Indexed OCR Text
Pages 621-640
كتاب النكاح
٢٢١١ - وما قد حَدَّثْنَا محمدُ بنُ عمرو بن يونس، قال: حدَّثْني
أسباطُ بنُ محمد، عن مُطَرِّفٍ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الوَدَّاكِ، عن
أبي سعيد الخدريِّ رضي الله عنه، قال: لما افتحَ رسولُ الله ◌َّ خيبرَ
أصبنا سبباً، فكنا نَعْزِلُ عَنْهُنَّ، فقال بعضُنا لبعض: أتفعلون هذا ورسولُ
اللهِّ إلى جنبكم لا تَسْألُونَهُ؟ فسألوه عن ذلك، فقال: (لَيْسَ مِن كُلِّ
الماء يَكُونُ الوَلَدُ، إِنَّ اللَّه عَزَّ وجَلَّ إذا أرادَ أن يَخْلُقَ شَيئاً لم يَمْنَعْهُ
شيء، فلا عَلَيْكُمْ أن لا تَعْزِلُوا)).
٢٢١٢ - وما قد حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حَدَّثْنَا أَبو
داود، عن شُعْبَةَ، عن أبي إسحاق السَّبيعي، قال: سمعتُ أبا الوَدَّاك
يُحَدِّثُ، عن أبي سعيد الخدريِّ، قال: لما أصَبْنَا سَبْيَ خيبرَ، سألنا
رسولَ اللهِ مَ﴿ عَنِ الْعَزْلِ؟ فقال: «لَيْسَ مِن كُلِّ الماءِ يَكُونُ الوَلَدُ، إِنَّ
الله عَزَّ وجَلَّ إذا أرادَ أن يَخْلُقَ شَيئاً لم يَمْنَعْهُ شيءٍ)(١).
فقال هذا القائلُ، فإذا كان العزلُ مباحاً، فكيف جاز أن يُقَالَ في
هذه الآثار: إنَّ الله عز وجَلَّ إذا أراد أن يَخْلُقَ شيئاً، لم يمنعه شيءٌ،
والخلق فإنما يكونُ من النطفة التي تصيرُ إلى الرَّحِمِ، فإذا لم تَصِلْ إليه،
كان محالاً أن يكونَ هناك قدرٌ يمنع من وَلَّدٍ.
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيقِ الله عز وجلَّ وعونِه أن الله عز
وجلَّ مع لطيفِ قُدرته قد يجوز إذا كان قد قَدَّرَ أن يكونَ من نطفةٍ وَلَّدٌ
(١) إسناده صحيح، وتقدم برقم (٢١٠٦).
- ٦٢١-
کتاب النكاح
أن يُوصلَ إلى الرَّحِمِ منها ما شاء أن يُوصله إليه منها مع العزلِ الذي
يكونُ مِن صاحبها لها، فيكون مما يُوصله إليه الولد الذي قد قُدِّرَ أنه
يكونُ منها، وقد توصل بكمالها إلى الرَّحِمٍ وقد سبق من تقديره عز
وجل أنَّه لا يكونُ منها ولدٌ، فلا يكونُ منها ولد، فكان الولد إنما
يكون مما قد قدر عز وجل أنَّه يكونُ منه، كان معه عزلٌ أو لم يَكُنْ،
وكان العزلُ قد يكون، فيكونُ من الله عز وجل من لطيف قدرته ما
يُوصل من ذلك الماءِ المعزول إلى الرحم ما يكونُ تَخَلَّقَ الولِد منه، فصار
بذلك كل مخلوق إنما يكونُ بما تقدَّمَ من تقديرِ الله عز وجل أنَّه يكونُ
لا بنفس النطفةِ التي قد تكونُ، ولا يكون قد تَقَدَّمَ مِن الله عز وجل أنَّه
يكونُ منه ولد، فلم يجعل## للعزل معنى لذلك، وأباحه لمن شاء أن
يفعله، ولم يمنعه منه غيرَ أنّه أعلمه أن ذلك لا يمنع قدراً من الله عز
وجل إن كان قد سبق فيه، والله عز وجل نسأله التوفيق.
