Indexed OCR Text
Pages 421-440
كتاب المعاملات. المداینات
٢٨١٠- حَدَّثَنَا الحسنُ بنُ غليب بنِ سعيد، حَدَّثْنَا يوسفُ بنُ
عدِيٌّ، حَدَّثْنَا أبو الأحوص، عن الأسود بنٍ قيسٍ، عن كلثوم بنٍ
الأقمر، قال: قال زِرُّ بنُ حُبيشٍ: قال لي أُبَيُّ بن كعبٍ: إذا أقرضتَ
قرضاً، فجاء صاحِبُك بقرضِكَ يحملُه ومعه هَدِيَّةٌ، فخُذْ منه قَرْضَكَ،
وارْدُدْ الهَدِيَّةَ عليه(١).
٢٨١١ - وحَدَّثْنَا أبو أمية، حَدَّثْنَا أبو نعيمٍ، حَدَّثْنَا عبدُ السَّلامِ بنُ
حربٍ، عن شُعبة، عن يحيى بن سعيد، عن أنس، قال: إذا أَقْرَضْتَ
رجلاً قرضاً، فلا تَرْكَبْ دابَتَهُ، ولا تَقْبَلْ هَدِيَّته إلا أن تكونَ قد حَرَتْ
بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ قبلَ ذلك مخالطةٌ(٢).
٣٤٩/٥ من طرق عن ابن سيرين، به. وزاد عبد الرزاق وابن أبي شيبة أن عمر قَبِلَ
الَدِيَّةَ، وقال: إنما الربا على من أراد أن يُربي ويُنسئ.
(١) رواه ابن أبي شيبة ١٧٦/٦ عن أبي الأحوص، به.
ورواه عبد الرزاق (١٤٦٥٢)، والبيهقي ٣٤٩/٥ من طريق سفيان الثوري، عن
الأسود، به. وفيه أن زِرَّ بن حُبيش قال لأبي: إني أريدُ العراقَ أجاهد، فاخفِضْ لِي
جناحك، فقال أبي: إنك تأتي أرضاً فاشياً بها البا، فإذا أقرضت رجلاً قرضاً، فأهدى
لك هدیة، فخذ قرضك، واردد إليه هدیته.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ١٧٥/٦ عن إسماعيل بن إبراهيم، عن يحيى بن يزيد
الهُنائي، قال: سألت أنس بن مالك عن الرجل يهدي له غريمه، فقال: إن كان يهدي
له قبل ذلك فلا بأس، وإن لم یکن یهدي له قبل ذلك فلا يصلح.
ورواه ابن ماجه (٢٤٣٢)، والبيهقي ٣٥٠/٥ من طريق هشام بن عمار، حَدَّثَنَا
إسماعيل بن عياش، حدثني عتبة بن حميد الضبي، عن يحيى بن أبي إسحاق الهنائي،
- ٤٢١ -
كتاب المعاملات . المداينات
قال أبو جعفر: وهذا عندنا - واللهُ أعلمُ- على أن أنسَ بنَ مالك
جعل ما كان مما جرت به المخالطةُ إذا فعل مثلَه بعدَ القرض كان على
ما قد جرت عليه المخالطةُ قبلُ القرضِ، ومِن هذا عندنا - والله أعلم-
رأى أُبيُّ بنُ كعب أن أهدى لِعمر بعد استقراضه منه ما استقرض، لأنه
کان یُهادیه قبل ذلك.
٢٨١٢ - وقد حَدَّثْنَا يونسُ، أنبأنا ابنُ وهبٍ، أخبرني عمرو بنُ
الحارثِ، أن عبدَ ربِّه بنَ سعيد حدَّته، أن نافعاً حدَّثه، قال: كان لِعبد
الله بنِ عمر صَدِيقٌ يُسلِفُه، فكان عبدُ الله بنُ عمر یُهْدِي له.
وهذا عندنا - والله أعلمُ- من ابن عمر على أن ذلك لم يكن مِن
أجل القرض، وعسى أن يكونَ قد كان يُهاديه قبلَ ذلك. وفيما ذكرنا
في هذا البابِ عن أصحابِ النبيِ ﴿﴿ ما قد دَلَّ على أن الأشياء المأخوذةَ
بأسباب غيرِها ترجعُ إلى ما أُخِذت بأسبابه في كراهته حتى يكونَ
كالمعقودِ عليه، وسنأتي بعدَ هذا الباب بما يَشُدُّ هذا المعنى أيضاً إن شاء
الله تعالى، والله نسأله التوفيقَ.
قال: سألت أنس بن مالك: الرجل منا يقرض أخاه المال فيهدي له، قال: قال رسول
الله *: (إذا أقرض أحدكم قرضاً فأهدى له، أو حمله على الدابة، فلا يركبها ولا
يقبله، إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك)).
-٤٢٢-
كتاب المعاملات . المداينات
٣٧٧- بابُ بیانِ مُشْکل ما رُوي عن رسول الله ﴾ في بیعه
حرّاً في دَيْنٍ كان عليه لَمَّا لم يَجِدْلَه مالاً يقضِي ذلك الدَّيْن
عنه منه
٢٨١٣ - حَدَّثْنَا إبراهيم بن مرزوق، قال: حَدَّثْنَا عبد الصَّمد بن.
عبد الوارث التّنّوري، قال: حَدَّثْنَا عبد الرحمن بن عبد الله بن دِينارَ،
قال: حدثني زيد بن أسلمَ، قال: لقيتُ رجلاً بالإسكندرية يقال له:
سُرَّقَ، فقلتُ له: ما هذا الاسمُ؟ قال: سَّانِيهِ رسولُ اللهِلَ﴿، دخلتُ
المدينةَ، فأخبرتهم أنَّه يَقْدَمُ لي مالٌ فبايَعُوني، فاستهلكتُ أموالَهم، فأَتَّوْا
نِينَ﴿ فقال: (إنّه سُرَّق) فبايعني بأربعة أبعرة، فقال له غُرَماؤه: ما
تصنَعُ به؟ قال: أعتِقُه. قالوا: ما نحنُ بأزهدَ في الآخرة منك،
فأعتَقُوني(١).
