Indexed OCR Text
Pages 41-60
كتاب القضاء والأحكام والحدود
فوقفنا بهذا الحديث على سؤال رسول الله 8 الطالب البينةَ على
ما ادَّعاه عنده، وأنّه لما لم يكن له بينة، استحلف له المطلوبَ على ما
استحلفه له عليه. فكان هذا عن ابنِ عباس أقوى مِن الحديث الأول،
وكان فيه ما يَدُلُّ على أن ما في الحديثِ الأوَّل مأثورٌ عن رسول
اللَّهِّ، وفيه أيضاً سؤالٌ رسولِ اللهِ :﴿ الطالبَ البينةَ، فدلَّ ذلك على
أنَّ البينةَ مطلوبٌ من الطالبِ كاليمين مطلوبةٌ من المطلوب. وقد رُوِيَ
هذا المعنى أيضاً عن رسول الله 8/ من غير طريق ابن عباس
٣١١٧- كما حَدَّثْنَا فهدٌ وهارونُ بنُ كامل، قالا: حَدَّثْنَا عليُّ
بنُ معبد، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله بن عمرو، عن زيد بنِ أبي أُنيسة، عن
الأعمش، عن شقيق بنِ سَلَمَة، عن عبدِ الله بن مسعود رضي الله عنه،
قال: قال رسولُ الله ﴿: «مَنْ حَلَفَ على يَمِينِ صَبْرٍ لِيَقْتَطِعَ بها مَالاً
هُوَ فِيها فَاجِرٌ، لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عليه غَضْبَانُ)، وقد نَزَّلَ تصديقُ ذلك في
كتاب الله عز وجل: ﴿إِنَّالذين يشتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وأمانِ مْ ثَنَاً قَلِيلاً﴾ [آل
أو شهادته.
ورواه أحمد ٣/٤، والنسائي (٦٠٠٥) من طريق محمد بن جعفر، حَدَّثَنَا شعبة،
عن عطاء بن السائب، عن أبي البختري، عن عبيدة، عن ابن الزبير، عن النبي #: أن
رجلاً حلف بالله الذي لا إله إلا هو كاذباً فغفر له. قال شعبة: من قبل التوحيد. قال
النسائي: خالفه سفيان، فقال: عن عطاء بن السائب، عن أبي يحيى - وهو الأعرج-،
عن ابن عباس ... ولا أعلم أحداً تابع شعبة على قوله: عن أبي البختري، عن عبيدة،
عن ابن الزبير.
- ٤١ -
كتاب القضاء والأحكام والحدود
عمران: ٧٧]، الآية كلها ، فمرَّ عليه الأشعثُ بنُ قيس، فقال: يم
يُحدثكم ابنُ مسعود، قالوا: حَدَّثَنَا بكذا وكذا، قال: صدق واللهِ إنْ
نَزَّلَتْ هذه الآيةُ فيَّ وفي صاحبٍ لي كانَ بيني وَبَيْنَه بَثْرٌ في أرضٍ، فقال:
هِيَ لي، فأتينا رسولَ اللهِمَ﴿٢، فاختصمنا إليه، فقال لي رسولُ اللهُ عَ ﴾.
((هَلْ لَكَ مِنْ شُهُودٍ))؟ فقلتُ: لا، قال لَصاحبي: ((احلف))، فحلف،
فعند ذلك نزلت هذه الآيةُ(١).
٣١١٨- وكما قد حَدَّثْنَا محمد بن سِنان الشَّيْزِري، حَدَّثْنَا هشامُ
بنُ عمار، حَدَّثْنَا صدقةُ بنُ خالد، حَدَّثْنَا المسعوديُّ، عن عاصم بن أبي
النّجود، عن شقيقٍ، عن عبدِ الله، عن النبيَِّ﴿، قال: «مَنْ حَلَفَ على
يمينٍ لِيَقْتَطِعَ بِها مَالَ مُسْلِمٍ، لَقِيَ اللهَ تَعالى يَوْمَ يَلْقَاهُ وهُوَ عَلَيْهِ
غَضْبائٌ)، ثم قرأ عبد الله: ﴿إِنَ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِمَهْدِ اللهِوإيمانِ مْ ثَمَا قَلِيلاً﴾
إلى آخر الآية، فقال الأشعثُ بنُ قيس: نزلت هذه الآيةُ فِيَّ، كان بيني
وبين رَجُلٍ مُمارةٌ على أرضٍ، فَأَيْنَا النِيَّ ◌َ﴿، فقال: (بَيِّنَّكَ)) فقلتُ:
ليس لي بَيِّنَةٌ، قال: (فَيَحْلِفُ)، قلتُ: إذاً يذهَبُ مالي، فنزلت هذه الآيةُ:
﴿إنّ ◌َّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِوأيماِمْ تَقَلِيلاً﴾.
٣١١٩ - وكما حَدَّثَنَا بحرُ بنُ نصر، حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ وهب،
حدثني سليمانُ بنُ بلال أن يحيى بنَ سعيدٍ حَدَّته أن أبا الزبير أخبره عن
(١) إسناده صحيح، ورواه البخاري (٢٣٥٦) و(٢٣٥٧) وانظر أطرافه فيه،
ومسلم (١٣٨).
- ٤٢-
كتاب القضاء والأحكام والحدود
عدي بن عدي، عن أبيه أنَّه قال: أتى رجلان يختصِمَان إلى النبيِّ ◌َ * في
م
أرضٍ، فقال أحدُهما: هي لي، وقال الآخَرُ: هي لي، حُزْتُها وقَبضتُها،
فقال: ((فيها اليمينُ للذي بيده الأرضُ))، فلما تفوَّهَ لِيحلفَ، قال له
رسولُ الله﴿: «أما إنّه مَنْ حَلَفَ على مالِ امرئ مسلمٍ، لَفِىَ اللهَ
تعالى وهُوَ عليه غضبان))، قال: فمن تركها؟ قال: ((كَانَ لَهُ الْجَنَّةُ)(١).