٢٩٨ - بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله # في العَزْلِ،
وأنَّهِ الوَأْدُ الخَفِيُّ، وفيما رُوِيَ عنه في تكذیبه مَنْ قالَ ذلك
٢٢١٣- حَدَّثَنَا إبراهيم بن محمد بن يونس البصري وصالح بن
عبد الرحمن الأنصاري، قالا: حَدَّثَنَا عبد الله بن يزيد المقرئ، قال:
حَدَّثَنَا سعيد بن أبي أيوب، عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن بن
نوفل، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: حدثتني حُذَامَة
- ٦٢٢-
کتاب النكاح
قالت: ذُكِرَ عند رسولَ الله ﴿ُ العَزْلُ، فقال: ((ذَاكَ الوَأْدُ الَخَفِيُّ)(١).
٢٢١٤ - حَدَّثْنَا الربيع بن سليمان الأزْدِي، قال: حَدَّثَنَا أبو زُرعة
الحَجْرِيُّ، قال: أخبرنا حَيْوَة، عن أبي الأسود أنَّه سمع عُروة يُحدث عن
عائشة، عن حُذامة، عن رسول اللهلم﴿ فذكر مثله.
٢٢١٥- حَدَّثْنَا ابنُ أبي داود، قال: حَدَّثْنَا سعيد بن أبي مريم،
قال: أخبرنا يحيى بن أيوب، قال: حَدَّثَنَا أبو الأسود ... ثم ذكر بإسناده
مثله.
٢٢١٦ - وما حَدَّثَنَا علي بن مَعْبَد، قال: حَدَّثْنَا يحيى بن
إسحاق، قال: حَدَّثْنَا یحیی بن أيوب، ثم ذکر بإسناده مثله.
وقال فيه: جُدامة، بالدال.
فقال قائلٌ: ما في هذه الآثار التي رويتموها أنَّ رسول الله ﴿
جعلَ العَزْل كما قد جعله فيها. وقد رويتم عنه ما يُخَالف ذلك:
٢٢١٧ - فذكر ما قد حَدَّثَنَا بَكَّار بن قُتَيْبَةَ، قال: حَدَّثَا أبو داود
(ح). وما قد حَدَّثْنَا إبراهيم بن مرزوق، قال: حَدَّثْنَا أبو داود، عن
هشام بن أبي عبد الله، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد
الرحمن، عن أبي رِفَاعة، عن أبي سعيد الخدري أنَّ رسولَ اللهِ ﴿ أتاه
رجلٌ، فقال: يا رسولَ الله، إنَّ عندي جاريةٌ، وأنا أعزِلُ عنها، وأنا
(١) إسناده صحيح. ورواه أحمد ٣٦١/٦ و٤٣٤، ومسلم (١٤٤٢) (١٤١)،
والطبراني ٢٤/(٥٣٥)، والبيهقي ٢٣١/٧ من طرق عن عبد الله بن يزيد أبي عبد
الرحمن المقرئ، بهذا الإسناد. وانظر حديث رقم (٢١٩٨).
- ٦٢٣-
کتاب النكاح
-
أكرَهُ أَنْ تَحْمِلَ وأشْتَهي ما يَشتهي الرِّجالُ، وإنَّ اليهود يقولون: هي
الموْؤودة الصُّغرى. قال رسولُ الله ﴿: «كَذَبَتْ يَهُوذُ، لَوْ أَنَّ اللّهَ عَزَّ
وَجَلَّ أرادَ أن يخلُقَهُ لم تستطِعْ أَنْ تَصْرِفَهُ)(١).
٢٢١٨ - وما قد حَدَّثَنَا إبراهيم بنُ مرزوق، قال: حَدَّثْنَا هَارون
بن إسماعيل الجَزَّاز، قال: حَدَّثْنَا عليُّ بن المبارك، عن يحيى بن أبي
كثير، عن محمد بن عبد الرحمن، عن أبي مُطيع بن رِفَاعة، عن أبي
سعيد، عن رسولِ اللهِ وَ﴿. فذكر مثله(٢).