قال أبو جعفر: وقد روى هذا الحديث مُسلم بن خالد وأدخل في
إسناده بين زيد بن أسلم وبين سُرَّق عبد الرحمن بن البَيْلَمَاني(٢).
(١) رجاله ثقات، لكنه رُوِيَ بإسناده آخر فيه زيادة راوٍ كما سيأتي.
ورواه ابن عبد الحكم في («فتوح مصر)) ص٣١٨ عن محمد بن عبد الجبار، عن عبد
الصمد بن عبد الوارث، به.
ورواه الحاكم ٥٤/٢، وعنه البيهقي ٥٠/٦ من طريق محمد بن إسحاق بن خزيمة،
عن محمد بن بشار، عن عبد الصمد بن عبد الوارث، به.
(٢) قال البيهقي: ومعناه رواه عبد الرحمن وعبد الله ابنا زيد بن أسلم، عن أبيهما
أتم من ذلك في اشترائه من أعرابي ناقةٌ واستهلاكه ثمنها. ثم ساقه من طريق عبد
- ٤٢٣-
كتاب المعاملات - المداينات
٢٨١٤- كما حَدَّثَنَا إبراهيم بن أبي داود، قال: حَدَّثْنَا يحيى بن
صالح الوُحَاظِي، قال: حَدَّثَنَا مُسْلم بن خالد الزَّنْجِي، عن زيد بن
أُسلم، عن عبد الرحمن بن البَيْلَماني، قال: كنت بمصر، فقال لي رجل:
ألا أدُلُّك على رجل من أصحاب رسول الله﴿؟ فقلت: بلى. فأشار
إلى رجلٍ، فجئتُه، فقلت: مَنْ أنت رحِمَكَ الله؟ فقال: أنا سُرَّق.
فقلت: سبحان الله ما ينبغي أن تُسمى بهذا الاسم وأنت رجلٌ من
أصحاب النبي ◌َ﴿، فقال: إنَّ رسول الله :﴿ّ سَّانِي سُرّقاً، فلن أدَعَ ذلك
أبداً. قلت: ولِمَ سَّاكِ سُرَّقً؟ قال: لقيتُ رجلاً من أهلِ البادية ببعيرَيْنِ
له يبيعُهما، فابتعتُهما منه، وقلتُ: انْطَلِقْ معي حتى أُعطِيَك، فدخلت
بَيْتِي، ثم خرجتُ من خلفٍ لي، وقضيتُ بثمن البعيرين حاجتي،
وتغيّبْتُ حتى ظننتُ أنَّ الأعرابيَّ قد خرجَ، فخرجتُ والأعرابيُّ مُقيم،
فأخذني وقدَّمني إلى رسول الله ﴿، فأخبرته الخبر، فقال رسول الله لَ ا:
((ما حَمَلَكَ على ما صنعتَ)؟ فقلت: قضيتُ بثمنهما حاجتي يا رسولَ
الله. قال: ((فاقضِه) قلت: ليس عندي. قال: ((أنت سُرَّق، اذهب يا
أعرابيٌّ، فبعْهُ حتى تستوفِيَ حقّك) فجعل النّاسُ يَسومونَه بي، ويلتفتُ
الرحمن بن البيلماني، وقال بعد ذلك ومدار حديث سُرق على هؤلاء، وكلهم ليسوا
بأقوياء: عبد الرحمن بن عبد الله وابنا زيد، وإن كان الحديثُ عن زيد عن ابنِ
البيلماني فابن البيلماني ضعيف في الحديث، وفي إجماع العلماء على خلافه - وهم لا
يُجمعون على ترك رواية ثابتة- دليل على ضعفه، أو نسخه إن كان ثابتاً، وبالله
التوفيق.
-٤٢٤-
كتاب المعاملات. المداینات
إليهم، فيقول: ما تُريدون؟ فيقولون: نريد أن نبتاعَه منك. قال: فوالله
إنْ منكم أحد أحوج إليه مني، اذهب فقد أُعتَقْتُك(١).
قال أبو جعفر: فقال قائل: فما يخلو ما رويتموه من هذا الحديث
أن يكون ثابتاً عن رسول الله ﴿ أو يكونَ غيرَ ثابت عنه، فإنْ كان
ثابتاً عن رسول الله :﴿ فقد تركتموه، فلم تعملوا به، وإن لم يكن ثابتاً
عنه، فقد أضفتُم إلى رسول الله ◌َ﴿ ما لم يكن ينبغي لكم إضافتُه إليه.
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله جل وعز عونه: أنَّ الحُكْم
الذي في هذا الحديث قد كان في أول الإسلام على ما في هذا الحديث،
وعمِل به رسولُ اللهِ﴿ إذ كان من شريعةٍ مَنْ كان قبله مِن الأنبياء
صلوات الله عليهم، وقد كان من شريعتهم أيضاً ما يدخُل في هذا
المعنى ما قد رُوِيَ عن رسولِ الله ◌ُ﴿ هَمّا كان من نبي الله الخَضِرِ /# في
نفسه من إرفاقه إياها وتمليكه غيره لها، إذ كان ذلك من الشريعة التي
کانوا علیھا حينئذ.
٢٨١٥- كما قد حَدَّثْنَا أبو أُميَّة، قال: حَدَّثْنَا سليمان بن عُبَيد
(١) إسناده ضعيف، مسلم بن خالد الزنجي وعبد الرحمن بن البلماني ضعيفان.
ورواه الطبراني (٦٧١٧) من طرق عن مسلم بن خالد، به.
ورواه الحاكم ١٠١/٤-١٠٢، وأورده عنه البيهقي ٥١/٦ عن أبي بكر بن عتاب
العدوي، عن أبي قلابة عبد الملك بن محمد الرقاشي، عن عبد الصمد بن عبد
الوارث، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن
البيلماني ... فذكره.
