Indexed OCR Text
Pages 501-520
كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة قال أبو جعفر: وفي ذلك ما قد دَلَّ على ما ذكرناه في هذا البابِ أن ذلك على الحضِّ، لا على الوجوب، لأنه لما كان الناسُ غيرَ المتكاتبين قد أُريدَ ذلك منهم لا على أنّه واجب عليهم، كان كذلك المكاتبون أُرِيدَ ذلك منهم، لا على الوجوب عليهم، ولما اختلف في ذلك على ما ذكرنا، كان الأوْلى ما قد قيل فيه ما قد وافق ما قد رُوِيَ عن رسول الله /#، ثم عمن قد ذكرنا مِن أصحابه، والله نسأله التوفيق. ٣٨٩- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ في حديث عائشة رضي الله عنها عن رسولِ الله# في أمره إياها بابتياعٍ بريرةً وهي مكاتبة قبل خروجها منها قال أبو جعفر: في حديث عائشةً الذي رويناه في الباب الذي قبل هذا الباب قولُ رسولِ الله :﴿ لها في بريرةَ بعدَ علمه أنَّها مكاتبة لأهلها: (ابتاعي وأعتقي)). فقال قائل: وكيف يجوزُ أن تقبلوا مثلَ هذا عن رسولِ الله ◌ِ﴿، وقد أجمعَ أهلُ العِلْمِ أنه لا يجوزُ بيعَ المكاتَب، ولا يجوزُ أن تُخالِفوا ما كان مِن رسول الله ﴿؟ فكان جوابنا له في ذلك: أن بريرة قد كانت سألت عائشة في وأوراد السيوطي في («الدر المنثور» ١٩١/٦، ونسبه إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والروياني في ((مسنده)) والضياء في ((المختارة)). - ١ ٥٠- كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة حديثها هذا ما سألتها وأمرَ رسولُ اللهِ: ﴿ عائشة بابتياعها مِن أهلها، وحقُّ المكاتبَةِ الذي يمنعُ مِن بيعِ المكاتبين إنما هو للمكاتبين والمكاتبين لا مَنْ سِواهم، فإذا كان ذلك كذلك، فاجتمع مَنْ له المكاتبةُ على البيعِ ممن هِيَ له لِمن هي عليه، كان في ذلك تعجيزٌ لِمَنْ هِي عليه نفسه، وقبولٌ لِمَنْ هي له عليه ذلك منه، فجاز البيعُ بذلك لخروج المبيعِ مِن المكاتبة به. فقال هذا قائلُ: وهَلْ خرجت بريرةُ مِن المكاتبة قبلَ الابتياعِ الذي أمرَ رسولُ اللهِل:﴿ عائشة بابتياعها وهي فيها؟ فكان جوابُنا له في ذلك: أنَّ البيعَ وقع مِن موالي بريرة وهي مكاتبة، وكان في ذلك إيطالٌ منهم ومن بريرة لِتلك المكاتبة فعاد ذلك إلى عقد بيع، وفي رقبته ما يمنعُ مِن بيعه كَرَهْن كان فيه، وكَدَيْنِ کان عليه، وكإجارةٍ كان فيهان فكان لأهلِ تلك الحقوق المنعُ من بيعه لها، فأطلقوا بيعَه، وتركوا المنع منه لِحقوقهم فيه، فلا اختلافَ في ذلك بَيْنَ أهل العلم أن البيعَ قد جاز فيه. وقد كان أبو يوسف ومحمدُ بنُ الحسن اختلفا في هذه المسألة، وهي بيعُ مولى المكاتب بإذنه قبل عَجْزِهِ عن المكاتبة، فأجاز أبو يوسف ذلك البيعَ، ولم يُجزه محمد، لأنَّ البيع إنما وقع في مكاتَبٍ تمنعُ مكاتبتُه بَيْعَهُ، وكان ما قال أبو يوسف في ذلك عندَنا أولى مما قاله محمدُ بنُ الحسن فيه، لما قد كان مِن رسولِ الله /#: في بريرةَ، ثم لِما قد ذكرناه مِن النظر الذي يجبُ به ما قال مخالفوه فيه. وبالله التوفيق. -٥٠٢- كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة ٣٩٠- بابُ بیانِ مُشْکل ما رُوِي مما قد اختلف فيه أهلُ العلمِ في بيع الأمة ذات الزوج، فيقول بعضهم: إنَّه طلاق لها، ويقول بعضه: إنّه غيرُ طلاق لها بما قد رُوِيّ عن رسول الله ﴾ أنه کان منه في بریرة ٢٩٠٧- حَدَّثْنَا يحيى بنُ عثمان، حَدَّثَنَا يوسف بنُ عدي، حَدَّثَنَا يحيى بنُ يعلى أبو مُحَيَّةَ، عن منصور بنِ المعتمر، عن إبراهيمَ، عن الأسود، عن عائشة رضي الله عنها أنها اشترت بريرة، واشْتَرَطَتْ للذين باعوها الولاءَ، فقال النبيُّ :﴿: «الوَلاءُ لِمَنِ اشْتَرى)) فأعتقتها، وخَّرها رسولُ اللهِ﴿، وكان زوجُها حُرّاً، فاختارت نفسها، ففرَّق رسولُ اللَّهَ*ُ بينهما(١). وفي هذا الباب آثارٌ كثيرةٌ أخرناها إلى مواضعَ هي أولى بها مما سنأتي به بعدَ هذا الباب في أسباب بريرة مِن كتابنا