٣١٢٠- وكما حَدَّثْنَا فهدٌ، حَدَّثَنَا أبو نعيمٍ، حَدَّثَنَا الحارثُ بنُ
سليمان الكندي، حدثني كُردوس التعليُّ، عن أشعثَ بن قيس الكِنديِّ:
أنَّ رجلاً مِن كِندة ورجلاً من حَضْرَموتَ اختصما إلى رسولِ الله ◌ِ ◌ّ
في أرضٍ باليمن، فقال الحضرميُّ: يا رسولَ الله أرضي، اغتصبنيها أبو
هذا. فقال لِلكندي: ((ما تقولُ)؟ قال: أقولُ إنها أرضي وفي يدي
وَرِثْتُها من أبي، فقال للحضرمي: «هل لك بَيَّنَةٌ؟ قال: لا، ولكن
يحلف يا رسولَ اللهِ باللهِ الذي لا إله إلا هُو: ما يَعْلَمُ أنَّها ارضي
اغتصبها أبوه. قال: فتهيّأُ الكِنديُّ لليمين، فقال رسولُ اللهَمَ ﴿وّ: ((إنّه لا
يَقْطَعُ رَجُلٌ مالاً بيمينه، إلا لَقِيَ اللهُ يومَ يَلقاهُ وهُوَ أَجْذَمٌ)»، فردَّها
(١) إسناده قوي، ورواه النسائي في ((الكبرى)) (٥٩٩٥) عن أحمد بن يحيى، عن
ابن وهب، به.
ورواه أحمد ١٩١/٤-١٩٢ و١٩٢، والنسائي في ((الكبرى)) (٥٩٩٦)، والبيهقي
١٧٨/١٠، والطيراني ١٧/(٢٦٥) من طرق عن جرير بن حازم، عن عدي بن
عدي، عن رجاء بن حيوة والعرس بن عميرة، عن أبيه عدي بن عميرة، قال: كان
بين امرئ القيس ورجل من حضرموت خصومة ... فذ کره بنحوه.
- ٤٣-
كتاب القضاء والأحكام والحدود .
الكنديُّ(١).
٣١٢١- وكما حَدَّثَنَا ابنُ أبي مريم، حَدَّثَنَا الفِریابِيُّ، حَدَّثْنَا
الحارث بنُ سليمانَ، ثم ذكر هذا الحديث بإسناده(٢).
وقد كنا ذكرنا فيما تَقَدَّمَ مِنا في كتابنا هذا حديثَ وائل بنِ
حُجر في خصومة امرئ القيس بنِ عابسٍ مع ربيعة بنِ عِيدان إلى النبي
*، وقوله للطالب منهما: ((بيِّنتك))، وقوله للطالب أيضاً لما قال فيه
يمينه: أيطلبُ رسول الله﴿ أخذَها له منه أن يذهب بها، فقال له
رسولُ اللهُ # عندَ ذلك: ((لَيْسَ لَكَ إلاَّ ذلك))، وفيما ذكرناه في هذا
الباب قيامُ الحُجةِ عن رسولِ اللهِمَ﴿ بوجوبِ البينة على المدعي،
وبوجوب اليمين على المُدَّعى عليه، والله عز وجل نسأله التوفيق.
(١) رواه ابن الجارود في ((المنتقى)) (١٠٠٥)، والطبارني (٦٣٧)، والبيهقي
١٨٠/١٠ من طرق عن أبي نعيم، به.
ورواه مختصراً دون القصة أحمد ٢١٢/٥ و٢١٢-٢١٣، والنسائي في (الكبرى))
(٦٠٠٢)، والدولابي في («الكنى والأسماء)) ٨٧/١، وابن حبان (٥٠٨٨)، والحاكم
٢٩٥/٤ من طرق عن الحارث بن سليمان، به.
ورواه كذلك الطيراني (٦٣٩)، والحاكم ٢٩٥/٤ من طريق الشعبي، والطبراني
(٦٤٤) من طريق قيس بن محمد بن الأشعث، كلاهما عن الأشعث، به.
(٢) رواه أبو داود (٣٢٤٤) عن محمود بن خالد، عن الفريابي، به.
-٤٤-
كتاب القضاء والأحكام والحدود
٤١٦- بابُ بيان مشكل ما رُوي عن رسول الله # ما يقضي
بَيْنَ المُختلفين في الرقبة المؤمنة، هل يُجزئ فیھا مَنْ لم
يَصُمْ، ولم يُصَلِّ ممن قد أقرِّ بالإيمان، أم لا؟
قال أبو جعفر: قد رُوِيَ عن الحسن البصري وإبراهيمَ النخعيِّ في
هذا المعنى ما قد حدثنا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حدَّثَّنَا أبو داود، عن
أبي حُرِّة، قال: سمعتُ الحَسَنَ يقول: ما كان مِنْ رَقَبَةٍ مؤمنةٍ فلا يُجزئ
فيها إلا مَنْ صامَ وصَلَّى، وما كان مِن رقبةٍ غير مؤمنةٍ، أجزأ فيها
الصغيرُ(١).
وحدَّثَنَا ابنُ أبي داود، حدَّثَنَا عبدُ الحميد بن صالح، قال: حدَّثَنَا
أبو شهاب، عن الأعمش عن إبراهيمَ، قال: لا يجوزُ في كفارةِ القتلِ إلا
رقبةٌ قد صامَتْ وصَلَّتْ، ويجزئ في الظهارِ وفي اليمين ما لم يَصُمْ ولم
يُصَلِّ.
قال أبو جعفر: فكان مَنْ دُونهما مِن فقهاء الأمصارِ يقولون:
يُجزئ في الرقبة المؤمنة من أقرِّ بالإيمان وإن لم يَصُمْ ولم يُصلِّ، ومن
استحق إنَّه من أهلِ الإِيمان بإيمان أبويه، وإن لم يكن صام ولا صلى.
وكان القاضي بينهم في ذلك ما قد روي عن رسول الله ﴿# فيه.
٣١٢٢- وهو ما قد حدَّثَنَا بكار بن قتيبة، قال: حدَّثَنَا أبو داود.
(١) فى إسناده أبو حرة وهو مشهور بكنيته؛ قيل أن إسمه حنيفه، وثقه أبو داود،
وضعفه ابن معين، ووثقه الحافظ فى "التقريب".
