أقم عليه الحَدَّ، فأخذ السَّوْطَ وجعل يَجْلِدُه وعليّ يَعُدُّ حتى بلغ
أربعين ثم قال: أمسِكْ، ثم قالَ: إِنَّ النبيَّ :﴿ِ حدَّ أربعين، وجَلَدَ عُمَرُ
ثمانين وكلُّ سُنَّةٌ، قال علي رضي الله عنه: وهذا أحبُّ إليّ(١).
فكان في هذا الحديث أن رسولَ الله ﴿ جلد في الخمر أربعين،
هارون، أربعتهم عن سعيد بنِ أبي عروبة، به.
(١) إسناده صحيح، ورواه الدارمي ١٧٥/٢ عن مسلم بن إبراهيم، به.
ورواه مسلم (١٧٠٧)، وأبو داود (٤٤٨٠)، والنسائي في (الكبرى) كما في
(التحفة) ٣٦٨/٧، وأبو يعلى (٥٠٤) من طرق عن عبد العزيز بن المختار، به.
قال الخطابي: وقوله: (ولِّ حارها من تولى قارَّها)) مثلٌ، أي: ولِّ العقوبة والضربَ
من توليه العِملَ والنفعَ، والقار: البارد.
وقال الأصمعي: ولِّ شديدها مَنْ تولّى هينها.
- ١١٩-

كتاب القضاء والأحكام والحدود
فاحتمل أنْ يكونَ ذلك، لأنّه كان الحدَّ في الخمر، واحتمل أن يكونَ
ذلك، لا لأنه كان حدّاً فيها، ولا لأنَّ رسول الله { # قصد في ذلك إلى
جلدٍ معلوم، فنظرنا في ذلك، فوجدنا سليمان بن شُعَيْب قد حَدَّثَنَا،
قال: حَدَّثْنَا الْخَصِيبُ بن ناصح، قال: حَدَّثَنَا عبدُ العزيز بن مسلم، عن
مُطَرِّف، عن عُمَيْر بن سعيد النّخَعِي، قال: قال علي رضي الله عنه: مَنْ
شرِبَ الخمر، فجلدناهُ، فماتَ، ودَيْنَاهُ، لأَنَّه شيءٌ صَنَعْنَاهُ.
٣٢٠٧- ووجدنا فهدَ بنَ سليمان قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثْنَا محمدُ
بنُ سعيد بن الأصبهاني، قال: حَدَّثْنَا شَرِيكٌ، عن أبي حَصِين، عن
عُمَيْر بن سعيد، عن علي رضي الله عنه، قال: ما حدَدْتُ أحداً حدّاً
فمات فيه، فَوَحَدْتُ في نفسِي شيئاً إلاّ الخَمر، فإنَّ رسولَ الله لَ﴿ّ لم
يَسُنّ فيها شيئاً (١).
فوقفنا بذلك على أنَّ رسولَ اللهِ {#* لم يكن جَلَّدَ شاربَ الخمر
(١) رواه أبو داود (٤٤٨٦)، وأبو يعلى (٥١٤)، وابن ماجه (٢٥٦٩) عن
إسماعيل بن موسى الفزاري ابن بنت السدي، عن شريك، به.
ورواه البخاري (٦٧٧٨) عن عبد الله بن عبد الوهَّاب، عن خالد بن الحارث،
ومسلم (١٧٠٧) عن محمد بن المتهال، عن يزيد بن زريع، والنسائي في ((الكبرى)
(٥٢٧١) وكما في ((التحفة)) ٤٣٨/٧ عن محمد بن بشار، ومسلم (١٧٠٧) (٣٩)
عن محمد بن المثنى، كلاهما عن عبد الرحمن بن مهدي، وأبو يعلى (٣٣٦) عن عبيد
الله، عن يزيد بن زريع، ثلاثتهم عن سفيان الثوري، عن أبي حصین، به.
ورواه أحمد ١٢٥/١ عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، به.
ورواه أيضاً ١٣٠/١ عن وكيع عن مسعر وسفيان، كلاهما عن أبي حصین، به.
- ١٢٠ -