٢٢١٩ - وما قد حَدَّثْنَا يونُس، قال: أخبرنا ابن وَهْب، قال:
أخبرني عيَّش بن عقبة الحَضْرَمي، عن موسى بن وَرْدَان، عن أبي سعيد
الخدري رضي الله عنه، قال: بلغ رسول الله ﴿ أنَّ اليهودَ يقولون: إنَّ
العزل هو الموؤودة الصغرى. فقال رسول الله ﴿: ((كَذَبَتْ يَهُودُ)) وقال
(١) حديث صحيح، أبو رفاعة - ويقال أيضاً: أبو مطيع، ويقال: اسمه رفاعة -
وهو ابن عوف الأنصاري لم يرو إلا عن أبي سعيد، ولم يرو عنه غير محمد بن عيد
الرحمن بن ثوابن، قال الحافظ في (التقريب)): مقبول، وقد توبع.
ورواه أحمد ٥١/٣ و٥٣، والنسائي في ((عشرة النساء)) (١٩٤) من طرق عن
هشام، بهذا الإسناد. ورواه أبو داود (٢١٧١)، والنسائي (١٩٧)، والبيهقي
٢٣٠/٧ من طريق يحيى بن أبي كثير، به.
(٢) رواه النسائي في ((عشرة النساء)) (١٩٦) عن محمد بن المثنى، عن هارون بن
إسماعيل، بهذا الإسناد.
ورواه أحمد ٣٣/٣ عن وكيع، والنسائي (١٩٥) من طريق عثمان بن عمر،
كلاهما عن علي بن المبارك، به.
- ٦٢٤-
كتاب النكاح
رسول الله ﴿: (لَوْ أفضيتَ لَمْ يَكُنْ إلاَّ بِقَدَرٍ)).
مے
٢٢٢٠ - وما قد حَدَّثَنَا ابنُ أبي داود، قال: حَدَّثَنَا عَّاشُ بن
الوليد الرَّقَّام، قال: حَدَّثْنَا عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن محمد بن
إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سَلَمَة بن عبد الرحمن وأبي
إُمَامة بن سهل، عن أبي سعيد الخُدْرِي، قال: أقمتُ جاريةٌ لي بسوق
بِي قَيْنُقاعِ، فَمَرَّ بي يهوديٌّ، فقال: ما هذه الجاريةُ؟ فقلت: جارية لي.
فقال: أكنتَ تُصِيبها؟ قلتُ: نعم. قال: فلعلَّ في بطنها منك سَخْلَةٌ.
قال: قلت: إنّي كنتُ أعزِلُها. قال: تِلكَ المَوْؤُودَةُ الصُّغرى. فأتيتُ النبيَّ
﴿ فقال: ((كَذَبَتْ یَهُودُ، كَذَبَتْ یَهُودُ)(١).
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عز وجل وعونه أنّه قد يجوز
أنْ يكون رسول الله﴿ قال ما قد ذكرناهُ عنه في الفصل الأول من هذا
الباب لما كان عليه من أتباع اليهود على شريعتهم لِمَا لم يُحدِثِ اللهُ في
شريعته ما ينسخُ ذلك، إذْ كانوا أهلَ كتاب مقتَدِينَ بالذي جاءهم
بكتابهم، وإذا كان الله عز وجل أنزل عليه فيما أنزل: ﴿أُوْلِك الّذِينَ هَدَى
ء
الله﴾ [الأنعام: ٩٠] يعني مَنْ تقدم من أبيائه ﴿فَهُدَاهُمَ اقَدِهُ﴾ إنما كان
يصل إلى ذلك قَما كان يجده في التوراة وفيما سواها من كُتب الله التي
(١) رواه النسائي في ((عشرة النساء) (١٩٩) عن إبراهيم بن الحسن، عن حجاج،
عن ابن جريج، أخبرني سليمان الأحول، عن عمرو بن دينار، عن أبي سلمة بن عبد
الرحمن، عن رجل، عن أبي سعيد.