- ٤٥-
كتاب القضاء والأحكام والحدود
وما قد حدَّثَنَا الربيعُ الُرادِيُّ، قال: حدَّثَنَا أسدٌ، قالا: حدَّثَنَا
المسعوديُّ، قال: أخبرني عونُ بنُ عبد الله بنِ عُتبة، عن عُبيد الله بنِ
عبد الله بنِ عُتبة عن أبي هريرة أنَّ رجلاً أتى رَسُولَ اللهِم ◌َا بِجَارِيَّةٍ
عجماء لا تُفْصِحُ، فقال: إن عليَّ رقبةً مؤمنةً، فقال لها رسولُ الله ◌ِ ◌ّ:
(أينَ الله عزَّ وجَلَّ؟) فأشارت إلى السَّماءِ، فقال لها: ((مَنْ أنا؟) فأشارت
إلى السَّماء، فقال رسولُ اللهِ: ((أعتقها)، وقال المسعودي مرة: ((اعتقها،
فإنّها مؤمنةٌ)، هكذا لفظ بكَّار، وأما لفظُ الربيع: فقال لها: (مَنْ أَنَا؟)
فأشارت إليه وإلى السَّماء، أي: أنت رسولُ الله، قال: ((اعتقها، فإنها
مؤمنٌ) (١).
٣١٢٣- وما قد حدَّثَنَا ابنُ أبي داود، قال: حدَّثَنَا عيسى بنُ
إبراهيم البِرَكِي، قال: حدَّثَنَا عبدُ العزيز بنُ مُسْلِمِ القَسْمَلي، قال:
حدَّثْنَا محمدُ بنُ عمرو، عن أبي سَلَمة عن أبي هُريرة، قال: جاء رجلٌ
(١) إسناده ضعيف والحديث حسن بشواهده ومتابعاته التالية المسعودي -واسمه
عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود الكوفي المسعودي- قد اختلط،
ورواه ابن خزيمة في (التوحيد) ٢٨٥/١-٢٨٦ (١٨٣) عن يحر بن نصر، عن أسد بن
موسی وحده، بهذا الإسناد.
ورواه أيضاً ابن خزيمة في («التوحيد) ٢٨٦/١ (١٨٤) عن محمد بن معمر، عن أبي
داود الطيالسي وحده، به.
ورواه أحمد ٢٩١/٢، وأبو داود (٣٢٨٤)، وابن خزيمة في (التوحيد)) ٢٨٤/١ -
٢٨٥ (١٨٢)، والبيهقي ٣٨٨/٧ من طريق يزيد بن هارون، عن المسعودي، به.
ولكن وقع عند أبي داود والبيهقي: عون بن عبد الله، عن عبد الله بن عتبة.
-٤٦-
كتاب القضاء والأحكام والحدود
إلى النبيَِّ﴿، فقال: يا رسولَ اللهِ، إنَّ أمي جَعَلَتْ عليها رقبةٌ مؤمنة أن
تعتقها، وهذه أمةٌ سوداءُ، فسألها رسولُ الله: ((أينَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ؟))
قالت: في السماء، قال: ((فمن أنا؟)) قالت: أنت رسولُ الله، قال:
(اعتِقها فإنَّها مُؤْمِنٌ) (١).
٣١٢٤ - وما قد حدَّثَنَا يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ أن مالكاً
حدَّثْه. وما قد حدَّثَنَا المزنيُّ، قال: حدَّثَنَا الشافعيُّ، قال: حدَّثَنَا مالكٌ،
عن هلال بن أسامة، عن عطاء بن يسارٍ عن عُمَرَ بنِ الحكم أنه قال:
أتيتُ رسولَ اللهِلَ﴿، فقلتُ: يا رسولَ الله، إن جاريةً لي كانت ترعى
غنماً لي، فجئتُها وفقدت شاةًّ امرءاً مِن بني آدَمَ، فلطمتُ وجهها،
وعلي رقبةٌ، أفأعتقها؟ فقال لها رسولُ الله مَ﴿: (أينَ الله عَزَّ وَجَلَّ؟))
فقالت: في السَّماءِ، فقال: (مَنْ أَنَا؟)) فقالت: أنت رَسُولُ اللهِ، فقال:
((أعتقها)(٢).
(١) إسناده ليس بالقوي محمد بن عمرو بن علقمة الليثي: صدوق له أوهام
وعیسی بن إبراهيم مثله، لكنه توبع.
ورواه ابن خزيمة في "التوحيد" ٢٨٣/١-٢٨٤ (١٨١) من طريق زياد بن الربيع،
عن محمد بن عمرو بن علقمة، بهذا الإسناد.
(٢) إسناده صحيح؛ إلا أن الصواب في الصحابي: معاوية بن الحكم كما سيأتى.
هلال: هو ابن علي بن أسامة نسب إلى جده.
ورواه ابن خزيمة في (التوحيد)) ٢٨٣/١ (١٨٠) عن يونس بن عبد الأعلى، بهذا
الإسناد.
ورواه البيهقي ٥٧/١٠ من طريق محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، عن ابن
-٤٧-
كتاب القضاء والأحكام والحدود
سمعتُ المزنيِّ يقولُ: قال الشافعيُّ: مالكٌ سَّى هذا الرَّجُلَ عُمَرَ بنَ
الحكم، وإنما هو معاويةُ بنُ الحكم (١).
٣١٢٥ - أخبرنا يونسُ، قال: أخبرنا بشرُ بنُ بكر، عن
الأوزاعيِّ، قال: حدثني يحيى بنُ أبي كثير، قال: حدثني هلالُ بنُ أبي
ميمونة، قال: حدثني عطاء بنُ يسار، قال: حدثني معاويةُ بنُ الحكم
السُّلَمِي، قال: كانت لي جاريةٌ ترعى غنيمةً لي قِبَلَ أُحُدٍ والجَوَّانِيَّةِ،
فاطَّعْتُها، فوجدتُ الذّئبَ قد ذهب منها بشاةٍ، وأنا رَجُلٌ من بني آدمُ
آسَفُ كما يَأْسَفُونَ، فصَكَكْتُها صكَّةً، فأتيتُ النِيَّ /، فذكرتُ ذلك
له، فعظّمَهُ عليَّ، قال: فَقُلْتُ: أفلا أعْتِقُها؟ قال: ((ادْعُها لِي))، فدعوتها،
فقال: (أينَ الله عَزَّ وجَلَّ؟) قالت: في السَّماءِ، قال: ((فمن أنا؟) قالت:
وهب، به.