هذا إن شاء الله تعالى. وكمان أصحابُ رسولِ اللهِ﴿ٌ قد اختلفوا في بيعِ الأُمَةِ ذاتِ الزوج، فقال بعضُهم: هو طلاقٌ لها، وقال بعضُهم: ليس هو بطلاق لها. (١) حديث صحيح، وأخرجه أحمد ١٨٦/٦ و١٨٩ - ١٩٠، والبخاري (٦٧٦٠)، وأبو داود (٢٩١٦)، والترمذي (١٢٥٦) من طريق سفيان، والبخاري (٢٥٣٦) و(٦٧٥٨)، والنسائي ١٦٣/٦ و٣٠٠/٧، والبيهقي ٢٢٣/٧ و٣٣٨/١٠-٣٣٩ من طريق جرير، كلاهما عن منصور، بهذا الإسناد. -٥٠٣- كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة فمن رُوِيّ عنه منهم أنَّ ذلك ليسَ بطلاق لها عمرُ بنُ الخطاب ٢٩٠٨- كما قد حَدَّثَنَا فهدٌ، حَدَّثَنَا محمدُ بنُ سعيد ابن الأصبهاني، أنبأنا شريكٌ، عن عُبيدِ الله، عن يسار بنٍ نُمير، قال: أمرني عُمَرُ أن أشتري له جاريةٌ، فاشتريتُ له جاريةٌ، لها زوجٌ، فأمرني أن أشتريَ له بُضْعَهَا من زوجها، فاشتريتُ له بُضْعَها من زوجها(١). ومنهم: عليٌّ بنُ أبي طالب رضي الله عنه ٢٩٠٩- كما حَدَّثْنَا أحمدُ بنُ خالد بنِ يزيد الفارسيُّ، حَدَّثْنَا داودُ بنُ عمرو الضِيُّ، حَدَّثَنَا منصورُ بنُ أبي الأسود، عن يزيدَ بنِ أبي زيادٍ، عن إسحاقَ بنِ كعبٍ أخي محمد بنِ كعب القُرظي، أنَّ أباه كعباً اشترى لِعلي بن أبي طالب رَضِيَ الله عنه جاريةً فسألها: أَلَكِ زوجٌ؟ قالت: نَعَمْ، قال: فأرسل بها إلى أبي: أن رُدِّهَا فَرَدَّها، فاشترى بُضْعَها مِن زوجها، فَرُدَّتُ إليه فَقَبَلَها(٢). (١) إسناده ليس بالقوي، ورواه مختصراً ابن أبي شيبة ٨٥/٥ عن شريك، به. ورواه سعيد بن منصور في («سننه» (١٩٥١) عن هشيم، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن أبيه، قال: كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى يسار بن تغير أن يبتاع له جارية ... فذكره. (٢) إسناده ضعيف. يزيد بن أبي زياد الكوفي ضعيف، وإسحاق بن كعب لم يوثقه غير ابن حبان ٤٨/٦. ورواه سعيد بن منصور في ((سننه)) (١٩٤٩) عن أبي الأحوص، قال: أخبرنا عاصم الأحول، عن الشعبي، قال: أُهدي لعلي رضي الله عنه جاري ن فأنبيئ أن لها زوجاً، فاشترى بُضعها من زوجها بخمس مئة درهم على أن يطلقها. - ٥٠٤- كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة ٢٩١٠ - وكما حَدَّثْنَا أبو شريح محمدُ بنُ زكريا، وابنُ أبي مريم، قالا: حَدَّثْنَا الفِريابيُّ، عن سفيانَ، عن حمادٍ، عن إبراهيمَ، عن علي وابن مسعود رضِيَ الله عنهما في قوله عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَالمُخْصَنَّاتُ مِنَ النّساء إلا مَا مَلَكَتْ أَبِاُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، قال عليٍّ رضي الله عنه: الْمُشْرِكاتُ إذا سُبِينَ، وقال ابنُ مسعود رضي الله عنه: المُشْرِكاتُ والمُسلِمات(١). ٢٩١١ - حَدَّثْنَا صالحُ بنُ عبد الرحمن الأنصاريُّ، حَدَّثْنَا سعيدُ بنُ منصورٍ، حَدَّثَنَا هشيمٌ، أنبأنا داود وعُبَيْدَةُ، عن الشعبي، أنَّ مُرَّةَ بنَ شراحيل صاحبَ السَّالِحِين(٢) بعث إلى علي رضي الله عنه بجاريةٍ فسألها: هَلْ لَكِ مِنْ زَوْجِ؟ فقالت: نَعَمْ، فردَّها، وكتب إلى مُرَّةً: إني وجدتُ هَدِيَّتَك مشغولة، فاشترى مُرَّةُ بُضْعَهَا مِن زوجها بخمس مئة درهمٍ، وبعث بها إليه فَقَبلها(٣). (١) رواه ابن جرير (٩٠٠٤) من طريق عبد الرحمن، عن سفيان، به. ورواه ابن جرير (٨٩٧٤) من طريق جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن عبد الله في قوله: ((والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم))، قال: كل ذات محرم عليك حرام إلا ما اشتريت بمالك، وكان يقول: بيع الأمة طلاقها. (٢) هي السَّيْلَحِين، وهي قرية قرب بغداد على ثلاثة فراسخ منها. انظر (الأنساب) للسمعاني ٢٢٦/٧. (٣) إسناده قوي، ورواه عبد الرزاق (١٣١٧٥) و(١٣١٧٦)، وسعيد بن منصور (١٩٥٠) من طرق عن الشعبي، به. وفي إحدى روايتي عبد