-٦٢٥-
كتاب النكاح
كان أنزل على أنبيائه قبله صلواتُ الله عليه وعليهم، فَحَازَ أن يكون لما
كشفهم عن ذلك كيف هو في كتابهم ذكروا له أنّه الموؤودة الصغرى
وكَذَبُوه، فقال ما قال ◌َما ترويه عنه جُدَامة، ثم أعلمه الله عز وجل
بكذبهم، وأنَّ الأمر في الحقيقة بخلاف ذلك، كما لما سألهم عن حدٍّ
الرِّنَى في كتابهم، ذكروا له أنّه الجلدُ والفضيحةُ، وأنهُ لا رجْم في وأتوه
بالتوراة، فوضع أحدُهم يدَه على آية الرجم حتى أعلمه عبدُ الله بن
سلام أنَّهم قد كَذَبُوه، وأمَر ذلك اليهوديَّ رفع يده عن آية الرجم
فرفعها، فقامت عليهم الحدة بأن الرجم في كتابهم، فرجم رسول الله ﴿
عن ذلك من زنى منهم ممّن أتوه به مُحَكِّمِینَ له فیه.
فمثل ذلك ما كان منهم في العزل، لَّا بَّن الله عز وجل
لرسوله﴿ كَذِبَهم في ذلك، بَّن لأمته* كذبهم فيه، وأنزل عليه في
كتابه ما أُوْضَحَ له ما يُستَعمَلُ الوأدُ فيه وهو قوله عز وجل: ﴿وَقَد
خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ
أحْسَنُ الخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٢- ١٤] فأعلمه عز وجل بذلك الوقتَ
الذي يكون المخلوقُ من النطفة فيه الحياة، فيجوز أن يوأد حينئذ،
فيكون ميتاً، وأما قبل ذلك فليس بحيّ، وإنّما هي كسائر الأشياءِ التي لا
حياةً فيها، فمحالٌ أنْ يكون ما كان كذلك موؤوداً.
وقد كان من علي بن أبي طالب رضي الله عنه خطاب لعمر بن
الخطاب رضي الله عنه في هذا المعنى ما قد ذكرنا
٢٢٢١- كما قد حَدَّثْنَا صالح بن عبد الرحمن، قال: حَدَّثْنَا عبد
-٦٢٦-
كتاب النكاح
الله بن يزيد المقرئ، قال: حَدَّثْنَا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب،
عن معمر بن أبي حُبِيَّة، قال: سمعت عبيد الله بنَ رِفاعة الأنصاري،
قال: تذاكرَ أصحابُ النبيِّ:﴿ عند عُمر بن الخطاب رضي الله عنه
العزلَ، فاختلفوا فيه، فقال عمر رضي الله عنه: قد اختلفتم وأنتم أهلٌ
بدرِ الخِيَار، فكيف بالناس بعدكم. إذ تناجَى رجلان، فقال عمر: ما
هذه المُنَاجاةُ؟ قال: إنَّ اليهود تزعُم أنّها الموؤودة الصُّغرى. فقال علي
رضي الله عنه: إنَّها لا تكون مَوْؤُودَةً حتّى تمر بالتارات السَّبْعِ: ﴿وَكَفَد
خَلَقْنَا الإْسَانَ مِنْ سُلاَةِ مِنْ طِ﴾ إلى آخر الآية. فعجب عُمر رضي الله عنه
من قوله، وقال: جزاك الله خيراً.
٢٢٢٢ - وكما حَدَّثْنَا رَوْح بن الفرج، قال: حَدَّثْنَا يحيى بن عبد
الله بن بُكَير، قال: حدثني الليثُ بن سعد، حدثني معمر بن أبي حُبِّيّة،
عن عبيد الله (١) بن عَديٍّ بن الخِيَارِ، قال: تذاكر أصحابُ رسول الله
* عند عُمر رضي الله عنه العزل، ثم ذكر مثله سواء غير أنَّه لم يذكر
فيه قوله: فعَجِبَ عُمر رضي الله عنه من قوله، وقال: جزاك الله خيراً.
قال أبو جعفر: فهذا من عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه
استخراجٌ صحيح في هذا المعنى.
وقد رُوِيَ عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما هذا الكلام
(١) في الأصل (المخطوط): ((حدثني الليث بن سعد، عن معمر قال: حدثني معمر
بن أبي حُيية، عن عبد الله)).