وهو في ((الرسالة)) للشافعي (٢٤٢)، ومن طريقه رواه ابن خزيمة في ((التوحيد))
٢٨٢/١-٢٨٣ (١٨٠)، والبيهقي ٣٨٧/٧. وقال الشافعي: وهو معاوية بن الحكم،
وكذلك رواه غير مالك، وأظن مالكاً لم يحفظ اسمه.
وهو في ((موطأ) مالك ص ٤٨٥ ومن طريقه رواه النسائي في (الكبرى)) (٧٧٥٦)
و(١١٤٦٥)، والبيهقي ٣٨٧/٧. وانظر الرواية التالية.
(١) قال أبو عمر في ((التمهيد) ٧٦/٢٢: هكذا قال مالك في هذا الحديث عن
هلال، عن عطاء، عن عمرو بن عبد الحكم، لم يختلف الرواة عنه في ذلك، وهو وهم
عند جميع أهل العلم بالحديث، وليس في الصحابة رجل يقال له: عمر بن الحكم،
وإنما هو معاوية بن الحكم، كذلك قال فيه كل من روى هذا الحديث عن هلال
وغيره، ومعاوية بن الحكم معروف في الصحابة، وحديثه هذا معروف له.
-٤٨-
كتاب القضاء والأحكام والحدود
أنتَ رسولُ الله، قال: (إنَّها مؤمنةٌ، فَأَعْتِقْها)(١).
٣١٢٦- وما قد حدَّثَنَا محمد بنُ ميمون البغدادي، قال: حدَّثَنَا
الوليد بنُ مسلمُ، عن الأوزاعي، عن يحيى، عن هلال بن أبي أُميَّةً، عن
عطاء بن يسار، عن معاوية بن الحكم السُّلَمي، عن رسول الله صلَ ◌ّ، ثم
ذ کر مثله.
ففي ما ذكرنا من هذه الروايات عن رسول الله:﴿ ما قد دلَّ
على صِحَّةٍ ما قال المتأخرون مِن القولين اللذين ذكرناهما في هذا
الباب، والله عز وجل نسأله التوفيق.
(١) إسناده صحيح، ورواه البخاري في ((خلق أفعل العباد)) (٢٦) مسلم (٥٣٧)
(٣٣)، والنسائي ١٤/٣، والدارمي (١٥١٠)، وابن خزيمة في ((التوحيد)) ٢٧٨/١ -
٢٨٠ (١٧٨)، وابن حبان (٢٢٤٧)، والطبراني ١٩/(٩٣٧)، والبيهقي في («السنن
الكبير)) ٥٧/١٠، وفي (الأسماء والصفات)) ص ٤٢١ -٤٢٢ من طرق عن الأوزاعي،
بهذا الإسناد.
ورواه الطيالسي (١١٠٥)، وابن أبي شيبة في ((المصنف)) ١٩/١١ -٢٠، وفي
(الإيمان)) (٨٤)، والإمام أحمد ٤٤٧/٥ ٤٤٨، والبخاري في «القراءة خلف الإمام))
(٦٩) و(٧٠)، ومسلم (٥٣٧) (٣٣)، وأبو داود (٩٣٠) و(٣٢٨٢)، والنسائي في
(الكبرى) (٨٥٨٩)، وابن الجارود (٢١٢)، والدارمي (١٥١١)، وابن خزيمة في
(التوحيد) ٢٨١/١-٢٨٢ (١٧٩)، وابن حبان (١٦٥)، والطبراني ١٩/(٩٣٨)
و(٩٣٩)، واللالكائي في («أصول الاعتقاد)) (٦٥٢)، والبيهقي في ((الأسماء والصفات))
ص ٤٢٢ من طرق، عن يحيى بن أبي كثير، به.
-٤٩-
كتاب القضاء والأحكام والحدود
٤١٧- بابُ بيانِ مُشْكِل حديث أبي موسى في البعيرِ الَّذي
ادَّعاه رجلانِ، فقضى به رسول الله ﴾ بينهما، وما اختلف فيه
أن ذلك كان ببينةٍ أقامها كُلُّ واحدٍ منهما أو بما سوى ذلك
٣١٢٧ - حَدَّثْنَا عليُّ بنُ شيبة، حَدَّثْنَا روحُ بنُ عبادة، حَدَّثَنَا
سعيدُ بنُ أبي عروبة، عن قتادة، عن سعيد بن أبي بُردة، عن أبيه، عن
أبي موسى، قال: اختصم رجلان إلى النبيِّ ◌َ﴿ في بعير ليس لِواحِدٍ
منهما بينةٌ، فقضى به رسولُ اللهِلَ﴿ بينهما نَصْفَيْنِ(١).
٣١٢٨- وحَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ مرزوق، حَدَّثْنَا سعيدُ بنُ عامر، عن
سعيد بن أبي عَروبةَ، عن قتادة، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، عن
أبي موسى: أن رَجُلْنِ اختصما إلى رسولِ الله ◌ِ:﴿ل في شيء قد سماه
(١) رجاله ثقات، وسعيد بن أبي عروبة من أثبت الناس في قتادة، وروح بن
عبادة سمع مته قبل الاختلاط، وقد أُعل بروايته مرسلاً كما سيأتي في كلام
الطحاوي.
ورواه ابن ماجه (٢٣٣٠)، والبيهقي ٢٥٤/١٠ من طرق، عن روح بن عيادة،
به. وتحرف ((سعيد) في المطبوع من ((ابن ماجه)) إلى: ((سفيان)).
ورواه أبو داود (٣٦١٣) من طريق يزيد بن زريع (٣٦١٤) من طريق عبد
الرحيم بن سليمان، والحاكم ٩٤/٤-٩٥ من طريق عبد الوهاب بن عطاء، ثلاثتهم
عن سعيد بن أبي عروبة، به.