- ٤٢٥-
كتاب المعاملات- المداينات
الله الأنصاري الرّقّي، قال: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ بن الوَلِيد، قال: حَدَّثَنَا محمد بن
زياد الأَلْهَاني، عن أبي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ رضي الله عنه أن النبيلم﴿ قال
ذات يوم لأصحابه: ((ألاَ أُحدِّثكم عن الخَضِرِ)) قالوا: بلى يا رسول الله.
قال: ((بينا هو ذات يومٍ يَمشِي في سوقِ بني إسرائيل أبْصَرَه رجلٌ
مُكَاتَبٌ، فقال: تصدَّقْ عليَّ بارَكَ اللّه فِيك. قال الْخَضِرُ: آمنتُ باللهِ،
ما يريدُ الله عز وجل من أمر يَكُنْ، ما عندي شيءٌ أُعطِيكَهُ، فقال
ے
المسكين: أسألُكَ بوجهِ الله عز وجلَّ لَمَا تَصدَّقْتَ علي، إنِّي نَظَرْتُ
إلى سِيمَاءِ الخيرِ في وجهك، ورجوتُ الْبَرَكَة عندكَ. قال الخضر:
آمنتُ بالله، ما عندي شيءٍ أُعطِيكَهُ إلاَّ أنْ تَأْخُذَنِي، فَتَبِيعَنِي، فقال
المسكينُ: وهل يستقيمُ هذا؟ قال: نعم، الحق أقولُ لك، لقد سألتَنِي
بأمرٍ عظيم، أما إنّ ما أُخيُِّك بوجهِ ربِّي فبعْني، فقدَّمه إلى السوق،
فاعه بأربع مئةِ درهم، فمَكَثَ عند المشتري زماناً لا يستعمِلُه في
شيء، فقال الخَضِرُ: إمَا إِنْكَ إِنَّمَا ابْتَعْتَني ابتغاءَ خيري، فَأَوْصِنِي
بعملٍ. فقال: أكرَهُ أنْ أَشُقَّ عليك، إنَّك شيخٌ كبيرٌ. قال: ليس يَشقُّ
عليَّ. قال: فَقُمْ فانقُلْ هذه الحجارةَ، وكان لا يَنْقُلُها دون ستَّة نفرٍ في
يوم، فخرج الرجلُ ليقضِيَ حاجته، ثم انصرف وقد نقل الحجارة في
ساعتِهِ، فقال له: أحسنتَ وأجْمَلْتَ، وأَطَقْتَ ما لم أرك تُطِيقُه، ثم
عَرَضَ للرجل سفرٌ فقال: إنّي أحسبُك أميناً فاخلُفني في أهلي خلافةً
حسنةً. قال: أوصني بعملٍ. قال: إنّي أكره أن أشقَّ عليك. قال:
ليس يشق عليَّ. قال: فاضرب مَنْ اللَّبِن حتى أقْدَمَ عليك، فمضى
-٤٢٦-
كتاب المعاملات . المداينات
الرجل لسفرِهِ، فرجع الرجلُ وقد شيّد بناءَه، فقال الرجل: أسألُك
بوجه الله عز وجل ما جنْسُك؟ وما أمرُك؟ قال: سألتَنِي بوجه الله عز
وجل [والسؤال بوجهٍ] الله عز وجل أوقعني في العُبُودِيَّة، فقال:
سأخبرك من أنا؟ أنا الخَضِرُ الذي سمعتَ به، سَأَلَني مسكينٌ صدقةٌ
فلم يكن عندي شيءٌ أُعطيه، سألني بوجه الله فأمْكَنْتُه من رقبَتِي،
فَبَاعَنِي، وأُخبرُك: [أنه] مَنْ سُئِلَ بوجه الله، فردَّ سائِلَهُ وهو يَقدِرُ،
وَقَفَ يومِ القيامة وليس لوجههِ جلدٌ ولا لحمٌ ولا دمٌ ولا عظمٌ
يتقَعْفَعُ. قال: آمنتُ بذلك، شققتُ عَلَيْك يا رسول الله، احْكُم في
أهلِي ومالِي بما أراكَ الله عز وجل، أو أُخيِّرُك فأُخلِّي سبيلَك.؟ قال:
أُحبُّ أن تُخلِّي سبيلي، فأعبد الله عز وجل، فخلَّى سبيله، فقال
الخضرُ: الحمد لله الذي أوقَعَنِي في العُبودية وتجّانِي منها)(١).
قال أبو جعفر: ولمّا كان من شريعةٍ مَنْ قبلَ هذه الأُمَّة من الأُمم
إرقاقُ أنفسهم وتمليكُها غيرَهم، وكان ذلك ثَما يكون منهم تقرباً إلى
(أ) هذا الحديث ضعيف، سليمان بن عبيد الله الرقي فيه ضعف، وبقية بن الوليد
معروف بتدليسه عن الضعفاء.
ورواه الطبراني (٧٥٣٠) عن الحسن بن علي المعمري، وأبو نعيم في «أخبار
أصبهان)) ٢٨٧/٢ من طريق أحمد بن عمرو بن أبي عاصم، به. كلاهما عن محمد بن
علي بن ميمون الرقي، عن سليمان بن عبيد الله الخطاب الأنصاري، به.
ورواه الطبراني أيضاً (٧٥٣٠) عن عمرو بن إسحاق بن إبراهيم بن العلاء
الحمصي، عن محمد بن الفضل بن عمران الكندي، عن بقية، به.
قال الهيثمي في المجمع ١٠٣/٣ و٢١٣/٨: رجاله موثقون إلا أن بقية مدلس.
