Indexed OCR Text

Pages 601-620

كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة
﴿، قال: ((مَنْ أَعْتَقَ شِرْكاً له في مَمْلُوكٍ، أو شِرِكاً له في عَبْدٍ، فكان
له من المالِ ما يَبْلُغُ قِيمَتَه بقيمةِ العَدْلِ، فهو عَتِيقٌ)).
قال نافع: وإلا فقد عَتَقَ منه ما عَتَقَ.
قال أيوب: لا أدري، أشيءٌ قاله نافعٌ أو في الحديثِ؟(١)
٥٣٤٩- ووجدنا أحمدَ بن شعب قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثْنَا إسحاق
بن إبراهيم، أخبرنا عبدُ الوهاب التَّقَفي، حَدَّثَنَا أيوب، عن نافعٍ، عن
ابن عمر، عن النبيِّمَّ، قال: «مَنْ أَعْتَقَ شِقْصاً له في مَمْلُوكٍ، وكان له
من المالِ ما يَبْلُغُ ثَمَنَه بقيمةٍ عَدْلٍ، فهو عَتِيقٌ)، وربما قال: ((وإن لم
يكن له مالٌ، فقد عَتَقَ منه ما عَتَقَ))، وربما لم يقله، وأكبر ظَنِّي أنه
شيءٌ يقولُه نافعٌ من قِيَلِه.
٥٣٤٩م- ووجدنا أحمد بن شعيب قد حَدَّثَنَا، قال: أخبرنا عمرو
بن زرارة، أخبرنا إسماعيلُ - يعني ابن عُلِيَّة-، عن أيوب، عن نافع، عن
ابن عمر، عن النبي ◌َ﴿، قال: «مَنْ أَعْتَقَ نَصِيباً له - أو قال: شِقْصاً له
أو شِرْكاً له- في عبدٍ، فكان له من المالِ ما يَبْلُغُ ثَمَنَه بقيمةِ عَدْلِ،
فهو عَتِيقٌ، وإلاَّ فقد عَتَقَ منه ما عَقَ)).
(١) حديث صحيح، ورواه البخاري (٢٥٢٤) عن أبي النعمان، به.
ورواه مسلم (١٥٠١) و١٢٨٦/٣ (٤٩) عن أبي الربيع وأبي كامل، وأبو داود
(٣٩٤٢) من طريق سليمان بن حرب، ثلاثتهم عن حماد بن زيد، به.
ورواه عبد الرزاق (١٦٧١٥) عن معمر، والنسائي في («الكبرى» (٤٩٥٣) من
طريق سعيد بن أبي عروبة، كلاهما عن أيوب، به. دون قول أيوب.
- ٦٠١-

كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة
قال أيوب: وربما قال نافعٌ هذا الحديث، وربما لم يَقُلْه، فلا أدري
أهو في الحديث، أو قاله نافع من قِبَلِه؟ يعني قوله: «فقد عَتَقَ منه ما
عَتَقَ)).
٣٠٥٠- ووجدنا أحمد قد حَدَّثْنَا، قال: أخبرنا عَمْرو بن علي،
حَدَّثْنَا يزيد بن زترَيْع، حَدَّثْنَا أيوب، عن نافعٍ، عن ابن عمر، قال: قال
رسول الله ◌َ: «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكاً له في مَمْلوكٍ، وكان له من المالِ ما
◌َبْلُغُ ثَمَنَه بقيمةِ العَدْلِ، فهو عتيقٌ من مالِهِ)).
قال أبو جعفر: فكان الذي رواه أيوبُ عن نافع في هذا الحديث
أن الضمان الذي يجبُ على المعتِقِ المذكور فيه، هو إذا كان له من المال
ما يَبْلُغُ ثَمنَه، لا مَن سواه من المعتِقِينَ في مثل ذلك وهم لا يملكون ما
بَلَغَ ثمنه.
ثم نَظَرْنا في هذا الحديث، كيف رواه غيرُ من ذكرنا عن نافع
٣٠٥١- فوجدنا يونسَ قد حَدَّثْنَا، قال: أخبرنا ابنُ وهبَّ، أن
مالكاً أخبره، عن نافع، عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله مُ﴿، قال:
((مَنْ أَعْتَقَ شِرْكاً له في عَبْدٍ، وكان له مالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ العَبْدِ، قُوِّمَ عليه
قيمةَ العَدْلِ، فَأُعطِيَ شركاؤُه حِصَصَهم، وعَتَقَ عليه العبدُ، وإلا فقد
عَتَقَ عليه ما عَتَقَ)).
فكان ما في هذا الحديثِ أيضاً قد دَلَّ أن الضمان الذي قد ذكر
فيه على المعتق المذكور فيه، ههو إذا كان موسِراً، وليس فيه ما يَدُلُّ
على حُكْمِه في ذلك إذا كان مُعسِراً.
- ٦٠٢ -

كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة
فإن قال قائلٌ: فإنَّ في هذا الحديث: ((وإلا فَقَدْ عَتَقَ عليه ما
عَتَقَ)، ففي هذا ما قد دَلَّ أنه لم يعتق عليه إذا كان معسراً من ذلك
العبد إلا مقدار ما اعتقه منه همما كان يملكه.
فكان جوابُنا له في ذلك: أن هذا ليس في الحديث كما ذكر،
وإنما فيه: ((وإلا فقد عَتَقَ عليه ما عَتَقَ)، وقد يحتمل أن يكون الذي
عَتَقَ عليه هو جميعُ العبدِ، وقد يحتمل ما سوى ذلك كما في حديث
يحيى القَطَّان، عن عبيد الله، عن نافع: ((فقد عَتَقَ كلَّه)، ثم أعقَبَ ذلك
بقوله: ((فإن كان للذي أعتَقَ نصيبه من المال ما يَبْلُغُ ثَمَنَه، فعليه عِنْقُه
کثُم».
ففي هذا ما قد دَلَّ على أن العبد يكون عتيقاً كلُّه بالعتق الذي
كان من أحد مالِكِيه، وإن هذا الحكم المذكور بعد ذلك هو على ما قد
عتق منه مما قد يحتمل أن يكون على كلِّه أو على بعضه، وقد وكّد ما
ذكرنا: أن المقصود إليه في الضمان بعَتاقِه الذي وَصَفْنا، هو المالكُ من
المال ما يبلُغُ ثمنَ العبد، لا مَنْ سواه ممن لا يملِكُ ذلك على ما في
حديث سالمٍ الذي رويناه عنه عن ابن عمر، عن النبي ﴿ فى الباب
الذي قبل هذا الباب من قول رسول الله ﴿ فيه: ((إذا كان العبدُ بينَ
اثنينِ، فَأَعتَقَ أَحَدُهما نَصِيبَه، فإنْ كان مُوسِراً، فإنه يُقَوَّم عليه بأعلى
القيمة، ويُعْتَقُ)).
فدلَّ ذلك على أن لا حكم فيه مذكور للعبد المعتَّق إذا كان
مُعْتِقُه بخلاف ذلك من سوى اليسارِ.
- ٦٠٣ -

كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة
فقال قائل: فقد رُوِيَ عن ابن عمر ما يدلُّ على أن العبد إذا كان
معتِقُه الذي ذكرنا مُعسيراً قد بقي فيه كمن لم يعتق ما كان له منه رقيقاً
على ما كان عليه قبل ذلك، وذكر في ذلك
٣٠٥٢- ما قد حَدَّثْنَا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، حَدَّثْنَا
إسماعيل بن مَرْزوق الكَعْبي، أخبرني يحيى بن أيوب، عن إسماعيل بن
أُمية وعبيد الله بن عمر، ويحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر، عن
البي #، أنه قال في العبدِ يكون بين شريكين فُيُعتِقُ أحَدُهما، قال
رسول الله ﴿: (ُقَوَّمُ عليه في مالِهِ قيمةَ عَدْلِ، فَيُعْتَقُ عليه، فإن لم
يكن في مالِه ما يخرج حراً؛ قال: يَعْتِقث منه ما عَتَقَ، ويَرِقُّ منه ما
رَقَ)).
فكان جوابُنا له في ذلك: أن هذه الزيادة التي في هذا الحديث لم
نَجدَّها إلا فيه، وقد ذكرناه عن يحيى القَطَّان، وخالد بن الحارث، ومن
سواهما ممن ذكرناه عنه، عن عُبيد الله بن عمر، عن نافع، بغير ذكرٍ
لذلك فيه، وهؤلاء الذين ذكرنا هذا الحديثَ عنهم عن عبيد الله، عن
نافع هم الحُجَّةُ في مثله على من هو فوق يحيى بن أيوب، مع أن هذا
الحديث لم نَجِدْه عن يحيى بن ايوب إلا عن إسماعيل بن مرزوق،
وإسماعيل ليس ممن يقطع بروايته في مثل هذا.
فقال هذا القائلُ: فقد رواه يحيى بن أيوب، عن يحيى بن سعيد،
عن نافع، كما رواه عن عُبيدِ الله، عن نافع.
وكان جوابُنا له في ذلك: أنا قد وجدناه عن يحيى بن سعيد من
رواية مَنْ هو في الحِفْظ والإتقان بخلاف يحيى بن ايوب على خلاف ما
-٦٠٤-

كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة
رواه عنه عليه يحيى بنُ أيوب، وهو هُشيم بن بَشِير الواسطي.
٣٠٥٣- كما حَدَّثْنَا يوسف بن يزيد القَراطِيسي، أخبرنا سعيدُ
بن منصور، حَدَّثْنَا هُشَيم، أخبرنا يحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن
عمر: أن رسول الله :﴿، قال: (أَيُّما رَجُلٍ كان له نَصِيبٌ في عبدٍ،
فَأَعْتَقَ نَصِيبَه، فَعَلَيْهِ أن يُكْمِلَ عِنْقَه بقيمةِ عَدْلٍ)).
فكان هذا الحديثُ من رواية يحيى بن سعيد، عن نافعٍ، كما رواه
هشيم عنه، إذ كان معه من الضَّبْط وافتقان ما ليس مع يحيى بن أيوب،
على ما رَوَيْناه عنه، عن نافع ليس فيه ذِكْرُ حكم العبد إذا كان مُعتِقُه
لا يَمْلِكُ من المال ما يُقَوَّمُ علیه بقیتُه فیه.
وقد ذكرنا هذا الحديث من رواية نافع عن ابن عمر في هذا
الباب من روايات الرجال الثلاثة الذين هم الحُجَّةُ في نافع، وهم: عُبَيْدُ
الله بن عمر العُمَرِي، وأيوب السَّخْتِياني، ومالك بن أنس، وتَرَكْنا
ذِكْرَه من روايات غيرهم، عن نافع، إذ كان ما روى غيرُهم عن نافع
في ذلك يَرْجِعُ إلى مثل ما رواه بعضُهم فيه، وكان الكلامُ بينهم فيه
کالكلام الذي ذكرنا بينهم فيه.
ثم طَلَبْنا الواجبَ في العبد المعتقِ كذلك، كيف هو؟
فوجدنا إسماعيلَ بن إسحاق بن سَهْلٍ الكوفي قد حَدَّثْنَا، قال:
حَدَّثْنَا أبو نُعيم الفضل بن دُكَيْنِ، حَدَّثَنَا عبد السلام بن حَرْبِ الْمُلائِي،
عن أبي خالدٍ - وهو يزيد بن عبد الرحمن الدالاني-، عن إبراهيم
الصائغ - وهو ابنُ ميمون-، عن نافع، عن ابن عمر: أنَّ رجلين بينهما
مَمْلُوكٌ، فأعْتَقَ أحدُهما نَصِيبَه، قال: إن كان عنده مالٌ أَعْتَقَ نصفَ
- ٦٠٥-

كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة
العبدِ، وكان الولاءُ له، وإن لم يكن له مالٌ، سَعَى العبدُ في بقيّةِ القيمةِ،
و کانوا شر کاء في الولاء.
قال أبو جعفر: وكان هذا الحديثُ مما لا يُخْتَلَفُ في صحة
إسنادِهِ، لأنه إنما دار على أبي خالدٍ الدَّالانيِّ، وهو حجةٌ في الرواية،
إمامٌ في بلدِهِ، وعلى إبراهيمَ الصائغ - وهو إبراهيم بن ميمون =- وهو
إمامٌ من أئمة خُراسانَ، لا يَعْدِلُ به أهلُها في الإمامة أحداً، والذي ينبغي
لنا لما صَحَّحْنا هذه الآثارَ عن ابن عمر على ما صَحَّحْناها عليه في هذا
البابِ، أن يكون المعمولُ به منها هو عتاقَ كلِّ العبدِ بعِبْقِ أحدٍ مالكيه
إياه على ما هو عليه من يَسارٍ أو إعسارٍ، وضمانُهُ قيمة أنصباءِ شركائهِ
من ذلك العبد بعد ذلك إن كان موسِراً بذلك، وسِعاية العبد في قِيَمٍ
أنصباء شركاء المعتِقِ فيه إن كان مُعسِراً.
وقد شَدَّ ما ذكرنا من وجوب عَتَّاق العبد كلِّه بعِتْقِ أحدٍ مالكيه
إِيَّاه، ما قد رواه عن رسول الله : ﴿ٌ غيرُ عبدِ الله بن عمر.
٣٠٥٤- كما حَدَّثْنَا إبراهيم بن أبي داود، حَدَّثْنًا أبو الوليد
الطيالسي، حَدَّثَنَا هِمَّام بنُ يحيى، عن قتادة، عن أبو المَلِيح - يعني ابن
أسامة الهُذَلي - عن أبيه: أن رجلاً أعْتَقَ شِقْصاً له في مملوكٍ، فأعتقَه النبي
◌َ كلَّه عليه، وقال: ((ليس لله شَريكٌ)).
٣٠٥٤م- وكما حَدَّثَنَا ابن أبي داود، حَدَّثْنًا أبو عمر بن
الخطاب الحوْضِي، حدثنا همامٌ، ثم ذکر یإسناده مثله.
قال أبو جعفر: فكان في هذا الحديث ما قد دَلَّ أن العبدَ إذا صار
بعضُهُ للهِ بعَتاقٍ من أعتَقَه، أن أنصباء من سواه من مالكيه كان قبل
-٦٠٦-

كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة
ذلك ينتفي عنه، ويُكمل الله عَزَّ وجَلَّ، وفي ذلك ما قد دَلَّ على ما
صححنا عليه ما قد رويناه قبلَه في هذا الباب.
فقال قائلٌ: هذا الحديثُ لم يَرْفَعْه عن أبي المليح، عن أبيه، غيرُ
همَّام بن يحيى، فأما مَنْ سواه من سعيد بن أبي عَرُوبة، ومن هشام
الدَّسْتُوائي، فإنما رَوَوْه موقوفاً على أبي المَلِيحِ، غيرَ متجاوزِ به إلى أبيه،
وذكر في ذلك
٣٠٥٥- ما قد حَدَّثْنَا أحمدُ بن شعيب، قال: حَدَّثَنَا المؤمَّل بن
هشام، حَدَّثْنَا إسماعيل - يعني ابن عُلَّة-، عن سعيدٍ، عن قتادة، عن أبي
مَلِيحٍ: أن رجلاً أعْتَقَ شِقْصاً له في عبدٍ، فجَعَلَ رسولُ اللهِمَ ﴿ْ خَلَاصَه
في مالِهِ، وقال: (إنّه لا شَرِيكَ للهِ عَزَّ وجَلَّ)(١).
٣٠٥٦ - وما قد حَدَّثْنَا أحمدُ، أخبرنا محمد بن المثنّى، حدثني أبو
عامرٍ، حَدَّتْنَا هشامٌ، عن قتادة، عن أبي الَلِيحِ: أن رجلاً أعْتَقَ شِقْصاً في
مملوكٍ، فقال رسول الله ◌ِ﴿ُ: ((عَتَقَ من مالِه إن كان له مالٌ)، وقال:
((ليس للهِ شَريكٌ))(٢).
فكان جوابُنا له في ذلك: أن سعيداً وهشاماً قد رَوَيَا هذا الحديث
(١) رواه النسائي في ((الكبرى)) (٤٩٧١) عن المؤمل بن هشام، به.
ورواه أحمد ٧٤/٥ عن عبد الله بن بكر السهمي، عن سعيد بن أبي عروبة، عن
قتادة، عن أبي المليح، عن أبيه، فوصَلُه.
(٢) رواه النسائي في («الكبرى)) (٤٩٧٢).
ورواه أحمد ٧٥/٥ عن أبي سعيدٍ مولى بني هاشم، عن هشام، به.
-٦٠٧-

كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة
عن قتادة كما ذكر، وقد زاد عليهما عن قتادة فيه همامٌ ما زاد، وهمام
ممن لو روى حديثاً فتفرَّد بروايته إياه، كان مأموناً عليه، مقبولةٌ روايته
فيه، ومن كان كذلك في تفرُّدِه برواية، حديثٍ، كان كذلك في تَفرُّدِه
برواية زيادةٍ في حديث.
فقال هذا القائلُ: ففي هذا الحديث: ((عَتَقَ من مالِه إن كان له
مالٌ، ليس لله شَرِيكٌ))، فهذا يَدُلَّ على أن عَتَاقَه كذلك وخُلُوصَه لله،
إنما يكون إذا كان له مالٌ، فأما إذا لم يكن له مالٌ، فإنه يكون بخلافٍ
ذلك.
فكان جوابُنا له في ذلك: أنه ليس في هذا الحديث ما يَدُلُّ على ما
ذكر، وإنما الذي فيه عَتَاقُ العبدِ من مال مُعْتِقِه لو كان له مال، وليس
فيه ما يَمْنَعُ أن يكون عتاقُه يكون من غير مالٍ مُعتِقِه إذا لم يكن لمعتقه
مالٌ، وهذا أولَى ما حُمِلَ عليه وَجْهُهُ، حتى لا يضادَّ غيره مما قد
ذكرناه في هذا الباب.
ثُم رَجَعْنا إلى ما يقوله أهلُ العلم الذين تَدُورُ عليهم الفَتّوى في
الأمصار في حكم هذا العبد في حال إعسار مُعْتِقِه، فكان بعضُهم
يقول: قد صار العبدُ حراً كلُّه بعتق الذي أعتقه من مالكيه، وعلى العبد
أن يَسْعَى لمن لم يُعْتِقْه من مالكيه، ويُؤَدِّي ذلك إليهم، وممن كان يقولُ
ذلك منهم: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وسفيان بن سعيد
الثّوْرِي، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن، في كثير من أهل الكوفة.
وكان بعضُهم يقول: قد عَتَقَ من العبدِ ما عتق بعِتْق الذي أُعتقه
من مالكيه، ومن يملكُ بقيته على نصيبه منه، إن شاءَ أعتقه، فكان حّراً
-٦٠٨-

كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة
بعتاقه إياه، وعاد العبد حراً بالعَتاق الأول الذي كان بعده، وإن شاء
اسْتَسْعَى العبدَ في قيمة نصيبه منه، فَعَلَ ذلك حتى يُؤَدِّيَه إليه، وممن كان
يقولُ ذلك: أبو حنيفة، وكان يحتجُّ في ذلك بما قد رُوِيَ عن عمر بن
الخطّاب رضي الله عنه فيه.
٣٠٥٧- كما قد حَدَّثْنَا عبدُ الملك بن مروان الرَّقّي، حَدَّثْنَا أبو
معاوية الضَّرير، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد،
قال: كان لنا غلامٌ قد شَهِدَ القادسيةَ، فَأَبْلى فيها، وكان بيني وبين أُميِّ
وبين أخي الأسود، فأرادوا عِتْقَه، وكنت يومئذٍ صغيراً، فذَكَرَ ذلك
الأسودُ لعمرَ بن الخطّاب رضي الله عنه، فقال: أَعْتِقُوا أَنْتُم، فإذا بَلَغَ
عبدُ الرحمن، فإن رَغِبَ فيما رَغِيْتُم بِهِ، أَعْتَقَ، وإلا ضَمِنَكُمْ(١).
قال أبو جعفر: فكان هذا الحديثُ صحيح الإسناد، مكشوفَ
المعنى، غير أن ما رُوِيَ عن رسول الله ﴿ مما يُخالفُه مما قد ذكرنا أَوْلَى
منه.
وكان بعضُهم يقول: قد عَتَقَ نصيبُ من أعتقه منه، وبقي نصيبُ
من لم يُعْتِقْه منه مملوكاً له، كما كان قبل ذلك العتق، وممن كان يقول
ذلك: مالكٌ والشافعيُّ رحمهما الله في كثير من أهلِ الحجاز، والذي
صَحَّحْنا عليه حديث ابن عمر على ما ذكرناه في هذا الباب أوْلَى، فأما
ما ذكرناه في حديث إبراهيم الصَّائع من ولاءِ العبدِ إذا كان معتقُه
معسيراً أنه يكون لمن أعتقه، ولمن يَسْعَى له، فإن جميع من ذكرنا يَأْبَى
(١) رواه ابن أبي شيبة ٤٨٢/٦-٤٨٣ عن أبي معاوية، به.
-٦٠٩-

كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة
ذلك، ويجعل الولاءَ لمن أعتقه خاصَّةً غير أبي حنيفة، فإنه كان يجعلُ
الولاءَ كذلك على ما في حديث إبراهيم هذا، والقولُ عندنا في ذلك
هو قولُ مخالِفِيه فيه، لأن رسول الله :﴿، قال: ((الوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَق))،
وكان هذا العبدُ إِنما عَتَقَ بِكُلِيَتِهِ، أو عَتَقَ منه ما عَتَّقَ بعِتاقٍ من أعتقه
من مالكيه بعِتْقِه إياه لا بالسِّعاية التي أدَّاها، فكان معقولاً أن يكون
ولاُؤْه لمن دَخَلَه العَتاقُ مِن قِيَلِه، لا لمن سواه، لا سيَّما وقد ذكرنا في
حديث يحيى القَطَّان، عن عُبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول
الله ◌َ﴿: أنَّ العبد يكون عتيقاً كلّه بعِثْقِ من أعتقه من مالكيه، وإذا كان
ذلك كذلك، كان معقولاً، لأن الرِّفَّ قد انتفى منه بذلك العَتاقِ، لم
يَقَعْ فيه عتاقٌ بعد ذلك بعتق مالك كان لشيء منه، ولا بسِعايةٍ كانت
منه لمن لم يعتقه ممن كان يملكُه، وقد كان قولُ من يقول: إنه يُعْتَقُ منه
نصيبُ من أعتَقه، وتبقى بقيتُه على ملك من لم يُعتقْه، إذا لم يكن لمن
أعتقه من المال مقدارُ قِيَمٍ أنصِبائهم منه، أنه يكون ما اكتسبه في يومٍ
من أيامه لنفسه بحقِّ العتاق الذي قد دخله، وأنه يكون ما يكتسبُه في
يوم سواه لمن يملك بقيته، وهذا قولٌ لا يُوجِبُه المعقول، لأن العبد في
اليوم الذي يعمل فيه لنفسه، إنما يكتسب ما يكتسبُ فيه جميعَه مما
بعضُه مملوكٌ، ومما بعضُه بخلاف ذلك، فكان معقولاً أن ما يكتسبه
بكليته يَرْجِعُ إلى حكم ما كليْتُه عليه، وبعضُه ليس بملوكٍ لِلَّذِينَ لم
يُعْتِقُوه، وبعضُه ليس بُحُرُّ لبقاءِ ملك الذين لم يعتقوه على ما كانوا
يملكون منه، فيكون ما يملكه النصيبان جميعاً على حكمهما لايتفرَّدُ به
نصيبٌ منهما دون نصيبٍ، ولا يكون فيما يملكُه في اليوم الذي
-٦١٠-

كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة
يستعمل بأحد النّصيبن لمن يملكه بعضُه دونَ بعض ممن لا يملكُه كله.
ألا ترى أن رجلاً لو جَنَى على هذا الذي هذه سبيلُه جنايةُ يجب
له أرْشٌ، أنه لا يجبُ أن ينفردَ لها الحكمُ الذي هو عليه في اليوم الذي
جُنِيَتْ عليه فيه تلك الجنايةُ، وأنه يكون ذلك الأرشُ لنفسه بحق العتاق
الذي قد دخله، ولمن يملك بقيته بحق الرِّقِّ الذي له فيه، أوَلاَ تَرى أنه لو
كان مكان العبد أمَة فزُوِّجَت على صَداقٍ برضاها بذلك، وبإذن من
يملك بقيتها له، أفي ذلك: أن الصَّداقَ في قولهم يَرجِعُ إلى ما هي عليه
من عتاق ومن رِقّ، لا إلى اليوم الذي هي فيه ما يستعمل نفسها فيه
بالحرية التى قد دخلتها، ويستعملُها في خلافه ممن يملكُ بقيتها بحق الرِّقِّ
الذي له فيها؟
وإذا كان ما ذكرنا من أرْش الجنايات ومن الأصدقة في التزويجات
على ما ذكرنا، وكان ذلك مردوداً إلى أحكام من وَجَبَ ذلك له، لا
إلى أحكام الأيام التي يكون عليها من أجل ما هي فيه من عَتاقٍ ومن
رِقِّ، كان مثل ذلك مما يكتسبه يَرْجِعُ إلى أحكام ما هو عليه من عتاق
ومن رق، لا إلى أحكام الأيام التي يكتسبهُ فيها على السبيل التي يكون
عليها القائلون فيه القول الذي ذكرنا.
وفيما ذكرنا من ذلك ما قد دَلَّ على انتفاء ما قالوا مما قد ذكرناه
عنهم، وفي انتفاء ما قالوا من ذلك ثبوت ضدِّه، وقد كان ابنُ أبي
ليلى، وابن شُبْرُمَة جميعاً يقولان في العبد المعتَقِ الذي ذكرنا إذا كان
معتقُه من أحد مالكيه إذا كان معسراً إنه يَسْعَى في قيمة أنصباءِ الذين
لم يعتقوه، ثم يرجعُ بما يسعى فيه من ذلك على من أعتقه.
- ٦١١-

كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة
وفيما رَوَيْنا عن رسول الله:﴿ ما يدفع ذلك، إذ كان رسولُ
اللّه ◌َ﴿ إنما جعل على معتقه الضمانَ إذا كان له من المال ما يَبْلُغُ قيمةَ
أنصباء شركائه فيه، لا فيما سوى ذلك من الأحوال إذا كان
عليها، وليس لأحدٍ أن يتَعَدَّى ما قاله رسولُ الله:﴿ في شيء إلى زيادةٍ
عليه مما لم يُرْوَ عن رسول الله ◌ِ﴿، والله الموفّقُ.
٤٠٦- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رواه أبو هريرة عن رسول الله #
في هذا المعنى
٣٠٥٨- حَدَّثْنَا يزيد بن سنان، حَدَّثْنَا يحيى بن سعيد القَطَّان،
حَدَّثَنَا سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة، عن النِّضْر بن أنس، عن يَشِير
بن نَهِيك، عن أبي هريرة، عن النبيِّلَ﴿، قال: ((مَنْ أَعْتَقَ نَصِيباً، أو
شِركاً له في عبدٍ مملوكٍ، فَعَلَيْهِ خَلاصُهُ كُلُّه في مالِهِ، وإِن لم يَكُنْ له
مالٌ، استُسْعِيَ العبدُ غيرَ مَشْقُوق عليه))(١).
(١) إسناده صحيح، وهو في ((شرح معاني الآثار) ١٠٧/٣ بإسناده ومتنه.
ورواه أحمد ٤٧٢/٢، وأبو داود (٣٩٣٩)، والترمذي (١٣٤٨) من طريق يحيى
بن سعيد القطان، به.
ورواه عبد الرزاق (١٦٧١٧)، وابن أبي شيبة ٤٨١/٦، وأحمد ٤٧٢/٢،
والبخاري (٢٤٩٢)، ومسلم (١٥٠٣) (٤) و١٢٨٨/٣ (٥٥)، وأبو داود
(٣٩٣٨) و(٣٩٣٩)، وابن ماجه (٢٥٢٧)، والترمذي (١٣٤٨)، والنسائي في
((الكبرى)) (٤٩٦٢)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ١٠٧/٣، وابن حبان
- ٦١٢-

كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة
٣٠٥٨°م- وحَدَّثْنَا أحمدُ بن شعيب، أخبرنا نَصْر بن علي
الْجَهْضَمي، حَدَّثْنَا يزيدُ بنُ زُرَيْع، حَدَّثْنَا سعيدٌ، عن قتادة، عن النَّضْرِ
بن أنس، عن بَشير بن تَهِيكٍ، عن أبي هريرة، عن رسول الله مُ﴿٣
مثله(١).
٣٠٥٩- وحَدَّثَنَا أحمد، أخبرنا المؤمَّل بن هشام، حَدَّثْنَا إسماعيل
- يعني ابن علية-، عن سعيدٍ، ثم ذكر بإسناده مثله(٢).
٣٠٦٠- وحَدَّثْنَا محمد بن النعمان السَّقَطِي، حَدَّثْنَا الحميدي،
حُدَّثَنَا سفيان بن عُيَيْنَةَ، عن سعيد بن أبي عَرُوبة ويحيى بن صَبِيحٍ، عن
قتادة، ثم ذکر بإسناده مثله.
(٤٣١٩)، والدارقطني ١٢٨/٤- ١٢٩، والبيهقي ٢٨٠/١٠-٢٨١ من طرق، عن
سعيد بن أبي عروبة، به.
قال ابن الأثير في (النهاية)) ٣٧٠/٢: استسعاءُ العبد إذا عَتَق بعضُه ورقَّ بعضُه:
هو أن يَسْعى في فِكاك ما بقي من رِقّه، فيعمل ويكسب ويَصْرِف ثمنه إلى مولاه،
فسُمِّي تصرُّفه في كَسْبه سِعاية. وغيرُ مشقوقٍ عليه: أي: لا يكلّفه ولا يحمِّله ما لا
يَقْدر عليه.
(١) إسناده صحيح، وهو عند النسائي فى (الكبرى) (٤٩٦٣).
ورواه أبو داود (٣٩٣٨) عن نصر بن علي، به.
ورواه أحمد ٢٥٥/٢، والبخاري (٢٥٢٧)، من طريق يزيد بن زريع، به.
(٢) إسناده صحيح، وهو عند النسائي في ((الكبرى)) (٤٩٦٤).
ورواه أحمد ٤٦٢/٢، ومسلم (١٥٠٣) (٣) و١٢٨٧/٣ (٥٣) من طريق
إسماعيل، به.
- ٦١٣ -

كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة
٣٠٦٠°م- وحَدَّثَنَا فَهْد بن سليمان، حَدَّثَنَا عبد الله بن صالح،
حدثني الليث بن سعد، حدثني جَرِير بن حازم، عن قتادة، ثم ذكر
بإسناده مثله(١).
٣٠٦١- وحَدَّثْنَا محمد بن خُزَيْمة، قال: حَدَّثَنَا مسلم بن إبراهيم
الأزْدي، قال: حَدَّثَنَا أبانُ بن يزيد العَطَّار، عن قتادة، ثم ذكر بإسناده
مثله.
٣٠٦٢- وحَدَّثَنَا رَوْحُ بن الفَرَجِ، حَدَّثَنَا يوسف بن عَدِي،
حَدَّثْنَا عبد الرحيم بن سليمان الرَّازِي، عن حجاج بن أرْطاة، عن
قتادة، ثم ذكر بإسناده مثله.
قال أبو جعفر: فكان في هذا الحديث إيجابُ ما صحَّحْنا عليه
حديث ابن عمر الذي قد رويناه في الباب الذي قبلَ هذا الباب.
فقال قائلٌ: وقد رَوى [في] هذا الباب عن قتادة شعبةُ وهشامٌ،
فلم يَذْكُرُوا فيه السِّعايةَ، وذكر في ذلك
٣٠٦٣- ما قد حَدَّثْنَا أحمدُ بن شعيب، أخبرنا محمد بن المثنى،
ومحمد بن بَشَّارِ، قالا: حَدَّثْنَا محمد بن جعفر غُنْدَرِ، حَدَّثْنَا شعبةُ، عن
قتادة، عن النَّضْر بن أنس، عن بَشِير بن نَهِيك، عن أبي هريرة، عن
النبيِّل:﴿ في المملوك بين رَجُلَينِ فُيُعْتَقُ أحدُهما نصيبه، قال:
(١) حديث صحيح، وهو في ((شرح معاني الآثار)) ١٠٧/٣ بإسناده ومتنه.
ورواه البخاري (٢٥٠٤) و(٢٥٢٦)، ومسلم (١٥٠٣) (٤)، والدار قطني
١٢٧/٤ -١٢٨ من طرق، عن جرير بن حازم، به.
-٦١٤-

كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة
٠٠ (١)
(يَضْمَنُ)(١).
٣٠٦٤- وما قد حَدَّثَنَا أحمد بن شعيب، أخبرني محمد بن
إسماعيل بن إبراهيم، حَدَّثَنَا أبو عامر، عن هشامٍ، عن قتادة، عن النَضْر،
عن بَشِيرِ بنِ نَهِيك، عن أبي هريرة: أن النبيَّ :﴿، قال: «مَنْ أَعْتَقَ
نَصِيباً له في مَمْلُوكِ، عَتَقَ من مالِه إن كان له مالٌ)»(٢).
قال هذا القائل: فهذا هو أصلُ هذا الحديثِ لا ذِكْرَ للسِّعايةِ فيه.
فكان جوابُنا له في ذلك: أن الذي في هذين الحديثين ليس بخلافٍ
لما في الأحاديث الأُوَلِ المرويَّة عن قتادة، ولكنَّه على التقصير من شعبة
وهشام عن حِفْطِ ما قد حَفِظَه سعيدٌ ومَنْ ذَكَرْناه معه عن قتادة ولما
حَفِظُوه عنه في هذا الحديث، ومن حَفِظَ شيئاً، كان أوْلى ممن قَصَّر عنه،
(١) إسناده صحيح، وهو عند النسائي في (الكبرى)) (٤٩٦٦).
ورواه مسلم (١٥٠٢) و١٢٨٧/٣ (٥٢) عن محمد بن المثنى وابن بشار، به.
ورواه أبو داود (٣٩٣٥) عن محمد بن المثنى وحده، به. ورواه أحمد ٤٦٨/٢ عن
محمد بن جعفر، به. ورواه مسلم ١٢٨٧/٣ (٥٣)، أبو داود (٣٩٣٥)، والدار قطني
١٢٥/٤ من طرق، عن شعبة، به.
(٢) إسناده صحيح، وهو عند النسائي في ((الكبرى)) (٤٩٦٧).
ورواه أبو داود (٣٩٣٦)، والنسائي في ((الكبرى)) (٤٩٦٨)، والدار قطني
١٢٦/٤-١٢٧ من طريق محمد بن المثنى، عن معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة،
عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة. قال أبو داود: ولم يذكر ابنُ المثنى النضر بن
أنس. ورواه أبو داود (٣٩٣٦) من طريق روح، عن هشام، به بذِكْر النضر بن أنس
فیه.
- ٦١٥-

كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة
وسعيدٌ فأوْلى الناس بقتادة، وأحفظُهم لحديثه، والذي لا يَعْدِلُه فيه أحدٌ
سواه قبل اختلاطِهِ، وحديثهُ الذي أُخِذَ عنه قبل اختلاطه هو ما يُحَدِّثُ
به عنه يزيدُ بن زُرَيْع وأمثالُه ممن يُحَدِّثُ عنه، فهم الحجة في ذلك.
فقال قائل: فقد روى همامٌ هذا الحديثَ عن قتادة، فخالف فيه
مَنْ ذكرت من رواتِه عن قتادة، وذكر
٣٠٦٥- ما قد حدثني غيرُ واحدٍ من أصحابنا، منهم: محمد بن
محمد بن الأشعث الكوفي، قالوا: حَدَّثْنَا محمد بن عبد الله بن يزيد
المقرى، حَدَّثْنَا أبي، حَدَّثْنَا همامٌ، عن قتادة، عن النّضْر بن أنس، عن
بَشِير بن نَهِيك، عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رجلاً أعْتَقَ شِقْصاً له
في مملوكٍ، فغَرَّمَه الْنِيُّ:﴿ّ بقيةَ ثمنه.
قال: فكان قتادة يقول: إن لم يكن مالٌ اسْتَسْعِيَ العبدُ(١).
قال: ففي هذا الحديثِ ذِكْرُ السِّعاية من قول قتادة، لا من نَفْس
الحديثِ.
فكان جوابُنا له في ذلك: أن الذي في هذا الحديث لا يوجب
خلافاً لما في الأحاديث التي ذكرناها قبله، لأن الذي في هذا الحديث إنما
هو ذِكُرُ قضاء كان من رسول اللهِ،فَ﴿ّ على مُعتِقِ نصيبٍ له في مملوك
(١) رواه البيهقي ٢٨٢/١٠ من طريق أحمد بن محمد بن حريث، عن محمد بن
عبد الله بن يزيد المقرئ، به. ورواه الدارقطني ١٢٧/٤، والبيهقي ٢٨٢/١٠ من
طريق علي بن الحسن بن أبي علي، عن عبد الله بن يزيد المقرئ، به. ورواه أبو داود
(٣٩٣٤) عن محمد بن كثير، عن همام، به. ولم يذكر في آخره قول قتادة.
-٦١٦-

كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة
بالضَّمان الذي قضى به عليه فيه، والذي في الأحاديث الأُوَل إنما هو
قولُ رسول الله: ﴿ الواجب على المعتق للعبد الذي بينه وبين غيره إن
كان مُوسِراً، والذي يجبُ على العبد إن كان مُعسِراً، وهذان معنيان
متباينان، وأوْلَى الأشياءِ بنا فيما رواه من يُرْجَعُ إلى روايته بالحمل على
موافقته بىالتصحيح، لا على مُضادّةٍ ما رواه غيرُه في ذلك، لا على
مخالفته إِيَّاه فيه، ويكون قتادةُ قد كان عنده بهذا الإسناد حديثان:
أحدهما فيه قولُ رسول اللهِ ﴾ في ذلك المعنى على ما رواه سعيدٌ ومَنْ
وافقه عليه، والآخر فيه ذِكْرُ قَضاء كان من رسول الله مَ﴿ في ذلك على
ما رواه عنه همامٌ، فيكون كلُّ واحدٍ منهما في معنىً غير المعنى الذي
جاءَ به صاحِبُه، ويكون الذي حكاه همامٌ، عن قتادة من السِّعاية التي
ذكرها عنه في حديثه على قول من قتادةً بذلك، لأخذِهِ ما قاله من
ذلك من الحديثِ الآخر الذي حَدَّثَ به عنه سعيدٌ ومَنْ ذكرناه معه،
حتّى تَتَّفِقَ الآثارُ كلَّها في ذلك وتأتلف، ولا يدفع شيء منها شيئاً.
و کیف یجوزُ أن يَدَعَ ما رواه سعید، ويحبی بن صَبیح، و جریرُ بن
حازم، والحجاج بن أرطاة، وأبادُ بن يزيد، عن قتادة في ذلك، مع
موافقة مَعْمِر بن راشد إيّاهم، عن قتادة في ذلك، وإن كان قد قَصَّرَ في
إسناده، واسْقَطَ منه رجلاً، ومع موافقة مَنْ سواه إِيَّهم عليه مع كثرة
عَدَدِهِمْ، ويَصيرُ إلى ما رواه مَنْ عَدَدُه أقلُّ من عددِهم، وإن كان ما
وري في ذلك لا يُخالِفُ مَا رَوَوْا، وإنما فيه التقصيرُ عما رَوَوْا ومن لم
يُقَصِّرْ، أُوْلَى بِقُبُولِ الرواية في ذلك ممن قَصَّرَ، وبالله التوفيقُ.
-٦١٧-