ورواه أحمد ٤٠٢/٤ عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن قتادة، به. ھکذا وقع
موصولاً عند أحمد في ((مسنده)، ورواه البيهقي ٢٥٥/١٠ عن شيخه أبي عبد الله
الحاكم بإسناده إلى أحمد بن حنبل مرسلاً لم يذكر صحابيه أبا موسى الأشعري.
- ٥٠-
كتاب القضاء والأحكام والحدود
[ليس] لواحد منهما بّنة، فقضى بينهما(١).
٣١٢٩ - وحَدَّثَنَا أحمد بن شعيبٍ، أخبرنا عمرو بنُ علي، حَدَّثْنَا
عبدُ الأعلى - يعني السَّامي-، حَدَّثَنَا سعيدٌ - يعني ابنَ أبي عروبة-، عن
قتادة، عن سعيد بن أبي بُردة، عن أبيه، عن أبي موسى: أنَّ رجلين
اختصما إلى النبيِّ# في دَابَّةٍ ليس لِواحدٍ منهما بينة، فقضى بها النبيُ مُالَّ
بينهما نصفين(٢).
وكان في هذا الحديث من رواية سعيد بن أبي عروبة: أن ذلك
القضاءَ كان من رسول الله ﴿ُ بَيْنَ ذينك الرجلينِ بلا بَيِّنَةٍ أقامها واحد
منهما على دعواه، وقد روى همام بن يحيى هذا الحديث عن قتادة،
بهذا الإسناد، فخالف فيه سعيداً
٣١٣٠- كما حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ مرزوق، حَدَّثْنَا عفانُ بنُ مسلم،
حَدَّثْنَا همام بن يحيى، أخبرنا قتادة، عن سعيد بن أبي بُردة، عن أبيه،
عن جدِّه: أن رَجُلَينِ اختصما في بعيرِ، فبعث كُلُّ واحدٍ منهما
شاهِدَيْنِ، فقسمه النبيُّ ◌َّ بينهما(٣).
(١) رجاله ثقات وهو مكرر ما قبله.
ورواه البيهقي ٢٥٤/١٠ من طريق محمد بن يونس، عن سعيد بن عامر، به.
(٢) إسناده صحيح، عبد الأعلى السامي روى عن سعيد بن أبي عروبة قل
الاختلاط.
ورواه النسائي ٢٤٨/٨ وفي («الكبرى)) (٥٩٩٨) عن عمرو بن علي، به. وقال:
إسناد هذا الحدیث جید.
(٣) رواه أبو داود (٣٦١٥) من طريق حجاج بن منهال، عن همام بن يحيى، به.
- ٥١-
كتاب القضاء والأحكام والحدود
٣١٣١- وكما حَدََّنَا إبراهيمُ بنُ أبي داود، حَدَّثْنَا هُدْبَةُ بن
خالد، حَدَّثْنَا همام بن يحيى، حَدَّثْنَا قتادة، عن سعيد بن أبي بردة، عن
أبيه، عن أبي موسى: أن رجلين اختصما في بعير، فبعث كُلُّ واحدٍ
منهما شاهدين، فقسمه النبيُّ ◌َ﴿ٌ بينهما(١).
فخالف همام سعيداً في متن هذا الحديث كما قد ذكرنا.
ثم نظرنا: هَلْ روى هذا الحديث عن قتادة غيرُ سعيدٍ وغير همام
٣١٣٢- فوجدنا أحمدَ بنَ شعيب قد حَدَّثْنَا، قال: أخبرنا عليّ
بنُ محمد بن علي بن أبي الَمَضاء قاضي المِصيصة، حَدَّثْنَا محمدُ بنُ كثير،
عن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن أبي بُردة، عن
أبي موسى: أنَّ رجلينِ ادَّعَيا دابةٌ وجداها عندَ رجلٍ، فأقام كُلُّ واحدٍ
منهما شاهدِيْنِ أنها دأَبَّتُه، فقضى بها رسولُ اللهِ﴿ بينهما نصفين (٢).
وقال المنذري في ((مختصر سنن أبي داود)) ٢٣٣/٥: إسناده كلهم ثقات.
ورواه البيهقي ٢٥٧/١٠ من طريق شعبة، عن قتادة، به.
ورواه البيهقي أيضاً ٢٥٧/١٠ من طريق الضحاك بن حمزة، عن قتادة، عن أبي
مجلز لاحق بن حميد، عن أبي بردة، عن أبي موسى.
(١) رواه الحاكم ٩٥/٤، والبيهقي ٢٥٧/١٠ و٢٥٩ من طرق، عن هدية، به.
(٢) محمد بن كثير الثقفي كثير الغلط، وقد توبع. وهو في ((الكبرى) للنسائي
(٥٩٩٧) بإسناده ومتنه.
ورواه البيهقي ٢٥٨/١٠ من طريق أبي عمر حفص بن عمر الضرير، عن حماد بن
سلمة، به.
ورواه ابن حبان (٥٠٦٨)، والبيهقي ٢٥٨/١٠ من طريق عبد الصمد بن عبد
- ٥٢-
كتاب القضاء والأحكام والحدود
هكذا روى هذا الحديث محمدُ بنُ كثير، عن حماد، عن قتادة، فذكره
عن النضر، عن أبي بردة، عن أبي موسى، وقد خالفه فيه أبو كامل
مظفر بن مدرك، فرواه عن حماد بن سلمة
٣١٣٣- كما حَدَّثْنَا محمد بن أحمد بن خزيمة، قال: حَدَّثْنَا عبد
الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، قال: حَدَّثَنَا أبو كامل مظفرُ بنُ
مُدرك، قال: حَدَّثْنَا حماد بن سلمة، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن
أبي بردة بن أبي موسى، ولم يذكر فيه روايته إياه عن أبيه: أنَّ رجلين
ادَّعيا دابةً عندَ رجلٍ، ثم ذكر بقية الحديث(١).
قال أبو جعفر: فكان في رواية حماد، عن قتادة موافقةَ همام، عن
قتادة في متن هذا الحديث، وإن كان قد عاد في إسناده إلى التقصير عن
أبي موسى، وعلى إيقافه على أبي بردة، وكان تصحيحُ هذه الآثار
يوجبُ : أن الأولى منها فيما اختلف فيه سعيد وهمام ما رواه همامٌ،
لأن فيها ذكرَ القضاء من رسول الله :﴿ بذلك الشيء بين مُدَّعِبَيْه،
والقضاء فلا يكون إلا بالبينات، ولا يكونُ بالأيدي التي ليس معها
بينات، وإنما يُقَالُ فيما يكونُ من الحاكم في مثل هذه بالأيدي لا
بالبينات: أنَّه أقره في أيديهما لِتساوي معانيهما فيه، ولا يقال: إنّه قضى
الوارث، عن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن
أبي هريرة.
(١) رجاله ثقات وهو مرسل. وأشار البيهقي في («السنن)) ٢٥٨/١٠ إلى أن ابن
خزيمة ذكره عن أبي موسى، عن أبي الوليد، عن حماد بن سلمة، هكذا مرسلاً.
- ٥٣-
كتاب القضاء والأحكام والحدود
إلا بالبينات دون ما سِواها، فإذا اتّفَقَ همامٌ وحمادٌ على ما اتفقا عليه مما
ذكرنا، قَويّ في قلوبنا أن يكونَ ما رويا عن قتادة أولى مما رواه سعيدٌ
عنه مما يُخالفه، لأن اثنين أولى بالحفظ من واحد.
فقال قائل: هذا حديث أصلُه فاسد
٣١٣٤- وذكر ما قد حَدَّثْنَا إبراهيمُ بن مرزوق، حَدَّثَنَا عفانُ،
حَدَّثَنَا حمادُ بنُ سلمة، أخبرنا سماك بنُ حرب، عن تميم بن طَرَفَة: أنَّ
رَجُلَيْنِ ادَّعيا بعيراً، فأقامَ كُلُّ واحدٍ منهما شَاهِدَيْنِ، فقضى به رسولُ
اللّه ◌َ﴿ بينهما نَصفين، قال: فأخبرتُ بذلك أبا بُردة، فكتب به إلى
الحجَّاج، فكتب أن اقض به(١).
قال هذا القائل: فعاد هذا الحديث إلى أخذ أبي بردة إِيَّه عن تميم
بن طَرَفَة، لا عن أبيه أبي موسى.
فكان جوابنا له في ذلك: أنه لا يَجبُ بما ذكر ما قاله، لأنّه قد
يجوز أن يكونَ أبو بردة كتب إلى الحجاج بما كتب به مما حدَّثْه إِيَّاه
تميمُ بنُ طَرَفَةٍ، لِيعلم الحجاجُ أن لأبي بردة في هذا الحديث موافقاً غيره
في الجملة، فإنَّ سماكَ بنَ حربٍ عندَ أهل العلم بالحديث لا يُكافئ
قتادة، ولا سعيد بن أبي بردة، ويجب إذا كان ذلك كذلك أن لا
يُلتفت إلى روايته هذه، وأن يمضي هذا الحديث على ما صححناه عليه
(١) رجاله ثقات إلا أنه مرسل. ورواه عبد الرزاق (١٥٢٠٢) و(١٥٢٠٣)،
وابن أبي شيبة ١٥٦/١٠ و٣١٦، والبيهقي ٢٥٨/١٠ و٢٥٩ و٢٦٠ من طرق، عن
سماك بن حرب، به.
-٥٤-
كتاب القضاء والأحكام والحدود
مما اختلف فيه سعيدٌ وهمام، وأن يُعادَ إلى ما رواه هَمَّامٌ، لما قد استحق
به مما ذكرناه، ولموافقة حماد بن سلمة إيَّه عليه في متنه.
وهذه مسألةٌ من الفقه مما قد اختلف فيه أهلُه.
فطائفةٌ منهم كانت تذهبُ في ذلك إلى هذا الحديث، وممن كان
ذهب إليه من هذه الطائفة: أبو حنيفة وأصحابُه.
وطائفةٌ منهم كانت تذهبُ إلى الإقراعِ بين المدَّعِيَيْنِ، فأيهما
قرع، استحق ما ادَّعى، وقُضي له به، وقد رُوِيّ في ذلك عن رسول الله
﴿ حديثٌ، وإن كان منقطعاً، وهو
٣١٣٥- ما قد حَدَّثَنَا المراديُّ، حَدَّثْنَا شعيبُ بنُ الليث. وما قد
حَدَّثْنَا محمدُ بنُ عبد الله بن عبد الحكم، أخبرنا أبي، وشعبُ بنُ الليث،
ثم اجتمعا، فقالا: عن الليثِ، عن بُكير بن عبد الله بن الأشج، أنّه
سَمِعَ سعيدَ بنَ المسيب، يقول: اختصمَ رَجُلانٍ إلى رسولِ اللهِ /1 في
أمرٍ، فجاءَ كُلُّ واحدٍ منهما بشهداءَ عُذُولٍ على عدة واحدةٍ، فأسهم
بينهما رسولُ اللهِ:﴿، فقال: ((اللَّهُمَّ أنتَ تَقضي بينهما)).
وطائفةٌ منهم تقولُ: يقضى به لصاحب أزكى البِيِّنَتَيْنِ وأظهرِهما
ورعاً وأفضلِهما، وممن كان يقولُ ذلك منهم: مالكُ بنُ أنس في آخرين
سواه من أهل المدينة، ويجيء في قياس قولهم: إذا تكافأت البينتان في
ذلك أن يقضى به بين المدعيين نصفين.
وطائفةٌ منهم تقولُ: يقضى به بين المدعيين على عددٍ شهودٍ كُلِّ
واحدٍ منهما، فإن استووا في العددِ، قضي به بينهما نصفين، ورووا
ذلك عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه
-٥٥-
كتاب القضاء والأحكام والحدود
٣١٣٦- كما قد حَدَّثْنَا محمدُ بنُ جعفر بن محمد بن أعين، قال:
حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عبد الله بن نُمير، حَدَّثَنَا أبي، حَدَّثْنَا حجاجٍ، عن سماك
بن حرب، عن حنش بن المعتمر: أن علّاً رضي الله عنه خُوصِمَ إليه في
بغلةٍ، فأقام أحدُ الخصمين خمسةَ شهداءَ: أنها له نُتِحَتْ عنده، وأقام
الآخرُ شاهدين أنها نُتِجَتْ عنده، فقضى لصاحب الخمسة بخمسة
أسباعها، ولصاحب الشاهدين بالسُبعين.