-٤٢٧-
كتاب المعاملات. المداینات
ربهم عز وجل، كان استرقَاقُهم بالدّيون التي عليهم التي قد يكون
أخذُهم إياها من أموال غيرهم طاعةٌ، فقد يكون معصيةً أخرى أن
يكون مستعملاً فيهم ومحكوماً به عليهم، فكان ذلك كذلك حتّى دخل
الإسلام، فاستعمله رسولُ الله ﴿، إذ كان من شريعته اتّباعُ شرائع
النَّبِّين الذين كانوا قبله صلواتُ الله عليهم حتّى يُحدِثَ الله عز وجل
في شريعته ما نسخ ذلك كما قال الله عز وجل في كتابه: ﴿أُولِكَ الذين
هَدَى الله فَهُدَاهُمَ اقَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] فلم يزل كذلك حتَّى أنزل الله
عز وجل عليه ما نَسَخ به ذلك الحكم وهو قولُه عز وجل في آية الرِّبا:
﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٍ إِلى مَّيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] فعاد الحكم إلى
أخذ الديون لِمَن هي له مِمَّن هي عليه إذ كانت موجودةُ عنده،
وإمْهَالُهُ بها إذ كانت معدومةً عنده حتى يوجدَ عنده فيؤخذ منه فُيُدفَعِ
قضاءً عنه إلى مَنْ هي له عليه. فكان في ذلك نسخ إرقاق الأحرار
أنفسَهم وتمليكِهِم إِيَّها سواهم حتَّى يَعُودوا بذلك مملوكين لِمَن
مَلَّكُوها إياه، وبَّن الله عزَّ وجلّ ذلك على لسان رسولِ اللهِلَ ﴿ّ وتواعَدَ
من فعله وَعِيداً شديداً.
٢٨١٦- كما قد حَدَّثْنَا يحيى بن عُثمان، قال: حَدَّثَنَا نُعيم بن
حمّاد، قال: حَدَّثْنَا يحيى بن سليم، عن إسماعيل بن أُميَّة، عن سعيد بن
أبي سعيد، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلَ﴿:
(ثلاثةٌ أنا خَصمُهُم يَومَ القيامةِ، ومنْ كُنْتُ خَصْمَهُ خَصَمْتُهُ: رَجُلٌ
أعطى بي ثم غَدَر، ورجلٌ باعَ حرّاً فَأَكَل ثمنَهُ، ورجلٌ استأْجَرَ أجيراً
-٤٢٨-
كتاب المعاملات. المداینات
فاستَوْفى منه، ولم يُوقِّهِ أجْرَه)(١).
قال أبو جعفر: فكان في ذلك تحريمُ أثمانِ الأحرار على الوجوه
كُلِّها، وكان فيما ذكرنا إقامةُ الحجَّة لنا في تركِنا ما رويناه في أوَّل هذا
الباب من حديث رسول الله :﴿ الذي رويناه فيه إلى ما نسخَه الله في
كتابه ثَمّا أنزله فيه ثمّ تَلَوْنا على لسانِ رسولِ اللهِلَ﴿ فَمًا روينا. والله
نسأله التوفيق.
(١) صحيح بغير هذا الإسناد، ورواه أحمد ٣٥٨/٢، والبخاري (٢٢٢٧)
و (٢٢٧٠)، وابن ماجه (٢٤٤٢)، وابن حبان (٧٣٣٩)، وابن الجارود (٥٧٩)،
وأبو يعلى (٦٢١٢)، والبيهقي ١٤/٦ و١٢١ من طرق عن يحيى بن سُليم، به.
ورواه البيهقي ١٤/٦ من طريق أبي جعفر النفيلي، عن يحيى بن سليم، عن
إسماعيل بن أمية، عن سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة.
قال الحافظ في ((الفتح) ٤١٨/٤: والمحفوظ في قول الجماعة، أي: بإسقاط عن أبيه
من السند.
-٤٢٩-
كتاب المعاملات - المداینات
٣٧٨ - بابُ بيانِ مُشْكِل ما قد اختلفَ النّاسُ فيه من المعسر
بالدّین الذي علیه: هل یُؤاجر في ذلك حتی یقضِي
دينه من أُجرته أم لا؟ وهل رُوِي عن
رسول الله # في ذلك
شيءٌ أم لا؟
قال أبو جعفر: ما عَلِمْنا أحداً من أهلِ العِلم ذهب إلى إجارةٍ
الَدِينِ الذي لا شيءَ له حتَّى يَقضيَ دَيْنَهُ من أجرته غيرَ ابن شهاب
الزُّهري، فإنَّه قد كان يذهبُ إلى ذلك، ولا أعلَمُني إلا أخذتُ ذلك من
قولِه، عن هارُون بن كامل، عن عبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد،
عن يونس بن یزید، عن ابن شهاب.
وقد رُوِيَ عن رسول الله ﴿ ما يدفعُ ذلك ويخالفُه.
٢٨١٧- كما قد حَدَّثَنَا يونس بن عبد الأعلى، قال: حَدَّثَنَا عبد
الله بن يوسف.
وكما قد حَدَّثْنَا الربيع بن سليمان المُرَادي ومحمد بن عبد الله بن
عبد الحكم: فأما الربيع، فقال: حَدَّثَنَا شُعيب بن الليث، وأما محمد بن
عبد الله، فقال: أخبرنا أبي وشعيب بن الليث.
وكما قد حَدَّثْنَا أبو أُميّة، قال: حَدَّثَنَا يحيى بن إسحاق البَحَلِي،
قالوا جمیعاً: حَدَّثْنَا الليث (ح).
وكما حَدَّثْنَا يونس، قال: حَدَّثْنَا ابن وَهْب، قال: أخبرني عمرو
- ٤٣٠ -
كتاب المعاملات. المداینات
بن الحارث، ثم اجتمع عمرو والليث فقالا: عن بُكَيْر بن عبد الله بن
الأشج، عن عِياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح، عن أبي سعيد
الخدري رضي الله عنه قال: أُصِيبَ رجلٌ في ثمارِ ابتاعَها، فكثُرَ دَيْنُه،
فقال رسولُ الله ◌َّ: (تَصدَّقُوا عَلَيْهِ) فُتُصدِّقَ عليه، فلم يَبلُغ ذلك وَفاءَ
دَيْنِه. فقال رسولُ الله ◌َ﴿: ((خُذُوا ما وَجَدْتُم، ليسَ لَكُمْ إِلاَّ ذلكَ)(١).