-٦٢٧-
كتاب النكاح
أيضاً:
٢٢٢٣- كما قد حَدَّثْنَا بِكَّار، قال: حَدَّثَنَا مُؤَمَّل بن إسماعيل،
قال: حَدَّثَنَا سفيان، قال: حَدَّثَنَا الأعمش، عن أبي الوَدَّكُ أنَّ قوماً
سألوا ابنَ عباس عن العزل(١). فذكر مثلَ كلام علي في الحديثين
الأوَّلين سواء.
٢٢٢٤ - وكما حَدَّثَنَا فهد، قال: حَدَّثْنَا أبو نُعيم، قال: حَدَّثَنَا
محمد بن شَرِيك، قال: سمعت ابنَ أبِي مُلَيْكَة، عن ابن عباس أنَّه أتاه
ناسٌ من أهل العراف يسألُونَه عن العَزْلِ، وهم يَرَوْنَ أَنَّه الموؤودة، فقال
لجواريه: أخبروهُم كيف أُصنع، فكأنَّهُنَّ اسْتَحْبَيْنَ. قال: إنّي لأصْبُّهُ في
الطَّسْتِ، ثم أصبُّ عليه الماءِ، ثم أقول لإحداهنَّ: انظري، لا تقولين إن
كان شيء، ثم قال: إنه يكون نُطْفَةً، ثم دَماً، ثم عَلَقَةً، ثم مُضْغَةٌ، ثم
يكون عظماً، ثم يُكسى لحماً، ثم يكون ما شاء الله حتى يُنفَخُ فيه
الروحُ، ثم تلا هذه الآية: ﴿ُثُمَّ أَنْشَأَنَهُ خَلْقَاً آخَرَ فَرَاكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ
[المؤمنون: ١٤].
قال أبو جعفر: فلما وقف رسولُ الله ◌َ﴿ٌ على كَذِبِ اليهود فيما
كانوا قالوه في العزل واستحالته، أكذبهم فيه، وأعلمَ الناسَ أنَّه لا يكون
(١) في إسناده، مؤمل بن إسماعيل سيئ الحفظ، لكن له طريق أخرى تقويه.
ورواه عبد الرزاق (١٢٥٧٠)، والبيهقي ٢٣٠/٧ عن سفيان الثوري، عن
الأعمش، عن عبد الملك بن ميسرة، عن مجاهد، عن ابن عباس.
ورواه بنحوه عبد الرزاق (١٢٥٧١) عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس.
-٦٢٨-
كتاب النكاح
إن عزلوا أو لم يعزلوا إلاَّ ما قدَّر الله عز وجل فيه من كون ولد منه أو
مِن انتفاء ذلك منه، وفيما ذكرنا من هذا كفاية لما احتجنا إلى هذا
الكلام من أجله. والله نسأله التوفيق(١).
(١) لخص الحافظ في «الفتح)) ٣٠٩/٩ طريقه الجمع بين الحديثين التي انتهى إليها
الإمام الطحاوي هنا، فقال: قال الطحاوي: يحتمل أن يكون حديث جُذَامة على وفق
ما كان عليه الأمر أولاً من موافقة أهل الكتاب، وكان * يُحِبُّ موافقةً أهل الكتاب
فيما لم ينزل عليه، ثم أعلمه الله بالحكم، فكذب اليهود فيما كانوا يقولونه. وتعقبه
ابنُ رشد، ثم ابن العربي بأنه لا يجزم بشيءٍ تبعاً لليهود، ثم يُصَرِّحُ بتكذيبهم فيه.
ثم قال الحافظُ: وجمعوا بين تكذيب اليهود في قولهم: (الموؤدة الصغرى) وبينَ
إثبات كونه وأداً خفياً في حديث جُذامة بأن قولهم: الموؤدة الصغرى يقتضي أنه وأذٌ
ظاهر، لكنه صغير بالنسبة إلى دفن المولود بعد وضعه حياً، فلا يُعارض قوله: إن العزل
وأد خفي، فإنه يدل على أنه ليس في حكم الظاهر أصلاً، فلا يترتب عليه حكم، وإنما
جعله وأدًا من جهة اشتراكهما في قطع الولادة.