ولَّا اختلفوا في ذلك، نظرنا فيما اختلفوا فيه منه لِنعلم الأوْلَى مما
قالوه فيه، فبدأنا بقول مَنْ قال: يُقْرَعُ بينهما، فوجدنا القُرعة قد كانت
تُستعمل في بَدْءِ الإسلامِ، ويقضى بها.
٣١٣٧- كما قد حَدَّثْنَا إسماعيلُ بنُ إسحاق الكوفي، قال: حَدَّثْنَا
جعفرُ بنُ عون العَمْري أو يعلى بنُ عُبيد الطنافِسيُّ -قال أبو جعفر: أنا
أشك في الذي حدثني به عنه منهما- عن الأجلح، عن الشعبيِّ، عن عبدٍ
الله بن أبي الخليل، عن زيد بن أرقم، قال: كان عليٌّ - رضي الله عنه-
باليمنِ، فأُتي بامرأةٍ وطئها ثلاثةٌ في طُهْرٍ واحد، فسأل اثنين: أَتُقِرَّان
لهذا بالولد؟ فلم يُقرَّا، ثم سأل اثنين: أَتُقِرَّانِ لهذا بالولدِ؟ فلم يُقِرا، ثم
سأل اثنينِ حتَّى فَرَغَ يسألُ اثنين اثنين فلم يُقرُّوا، فأقْرَعَ بينهم، وألزم
الولدَ الذي خرجت عليه القُرعةُ، وجعل عليه ثلثي الدِّية، فرفع ذلك إلى
النبيِّ ◌َ﴿، فَضَحِكَ حتى بَدَتْ نَواحِدُه(١).
(١) إسناده ضعيف، الأجلح ضعيف لسوء حفظه. وعبد الله بن أبي الخليل لم
یوثقه غير ابن حبان.
-٥٦-
كتاب القضاء والأحكام والحدود
٣١٣٨- وكما حَدَّثْنَا عليُ بنُ الحسين بن حرب، حَدَّثْنَا الحسنُ
بنُ أبي الربيع، أخبرنا عبدُ الرزاق، أخبرنا سفيانُ، عن الأجلح، عن
الشعبيِّ، عن عبدٍ خير الحضرميِّ، عن زيد بن أرقم، ثم ذكر مثلَه (١).
ورواه الحميدي (٧٨٥)، وابن أبي شيبة ٣٧٩/١١، وأحمد ٣٧٤/٤، وأبو داود
(٢٢٦٩)، والنسائي ١٨٢/٦-١٨٣ و١٨٣، والطبراني (٤٩٩٠)، والحاكم ٩٦/٤،
والبيهقي ٢٦٧/١٠ من طرق عن الأجلح بن عبد الله الكندي، به.
وروى نحوه أبو داود (٢٢٧١)، والنسائي ١٨٤/٦، والبيهقي ٢٦٧/١٠ من
طرق، عن شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن الشعبي، به. إلا أنه لم يذكر في إسناده
((زيد بن أرقم)، ولم يرفعه إلى النبي ﴾.
ورواه النسائي ١٨٣/٦، والطبراني (٤٩٨٩) من طريقين عن خالد بن عبد الله
الواسطي، عن أبي إسحاق الشيباني، عن الشعبي، عن رجل من حضرموت، عن زيد
بن أرقم. ولم يرفعه الطبراني، ولم يسق النسائي متنه بتمامه.
ورواه الحميدي (٧٨٦) من طريق أبي سهل، عن الشعبي، عن علي بن ذريح، عن
زيد بن أرقم، عن النبي *، وقال يمثله، ولم يسق متنه.
ورواه البيهقي ٢٦٧/١٠ من طريق داود بن يزيد الأودي، عن الشعبي، عن أبي
جحيفة السوائي، نحوه.
(١) إسناده ضعيف لضعف الأجلح، ورواه أحمد ٣٧٣/٤، والطبراني (٤٩٨٨)
من طريق عبد الرزاق، به. لكن هو عند عبد الرزاق في ((مصنفه)) (١٣٤٧٢)، ومن
طريقه رواه أبو داود (٢٢٧٠)، وابن ماجه (٢٣٤٨)، والنسائي ١٨٢/٦، والطبراني
(٤٩٨٧)، والبيهقي ٢٦٦/١٠-٢٦٧، وقد وقع عندهم جميعاً: (عن صالح))- وهو
ابن صالح بن حي الهمداني الكوفي- بدل: («الأجلح)). لكن قال البيهقي: هذا الحديث
مما يُعد في أفراد عبد الرزاق عن سفيان الثوري.
-٥٧-
كتاب القضاء والأحكام والحدود
فكان في هذا الحديث قضاءُ عليّ في النسب المدَّعى عليه الذي
ذكرنا بالقُرعةِ حتى جعل الولدَ بها لأحدٍ من ادعاه، وجعل عليه مع
ذلك مِن الدِّية ما جعله عليه منها، ووقوفُ رسول الله {﴾. على ذلك،
وتر کُه النكير عليه لما كان فيه منه.
ثم وجدنا علياً قد أُتي في مثل ذلك بعدَ النبي﴾، فلم يستعمل
فيه ذلك الحكم
٣١٣٩- كما قد حَدَّثْنَا عليُّ بنُ الحسين، حَدَّثْنَا الحسنُ بنُ أبي
الربيع الجُرجاني، أخبرنا عبدُ الرزاق، حَدَّثْنَا سفيانُ، عن قابوس بن أبي
ظبيان، عن أبي ظبيان، عن علي، قال: أتاه رَجُلان قد وقعا على امرأةٍ
في طهرٍ واحدٍ، فقال: الولدُ بينكما، وهو الباقي منكما (١).