فكان فيما رَوينا من هذا الحديث عن رسول الله ﴿ قولُه لِغُرَمَاءِ
الَّدِينِ المذكورِ فيه بعد صدَقَةِ النّاس عليه بما تصدَّقوا به عليه لقضاء
دَيْنِه: ((خُذُوا ما وَجَدْتُم، وليس لكُم إلا ذلِكَ) وكان في ذلك ما قد
دَفَع أنْ يكون لهم إجارتُه ليستوفوا دُيونَهم من أُجرته، والله تعالى نسأله
التوفيق.
(١) حديث صحيح.
ورواه ابن حبان (٥٠٣٣) عن ابن قتيبة، عن يزيد بن موهب، عن الليث بن
سعد، به.
ورواه مسلم (١٥٥٦) عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، به.
ورواه النسائي ٣١٢/٧ عن أحمد بن عمرو بن السرح، والبيهقي ٣٠٥/٥ من
طريق بحر بن نصر الخولاني، كلاهما عن ابن وهب، به. وقرن النسائي في حديثه
بعمرو بن الحارث الليث بن سعد.
-٤٣١ -
كتاب المعاملات. المداینات
٣٧٩ - بابُ بيانِ مُشْكِل الواجبِ فيما اختلف فيه أهلُ العلمِ
في الرجل يشتري السِّلْعة فَيُفْلِس أو يموت، وعليه ديونُ، هل
یکونُ بائعُها احقَّ بها مِن غُرمائه أم لا؟
٢٨١٨- حَدَّثَنَا الحسينُ بنُ نصرِ، حَدَّثْنَا يزيدُ بنُ هارون، أخبرنا
يحيى بنُ سعيد، عن أبي بكر بنِ محمد - يعني ابنَ عمرو بن حزم- أنه
أخبره أنه سَمِعَ عمر بنَ عبدِ العزيز يُحدث أنه سَمِعَ أبا بكر بن عبدٍ
الرحمن بنِ الحارِثِ بنِ هشام يُحَدِّثُ، أَنَّ سَمِعَ أبا هريرة يُحدِّثُ عن
النبِّ ◌َ﴿، قال: «مَنْ أَفْلَسَ بِمالِ قَوْمٍ، فَوَجَدَ رَجُلٌ متاعَهُ بِعِينِهِ، فَهُوَ
أحَقُّ به)(١).
٢٨١٩ - وحَدَّثْنَا يونسُ، حَدَّثْنَا ابنُ وهبٍ، أن مالكاً أخبره، عن
يحيى بن سعيدٍ، عن أبي بكر بنِ محمد بنِ عمرو بنِ حزم، عن عُمَرَ بنِ
(١) صحيح، ورواه أحمد ٢٥٨/٢، والبيهقي ٤٥/٦ من طريق يزيد بن هارون،
به. ورواه الشافعى في ((المسند) ١٦٢/٢-١٦٣، وعبد الرزاق (١٥١٦١)،
والحميدي (١٠٣٦)، وأحمد ٢٢٨/٢ و٢٤٧ و٢٤٩ و ٢٥٨ و ٤٧٤، وابن أبي شيبة
٣٥/٦-٣٦ و٢٧٥/١٤-٢٧٦، والبخاري (٢٤٠٢)، ومسلم (١٥٥٩) (٢٢)،
وأبو داود (٣٥١٩)، وابن ماجه (٢٣٥٨)، والترمذي (١٢٦٢)، والنسائي
٣١١/٧، وابن حبان (٥٠٣٦) و(٥٠٣٧)، والدارقطني ٢٩/٣ و٣٠، والبيهقي
٤٤/٦-٤٥، وفي ((معرفة السنن والآثار)) (٣٦٢٩) ومابعده من طرق عن يحيى بن
سعيد الأنصاري، به. ورواه عبد الرزاق (١٥١٦١) ومابعده، والحميدي (١٠٣٥)،
وأحمد ٢٤٩/٢، وابن حبان (٥٠٣٨)، والدارقطني ٣٠/٣، والبيهقي ٤٦/٦، وفي
(المعرفة)) (٣٦٣٤) من طريق عراك، ثلاثتهم عن أبي هريرة.
- ٤٣٢ -
كتاب المعاملات. المداینات
عبدِ العزيز، عن أبي بكر بنِ عبد الرحمن بنِ الحارث بن هشام، عن أبي
هُريرة أن رسول الله﴿، قال: ((أَيُّما رَجُلٍ أَفْلَسَ، فأدْرَكَ رَجُلٌ مَالَه
بعينِهِ، فهو أحقُّ به مِن غيره)(١).
٢٨٢٠ - وحَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ مرزوق، حَدَّثْنَا وهبُ بنُ جريرٍ
وبشرُ بنُ عمر، قالا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عن قتادةَ، عن النضرِ بنِ أنس، عن
بَشِيرِ بنِ نَهِيكٍ، عن أبي هريرة أنَّ رسولَ الله ﴿ّ قال في الرجلِ إذا
أفْلَسَ: ((فوجد رجلٌ متاعه بِعَيْنِهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ)). وفي حديث بشر: ((من
الغرماء)(٢).
٢٨٢١ - وحَدَّثْنَا إبراهيمُ، حَدَّثَنَا بشرُ بنُ عمر، حَدَّثْنَا شُعبة، عن
يحيى بن سعيدٍ، عن أبي بكر بنِ محمد بنِ حزمٍ، عن عُمَرَ بنِ عبد
العزيزِ، عن عبد الرحمن بن الحارث، -قال أبو جعفر: هكذا قال- عن
أبي هُريرة، عن النبيِّ # بذلك.
٢٨٢٢- وحَدَّثْنَا أحمدُ بنُ شعيبٍ، أخبرني عبدُ الرحمن بنُ خالدٍ
(١) إسناده صحيح، وهو في ((شرح معاني الآثار) ١٦٤/٤. ورواه الإمام مالك
في («الموطأ)) ٦٧٨/٢، ومن طريقه رواه الشافعي في ((الأم) ١٩٩/٣، وفي ((المسند))
١٦٢/٢، وعبد الرزاق (١٥١٦٠)، وأبو داود (٣٥١٩)، وابن حبان (٥٠٣٦)،
والبيهقي ٤٤/٦، وفي (المعرفة)) (٣٨٢٨)، والبغوي (٢١٣٣).
(٢) رواه أحمد ٤١٠/٢ و٤٦٨، ومسلم (١٥٥٩) (٢٤)، الطحاوي ١٦٤/٤،
والبيهقي ٤٦/٦ من طرق عن شعبة، به.
ورواه عبد الرزاق (١٥١٥٩)، وابن أبي شيبة ٣٥/٦، وأحمد ٣٤٧/٢ و٣٨٥
و٤١٣ و٤٦٨ و٤٨٧ و٥٠٨، ومسلم (١٥٥٩) (٢٤) من طرق عن قتادة، به.
-٤٣٣-
كتاب المعاملات - المداينات
القطان، وإبراهيمُ بن الحسن الِقْسَمي - واللفظُ له-، قال: حَدَّثْنَا
حجاج بن محمد، قال: قال ابنُ جريج: أخبرنا ابنُ أبي حسين أن أبا
بكر بنَ محمد بنِ عمرو بن حزم أخبره أن عُمَرَ بنَ عبد العزیز حدثه،
عن أبي بكر بنِ عبدِ الرحمن، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ◌ِ * في الرجل
يَعْدَمُ إذا وُجِدَ عنده المتاعُ بعينه وعَرَفَه، أنَّه لِصاحبه الذي باعه(١).
قال أبو جعفر: وقد كنا نقولُ في هذا الحديث: إن قولَ رسولٍ
الله ◌َ﴿ فِيه ((فوجد رَجُلٌ مَالَه بعينِه)) أن ذلك قد يحتمِلُ أن يكونَ أُرِيدَ به
الودائعُ والعواري وأشباهُهُما، التي مُلْكُ واجدها قائمُ فيها، ليست
الأشياءَ المبيعات التي لَيْسَتْ لِواجدها حينئذ، وإنما هي أشياءُ قد كانت
له، فزالٌ مُلْكُه عنها، كما يقول أبو حنيفة وأصحابُه في ذلك، وقد كان
بعضُ الناس ممن يذهبُ في ذلك مذهبَ مالك ومَنْ تابعه على قوله في
ذلك يحتجُّ علينا في ذلك.
٢٨٢٣- كما قد حَدَّثْنَا يونسُ، أخبرنا ابنُ وهب أن مالكاً
أخبره، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن
هشام، أن رسولَ اللهِ﴿ قال: ((أَيُّما رَجُلِ بَاعَ متاعاً، فأفْلَسَ الّْذي
ابْتَاعَهُ، ولم يَقْبِضِ الذي بَاعَهُ مِن ثمنه شيئاً، فَوَجَدَهُ بعينِهِ، فهو أحقُّ
به، وإن مات المشتري، فصاحبُ الَتَاعِ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ»(٢).
(١) الحديث عند النسائي ١١١/٧. ورواه مسلم (١٥٥٩) (٢٣)، والبيهقي
٤٥/٦، وفي ((المعرفة)) (٣٦٣٣) من طريق هشام بن سليمان، عن ابن جريج، به.
(٢) رجاله ثقات، إلا أنه مرسل. وهو في ((شرح معاني الآثار)) ١٦٦/٤. ورواه
-٤٣٤-
كتاب المعاملات. المداینات
وكُنَّا لا نرى ذلك حجةٌ له علينا في خلافنا إيّاه الذي ذكرنا،
لانقطاع هذا الحديث حتى:
٢٨٢٤- حَدَّثَنَا حامدُ بنُ محمد المروزيُّ أبو أحمد، حَدَّثَنَا محمدُ
بنُ إسحاق بنِ خزيمة، عن عبد الرحمن بنٍ بشر بن الحكم النيسابوريّ-
قال: وكان هذا مِن علماء نيسابور وثقاتهم- قال: حَدَّثْنَا عبدُ الرزاق،
أخبرنا مالكٌ، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بنِ عبدِ الرحمن، عن أبي
هريرة، عن رسول الله﴾. فَقَويَ بذلك هذا الحديثُ في قلوبنا لما أَتَّصلَ
لنا إسناده عن رسول الله چ کما قد ذکرنا.
وقد كان بعضُ الناسِ قَبْلَ ذلك احتجَّ علينا في هذا البابِ بما:
٢٨٢٥- حَدَّثْنَا جعفرُ بنُ محمد بن الحسن الفرِيابي، حَدَّثْنَا عبدُ
الله بنُ عبدِ الجَبَّارِ الخبائري، حَدَّثْنَا إسماعيلُ بنُ عياش، عن موسى بنِ
عُقبة، عن الزُّهري، عن أبي بكر بنِ عبد الرحمن، عن أبي هُرَيْرَةً، عن
رسول الله ﴿، قال: (أَيُّمَا رَجُلٍ بَاعَ سِلْعَةٌ، فأدرك سِلْعَتَّه بعينها عندَ
رَجُلٍ قد أَفْلَسَ، ولم يَقْبِضْ مِن ثمنها شيئاً، فهي له، وإن كان قَضَاه
من ثمنها شيئاً، فما بَقِيَ، فهو أسوةُ الغُرماء)(١).
مالك ٦٧٨/٢، ومن طريقه رواه عبد الرزاق (١٥١٥٨)، وأبو داود (٣٥٢٠)،
والبيهقي ٤٦/٧. ورواه أبو داود (٣٥٢١) عن سليمان بن داود، والطحاوي ١٦٥/٤
عن يونس، كلاهما عن عبد الله بن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، به.
(١) رواه ابن الجارود (٦٣١) عن محمد بن عوف الحمصي، عن عبد الله بن عبد
الجبار، به. ورواه ابن ماجه (٢٣٥٩)، وابن الجارود (٦٣٣)، والدارقطني ٢٩/٣-
- ٤٣٥ -
كتاب المعاملات. المداینات
فَكُنَّا لا نرى ذلك حُجَّةٌ له علينا لِفسادِ رواية إسماعيل بنِ عياشٍ
عن غيرِ الشاميين، ثم وجدناه مِن رواية إسماعيلَ، عن الشاميين الذين لا
يتكلم في رواية إسماعيل عنهم:
٢٨٢٦- كما حَدَّثْنَا جعفرُ بنُ محمد بنِ الحسن، حَدَّثَنَا عبدُ الله
بنُ عبد الجبار، حَدَّثْنَا إسماعيلُ بنُ عَيَّاشٍ، عن الزّبيديِّ، عن الزُّهري،
عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﴾. ثم ذكر
مِثْلَ حديثه الذي قَبْلَ هذا، وزاد فيه: ((وأيُّما امْرُؤُ هَلَكَ وعندَه مالُ
امرىء بعينه، اقتضى منه شيئاً أو لم يَقْتَضِ، فهو أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ)(١).
