Indexed OCR Text

Pages 521-540

كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة
٣٩٢ - بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله # في الخیارِ
الذي جعله لبريرة لما أعتقت هل هو کخیارها لو خيّرها
زوجها أو بخلاف ذلك
٢٩٣٢- حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ شعيب، حَدَّثْنَا أحمدُ بنُ عبد الواحد بن عُودٍ،
حَدَّثْنَا مروانُ - يعني الطَّاطَرِي-، حَدَّثَنَا الليثُ وذكر آخر قبلَه - يعني
ابن لهيعة-، قال: حَدَّثْنَا عُبيدُ الله بنُ أبي جعفر، عن الحسن بن عمرو
بن أمية الضَّمري أنَّه حدَّثه، أن رجالاً من أصحاب رسول الله صل
حَدَّثوه أن رسول الله ﴿، قال: (أَيُّما أمَةٍ كانت تحتَ عبدٍ، فَعَتَّقَتْ،
فهي بالخيارِ ما لَم يَطَأْهَا زَوْجُها)).
هكذا روى مروانُ هذا الحديثَ عن ابن لهيعةَ والليث، واللفظ
واحد، وقد رواه ابنُ وهب عنهما بألفاظ مختلفة:
٢٩٣٣- كما حَدَّثْنَا يونسُ، أنبأنا ابنُ وهبٍ، قال: وأخبرني ابنُ
لهيعة، عن عُبيدِ الله بن أبي جعفر، عن الفضل بن حسن الضَّمري،
قال: سمعتُ رجالاً من أصحابِ رسول الله ﴿ يتحدَّقون عن رسولِ
الله ﴿ أَنَّه قال: ((إذا عَتَقَتِ الأمةُ وهي تحتَ عبدٍ، فأمرُها بيدها، فإن
هي أَقَرَّتْ حتّى يطأها، فهي امرأتُه لا تستطيعُ فِراقَم)(١).
(١) رواه أحمد ٣٧٨/٥ عن الحسن بن موسى، عن ابن لهيعة، به.
وروه بنحوه أحمد أيضاً ٦٥/٤ و٣٧٨/٥ عن يحيى بن إسحاق، عن ابن لهيعة،
عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن الفضل بن عمرو بن أمية، عن أبيه، قال: سمعت
رجالاً يتحدثون عن النبي ﴾.
-٥٢١-

كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة
٢٩٣٤- وحَدَّثْنَا يونس، أنبأنا ابنُ وَهْبٍ، وأخبرنيه الليثُ بنُ
سعد، عن [ابن] أبي جعفر، عن الضمريَّ، عن رسول الله / مثله(١).
فعقلنا بذلك أنَّ مروانَ جاءَ بهذا الحديثِ بروايته إِيَّاه عن ابنٍ
لهيعة والليث كما رواه عنهما وكان في الحقيقة هذا اللفظُ الذي رواه
به إنما هو لفظُ ابن لهيعة وأنَّ حديث الليث يخالَفُه على ما ذكرناه عن
كُلِّ واحدٍ منهما من رواية ابن وهب عنهما.
٢٩٣٥ - وحَدَّثْنَا يونسُ، حَدَّثْنَا ابنُ وهب، أخبرني ابنُ لهيعة،
عن محمد بنِ عبدِ الرحمن، عن القاسم بن محمد، أن عائشة زوجَ النبيِّ
وَ﴿ رضيَ الله عنها أخبرته أنَّ بريرة كانت تحتَ عبدٍ مملوك، فلما
عَتَقَتْ، قال لها رسول الله لَ ﴿: ((أنْتِ أَمْلَكُ بنفسِكِ، إن شئتِ أقمتٍ
مع زوجك، وإن شئتِ فارقتيه ما لم يَمَسَّكِ))(٢).
٢٩٣٦- وحَدَّثَنَا إبراهيمُ بن أحمد بن مروان الواسطيُّ، حَدَّثْنَا
محمدُ بنُ إبراهيم بن العلاء الكَلاعي أبو عبد الله الشامي، حَدَّثَنَا شعيبُ
بنُ إسحاق الدمشقي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أن
(١) هذا مرسل وفيه انقطاع، قال ابن أبي حاتم في ((المراسيل)) ص ١٨٠: حَدَّثْنَا
أبي، حَدَّثَنَا إبراهيم بن المنذر، حَدَّثْنَا ابن وهب، قال: قال الليث بن سعد: لم أسمع من
عبيد الله بن أبي جعفر إنما كان صحيفة كتب إلي ولم أعرض عليه.
(٢) رواه مطولاً أحمد ٤٥/٦-٤٦، ومسلم (١٥٠٤)، والنسائي ١٦٢/٦ -
١٦٣، وابن حبان (٤٢٦٩) من طريق عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، به، بنحوه،
وليس فيه («ما لم يمسك)).
- ٥٢٢-

كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة
النبيَّ ◌َ﴿ قال لِبريرة في حديثِ عتاقِها وتخييره ﴿ إياها: (إِنّه إنْ وَطِئَكِ،
فلا خِيارَ لكِ))(١).
٢٩٣٧- حَدَّثَنَا إسحاقُ بنُ إبراهيم بن يونس، حَدَّثْنَا موسى بنُ
عبد الرحمن الأنطاكي، وهو المعروف بالقَلاءِ، حَدَّثَنَا محمد بن سَلَمَة،
عن ابن إسحاق، عن أبي جعفر، وأبانَ بنِ صالح، عن مجاهد، وهشام
بن عُروة، عن أبيه، عن عائشة رضيَ اللهُ عنها أن بريرةً أُعْتِقَتْ،
فخيَّرها رسولُ اللهِ﴿ وقال لها: ((إن قَرِبَكِ، فلا خَيَارَ لَكٍ)(٢).
قال أبو جعفر: فكانَ فيما رويناه أنه يَقْطعُها عنِ اختيارِها نفسَها
مِن زوجها قُربه إيّاها، وذلك مما لا يكونُ منه إليها في المجلس الذي
أعلمها رسولُ الله:﴿ بذلك فيه، فَدَلَّ ذلك أن الخيارَ يكون لها بعدَ
قيامها مِن مجلسها الذي عَلِمَتْ فيه بوجوبِ الخيار لها حتى يكون منها
ما يقطعُها عن ذلك من تخلية منها بينَ زوجها وبينَها أن يَفْعَلَه بها مما لا
يَصْلُحُ له أن يفعلَه بها إلا وتزويجُه ◌َيَّاها قائمٌ بينه وبينها كما يقولُه أهلُ
المدينةِ في ذلك، لا كما يقولُه الكوفيون فيه من أنَّ الخِيارَ إنما يجبُ لها
(١) إسناده ضعيف جداً، محمد بن إبراهيم بن العلاء الكلاعي منكر الحديث،
وعامة أحاديثه غير محفوظة، وكذبه ابن حبان والدارقطني.
ورواه البيهقي ٢٢٥/٧ من طريق أحمد بن علي الخزاز، عن محمد بن إبراهيم، به.
وقال: تفرد به محمد بن إبراهيم.
(٢) رواه أبو داود (٢٢٣٦) ومن طريق البيهقي ٢٢٥/٧ عن عبد العزيز بن يحيى
الحراني، عن محمد بن سلمة، بهذه الأسانيد.
- ٥٢٣-

كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة
في مجلسها الذي تَعْلَمُ بذلك فيه ما لم تَقُمْ منه، أو تأخذْ في عملٍ آخر،
أو في كلامٍ آخر، وإذا كان ذلك كذلك في قربه لها باختيارها، كان
كذلك تمكينُها إياه من تقبيله إيَّاها ومما سوى ذلك ما لا يَحِلُّ له منها
إلا والتزويجُ الذي بينهما قائم كما هو، وذلك منها كهِيَ لو قالت
بلسانها: قد اخترت زوجي.
وهذا يَدُلُّ على أن مَنْ كان إليه إيقاعُ طلاقٍ على واحدةٍ من
زوجتيه بقوله لهما: إحداكما طالقٌ أنه يقطعُهُ عن ذلك قربه إحداهما،
وأنه يكون بذلك مختاراً لها بقربه إيّاها.
ومِثْلُ ذلك في قوله لأمَتَيْهِ: إحداكما حُرَّةٌ، فيكون له الخيارُ في
إيقاع ذلك العتاقِ على إيّتهما شاء، فلا يُوقعه حتى يُجَامعَ إحداهما
وهو بذلك الجماعِ مختارٌ لها، كقوله بلسانه: قد اخترتُها.
ومثلُ ذلك الأمةُ يبتاعُها فَيُصيب بها عيباً يوجبُ لها به ردّها على
بائعها إِيَّه، فلا يفعَلُ ذلك حتى يكونَ منه إليها ما لا يَحِلُّ له منها إلا
بملكه لها، فيكون ذلك قاطعاً له عن رَدِّها بذلك العيب على بائعها أَيَّاه،
ويكون ذلك منه كقوله بلسانه: قد رضيتُها بعيبها.
ومما يؤكد هذا القولَ أيضاً ما قد رويناه فيما تَقَدَّم منا في هذه
الأبواب فيما كان في بريرة عن ابن عباس أنها لما خُيِّرَتْ كان يرى
زوجَها يتبَعُها في سكك المدينة ودموعُه تسيلُ على لحيته، فدل ذلك
على أنها قد كانت هي أيضاً تتصرَّف في أسباب نفسها، ولا يقطعها
ذلك عن استعمال الخيار الذي لها في نفسها لو استعملته.
ومما يؤكد ذلك أيضاً كلامُ رسول الله :﴿ إِيَّاها بعد أن أعلمها
- ٥٢٤-

كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة
وجوبَ الخيار لها في زوجها، وقوله له: ((زوجُك وأبو ولدك))، فقالت
له جواباً عن ذلك ما قالت، واختارت نَفْسَها، ولم يَرَ رسولُ الله ◌َ﴿
ما كان منها قبلَ ذلك قاطعاً لها من تتبع زوجها إِيَّها وهي في ذلك
متنقلة من مكان إلى مكان مع وقوف النبيِّ ◌َ على ذلك منها،
وإمضائه بعد ذلك خيارها لنفسها.
وقد جاء عن مَنْ بعدَ رسولِ الله :﴿ في ذلك ما يُؤكِّدُ هذا
المعنى.
٢٩٣٨- كما قد حَدَّثْنَا يونسُ، أنبأنا ابنُ وهبٍ أن مالكاً حدَّثه
عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير أن مولاة لبني عدي يقال لها: زبراء
أخبرته أنَّها كانت تحتَ عبدٍ وهي أمةٌ يومئذٍ، فأُعتقت، قالت: فأرسلت
إليَّ حفصة زوجِ النبيِّ ﴿ فدعتني، فقالت: إني مُخْبِرَتُكِ خبراً، ولا
أُحِبُّ أن تصنعي شيئاً إِنَّ أَمْرَكِ بِيَدِكِ ما لم يَمَسَّكِ زوجُكِ، قالت:
ففارقته ثلاثاً(١).
٢٩٣٩ - وحَدَّثْنَا يحيى بنُ عثمان، حَدَّثْنَا نعيمُ بنُ حماد، أنبأنا ابنُ
المبارك، قال: وأنبأنا موسى بنُ عُقبة، عن نافعٍ، عن عبدِ الله - يعني ابنَ
عمر - أنه كان يقولُ: إذا كانت الأمةُ تحتَ عبدٍ، فأصابتها عتاقةٌ، فإنها
تخير ما لم يَمَسَّها إن شاءَتْ كانت امرأته، وإن شاءت فَارَقَتْه، فإن
قرب حتى يُجامعها لم تستطع أن تنتزع منه(٢).
(١) زبرا لا تُعرف، وهو عند مالك في (الموطأ) ٥٦٣/٢، ومن طريقه رواه
الشافعي ٤٠/٢، والبيهقي ٢٢٥/٧.
(٢) رواه مالك ٦٥٣/٢، ومن طريقه البيهقي ٢٢٥/٧، ورواه ابن أبي شيبة
- ٥٢٥-

كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة
وكما حَدَّثْنَا يحيى، حَدَّثْنَا نعيمٌ، حَدَّثَنَا ابنُ المبارك، قال: أنبأنا
ابنُ جريجٍ، عن عطاء، قال: إن أصابها العبدُ قبلَ أن تعلمَ أنَّ لها الخيارَ،
فلها الخيارُ عليه، وإن أصابها مبادرة، قال: بئسما صَنَعَ.
قال أبو جعفر: وفي قوله: إن أصابها قبل أن تعلمَ أنَّ لها الخيارَ ما
قد دَلَّ على أنّه لو أصابها - وهي تعلمُ- لم يكن لها خيار. والله أعلم.
٣٩٣- بابُ بیانِ مُشْكِل ما رُوِي عن رسول الله /# من قوله
فيما تصدق به على بريرة فأهدته إلى عائشة: ((هُوَ عَلَيْها صَدَقَةٌ
ولّنَا هَدِیَّةٌ»
٢٩٤٠- حَدَّثْنَا يونسُ، أنبأنا ابنُ وهبٍ، قال: وأخبرني مالكٌ،
عن رَبِيعَةَ، عن القاسمِ بنِ محمدٍ، عن عائشة زوجِ النّبِيِّ ◌َ﴿ رضي الله
عنها، أنها قالت: كان في بريرة ثلاثُ سُنَنٍ، فكانت إحدى السُّنن
الثلاث: أنها أعتقتْ، فَخُيِّرَتْ في زوجها، وقال رسولُ الله ◌ِ﴾.
(الوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ) ودَخَلَ رسولُ اللهِلَّهِ وَالْبُرْمَةَ تَفُورُ بلحمٍ، فَقْرِّبَ
إليه خبز وأُدْم من أُدْم البيت فقال رسولُ اللهِ ﴾: ((أَلَم أَرَ بُرْمَةً فِيها
لَحْمٌ؟» قالوا: بلى يا رسولَ الله، ولكن ذلك لحم تُصدق به على بريرة،
وأنت لا تأكل الصدقةَ، فقال رسولُ الله: ﴿: ((هُو عليها صدقة، وهو
٢١٢/٤، والبيهقي ٢٢٥/٧ من طريق عبيد الله بن عمر، كلاهما عن نافع، به.
-٥٢٦-

كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة
لنا منها ھدیة»(١).
٢٩٤١- وحَدَّثْنَا محمد بن أحمد الجواربي، حَدَّثْنَا عُبيدُ اللهِ بن
معاذ العنبريُّ، حَدَّثْنَا أبي، حَدَّثْنَا شُعْبَةُ، عن قتادة، سَمِعَ أنسَ بنَ مالكٍ
رضي الله عنه يقول: أَهْدَتْ بريرةُ إلى النبيِ﴿ لحماً تُصُدِّق بها عليها،
فقال رسولُ اللهِ ﴿: ((هُو لنا هَدِيَّةٌ، وعليها صَدَقَةٌ)(٢).
قال أبو جعفر: وفي هذا البابِ أحاديثُ سوى هذه قد أتينا
ببعضها فيما تقدَّم منا في هذه الأبواب، ومما سنأتي بها في بقية هذه
(١) إسناده صحيح، وهو في ((شرح معاني الآثار) ١٢/٢ بإسناده مختصراً بقصة
الصدقة. ورواه مسلم (١٠٧٥) (١٧٣) و(١٥٠٤) (١٤) عن أبي الطاهر، والبيهقي
٣٢٨/١٠ من طريق محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، كلاهما عن ابن وهب، به.
وهو في ((موطأ مالك)) ٥٦٢/٢، ومن طريقه رواه البخاري (٥٠٩٧)
و(٥٢٧٩)، والنسائي ١٦٢/٦، وابن حبان (٥١١٦)، البيهقي ١٦١/٦، والبغوي
(١٦١١).
ورواه أحمد ٤٥/٦-٤٦ و١١٥ و١٧٢ و١٧٨ و١٨٠ و٢٠٧، وأبو داود
الطيالسي (١٤١٧)، والبخاري (٢٥٧٨)، ومسلم (١٠٧٥)، و(١٥٠٤)، والنسائي
١٦٢/٦-١٦٣ و١٦٥-١٦٦، وابن ماجه (٢٠٧٦)، وأبو يعلى (٤٤٣٦)، وابن
بان (٥١١٥)، والبيهقي ٢٢٠/٧، و٣٣٨/١٠ من طريق القاسم به.
(٢) إسناده صحيح، ورواه مسلم (١٠٧٤) (١٧٠) عن عبيد الله بن معاذ
العنبري، به. ورواه أبو داود الطيالسي (١٩٦٢)، وأحمد ١١٧/٣ و١٣٠ و١٨٠
و٢٧٦، والبخاري (١٤٩٥) و(٢٥٧٧)، ومسلم (١٠٧٤) (١٧٠)، وأبو داود
(١٦٥٥)، والنسائي ٢٨٠/٦، والبيهقي ٣٣/٧ من طرق عن شعبة، به.
-٥٢٧-

كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة
الأبواب. وهذا عندنا -والله أعلمُ- لأن تلك الصدقة خرجت مِن لك
مَنْ تصدَّقَ بها على بريرة إلى مِلك بريرةَ إِيَّاها، وخرجت بَعْدَ ذلك مِن
مِلكها إِيَّاها إلى مِلك مَنْ أهدتها إليه ممن تحرم عليه الصدقة إما لِنسبه،
وإما لما سوى ذلك من يساره، وكانت له حلالاً إذا كان إنما ملكها
بالهديةٍ لا بالصدقة.
وقد استدل قومٌ بهذا إلى إباحة الهاشميِّ العملَ على الصدقةِ،
والاجتعالَ منها، وإن كانت الصدقةُ عليه حراماً، لأنه يأخذ ما يأخذُ
بعمله عليها لا بصدقة أهلها به عليه، وممن قال ذلك منهم أبو يوسف،
وكره ذلك آخرون، لأنَّ الصدقة إنما تخرج من مِلك ربِّها إلى
مستحقيها، وفيهم العاملون عليها، فإذا كانت لا تَحِلُّ هم لم يَحِلَّ لهم
أن يأخذوُها جُعلاً على عملهم عليها، لأنهم يأخذون ما هو حرام
عليهم.
فقال قائل: فقد رأينا الغنيَّ جائزاً له أن يعمل عليها، وأن يأخُذَ
عُمَالَتّه منها، ولم تحرم بخروجها مِن مِلك المتصدِّق بها إلى ملكه، قال:
فمثل ذلك ذو النَّسبِ الذي تحرم عليه الصدقةُ بنسبه في عمله على
الصدقة، وفي أخذه ما يأخذه منها بعمالته عليها، كذلك أيضاً لا تحرم
عليه وإن كان إنما يخرج مِن مِلك المُتَصَدِّق بها إلى مِلكه.
فكان جوابنا له في ذلك: أنا لو خُلِينا والقياس، لكان هو ما قد
ذكر، ولكن رسول الله ﴿ كان منه في ذلك ما قد دَلَّ على خِلافٍ
هذا المعنى.
- ٥٢٨-

كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة
٢٩٤٢- كما قد حَدَّثْنَا أبو ◌ُمية، حَدَّثْنَا قبيصةُ بنُ عقبة، حَدَّثْنَا
سفيانُ الثوري، عن موسى بنِ أبي عائشة، عن عبد الله بن أبي رزين،
عن أبيه، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: قُلْتُ للعباسِ:
سلِ البي ﴿ أن يستعمِلَك على الصدقات، فسأله، فقال: «ما كنت
لِأَسْتَعْمِلَكَ على غُسالَةِ ذنوبِ الناسِ))(١).
فعقلنا بذلك أن رسولَ اللهِ﴿ إنما كَرِهَ للعباس استعمالَه على
الصدقة لِرفعته إياه أن يكونَ عاملاً على غُسالة ذنوبِ الناس، لا لما
سوى ذلك من حِلها له لو عَمِلَ عليها.
ومثلُ ذلك ما قد رُوِيَ عنه في أبي رافع للولاءِ الذي له في بني
هاشم.
٢٩٤٣- كما قد حَدَّثْنَا بكارُ بنُ قتيبة وإبراهيمُ بن مرزوق،
قالا: حَدَّثْنَا وهبُ بنُ حِرير، حَدَّثْنَا شُعبة، عن الحكم، عن ابن أبي
رافع مولى رسولِ الله ﴿، عن أبيه أنَّ رسولَ اللهِلَ ﴿ بعث رجلاً مِن
بني مخزوم على الصَّدَقَة، فقال لأبي رافع: اصْحَبْني كيما تُصيبَ منها،
فقال: حتى آتي النبيَّ :﴿ فأسأله، فأتاه فسأله، فقال: ((إنَّ آلَ مُحَمَّدٍ لا
تَحِلُّ لَهُمُ الصَّدَقَةُ، وإِنَّ مَوْلى القَوْمِ مِن أنفسهم))(٢).
(١) إسناده ضعيف، عبدُ الله بن أبي رزين مجهول. وقد رُوِيَ هذا الحديث ضمن
قصة عند مسلم (١٠٧٢) فانظره.
(٢) إسناده صحيح، وهو في ((شرح معاني الآثار)) ٨/٢ بإسناده ومتنه.
ورواه ابنُ أبي شيبة ٢١٤/٣، وأحمد ٣٩٠/٦، وأبو داود (١٦٥٠)، والترمذي
ے
- ٥٢٩-

كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة
٢٩٤٤ - وكما حَدَّثْنَا الربيعُ المراديُّ، حَدَّثْنَا أسدُ بنُ موسى،
حَدَّثَنَا ورقاءُ بن عمر، عن عطاء بن السائب، قال: دخلتُ على أمِّ
كلثوم ابنة علي، فقالت: إنَّ مولى لنا يُقال له: هُرمز أو كَيْسَان،
أخبرني أنه مر على رسولِ الله لم ﴾، قال: فدعاني فجئتُ، فقال: (يا
فلانٌ إِنَّا أهلَ بيتِ لا نأْكُلُ الصَّدَقَة، وإِنَّ مولى القومِ مِن أنفسهم، فلا
تأكل الصَّدقةَ)(١).
٢٩٤٥- وكما حَدَّثْنَا يحيى بنُ عثمان، حَدَّثَنَا نعيمٌ، حَدَّثَنَا ابنُ
المبارك، أنبأنا سفيانُ، عن عطاء بن السائب، عن أمّ كلثوم، عن مولى
للبيِّ ◌َ ﴿ يقال له: ميمون أو مِهران أنه قال: (يا ميمون -أو مهران-
إِنَّا أَهْلَ بَيتٍ نُهِينَا عن الصَّدَقَّةِ، وإنَّ مِوالِيْنَا مِن أَنْفُسِنا، فلا تَأْكُل
الصَدَقَةَ(٢).
(٦٥٧)، والنسائي ١٠٧/٥، وابن خزيمة (٢٣٤٤)، والطبراني (٩٣٢)، والحاكم
٤٠٤/١، والبيهقي ٣٢/٧ من طرق عن شعبة، به.
(١) حسن بطرقه وشواهده، والحديث في ((شرح معاني الآثار)) ٩/٢. وأورده
الحافظ في (الإصابة)) ٢٣٢/٦ فيمن اسمه مهران. ورواه الطبراني ٢٠/ ٧٣٧) من
طريق المقدام بن داود، عن أسد بن موسى، به. ورواه البخاري في ((تاريخه)) ٤٢٨/٧
عن مسدد، عن حماد بن زيد، عن عطاء بن السائب، قال: سمعت أم كلثوم بنت علي
أن النبي ﴾ قال لمولى لنا يقال له: كيسان -أو قالت: هرمز -: ((يا كيسان ... ).
(٢) رواه عبد الرزاق (٦٩٤٢)، ومن طريقه رواه أحمد ٣٤/٤ -٣٥، والطبراني
٢٠/(٨٣٦) عن سفيان الثوري، به. ورواه البخاري في ((تاريخه) ٤٢٧/٧-٤٢٨ عن
أبي نعيم، وأحمد ٤٤٨/٣، وابن أبي شيبة ٢١٥/٣ عن وكيع، والبيهقي ٣٢/٧ من
- ٥٣٠-

كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة
وقد عَقَلْنا في حديث أبي رافع الذي قد رويناه في هذا البابِ أنه
لم يُرِدْ به في اتباع المخزمي الوالي على الصدقة أن يُصيبَ منها إلا ما
يكونَ عُمالة له، لا لما سوى ذلك منها، فقال له رسولُ الله {﴿ في
ذلك ما قاله له فيه، وكان ذلك عندنا -والله أعلم- كما قال مثله
لِلعباس لما سأله أن يستعمِلَه على الصدقةِ التي هي غُسالة ذنوبِ الناس،
لا على أنَّهم لو عَمِلُوا عليها لم يَحْرُمْ عليهم ما يأخذونه منها بعَمالتهم
عليها، كما لا يَحْرُمُ ذلك على الغنيِّ إذا عَمِلَ عليها بالغنى الذي يحرم
به عليها مثلُها، فهذا وجه هذه الآثار، والله أعلمُ بمراد رسول الله 8 4*
فيها. والله نسأله التوفيق.
٣٩٤- بابُ بیانِ مُشْکل ما رُوِي عن رسول الله ﴾﴾ فیما کان
منه في بريرة لما سأل أهلُها عائشةً أن يكونَ ولاؤها لهم
بأدائها مكاتبتها إليهم أو بابتياعها إيَّاها، أو إعتقاها بعد ذلك
قال أبو جعفر: وقد ذكرنا فيما تقدم منا في كتابنا هذا حديث
مالكِ بنِ أنس، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشة مِن قول
رسولِ الله ﴿ لِعائشة لما أبى أهلُ بريرةَ أن يبيعوها إلا أن يكونَ
ولاؤها لهم: ((خُذُيها واشترطي لهم الولاءَ، فإنما الولاءُ لِمَنْ أعتقَ)).
فتأملنا هذا الحديثَ، فوجدنا فيه مِن قول رسول الله : ﴿ لعائشة
طريق قبيصة بن عقبة، ومحمد بن كثير، أربعتهم عن سفيان، به.
- ٥٣١-

كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة
في بريرة: ((خُذِيها واشتَرِطِي هُمُ الولاءَ) يعني لأهلها، ((فإنها الولاءُ لِمَنْ
أغْتَقَ))
فقال قائل: فكيف تقبلون على رسول الله 8# إطلاقَه لِعائشة
اشتراطاً في ولاء بريرةَ إِيَّها لأهلها، وذلك مما لا يَصحُّ لهم، إذ كانت
شريعته تمنع من ذلك، وتَرُدُّ ولاءَ مَنْ أعتق إلى مَنْ أعتقه، وهو عليه
السَّلامُ لا يقولُ إلا حقاً، ولا يأمُرُ أحداً باشتراطِ ما لا يجبُ للمشترط
له.
فكان جوابُنا له في ذلك: أنَّ الذي نفاه من ذلك عن رسولٍ
اللّه ◌َلّ قد سبقناه إليه، فنفيناه عنه في غير هذا الموضع، وكان هذا المعنى
في حديث عائشة هذا لم نَجِدْهُ إلا في حديثِ هشامٍ هذا (١)، ولم نحده
في حديثِ هشام إلا من رواية مالكٍ عنه، فأما مَنْ سواه وهو عمرو بن
الحارث والليثُ بن سعد، فقد رويا عن هشام بن عروة، فخالفا مالكاً
فيه؛ وهو أنهما روياه على أن السؤالَ لِولاء بريرة إنما كان مِن عائشة
لأهلها بأدائها عنها مكاتبتها إليهم، فكان مِنْ رسول الله ﴿ عندَ ذلك
قولُه لعائشة: ((لا يَمْنَعكِ ذلك منها ابْتَاعِي وأعْتِقِي، فإنّما الوَلاءُ لِمَنْ
(١) قال البغوي في ((شرح السنة)) ١٥٥/٨: هذه اللفظة تفرد بها هشام بن عرو،
لم يوافقه عليها أحد من الرواة، فإن ابنَ شهاب روى عن عُروة، عن عائشة أنَّ النبي
# قال لها: ((ابتاعي وأعتقي، فإنما الولاء لمن أعتق)، وقالت عمرة عن عائشة:
((ابتاعيها وأعتقيها، فإنما الولاء لمن أعتق))، وقال القاسم عن عائشة: ((اشتريها
وأعتقيها فإنما الولاء لمن أعتق))، ولم يذكر أحد منهم: ((واشترطي لهم الولاء)).
- ٥٣٢ -

كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة
أعتَقَ)، فكان ذلك دلالة من رسول الله ﴿ إِيَّاها على الموضعِ الذي
يكونُ به ولاء بريرة لها وهو ابتياعُها إِيَّاها على الموضعِ الذي يكونُ به
ولاء بريرة لها وهو ابتياعُها إِيَّاها وإعتاقُها لها بعد ذلك، وهذا خلاف
ما في حديث مالك عن هشام بن عروة الذي ذكرنا قد رُوِيَ عنها
بخلاف اللفظِ الذي ذكرناه.
٢٩٤٦- وهو ما قد حَدَّثَنَا المزنيُّ، حَدَّثْنَا الشافعيُّ، عن مالك بن
أنسٍ، عن هشام بن عروة، ثم ذكر مثلَ حديث ابن وهب عن مالك،
عن هشام بن عروة الذي ذكرناه في: باب بيان مشكل ما رُوِيّ عن
رسول الله﴾ فيما يَدُلُّ على مرادِ الله عز وجل بقوله في آية المكاتبين:
﴿وَآتُوهِمِ مِنْ مَالِ اللّه الذي آتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣] فيما تقدم منا في كتابنا
هذا، غير أنه قال: ((خُذِيهَا وأشرطي، فإنما الولاء لمن أعتق))، فكان
ذلك خلاف ما في حديث ابنٍ وهبٍ، عن مالك، عن هشام: «خُذِيها
واشْتَرِطِي الوَلاَءَ لَهُمْ))، لأن معنى: ((وأشرطي) قد يحتمل أن يكون أراد
به: وأظهري، لأن الإشراط في كلام العرب: هو الإظهار، وأنشد قول
أوْس بن حجر:
فَاشْرَطَ فيها نَفْسَهُ وهو مُعْصِمٌ
وألْقَى بِأسْبَابٍ لَهُ وتَوكَّلا(١)
أي: أظهر نفسه، وكان منه بعد ذلك ما كان.
فمثلُ ذلك مما قد يحتمل أن يكونَ﴿* أراد بقوله: وأشرطي، أي:
(١) البيت في ديوان أوس ص٢١، وهو في ((معجم مقاييس اللغة) ٢٦٠/٣.
- ٥٣٣-

كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة
أشرطي لهم الولاءَ الذي يُوجبُه عتاقُك أنه يكونُ على ما تُوجِبُه الشريعةُ
فيه لمن یکونُ ذلك العتاق منه دون من سواه.
وقد كان بعضُ الناسِ يذهبُ إلى معنى قوله: «واشترِطِي لَهُمُ
الوَلاَءَ) على ما في حديث ابنِ وهبٍ عن مالك، عن هشام إنما هو:
(واشترِطي عليهم الولاءَ)، فممن قال ذلك عبدُ الملك بن هشام
النحوي، كما حدثني محمدُ بن العباس، قال: سألتُ عبد الملك بنَ
هشام عن قول النبي # لِعائشة في بريرة: ((واشْتَرِطي الولاء لهم)، قال:
معناه: واشترطي الولاء عليهم، قال: فقلتُ له: فهل مِنْ دليلٍ على
ذلك؟ قال: نعم، قولُ الله عز وجل: ﴿إِنْ أحْسَتُمْ أحْسَهُمْ
لِأنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأَتَمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧]، بمعنى: فعليها.
فذكرت ذلك لأحمدَ بنِ أبي عمران، فقال لي: قد كان محمد بن
شجاع(١) يحملُ ذلك على معنى آخر وهو الوعيدُ الذي ظاهره الأمرُ،
وباطنُه النهي، ومنه قولُ الله عز وجل: ﴿وَاسْتَغْرِهُ مَنْ اسْتَمْتَ مِنْهُم
بِصَوْتِكَ وأجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَتِكَ وَجِلِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤] وقوله عز وجل:
﴿اَعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]، ليس ذلك على إطلاقه ذلك لهم،
ولكن على وعيده إِيَّهم إن عملوا ذلك ما أوعد أمثالهم على خلافهم
أمرَه، وقال: ألا تراه ﴿ قد أُتْبَعَ ذلك صعودَه المنبرَ، وخُطبته على الناس
(١) انظر ((سير أعلام النبلاء) ٣٧٩/١٠.
- ٥٣٤ -

كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة
بقوله لهم: ((ما بالُ رجال يشترطُون شروطاً لَيْسَتْ في كتابِ الله
تعالى -وكتاب الله تعالى أحكامه-، كُلُّ شرطٍ لَيْسَ في كتابِ الله،
فهو بَاطِلٌ، وإن كان مئةَ شَرْطٍ)، ثم أتْبَعَ ذلك بقوله: ((فإِنّما الوَلاءُ
لِمَنْ أَغْتَق)).
قال أبو جعفر: وإذا كان مالكٌ قد روى هذا الحديثَ عن هشام
بن عروة كما ذكرناه عنه، وخالفه فيه عن هشام عمروٌ والليث، كان
اثنان أولى بالحفظِ مِن واحد. وقد رُوِيَ حديثُ عائشة هذا من غيرِ هذا
الوجه، فممن رواه على خلافٍ ذلك عبدُ الله بنُ عمر، فبعضُهم يجعَلُه
عن ابنٍ عمر، عن عائشة، وبعضُهم يجعلُه عن ابنِ عمر، عن النبيِّ # في
قصة عائشة.
٢٩٤٧- كما قد حَدَّثْنَا يونسُ، أنبأنا ابنُ وهبٍ أن مالكاً أخبره،
عن نافع، عن ابن عمر: أن عائشة رضي الله عنها أرادت أن تَشْتَرِيَ
بريرةَ فَتُعْتِقَها، فقَالَ أهلُها: نَبِيعُكِهَا على أنَّ الولاءَ لنا. فذكرت ذلك
لِرسول الله ﴿، فقال: (لا يَمْنَعُكِ ذلك، فَإِنَّمَا الوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَق)(١).
٢٩٤٨- وكما حَدَّثْنَا المزنيُّ، حَدَّثْنَا الشافعيُّ، عن مالكٍ، عن
نافعٍ، عن ابنِ عمر، عن عائشة، ثم ذكر هذا الحديثَ.
(١) إسناده صحيح، وهو في ((شرح معاني الآثار)) ٤٢/٤ بإسناده ومتنه.
وهو في «الموطأ)) ٧٨١/٢، ومن طريق مالك رواه البخاري (٢١٦٩) و(٢٥٦٢)
و(٦٧٥٢) و(٦٧٥٧)، ومسلم (١٥٠٤) (٥)، وأبو داود (٢٩١٥)، والنسائي
٣٠٠/٧، والبيهقي ٣٣٧/١٠، والبغوي (٢١١٣).
-٥٣٥-

كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة
فاختلف ابنُ وهب والشافعيُّ على مالكٍ في إسنادِ هذا الحديث
على ما ذكرناه مِن اختلافهما عنه فيه، فنظرنا هل نجده مِن رواية غيرِ
مالك عن نافعٍ، فيقوى في قلوبنا على أنه كما رواه الذي يُوافِقُ ذلك
من ابن وهب، ومن الشافعي عن مالك:
٢٩٤٩- فوجدنا يزيدَ بنَ سِنان قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثْنَا محمدُ بنُ
كثير العبدي، أنبأنا همَّامُ بنُ يحيى، عن نافعٍ، عن ابنِ عمر: أنَّ عائشةَ
رضي الله عنها ساومت ببريرة، فلما رَجَعَ النُّيِلَ﴿ّ قالت: أَنَّهُمْ أَبَوْا
أنْ يبيعوني إلا أن يشترِطُوا الولاءَ، فقال النبيُّمَ﴾: ((إنّما الوَلاءُ لِمَنْ
أعْتَقَ)).
فقوي في قلوبنا أن يكونَ حديثُ مالك كما رواه عنه ابنُ وهب،
لا كما رواه الشافعي، وقد روى حديث عائشة هذا عنها الأسودُ بنُ
يزيد، فراوه أربعة عن إبراهيم، عنه، فاختلفوا عليه فيه
منهم: الحكمُ بنُ عُتَيبة:
٢٩٥٠- كما حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ مرزوقٍ، حَدَّثْنَا بشرُ بنُ عمر
الزهرانيُّ، حَدَّثْنَا شعبةُ، عن الحكم بن عتيبة، عن إبراهيمَ، عن الأسود،
عن عائشة: أنها أرادت أن تشتريَ بريرةٌ، فَتُعْتِقها، واشترط موالِيها
ولاءَها، فذكرت ذلك لِرسول الله﴿، فقال: «اشْتَرِي، فَأَعْتِقيها،
فإِنَّمَا الوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ)، وَخَّرَها رسولُ اللهِعَ ﴿ على زوجها، وأتي
النِيُّ ◌َ﴿ُ بِلَحْمٍ، فقيل له: هذا لحم تُصُدِّقَ به على بريرة، فقال: ((هُوَ لَهَا
-٥٣٦-

كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة
صَدَقَةٌ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ)(١).
ومنهم: منصورُ بنُ الْمُعْتَمِر:
٢٩٥١- كما حَدَّثْنَا الربيعُ المراديُّ، حَدَّثْنَا أسدُ بنُ موسى،
حَدَّثْنَا أبو عَوانة، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن الأسودِ، عن عائشة:
أَنّها اشترت بريرةَ لِتعتِقَها، فاشترطَ أهلُها ولاءَها، فدخل عليها رسولُ
اللّهَ﴿، فقالت: إنّي اشتريتُ، أو أردتُ أن أشتريَ بريرةَ لأعتقها،
واشترط أهلُها ولاءَها، فقال رسولُ الله ﴿: «أعتقيها، فإنّما الولاءُ لمن
أعطى الوَرِقَ))، أو قال: (لمن وَلِيَ النّعمةَ)) فاشترتها فأعتقتها، فخيَّرها
رسولُ الله:﴿، فقالت: لو أعطيت كذا وكذا ما كنتُ معه - تعني
زوجها-، قال: وقال الأسود: كان زوجها حراً(٢).
٢٩٥٢ - وكما حَدَّثْنَا أبو أُمية، حَدَّثَنَا قَبِيصةُ، حَدَّثْنَا سفيانُ، عن
منصور، عن إبراهيمَ، عن الأسودِ، عن عائشة رضي الله عنها، قالت:
اشْتَرَيْتُ جَارِيَّة يقال لها: بَرِيرةُ، وَاشْتَرَطَ مَوالِيها أنَّ الوَلاءَ لهم، فسألتُ
البِيَّلَ﴿، فقال: «اشْتَرِيها فإنّما الوَلاَءُ لِمَنْ وَلِي النّعمة مَنْ أَعْطَى
(١) إسناده صحيح، وهو في ((شرح معاني الآثار) ٣٤/٤ بإسناده مختصراً بقصة
العتق. ورواه البخاري (١٤٩٣) و(٥٢٨٤) و(٦٧١٧)، ومسلم (١٠٧٥) (١٧١)،
والبيهقي ٣٣/٧ و٣٣٨/١٠ من طرق عن شعبة، بهذا الإسناد.
(٢) رواه البخاري (٦٧٥٤)، وابن حبان (٤٢٧١)، والبيهقي ٢٢٣/٧ من طرق
عن أبي عوانة، به. ورواه البخاري (٢٥٣٦) و(٦٧٥٨) من طريق جرير بن عبد
الحمید، عن منصور، به.
- ٥٣٧-

كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة
الثَّمَنَ)(١).
وقد ذكرنا فيما تقدم منا في هذه الأبواب هذا الحديث أيضاً من
حديث أبي المحياة عن منصور.
ومنهم: الأعمش:
٢٩٥٣- كما حَدَّثْنَا عبدُ الملك بن مروان الرَّقِّيُّ، حَدَّثْنَا أبو
معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسودِ، عن عائشة رضي اللهُ
عنها، قالت: وأراد أهلُها -يعني بريرةً- أن يبيعوها، ويَشْتَرِطُوا لَهُمُ
الوَلاَءَ، قالت عائشةُ: فَذَكَرْتُ ذلك للنبيِّ:﴿، فقال: «اشْتَرِيها
وأعْتِقِيها، فإنّما الوَلاءُ لِمَنْ أعْتَقَ)(٢).
ومنهم: حمادُ بنُ أبي سُليمان
٢٩٥٤- حَدَّثَنَا أبو أُمية، حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ إسحاق الحضرميُّ،
حَدَّثَنَا حمادُ بنُ سَلَمَة، عن حماد، عن إبراهيمَ، عن الأسود، عن عائشةً:
أنها اشترت بريرةَ، فأعْتَقَتْها واشْتَرَطَتْ لأهلها أن الولاءَ لهم، فذكرت
ذلك للنبي®، فقال النبيُّ ◌َ﴿: (إنّما الوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ))، وقال لها: ((يا
بَرِيرَةُ اخْتَارِي، فالأمْرُ إلَيْك، إن شئتِ عندَ زوجك، وإن شئتٍ
(١) إسناده صحيح، ورواه أحمد ١٨٩/٦-١٩٠، والترمذي (١٢٥٦) من طريق
عبد الرحمن بن مهدي، والبخاري (٦٧٦٠)، وأبو داود (٢٩١٦) من طريق وكيع،
كلاهما عن سفيان، به.
(٢) إسناده صحيح، وهو في ((شرح معاني الآثار)) ٤٣/٤ بإسناده ومتنه.
ورواه سعيد بن منصور في «سننه» (١٢٦٠)، وأحمد ٤٢/٦ عن أبي عوانة، به.
-٥٣٨-

كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة
فارقتيه))، فقالت: الأمرُ إلى الله، قال لها: ((اتّق الله، فإنه أبو وَلَدِكِ))،
فاختارت نفسها، وتُصُدِّقَ عليها بصَدَقٍ، فَأهْدَتْها لِلنِيِّلَ﴾، فقيل له:
إِنَّها صدقةٌ تُصُدِّقَ بها عليها. قال: ((هِيَ لهَا صَدَقَةٌ، وَلَنَا هدِيَّةٌ)، قال
إبراهيم: وكان زوجُها حراً.
فكان حديث الأسودِ هذا مختلفاً، في حديث الحكم أنَّها أرادت
أن تشتريَ بريرةَ فتعتقها، واشترط مواليها ولاءَها، وقولُ رسول الله صَلُّ
لِعائشة بعد ذلك ((اشتريها فأعتقيها، فإنما الولاءُ لمن أعَّقَ)). وفي
حديث منصور أنها اشترت بريرةَ لِتعتقها، فاشترط أهلُها ولاءَها فدخل
عليها رسولُ اللهِ مَ﴿، فقالت: إني اشتريتُ أو أردت أن أشتري بريرة
لأعتقَها، واشترط أهلُها ولاءَها، وكان مِن رسولِ اللهلح﴿ ما كان بَعْدَ
ذلك، وفي حديث الأعمشِ أن أهلَ بريرةَ أرادوا أن يبيعوها ويَشْتَرِطُوا
الولاءَ، وأن رسولَ الله:﴿ٌ قال لِعائِشة بعد ذلك: ((اشتريها وأعتقيها،
فإنَّما الولاءُ لمن أعْتَقَ)). وفي حديث حماد: أنها اشترت بريرة وأعتقتها،
واشترطَتْ لأهلها الولاءَ، وأن الذي كان مِن رسول اللهِلَّ مِن قوله:
((إِنَّ الوَلاَءَ لمن أعتق)) كان بعد ذلك كله. وهذا اختلافٌ شديدٌ غير أنّه
لا شيء فيه من إطلاق رسول الله 8# لأهل بريرة ما كان منهم مِن
اشتراطِ الولاء ولا إطلاقه لِعائشة ذلك منهم.
وممن رواه عنها أيضاً: القاسمُ بنُ محمد:
٢٩٥٥- كما حَدَّثَنَا أبو أُمية، حَدَّثَنَا محمدُ بنُ سابقٍ، حَدَّتَنَا
زائدةُ، عن سماكٍ، عن عبد الرحمن بنِ القاسم، عن أبيه، عن عائشة:
أنها اشترت بريرةَ من ناسٍ من الأنصارِ، واشترطُوا الوَلاءَ، فقال رسولُ
-٥٣٩-

كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة
اللّهرَةُ: ((الوَلاَءُ لِمَنْ وَلِي النّعمة))، وخَّرها رسولُ اللهِعَ ﴾، وكان
زوجُها عبداً، وأهدت إلى عائشة لحماً، فقال رسول الله 8#: ((لو
صَنَعْتُمْ لَنَا مِنْ هذا اللَّحْمِ شَيْئاً)، فقالت عائشة: تُصُدِّق به على بريرةَ،
قال: (هُوَ عَلَيْها صَدَقَةٌ، وَهُوَ لَنَا هَدِيَّةٌ)(١).
ففي هذا الحديث تقدم شراءٍ عائشة بريرةً واشتراط أهلها ولاءها،
وقول رسول الله ﴿: ((الولاءُ لِمَن وَلِيَ النّعْمَةَ)).
ومنهم: عمرة بنتُ عبد الرحمن، فروته عن عائشة رضي الله عنها
٢٩٥٦- كما حَدَّثْنَا يونس، أنبأنا ابنُ وهبٍ، أن مالكاً أخبره،
عن يحيى بن سعيدٍ، عن عَمْرَةَ بنتِ عبد الرحمن، أن بريرة جاءت
تستعينُ عائشةَ أُمَّ المؤمنين، فقالت لها عائشةُ: إن أحبَّ أهلُك أن أصُبَّ
لَهُمْ ثَمَنَكِ صَبَّةً وَاحِدَةً، وأُعْتِقَك فَعَلْتُ، فذكرت بريرةُ ذلك لأهلها،
فقالوا: إلا أن يكونَ ولأُؤكِ لنا، قال مالك: قال يحيى: فَزَعَمَتْ عَمْرَةُ
أنَّ عائشة ذَكَرَتْ ذلك لِرسولِ اللهِ وَ﴿، فقال: «اشْتَرِيِها فَأَعْتِقِيها،
فإِنّمَا الوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ)(٢).
(١) رواه مسلم (١٠٧٥) (١٧٣)، و(١٥٠٤) (١١)، والنسائي ١٦٥/٦ من
طريق حسين بن علي، والبيهقي ١٨٥/٦ و١٣٤/٧ و٢٢٠ و٢٩٥/١٠ من طريق
معاوية بن عمرو، كلاهما عن زائدة، به.
(٢) حديث صحيح، وهو في ((شرح معاني الآثار)) ٤٢/٤ بإسناده ومتنه.
وهو في ((الموطأ)) ٧٨١/٢، ومن طريق مالك رواه الشافعي في ((المسند)) ٧١/٢
و ٧٢، وفي ((السنن المأثورة)) (٦١١)، والبخاري (٢٥٦٤)، والنسائي في ((الكبرى)
(٦٤٠٩)، وابن حبان (٤٣٢٦)، والبيهقي ٣٣٦/١٠-٣٣٧.
- ٥٤٠-