فعقلنا بذلك أن عليّاً لم يَتْرُكْ ما قد كان حَكَمَ به من الإقراع
الذي ذكرناه عنه مما قد وَقَفَ عليه رسولُ اللهِلَ﴿ٌ، فلم يُنكره عليه إلا
إلى ما هُو أولى منه مما قد نسخه، وأعاد الحكمَ في الوقت الذي قد
قضى به إلا خلاف ما كان عليه في الوقتِ الأول الذي كان قضى فيه
بما قضى، وفي ذلك ما يجبُ به انتفاءُ القضاء بالقُرعةُ في الأنساب،
وفيما سواها من الأشياء المدعاة التي تتكافأ البيناتُ التي تُقام عليها.
(١) قابوس فيه لين. وهو في ((مصنف عبد الرزاق)) (١٣٤٧٣). وسقط من
إسناده: ((عن أبي ظبيان)). ورواه البيهقي ٢٦٨/١٠ من طريق عبد الله بن المبارك، عن
سفيان الثوري، به. ورواه ابن أبي شيبة ٣٧٨/١١ عن جرير بن عبد الحميد، عن
المغيرة بن مقسم الضبي، عن الشعبي، عن علي، نحوه، وانظر ((شرح المعاني)) ١٦٤/٤.
-٥٨-
كتاب القضاء والأحكام والحدود
ثم ثنينا بما قاله مَنْ ذكرنا عنه أنه يَنْظُرُ إلى أفضل البينتين
الشاهدتَيْنِ على ذلك، وأبينهما صلاحاً فيحكم به.
فوجدنا ذلك مما يدفعه المعقولُ أيضاً، لأن الله تعالى، قال:
﴿وَأشْهدُوا ذَوَيْ عَدْل منكم﴾ [الطلاق: ٢]، وقال عزَّ وجلَّ: ﴿مِمَّنْ
تَرْضَونَ مِنَ الشُّهَداء﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فأعلمنا مَنْ جعلَ لنا الحُكْمَ
بشهادته، وهو ذو العدل، وقد يختلفُ أهلُ العدل فيما هم عليه منه،
فيكونُ بعضهم أعلى رتبةً فيه من بعض، ولما كان ذلك كذلك، عَقَلْنا
عن الله عز وجل: أنه قد جَعَلَ لنا أن نحكم بشهادة من وقفنا على
عدالته، كان معه مِن الفضل ما يتجاوزُ ذلك، أو لم يكن، فانتفى بذلك
هذا القول.
ثم تُلّنا بالنظر في قولٍ مَنْ قال: إنه يَحْكُمُ في ذلك بعدد الشهود،
فوجدناه أيضاً لا معنى له، لأَنَّ الشَّاهِدَيْنِ العَدْلَيْن لما أمرنا الله تعالى
بالحكم بهما، عَقَلْنا عنه عَزَّ وجَلَّ أنهما كأكثر منهما مِن العدد، وإذا
كان ذلك كذلك، كان كترةُ العدد وقلتُه في ذلك سواء.
ولَّا انتفت هذه الأقوالُ الثلاثةُ بما ذكرنا، ولم يكن في هذا الباب
مما وجدنا أهلَ العلم قالوه في غيرَ الأربعة الأقوالِ التي ذكرناها عنهم
فيه، كانت الثلاثةُ التي ذكرناها منها لما انتفت، ثبت القولُ الآخر منها،
ولم يجب الخروجُ عنه إلى ما يُخالفه، وهو أن يُقضى بالمدعى لِمُعدَّعِيَيْهِ
اللذين قد تكافأت حجتهما فيه بالتسوية لاسيما وقد رُوِيَ ذلك عن
رجلٍ من أصحابِ رسول الله ﴿ جليلِ المقدار في العلم، ولم يُرْوَ عن
-٥٩-
كتاب القضاء والأحكام والحدود
أحدٍ منهم في ذلك خلافُ ما قاله فيه.
٣١٤٠- كما قد حَدَّثْنَا ابنُ أبي مريم، حَدَّثْنَا الفريابي، حَدَّثْنَا
سفيان، عن عطاء بن السائب، وعلقمة بن مَرْتَدٍ، عن عبد الرحمن بن
أبي ليلى، قال: اختصمَ رجلانٍ إلى أبي الدرداء في فرسٍ، فأقامَ كُلُّ
واحدٍ منهما البينةَ أنه فَرَسُهُ أنتجه لم يَبَعْهُ ولم يَهَبْهُ، فقال أبو الدرداء:
إن أحدَ كما لكاذبٌ، ثم قسمه بينهما نَصفين، ثم قال أبو الدرداء: ما
أحوَجَنَا إلى سلسلة بني إسرائيل، فَسُئِلَ: ما هِيَ؟ قال: كانت تَنْزِلُ
فتأخُذُ بعنق الظالم(١).
٣١٤١ - وكما قد حَدَّثَنَا يزيدُ بنُ سِنان، حَدَّثْنَا أبو عاصم،
حَدَّثَنَا سفيانُ الثوري، عن علقمةَ بنِ مرثدٍ، عن عبد الرحمن بن أبي
ليلى، قال: كُنْتُ قاعِداً عندَ أبي الدَّرداءِ، ثم ذكر هذا الحديث.
٣١٤٢- وكما حَدَّثْنَا فهدُ بنُ سليمان، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ
صالح، قال: حدثني معاويةُ بن صالح، عن أبي الزَّاهِرِيَّةِ، حدثه عن جُبير
بنِ نُفير: أن رَجُلَينِ اختصما إلى أبي الدرداءِ في فرسٍ أو بغل، فأتوا
بشهادتهم متفقة، فقضى به بينهما، وقال: ما أحوجَ الناسَ إلى
السِّلسِلَةِ، فتأخذ بعنقِ الظالم.
ولا نعلم لأحدٍ من أصحاب رسول الله 8# في ذلك خلافاً لأبي
الدرداء. وفي هذا الحديث مِن كلام أبي الدرداء ما يجبُ أن يُوقف
عليه، ويُعلم به فضلُ علمه ورتبته في المعنى الذي هو من أهله، وهو
(١) رواه عبد الرزاق (١٥٢٠٤)، وابن أبي شيبة ٣١٦/٦، والبيهقي ٢٦٠/١٠.
- ٦٠ -