الرزاق أن الذي -٥٠٥- كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة ومنهم: عثمانُ بنُ عفان رضي الله عنه ٢٩١٢- كما حَدَّثْنَا يونسُ، أنبأنا ابنُ وهبّ أن مالكاً أخبره عن ابنِ شهاب أن عبدَ الله بنَ عامر أهدى لِعثمانَ بن عثمانَ رضي الله عنه جاريةً لها زوجٌ ابتاعَها له بالبصرةِ، فقال عثمانُ: لا أقْرَبُها حَتَّى يُفَارِقَها زوجُها، فأرضى ابنُ عامرِ زَوْجَها، ففارقها(١). ومنهم: عبدُ الرحمن بنُ عوف ٢٩١٣- كما قد حَدَّثْنَا يونسُ، حَدَّثْنَا شعيبُ بنُ الليث، حَدَّثنَا اليثُ، حدثني ابنُ شهاب، عن أبي سَلَمَةَ بنِ عبدِ الرحمن، أنَّ عبدَ الرحمن بنَ عوفٍ كان ابتاعَ وليدةٌ مِن عاصمٍ بنِ عدي، فوجدها ذاتَ زوجٍ، فردَّها(٢). أهدى الجارية لعلي هو شرحبيل بن السمط. ورواه ابن أبي شيبة ٨٥/٥ من طريق ابن أبي ليلى عند الشعبي، قال: أهدى رجل من همدان لعلي جارية .. فذكره. (١) رجاله ثقات، وهو في ((الموطأ) ٦١٧/٢. ورواه عبد الرزاق (١٣١٧٨) عن معمر، عن ابن شهاب، به. (٢) رجاله ثقات، ورواه مالك ٦١٧/٢، وعبد الرزاق (١٣١٧٧) عن معمر، وسعيد بن منصور في ((سننه)) (١٩٥٢)، وابن أبي شيبة ٨٥/٥ عن ابن عيينة، أربعتهم (مالك ومعمر وسعيد وابن عيينة)، عن الزهري، به. وليس عند مالك ذكر عاصم بن عدي، ولفظ عبد الرزاق: أن عبد الرحمن بن عوف قال لزوجها: لكَ كذا وكذا، وطلقها، قال: لا. ورواه سعيد بن منصور في ((سنته)) (١٩٥٣) من طريق عمر بن أبي سلمة، عن -٥٠٦- كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة ٢٩١٤ - حَدَّثْنَا يونس، حَدَّثْنَا شعيبُ بنُ الليثِ، حَدَّثَنَا الليثُ، حَدَّثْنَا ابنُ شهاب، عن أبي سلمة، عن عاصمٍ بنِ عدي، أنَّ عبد الرحمن بن عوف كانَ ابتاعَ منه جاريةٌ لها زوجٌ ولم يَعْلَم بذلك، فلما عَلِم بذلك، رَدَّها إِلَيْه. ومنهم: عبدُ الله بن عمر ٢٩١٥- كما قد حَدَّثَنَا عليٌّ بنُ شيبة، حَدَّثْنَا يزيدُ بنُ هارونَ، أنبأنا محمدُ بنُ إسحاق، عن نافع عن ابنِ عمر أنَّه قال في عبدٍ له امرأةٌ مملوكةٌ، فَبِيعَتْ، قال: هُوَ أحقُّ بِهَا حيث لقيها(١). وقال بعضُهم: هو طلاقٌ لها، وممن قال ذلك عبدُ الله بنُ عباس. ٢٩١٦- كما حَدَّثْنَا صالحُ بنُ عبدِ الرحمن، قال: حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ منصور، قال: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قال: حَدَّثَنَا خالدٌ، عن عكرمة، عن ابنِ عباس أنه كان يقولُ في بَيْعِ الأمةِ: هو طَلَاقُها (٢). ومنهم: أُبيُّ بن كعب ٢٩١٧- كما قد حَدَّثْنَا يوسفُ بنُ يزيد، حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ أبيه بنحو لفظ عبد الرزاق، بزيادة: فقال: خذوا جاريتكم فردها. (١) رواه ابن أبي شيبة ٨٦/٥ من طريق عبد السلام بن حرب، عن ابن إسحاق، به (٢) رواه سعيد بن منصور (١٩٤٧) عن هشيم، به. ورواه الطبري (٨٩٨٣) من طريق ابن علية، عن خالد، به، ولفظه: ((طلاق الأمة ست - ولم يذكر إلا خمساً -: بيعها طلاقها، وعتقها طلاقها، وهبتها طلاقها، وبراءتها طلاقها، وطلاق زوجها طلاقها)). - ٥٠٧- كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة منصورِ، حَدَّثْنَا هُشيمٌ، عن يُونُسَ، عن الحسنِ، عن أُبيُّ بن كعب أنَّه قال: بَيْعَ الأمَةِ طَلَقُهَا(١). ومنهم: جابر بنُ عبد الله وأنس بن مالك ٢٩١٨- كما حَدَّثَنَا عليٌّ بنُ شيبة، حَدَّثْنَا يزيدُ بنُ هارون، أنبأنا سعيدُ بنُ أبي عَروبة، عن قتادة، عن أنس بنِ مالكٍ رضي الله عنه وجابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما، قالا: بَيْعُ الأمَةِ طَلَاقُهَا (٢). قال أبو جعفر: وكان اختلافُهم في ذلك إنما هُوَ لما اختلفوا فيه مما تمأوَّلُوا عليه قولَ اللهِ عزَّ وجَلَّ: ﴿والمُحْصَنَاتُ مِنَ النّساء إلا مَا مَلَكَتْ أمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، فذهبَ بَعْضُهُم إلى أنَّهِن المَسْبِيَّاتُ ذواتُ الأزواجِ اللاتي خَلْفُوهُنَّ في دارِ الحرب. وذهب مخالفوهم في ذلك إلى أنَّها كُلُّ مبيعةٍ ذاتُ زوجٍ، وكان ما ذهب إليه في ذلك أهلُ القولِ الأوَّل من هذين القولين عندنا هو الأولى بتأويل هذه الآية، لما قد رويناه فيما تقدَّم منا في كتابنا هذا من حديث أبي الخليل، عن أبي علقمة، عن أبي سعيد في نزول هذه الآية في ذلك، والذي قد رويناه عن رسول الله * مِن إقراره بريرة على (١) رجاله ثقات، ورواه الطبري (٨٩٨٤) من طريق الأشعث بن سوار الكندي، عن الحسن، به. ورواه عبد الرزاق (١٣١٦٨)، والطبري (٨٩٧٧) من طريق قتادة، عن أبي بن كعب، به. (٢) رجاله ثقات، ورواه الطبري (٨٩٧٦) من طريق عبد الأعلى، عن سعيد، به. ورواه عبد الرزاق (١٣١٧٠) عن معمر، عن قتادة، عن جابر وحده. -٥٠٨- كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة نكاحها الذي كانت عليه قبلَ ابتياعٍ عائشة إِيَّاها، وتخييره إيَّها بعدَ عتاقها لها ما قد دَلَّ على أنَّ ابتياعَها لم يكن طلاقاً مِن زوجها لها. فقال قائل: فقد رويتُم عن ابنِ عباسٍ أنه كان يقولُ: بَيْعُ الأمةِ طلاقُها، وتروونَ عنه، عن النبيِّ ﴿ تخييرَه بريرةَ بعدَ عتاقها بَيْنَ الْمُقام مع زوجها وبَيْنَ فِراقها إِيَّاه، وهذا تضادٌّ شديد. فكان جوابُنا له في ذلك: أنَّ الذي ذكره عن رسول الله ◌ِ ﴾ من تخييره بريرة بعد عتاقها بَيْنَ المقام مع زوجِها وبَيْنَ فِراقها إِيَّاه قد رُوِيَ عن ابنِ عباسٍ رَضِي الله عنهما، عن رسول الله لا كما قد ذكر، وسنأتي به فيما بَعْدُ مِن هذه الأحاديث المروياتِ في بريرة إن شاء الله تعالى. وقد كان قومٌ يقولُون: إنما كان ذلك مِن قولِ ابنِ عباسٍ بعدَ النَِّ﴿ أنْ بَيْعَ الأمةِ هو طلاقُها ولم يكن ذلك عنده مخالفاً لما رواه عن رسولِ الله ﴿ مِن تخييره بريرة بَعْدَ عِتاقها بَيْنَ المقام مع زوجِها وَبَيْنَ فِراقه، إنما كان ذلك، لأن بريرةَ إنما ابتاعتها عائشةُ وهي ممن لا تحِلُّ لها الفروجُ، فبقي تزويجُ بريرة بعدَ ذلك كما كان قبلَه، وكان ابتياعُ الرجالِ الذين تحِلُّ لهم الفروجُ مثلَها يوجبُ حلَّ الفرجِ لهم، وفي حلها لهم حل التزويجات اللاتي عليها لِمن كانت له عليها. قال أبو جعفر: وهذا قد يحتمِلُ أن يكونَ هو الذي ذهب إليه ابنُ عباس في ذلك، فاعتبرنا نحنُ بعد ذلك السبب الذي به تقع الفرقةُ بين المسبيات ذواتِ الأزواج الذين في دار الحرب وبَيْنَ أزواجهن هناك. فوجدناهن بَينَّ مِن أزواجهن بوقوع الرِّق عليهن بالسِّباء، وهُنَّ في تلك الحالِ لم يَحْلِلْنَ لرجالٍ بأعيانهم لما فيهِنَّ مِن حقوقِ الله الذي جعله في -٥٠٩- كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة أخماسِهِنَّ لمن جعلها له ولشركة بين مَنْ سباهن في بقيتهن، ولما كان ذلك كذلك، عَقَلْنا أنَّ الذي يُوجب الفرقَةَ بينَ الأزواجِ المسبياتِ وبين أزواجهن الحربيين الذين لم يُسْبَوا معهُنَّ هو وقوعُ الرقِّ عليهن لأجلِ فروجهن لم يَحِلَّ لهن بملكهِنَّ. ولما كان ذلك كذلك، وكانت بريرةُ عندَ ابنِ عباسٍ لم تَحْرُمْ على زوجها بابتياعِ عائشةَ إِيَّها، دَلَّ ذلك على صِحةٍ مخالفته لهذه الآية، وعلى أن المرادات فيها من ذوات الأزواجِ هُنَّ المسبياتُ دونَ المبيعاتِ، والله الموفق. ٣٩١- بابُ بیانِ مُشکل ما رُوِي عن رسول الله څ﴾ مِن تغییرہ بريرةَ بينَ فراق زوجها وَبَيْنَ المقام معه: هل كان ذلك للعتاقِ الذي وقع عليها على كُلِّ أحوالِ زوجها من حريةٍ أم من عبودية خاصة دون الحرية ٢٩١٩ - حَدَّثْنَا عليُّ بنُ شيبة، أنبأنا يزيدُ بنُ هارون، أنبأنا شعبةُ، عن الحكم، عن إبراهيمَ، عن الأسود، عن عائشة رضي الله عنها أن زَوْجَ بريرةً كانَ حُرَّ(١). (١) إسناده صحيح. ورواه مطولاً الطيالسي (١٣٨١)، وأحمد ١٧٥/٦، والدارمى ١٦٩/٢، والبخاري (٦٧٥١)، والنسائي ١٠٧/٥-١٠٨ و١٦٣/٦، والبيهقي ٢٢٣/٧ من طرق عن شعبة، به. ووقعت لفظة: ((وكان زوجها حراً) عند البخاري من قول الحكم في آخر الحديث، وليست من قول عائشة. وقال البيهقي: هكذا أدرجه أبو داود الطيالسي وبعض الرواة عن شعبة في الحديث، وقد جعله - ٥١٠- كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة ٢٩٢٠- حَذَّثْنَا أبو أُمية، حَدَّثْنَا قَبيصةُ بنُ عُقبة، حَدَّثْنَا سفيانُ، عن منصور، عن إبراهيمَ، عن الأسودٍ، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كانَ زَوْجُ بريرة حرًّاً، وأنها خُيِّرت فاختارت نَفْسَها (١). ٢٩٢١- وحَدَّثْنَا عبدُ المك بنُ مروان الرَّقيُّ، قال: حَدَّثْنَا أبو معاوية الضريرُ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن الأسودِ، عن عائشة، قالت: كان زوجُ بريرة حراً، فلما عَتَقَتْ، خَيَّرَها رسولُ اللهَِّهِ فاختارت نفسَها(٢). ٢٩٢٢- حَدَّثَنَا أبو أُمية، حَدَّثْنَا يحيى بنُ عبدِ الله بن الضحاك الْبَابْلُّي، حَدَّثَنَا أبو جعفر الرازيُّ، عن سليمانَ، عن إبراهيمَ، عن الأسودِ، عن عائشةَ رضيَ الله عنها: أنَّ زوجَ بريرة كان حراً مولى لآل أبي أحمد. بعضهم من قول إبراهيم، وبعضهم من قول الحكم. (١) إسناده صحيح، ورواه أحمد ١٨٦/٦، وأبو داود (٢٢٣٥)، والبيهقي ٢٢٣/٧ و٢٢٤ من طرق عن سفيان، به، وقال البيهقي: هكذا أدرجه الثوري في الحديث عن عائشة رضي الله عنها، وقوله: كان زوجها حراً، من قول الأسود لا من قول عائشة رضي الله عنها. (٢) إسناده صحيح، وهو في ((شرح معاني الآثار)) ٨٢/٣ بإسناده ومتنه. ورواه الترمذي (١١٥٥) من طريق هناد، عن أبي معاوية، به. ورواه سعيد بن منصور في «سننه» (١٢٥٩)، وابن ماجه (٢٠٧٤) من طريق حفص بن غياث، وأبو يعلى (٤٥٢٠) من طريق جرير، كلاهما عن الأعمش، به. - ٥١١- كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة قال أبو جعفر: وفي هذه الآثارِ عن عائشة رضي الله عنها أن زوجَ بريرة كان حُرّاً يومَ خيَّرها رسولُ اللهِلَّ. وقد رُوِيَ عن عائشة رضي الله عنها أنه كان عبداً ٢٩٢٣- كما حَدَّثَنَا أبو أُمية حَدَّثَنَا مُعَلَّى بنُ منصورٍ، حَدَّثَنَا حاتِمُ بنُ إسماعيل، حدثني هشامُ بنُ عُروة، عن عبد الرحمن بنِ القاسم، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها: أن بريرةً أُعتقت حينَ أعتقتها عائشة، وإن زوجها كان عبداً(١). ٢٩٢٤- وكما حَدَّثَنَا أحمد بنُ داود، حَدَّثْنَا إسماعيل بنُ سالمٍ، حَدَّثْنَا جريرُ بنُ عبد الحميد (ح) وكما حَدَّثْنَا ابنُ أبي عمران، حَدَّثْنَا (١) إسناده صحيح، ورواه مطولاً الطيالسي (١٤١٧)، ومن طريقه ابن حبان (٥١١٥)، والبيهقي ٢٢٠/٧ عن شعبة، عن عبد الرحمن، به. بلفظ: ((وكان زوجها حرًا) من قول عائشة عند الطيالسي والبيهقي، وفي روايتهما: قال شعبة: ثم سألته - أي عبد الرحمن- يعد، فقال: ما أدري، أحرٌّ هو أم عبد؟ وفي رواية بن حبان: قال عبد الرحمن: ((و كان زوجها حراً) من غير شك. ورواه مطولاً البخاري (٢٥٧٨) من طريق غُندر، عن شعبة، عن عبد الرحمن، به. وفي آخره: قال عبد الرحمن: زوجها حر أو عيد! على الشك. ثم نقل سؤال شعبة لعبد الرحمن. ورواه مطولاً النسائي ١٦٥/٦- ١٦٦ من طريق الكرماني، عن شعبة، عن عبد الرمن، به. وفي آخره: قال: وكان زوجها عبداً، ثم قال بعد ذلك: ما أدري، على الشك. ورواه بأطول مما هنا أحمد ١٨٠/٦، وابن ماجه (٢٠٧٦) من طريق أسامة بن زید، عن القاسم، به. - ٥١٢- كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة زهيرُ بنُ حرب، حَدَّثْنَا جريرُ بنُ عبدِ الحميد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كان زوجُ بريرة عبداً (١). ٢٩٢٥ - وكما حَدَّثْنَا يحيى بنُ عثمان، حَدَّثَنَا نُعيم بنُ حماد، حَدَّثْنَا عبدُ العزيز - يعني الدَّرَاوَرْدِي-، حَدَّثْنَا هشامُ بنُ عُروة، عن عبدٍ الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها: أن زوجَ بريرةَ كان عبدا. فأدخل الدَّراوردي بَيْنَ هشام بن عُروة وبَيْنَ الذي بعده في إسنادٍ هذا الحديثِ عبد الرحمن بن القاسم، فعاد إلى القاسم عن عائشة، ووافق الدَّراورديَّ حاتِمُ بن إسماعيلَ في ذلك وخالفه جريرٌ فيه. ففي هذه الآثار خلافُ ما في الآثار الأوَلِ في زوج بريرة. فقال بعضُ الناسِ: فقد رُوِيَ عن عائشة في غير هذه الآثار ما يَدُلُّ على صحةٍ ما في هذه الآثار، فذكر في ذلك ٢٩٢٦ - ما قد حَدَّثْنَا يزيدُ بنُ سِنان، وثبتني فيه القاسم بنُ جعفر عنه، قال: حَدَّثْنَا أبو علي الحنفيُّ، حَدَّثَنَا عُبِيدُ الله بنُ عبد الرحمن (١) رواه في ((شرح معاني الآثار) ٨٢/٣ بالإسناد الأول. ورواه أحمد ١٧٠/٦، ومسلم (١٥٠٤) (٩)، وأبو داود (٢٢٣٣)، والترمذي (١١٥٤)، من طرق عن جرير، به، وفيه عندهم زيادة: ((ولو كان حراً لم يخيرها رسول الله (*)). ورواه مسلم (١٥٠٤) (١٣)، والنسائي ١٦٥/٦، والبيهقي ٢٢١/٧ من طريق يزيد بن رومان، عن عروة، عن عائشة. -٥١٣- كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة بِنِ مَوْهَبٍ، قال: سمعتُ القاسمَ بنَ محمد يُحَدِّثُ، عن عائشة رضيَ الله عنها أنَّه كان لها غلاماً وجارية زوجٌ، فقالت: يا رسولَ الله إني أريدُ أن أُعتقهما، فقال رسول الله ﴿: ((فابدئي بالرَّجُلِ قبل المرأة)(١). قال: ففي ذلك ما قد دَلَّ على أن زوجَ بريرة كان عبداً، وعلى أن الأمةَ لا خيارَ لها إذا أعتقت وكان زوجها حراً. فكان جوابنا له في ذلك: أن هذا معقولٌ فيه أن الذكرَ من هذين المملوكين هو غيرُ زوج بريرة، وأن الأنثى التي فيه كانت غيرَ بريرة، لأن عائشة إنما اشترتها، فأعتقتها ولم تكن في ملكها قبلَ ذلك. وتأملنا هذا الحديث، فوبحدنا مما يَبْعُدُ قبولَه من القلوب، لأَنَّه محالٌ أن يأمُرَ رسولُ الله ﴿ بأمر فيه حياطةٌ لواحدٍ من اثنين، وغير حياطة الآخر منهما، وأن يأمر بعتاق يُبطلُ حقَّ الزوجة التي مِن شريعته وجوبُ ذلك الحق لها إذا ◌ُعتقت، ويحوط الزوج بأن لا يجب عليها ذلك الاختيارُ لزوجته، ولكنه عندنا -والله أعلم- أراده منه مِن عائشة رضي الله عنها أن يكونّ منها في مملوكَيْها صرفهما إلى صلةِ رحمهما بهما، وأن ذلك (١) إسناده ضعيف، ورواه أبو داود (٢٢٣٧)، وابن ماجه (٢٥٣٢)، والعقيلي في ((الضعفاء)) ١٢٠/٣، والدارقطني ٢٨٨/٣، والحاكم ٢٠٦/٢، والبيهقي ٢٢٢/٧ من طرق عن أبي على الحنفي، به. ورواه النسائي ١٦١/٦، وفي ((الكبرى) (٤٩٣٦)، وابن ماجه (٢٥٣٢)، وابن حبان (٤٣١١)، وابن عدي في («الكامل)) ١٦٣٥/٤ من طريق حماد بن مسعدة، عن ابن موهب، به. - ٥١٤- كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة أولى بها من العِتاق لهما، كما قد رُوِيَ عنه مما قد كان قاله لِزوجته ميمونة لما أعْتَقَتْ جاريةٌ لها. ٢٩٢٧- كا حَدَّثَنَا الربيعُ بنُ سليمان المراديُّ، حَدَّثَنَا أسدٌ، حَدَّثْنَا ابنُ لهيعة، حَدَّثَنَا بُكَيْرُ بنُ الأشج، عن كُريب مولى ابنِ عباس، قال: سمعتُ ميمونة زوجَ النبيِّ ◌َ﴿ تقولُ: أعتقتُ وليدةٌ لي على عهدٍ رسول الله مَ﴿، فذكرتُ ذلك لِرسولِ اللهِلَ ﴿، فقال: «لو أعطيتيها أخوالَك كانَ أعظمَ لأجرك))(١). ٢٩٢٨- وكما حَدَّثْنَا الربيعُ المراديُّ، حَدَّثْنَا أسدُ، حَدَّثَنَا محمدُ بنُ خازم، عن محمد بنِ إسحاق، عن الزهريِّ، عن عُبيدِ الله بن عبد (١) حديث صحيح، وهذا إسناد ضعيف. ورواه أحمد ٣٣٢/٦، وأبو يعلى (٧١٠٩) من طريق الحسن بن موسى، عن ابن هیعة، به. ورواه البخاري (٢٥٩٢)، والطبراني ٢٣/(١٠٦٧)، والبغوي (١٦٧٨) من طريق يزيد بن أبي حبيب، ومسلم (٩٩) (٤٤)، والنسائي في ((الكبرى) (٤٩٣١)، وابن حبان (٣٣٤٣)، والبيهقي ١٧٩/٤ من طريق عمرو بن الحارث، كلاهما عن بکیر، به. وعلقه البخاري (٢٥٩٤) عن بكر بن مضر، عن عمرو، عن بکیر، به. ورواه أحمد ٣٣٢/٦، وأبو داود (١٦٩٠)، والنسائي