#
فلم يَسَعْ عندنا خِلاف هذا الحديث لِمَنْ بَلَغَهُ، وَوَقَفَ عليه مِنْ
هذه الوجوهِ المقبولةِ خلافه، ورجعنا في هذه المعاني المروية فيه إلى ما
كان مالكٌ يقولُه فيها، وعَذَرْنَا مَنْ خالفها في خلافه إِيَّها، إنَّما كان
ذلك منه، لأنها لم تَتَّصلْ به هذا الاتصالَ، ولو اتصلت به هذا
الاتصالَ، وقامت عنده كمثلٍ ما قامت عندنا، لما خَالَفَها، ولَرَجَعَ
إليها، وقال بها، كما رأيناه فعل في أمثالها.
٣٠ من طريق هشام بن عمار، عن إسماعيل بن عياش، به.
(١) رواه أبو داود (٣٥٢٢)، وابن الجارود (٦٣٢)، والبيهقي ٤٧/٦ من طريق
عبد الله بن عبد الجبار، به. ورواه ابن ماجه (٢٣٦١)، والبيهقي ٤٨/٦، وابن عبد
البر ٤٠٩/٨ من طريق اليمان بن عدي، عن الزبيدي، عن الزهري، عن أبي سلمة،
عن أبي هريرة. قال البيهقي: وهو ضعيف، وقال ابن عبد البر: ليس هذا الحديث
محفوظاً من رواية أبي سلمة، وإنما هو معروف لأبي بكر بن عبد الرحمن.
- ٤٣٦ -
كتاب المعاملات . المداينات
وأما الشافعيُّ، فقد كان يقولُ: إذا أفْلَسَ بَعْدَما قضى البائعُ بعضَ
الثمنِ الذي ابتاعَ به تلك السِّلعةَ أنه يكونُ في حِصَّةٍ ما قضاه أُسوةً
الغرماء، ويكونُ أحقَّ بالباقي منها منهم، والذي في حديث رسول
الله ◌َ، يَدْفَعُ ذلك ويُخالِفُه، ورسولُ اللهِلَ﴿ فهو حُجَّةُ اللهِ على جميع
خلقه، وكان أيضاً -مع ذلك- يُسَوِّي بن حُكْمٍ إفلاسه وبَيْنَ حكمٍ
موته، فيجعل صاحبَ السِّلعة فيهما أحقَّ بها مِن سائر الغرماء، وقد
فَرَّقَ رسولُ اللهِ فَ﴿ بينهما، وجَعَلَ الْحُكْمَ فيهما مختلفاً على ما قد
ذكرناه في حديث الزُّبيدي عن الزهري، وفي حديث عبد الرزاق، عن
مالك، عن الزهري. وكان الشافعي يحتجُّ فيما ذهب إليه مِن التسويةِ في
ذلك بَيْنَ الإفلاس والموت بما قد:
٢٨٢٧ - حَدَّثْنَا محمدُ بنُ عبد الله بنِ عبد الحكم، أخبرنا محمدُ
بنُ إسماعيلَ بن أبي فُديك، عن ابن أبي ذئب، قال: حَدَّثني أبو المعتمر
بنُ عمرو بنِ رافع، عن ابن خَلْدَةَ الزُّرقي - وكان قاضياً-، أنه قال:
جئنا إلى أبي هُريرة في صاحبٍ لنا أفْلَسَ، فقال: هذا الذي قضى فيه
رسولُ اللهُ﴿: ((أَيُّما رَجُلِ ماتَ أو أفلسَ، فصاحِبُ المتاعِ أحقُّ
بمتاعه))(١).
(١) إسناده ضعيف، أبو المعتمر بن عمرو بن نافع مجهول الحال، وعمر بن خلدة
الزرقي روى عنه اثنان. ورواه ابن الجارود في ((المنتقى)) (٧٣٤)، والدار قطني ٢٩/٣،
والحاكم ٥٠/٢-٥١ من طريق محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، به.
ورواه الشافعي في ((الأم) ١٩٩/٣، وابن ماجه (٢٣٦٠)، والبيهقي في ((المعرفة))
-٤٣٧ -
كتاب المعاملات - المداینات
٢٨٢٨- وبما قد حَدَّثْنَا يونس، حدثني محمدُ بنُ إدريس حين
ذاكرتُه مسألةَ الذي يَبِيعُ السِّلعةَ، ثم يموتُ، أو يُفلس، فيجد الرجلُ
سلعتّه بعينها، فقال لي: هُوَ أحقُّ بها في الموت والتفليسٍ، ثم قال:
حدثني ابنُ أبي فديك، قال: أخبرني ابنُ أبي ذئب، ثم ذكر مثلَ
حدیث محمد، عن ابن أبي فديك.
قال أبو جعفر: وهذا الحديثُ إنما رجع إلى أبي المعتمرِ الذي لا
يُعرفُ ولا يُدرى مَنْ هو، ولا سَمِعْنا له ذكراً إلا في هذا الحديث، ومَنْ
هذه سَبِيلُه، فليس ممن يجوزُ أن يُحْتَجَّ به في هذا المعنى، مع أنه لو كان
ثابتاً، لكان حديثُ الزهري، عن أبي بكر، عن أبي هريرة أولى منه،
لأنه قد روته الأئمةُ الذين تَقُومُ الْحُجَّةُ برواياتهم، والذين لا يجبُ أن
يُعَارَضَ ما رووا بمثلٍ ما روى أبو المعتمر الذي لا يُعرف ولا يُدرى مَن
هو، ولو تدبر حديث أبي المعتمر، لوقف على أن لا حجةً فيه، لأن
فيه: (أَيُّما رَجُلِ أفلس أو مات)) فقد يحتمِلُ أن يكونَ ذلك على
الشَّكِّ، فيعودُ الحديث إلى أن لا يُدرى ما فيه مما ذكر عن النبيِّ # هل
هو في التفليس أو في الموت. وما وجدنا أحداً مِن أهل العلم أخذ بكُلِّ
ما في هذا الحديث إلا مالك بن أنس، فأمَّا مَن سواه فقد ذكرنا أقوالَهم
في هذا الباب، ونسأله الله التوفيق.