کتاب المعاملات - الرق والمكاتبة
٤٠٧- بابُ بيانِ مُشْكِل الواجبِ فيما اختلف فيه أهلُ العلم
في تمثیل الرجل بعبده من عتاق علیه بذلك ومن سواه مما
لا عتاق معه
٣٠٦٦- حَدَّثْنَا فهدُ بن سليمان، قال: حَدَّثْنَا عبد الله بن صالح،
قال: حَدَّثَنَا الليث بن سعد، عن عمر بن عيسى القُرَشي، ثم الأسدي،
عن ابن جُرَيْج، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، قال: جاءَتْ
جاريةٌ إلى عمر بن الخطاب، فقالت: إنَّ سيدي اتَّهمني فأقْعَدني على
النار حتى احتَرَقَ فَرْجِي، فقال لها عمرُ رضي الله عنه: هل رَأى ذلك
عليكِ؟ قالت: لا، قال: فاعتَرَفْتِ له بشيءٍ؟ قالت: لا. فقال عمر: عليّ
به. فلما رأى عمرُ الرجلَ، قال له: تُعَذِّبُ بعذاب الله عز وجل! قال: یا
أميرَ المؤمنين، اتَّهَمْتُها في نفسِها. قال: رأيت ذلك عليها؟ قال الرجل:
لا. قال: فاعتَرَفَتْ لك به؟ قال: لا، قال: والذي نَفْسي بيده، لو لم
أُسْمَعَّ رسولَ اللهِ﴿ يقول: ((لا يُقادُ مَمْلُوٌ من مالِكِه، ولا وَلَدٌ من
والده»، لأَقَدْتُها منك، فجَرَّدَه، فضربه مئةَ سوطٍ، وقال: اذْهَبِي، فأنت
حُرَّةٌ لِوَجْهِ الله عز وجل، وأنتِ مولاةٌ لله عز وجل ورسوله ﴿، أشهدُ
لَسَمِعْتُ رسولَ اللهِ مَ﴿ يقول: «مَنْ حَرَّقَ - وَسَقَطْ من الكتاب:
مَمْلُوكَه - بالنارِ، أو مَثَّلَ بِهِ مُثْلَةً، فهو خُرٍّ، وهو مَوْلى الله عز وجل
ورسوله ◌َ)(١).
(١) إسناده ضعيف جداً، عمر بن عيسى الأسدي، قال البخاري: منكر الحديث،
-٦١٨-

كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة
قال الليث: هذا أمرٌ معمولٌ به.
٣٠٦٧ - وحَدَّثْنَا إبراهيم بن أبي داود، قال: حَدَّثْنَا سعيدُ بن أبي
مريم، قال: أخبرنا ابنُ لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، قال: حدثني
ربيعةُ بن لَقِيط، عن عبد الله بن سَنْدَر، عن أبيه: أنه كان عبداً لِزْنْباع
بن سَلامة، فعتب عليه فخَصاه وجَدَعَه، فأتى رسولَ اللهِمَ ﴿، فأغلَظَ
لِزِنْبَاعِ القولَ، وأعتَقَه منه(١).
وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الأثبات، وقال العقيلي: مجهول بالنقل، حديثه
غير محفوظ ولا يعرف إلا به، له ترجمة في («الميزان)) ٣١٦/٣.
ورواه الحاكم ٢١٥/٢-٢١٦ و٣٦٨/٤، وعنه البيهقي ٣٦/٨ من طريق عبد الله
بن صالح، به. وقال: صحيح الإسناد، فتعقبه الذهبي في الموضع الأول بقوله: بل عمر
بن عيسى منكر الحديث.
ورواه ابن عدي في ((الكامل)) ١٧١٣/٥، ومن طريقه البيهقي ٢٦/٨ من طريق
عبد الملك بن شعيب، عن أبيه، عن الليث، به. قال ابن عدي: لا أعلم رواه عن ابن
جريج بهذا الإسناد غير عمر بن عيسى، وعن عمر بن عيسى هذا غير الليث، وهو
معروف بهذا، سمعت ابن حماد يذكر عن البخاري أنه مكر الحديث.
وأورده العقيلي في («الضعفاء) ١٨٢/٣ من طريق عمر بن عيسى الأسدي، به.
ورواه عبد الرزاق مختصراً جداً (١٧٩٣١) عن الثوري، عن عبد الملك بن أبي
سليمان، عن رجل منهم، عن عمر: أن رجلاً أقعد جاريةً له على النار، فأعتقها عمر.
(١) إسناده ضعيف، فيه عبد الله بن لهيعة، وهو سيئ الحفظ، وربيعة بن لقيط
روى عنه غير واحد، ووثقه العجلي وابن حبان.
ورواه البزار (١٣٩٤ - كشف الأستار) عن إبراهيم بن عبد الله، عن سعيد بن أبي
مریم، به.
-٦١٩-

كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة
قال أبو جعفر: فكان هذان الحديثان هما ما كان يحتجُّ به من
م
ذهب إلى عَتاقٍ المملوك على مولاه بتمثيله به مما يروى به مما يروى عن
رسول الله ﴿، وهم الذين يذهبون إلى قول مالكٍ، وإلى قول اللَّيثِ غيرَ
أن مالكاً كان يجعل ولاءَه لمولاه.
وكان ما يحتجُّون به لِمَا قالوه من ذلك أيضاً بما يُروى عن عمر
رضي الله عنه فيه.
٣٠٦٨- كما حَدَّثْنَا عُبيد بن رِجالٍ، قال: حَدَّثْنَا إبراهيم بن
محمد الشافعي، قال: حَدَّثْنَا داود بن عبد الرحمن العَطَّار، عن ابن
جُريج، قال: أخبرني أبو الزُبير: أن أبا يزيد القَدَّاح أخبره، قال: رأيتُ
عمرَ بنِ الْخَطَّاب جاءَتْه أُمَّةٌ سوداءُ، قد شُوِيَتْ بالنارِ، فاستَرْجَعَ عمرُ
حين رآها، وقال: من سَيِّدُك؟ فقالت: فلانٌ، فأُتِي به، فقال عَذَّبْتَها
بعذاب الله عز وجل، واللهِ لولا، لأقدتُها منك، فأعتَقَها، وأمَر به،
فحُلِدَ.
ورواه الطبراني (٦٧٢٦) من طريق النضر بن عبد الجبار، عن ابن لهيعة، به.
وروى عبد الرزاق (١٧٩٣٢) عن معمر وابن جريج، وابن ماجه (٢٦٨٠) عن
النضر بن شميل، والبيهقي ٣٦/٨ من طريق المثنى بن الصباح، أربعتهم عن عمرو بن
شعيب، عن أبيه، عن جده: أن زنباعاً أبا روح بن زنباع وَجَدَ غلاماً مع جاريته ...
فذ کروه بنحوه، وفي رواية ابن ماجه لم يُذكَر اسم زنباع.
وروى ابن ماجه (٦٧٩) من طريق إسحاق بن أبى فروة، عن سلمة بن روح بن
زنباع، عن جده: أنه قَدِم على النبي * وقد خَصى غلاماً له، فأعتقه النبي # بالمُثْلة.
- ٦٢٠-