في ((الكبرى) (٤٩٣٢)، والطبراني ٥٦/٢٤، والحاكم ٤١٤/١-٤١٥ من طريق محمد بن إسحاق، عن بكير، عن سليمان بن يسار، عن ميمونة. -٥١٥- كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة الله، عن ميمونة مثلَه(١). واحتمل أن يكونَ رسولُ الله : # لما حضرت عائشة من النية في العتاق ما حضرَها، أمرها أن تَعْتِقَ مِن مملوكيها أعظَمَهما ثواباً في العتق، لأن عتاق الذكر أفضلُ من عتاق الإناثِ على ما في حديث مُرَّةً بنِ كعب الذي قد ذكرناه فيما تقدَّم منا في كتابنا هذا، وأرجأ أمرٌ الجاريةِ لِترتئي فيها بَيْنَ حبسها وبينَ الصلةِ بها من عساه أن يصلَه بها مِن ذوي أرحامها. ثم نظرنا: هل رُوِيّ في زوج بريرة عن غير عائشة شيء أم لا؟ ٢٩٢٩- فوجدنا عليَّ بنَ عبد الرحمن قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثَنَا عفانُ بنُ مسلمٍ، حَدَّثْنَا همامُ بنُ يحيى، حَدَّثْنَا قتادةُ، عن عِكرمة، عن ابنِ عباس رَضِيَ اللهُ عنهما: أن زوجَ بريرةَ كان عبداً أسودَ يُسمى مغيثاً، فقضى فيها رسولُ الله ﴿ أربع قضايا: أنَّ مواليَها اشترطوا الولاءَ، فقضى النبيُّ :﴿ أَنَّ الولاَ لِمَنْ أعطى الثمنَ، وخيّرها، وأمرها أن تعتدَّ، وتُصُدِّقَ عليها بصدقٍ فأهدت منها إلى عائشة، فَذُكِرَ ذلك للنبيِّ (١) إسناده ضعيف، محمد بن إسحاق مدلس، وقد عنعن. ورواه ابن خزيمة (٢٤٣٤) عن الربيع بن سليمان المرادي، به. ورواه النسائي في ((الكبرى)) (٤٩٣٤) عن محمد بن عبد الله بن عبد الرحيم، عن أسد بن موسى، به. وقال - كما في (تحفة الأشراف)) ٤٩٣/١٢ -: هذا الحديث خطأ لا نعلمه من حديث الزهري، قال المزي: يعني أنَّ الصوابَ حديث ابن إسحاق، عن بُكير بن عبد الله بن الأشج، عن سليمان بن يسار، عن ميمونة. -٥١٦- كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة ﴿، فقال: ((هُوَ لَنَا هَدِيةٌ، وَلَهَا صَدَقَةٌ)(١). ٢٩٣٠- ووجدنا صالحَ بنَ عبد الرحمن قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثَنَا سعيدُ بن منصور، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، حَدَّثْنَا خالدٌ، عن عكرمة، عن ابنِ عباس رضي الله عنهما، قال: لما خُيِّرَتْ بريرةُ رأيتُ زوجَها يتبعُها في سِكك المدينة ودموعُه تسيلُ على لحيته، فكلم له العباسُ النبيَّ ◌َ ﴿ٌ أن يَطْلُبَ إليها، فقال رسول الله :﴾: ((زوجُك وأبو ولدك))، فقالت: أتأمُرُني به يا رسولَ الله؟ فقال: ((إِنما أنا شَافِعٌ))، فقالت: إن كنت (١) إسناده صحيح، وهو في ((شرح معاني الآثار)) ١٣/٢ بإسناده مختصراً بقصة الصدقة. ورواه مطولاً ومختصراً ابن أبي شيبة ١٨٢/١٠، وأحمد (٢٥٤٢)، وأبو داود (٢٢٣٢)، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ٨٢/٣ من طريق عفان، به. ورواه أحمد (٣٤٠٥)، والبخاري (٥٢٨٠)، والطبراني (١١٨٢٦)، والبيهقي ٢٢١/٧-٢٢٢ من طرق عن همام، به. ورواه مختصراً الترمذي (١١٥٦)، والطبراني (١١٨٢٥)، والبيهقي ٢٢١/٧ من طريقين، عن قتادة، به. ورواه عبد الرزاق (١٣٠١٠)، والبخاري (٥٢٨١) و(٥٢٨٢)، والترمذي (١١٥٦)، وابن الجارود (٧٤١)، وابن حبان (٤٢٧٠)، والطبراني (١١٨٥١)، والبيهقي ٢٢٢/٧ من طريق أيوب السختياني، والطبراني (١١٨٨٥) من طريق هشام بن حسان، كلاهما عن عكرمة، به. ورواه بنحوه ابن حبان (٥١٢٠)، والطبراني (١١٧٤٤) من طريق سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، وفيه بلفظ ... وكان لبريرة زوج، فخيرها رسول الله *... ، ولم يبين إذا كان عبداً أو حراً. -٥١٧- كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة شافعاً، فلا حاجَةً لي فيه، واخْتَارَتْ نَفْسَها، وكان يُقال له: مُغِيثٌ، وكان عبداً لآل المغيرة من بني مخزوم(١). قال أبو جعفر: ففي هذا عن ابنِ عباسٍ بلا اختلاف عنه أنَّه كان عبداً. ولما وقع هذا الاختلافُ في هذا المعنى، وجب تصحيحُ ما رُوِيَ فيه، إذ كنا نجدُ السبيلَ إلى ذلك، فوجبَ أن يكونَ قد كان عبداً في حال، وكان حراً في حال آخر، فكانت حالُ العبودية قد تكونُ بعدها الحريةَ، وحال الحريةَ لا يكونُ بعدها العبوديةُ، فجعلناه قد كان عبداً في البدء، ثم صار حراً بعد ذلك في الحال التي خُيِّرت زوجتُه بَيْنَ المقام عنده وبَيْنَ فراقه، ثم رجعنا إلى ما يُوجبه النظرُ في ذلك، فوجدنا الأمة لمولاها أن يُزوجها في حال ملكه لها ممن رأى مِن الأحرار ومن المماليكِ، ووجدناه إذا أعتقها ولها زوجٌ مملوك قد كان زوَّجها إيّاه أن لها الخيارَ في فراقه، وفي المقام عندَه، واختلفوا إذا كان حراً، فقال بعضُهم: هو كذلك أيضاً، وممن قال ذلك منهم أبو حنيفة والثوريُّ وأصحابُهما جميعاً، وقال بعضُهم: لا خيارَ لها في فراقه، وممن قال ذلك (١) إسناده صحيح، وهو في ((شرح معاني الآثار)) ٨٢/٣-٨٣، وفي ((سنن سعيد بن منصور)) (١٢٥٧). ورواه أحمد (١٨٤٥٤) عن هشيم، به. ورواه الدارمي ١٧٠/٢، والبخاري (٥٢٨٣)، وأبو داود (٢٢٣١)، وابن ماجه (٢٠٧٥)، والنسائي ٢٤٥/٨ -٢٤٦، وابن حبان (٤٢٧٣)، والطبراني (١١٩٦٢)، والدار قطني ١٥٤/٢، والبيهقي ٢٢٢/٧، والبغوي (٢٢٩٩) من طرق عن خالد الحذاء، به. -٥١٨- كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة منهم مالك وعامةُ أهلِ الحجاز. واعتلَّ هُم مُعْتَلٌّ، فقال: إنما جُعل لها الخيارُ إذا كان زوجُها عبداً، لأنه لا يستطيع تزويجَ بناتها ولا تحصينها كما يُحَصَّنُها الحر، فجعل لها الخيارَ لذلك بين فراقه وبين المقام معه، فكان لمخالفيهم عليهم في ذلك مِن ردِّ الأمرِ الذي له خُيرت في ذلك أنَّه إنما هو لملكها نفسَها، فجعل لها إمضاء ما قد عقده مولاها عليها ورفعه عن نفسها، وخُولِفَ في ذلك بينها وبَيْنَ الصبية إذا زوَّجها أبوها قبل بلوغها ثم بلغت، فلم يُجعل لها خيارٌ في فراقٍ مَنْ كان أبوها زوَّجَها إياه، حراً كان أو عبداً. ولما استوى الحكم فيمن كان أبوها زوجها إيّاه، حراً كان أو عبداً في حال ولايته عليها من الأحرار ومن المماليك في أن لا خيارَ لها في فراقه، كان كذلك الأمة إذا أُعتِقت، فرجع أمرُها إليها يستوي حُكْمُها فيما كان مولاها عقده عليها في حالٍ ملكه لها مِن الأحرار ومن المماليك، فكما كان لها الخيارُ في المماليك منهم، فكذلك يكونُ لها الخيارُ في الأحرار منهم. قال: فقال قائل: ففي حديث هشام بنِ عُروة ٢٩٣١ - فذكر ما قد حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ داود، حَدَّثَنَا إسماعيلُ بنُ سالم، حَدَّثَنَا جريرٌ، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة رَضِيَ اللهُ عنها، قالت: كان زوجُ بريرة عبداً، ولو كان حراً لم يُخَيِّرْها رسولُ اللهِصل. فكان جوابنا له فيه ذلك: أنا لا ندري مَنْ صَاحِبُ هذا الكلام مِن رواة هذا الحديث: هل هو عن عائشة، أو من دونها منهم، ولما لم تعلم أنَّه من عائشة فنجعله قول صحابي لا مخالفَ له فيه، واحتمل أن -٥١٩- كتاب المعاملات - الرق والمكاتبة يكونَ من قول تابعي وهو رأيه عنها، أو من قول من هو دونه من رواة هذا الحديث. ثم نظرنا: هل رُوِيَ عن أحدٍ من التابعين شيءٌ يوجبُ الخيارَ لهذه المعتقة أم لا؟ فوجدنا يونسَ قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثْنَا سفيانُ، عن ابن طاووس، عن أبيه، قال: لِلأمةِ الخيار إذا أُعْتِقَتْ، وإن كان زوجُها رجلاً من قريش(١). فإن كان عروةُ هو الذي قال ما في الحديث الذي رويناه قُوبِلَ قولُه في ذلك بقولِ طاووس الذي يُخالِفُه. وبالله التوفيق. (١) رجاله ثقات، وهو في ((شرح معاني الآثار)) ٨٤/٣ بإسناده ومتنه. ورواه سعيد بن منصور في «سنته)) (١٢٥٢) عن سفيان، به. ورواه عبد الرزاق (١٣٠٠٥)، وابن أبي شيبة ٢١١/٤، والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) ٨٤/٣ من طريق ابن جريج، عن ابن طاووس، عن طاووس، نحوه. - ٥٢٠-