(٣٦٣٦)، والبغوي (٢١٣٤) من طرق عن ابن أبي فديك، به. ورواه أبو داود
(٣٥٢٣)، والبيهقي ٤٦/٦، والمزي في ((تهذيب الكمال)) ٣٢٩/٢١ -٣٣٠ من
طريق الطيالسي، والدارقطني ٢٩/٣ من طريق شبابة، كلاهما عن ابن أبي ذئب، به.
-٤٣٨ -
كتاب المعاملات. المداینات
٣٨٠- بابُ بيانِ مُشْكِل القضاء بينَ المختلفَيْنِ مِنْ أهلِ العلم
في الصلح مِن الأشياءِ المعلومةِ مقاديرُها على الأجزء من
أجناسها المجهولة بما يُرُوى عن رسول الله/ في ذلك
٢٨٢٩- حَدَّثْنَا بحرُ بنُ نصرٍ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ وهبٍ، قال:
أخبرني يونس، عن ابنِ شهابٍ، قال: أخبرني ابنُ كعب بن مالكٍ، أن
جابر بنَ عبد الله أخبره أن أباه قُتِلَ يومَ أُحُدٍ شهيداً وعليه دينٌ، فاشتدَّ
الغرماء في حقوقهم، قال جابر: فأتيتُ رسولَ الله ◌ُ﴿، فكلمته،
فسألْتُهم أن يقبلوا ثمرَ حائطي، ويُحَلّلُوا أَبِي، فَأَبَوْا، فلم يُعْطِهِمْ رسولُ
الله ﴿ّ حائطي، ولم يَكْسِرْهُ لهم، ولكنه قال: ((سَأغْدُو عَلَيْكَ))، فغد!
علينا حينَ أصبح، فطاف في النخل، ودعا في ثمرها بالبركة، فَحَدَدْناها،
وقضيتهم حقوقَهم، وبقي لنا مِن ثمرها بقيةٌ، فأتيتُ رسولَ الله ◌ٌَّ،
فأخبرتُه بذلك، فقال رسول الله :﴿ٌ لِعُمَرَ وهو جالسٌ: ((اسْمَعْ يا
عُمَرُ)، فقال عمر: ألا نكون علمنا، قد علمنا أنَّك رسولُ الله، فواللهِ
إِنَّك لَرَسُولُهُ (١).
٢٨٣٠- حَدَّثْنَا يونس، قال: أنبأنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرني
يونسُ، عن ابنِ شهابٍ، عن عبد الله بن كعب بنِ مالكٍ، أن جابر بنَ
عَبْدِ الله قُتِلَ أبوه يومَ أحد شهيداً وعليه دينٌ، فاشتد الغرماءُ في
حقوقهم، قال جابر: فأتيتُ رسول الله :﴿، فكلمته، ثم ذكر مثله
(١) إسناده صحيح، وانظر ما بعده.
-٤٣٩-
كتاب المعاملات. المداینات
سواء(١).
٢٨٣١ - أخبرنا محمدُ بنُ عبد الله بنِ عبد الحكم، قال: حَدَّثَنَا
أنسُ بنُ عياض، عن هشام بنِ عُروة، عن وهب بن كيسان، عن جابر
بنِ عبد الله أنه أخبره أن أباه تُوفِي، وَتَرَكَ عليه ثلاثين وَسْقاً لِرَجُلٍ من
اليهود، فاستنظره جابرٌ، فأبى أن يُنْظِرَهُ، فكلم جابرٌ رسول الله {#/ في
أن يشفع له، فجاءه رسولُ اللهِمَ، فكلم اليهوديَّ لِيأْخُذَ ثَمَرَ نخله
بالذي له، فأبى، فدخل رسولُ اللهِ /، فمشى فيها ثم قال: (يا جابر
جُدَّ له، فأوفِهِ الذي له))، فحدَّه بَعْدَما رجع رسول الله لمَ﴿، فأوفى
ثلاثين وسقاً، وفضلت له سبعة عشر وسقاً، فجاء جابر رسول الله (8 *.
ليخبره بالذي فعل، فوجد رسولَ الله ◌ُ﴿ يُصلِّ العصر، فلما انصرفَ
رسولُ الله :﴿ جاءه جابرٌ، فأخبره أنه قد أوفى، وأخبره بالفضلِ الذي
فَضَلَ له. فقال رسولُ الله﴿: أخبر بذلك ابنَ الخطابِ، فذهب جابر
إلى عُمَرَ، فأخبره، فقال عمر: لقد عَلِمْتُ حيثُ مشى فيها رسولُ الله
** لَيَُّارِ كَنَّ الله عزَّ وجَلَّ فيها(٢).
(١) إسناده صحيح، ورواه البخاري (٢٣٩٥) و(٢٦٠١) عن عبدان، عن عبد
الله بن المبارك، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن الزهري، حَدَّثْنَا ابن كعب بن مالك أن
جابر بن عبد الله أخبره ...
(٢) إسناده صحيح، ورواه البيهقي في ((دلائل النبوة)) ١٥٠/٦ من طريق محمد بن
عبد الله بن عبد الحكم، به.
ورواه البخاري (٢٣٩٦) عن إبراهيم بن المنذر، عن أنس بن عياض، به.
ورواه أبو داود (٢٨٨٤) عن محمد بن العلاء، وابن ماجه (٢٤٣٤) عن عبد
-٤٤٠-