وقال ابن القيم في («تهذيب السنن)) ٨٥/٣: فاليهود ظنت أن العزل بمنزلة الوادِ في
إعدامٍ ما انعقد بسبب خلقه، فكذبهم في ذلك، وأخبر أنه لو أراد الله خلقه ما صرفه
أحدٌ، وأما تسميته وأداً خفياً، فلأن الرجل إنما يعزل عن امرأته هرباً من الولد،
وحرصاً على أن لا يكون، فجرى قصده ونيته وحرصه على ذلك مجرى من أعدم
الولد بوأده، لكن ذلك وأدٌ ظاهرٌ من العبد فعلاً وقصداً، وهذا وأد خفي منه، إنما
أراده ونواه عزماً ونية، فكان خفياً.
-٦٢٩-
كتاب النكاح
٢٩٩- بابُ بیانِ مُشْکِل ما رُوِي عن رسول الله # فيمن
أصاب امرأته وهي حائض
٢٢٢٥ - حَدَّثْنَا يحيى بنُ عثمان بن صالح، حَدَّثْنَا بكرُ بنُ خلف،
حَدَّثْنَا يزيدُ بِنُ زُرَيْعٍ، عن شعبة، حَدَّثْنَا الحكمُ، عن مِقْسَمٍ، عن ابنِ
عَبَّاس رضي الله عنهما، عن النبيِّ # في الذي يأتي امرأته وهي حائض،
قال: يتصدَّقُ بدينارِ أو بنصفِ دينارٍ(١).
فتأملنا هذا الحديث في إسناده لِنعلم حقيقته كيف هي؟
٢٢٢٦ - فوجدنا محمدَ بنَ خزيمة قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثْنَا حجاجُ
(١) مقسم مولى ابن عباس: صدوق وكان يرسل، واختلف في سماع الحكم منه،
وقد رُوِيَ الحديث موقوفاً ومرفوعاً ولكن بزيادة راو في الإسناد بين الحكم ومقسم.
ورواه النسائي في ((عشرة النساء)) (٢١٥)، والطبراني (١٢١٢٩) و (١٢١٣٠)
و(١٢١٣١) و(١٢١٣٢) و(١٢١٣٣)، وابن طهمان في ((مشيخته)) رقم (٣٠) من
طرق عن الحكم، بهذا الإسناد.
ورواه الدارمي ٢٥٤/١، والنسائي في ((عشرة النساء)) (٢١٤)، وابن الجارود
(١٠٩) من طريق سعيد بن عامر، عن شعبة، عن الحكم، عن عبد الحميد، عن
مقسم، عن ابن عباس في الذي يأتي امرأته وهي حائض، قال: يتصدق بدينار، أو
نصف دينار. قال شعبة: أما حفظي فمرفوع، وقال فلان وفلان: إنه كان لا يرفعه،
فقال بعض القوم: يا أبا بسطام حَدَّثَنَا بحفظك، ودعنا من فلان، فقال: والله ما أحب
أُني حدثت بهذا وسکتُّ عن هذا، وإني عمرت في الدنيا عمر نوح في قومه.
ورواه الدارمي ٢٥٤/١ عن أبي الوليد، عن شعبة، عن الحكم، عن عبد الحميد،
عن مقسم، عن ابن عباس، موقوفاً.
- ٦٣٠-
كتاب النكاح
بنُ مِنهال، قال: حَدَّثَنَا شعبةُ، أخبرني الحكمُ، عن عبدِ الحميدِ أميرٍ
الكوفة، عن مِقسم، عن ابنِ عباس - ولم يرفعه إلى النبي ◌َّ - في الذي
يأتي امرأته وهي حائض، قال: يتصدَّقُ بدينارٍ، أو ينِصْفِ دينارٍ. قال
شعبة: شكَّ الحكمُ.(١)
فوقفنا بذلك على أن الحكّم لم يكن حَدَّثَ شعبةَ بهذا الحديثِ
عن مِقْسَم سماعاً له منه، وعلى أنه إنما كان أخذه عن عبد الحميد، عن
مِقسم، فَدَلَّسَ به. ثم نظرنا هَلْ روى هذا الحديثَ عن الحكم غيرُ شعبةً
أم لا؟
٢٢٢٧- فوجدنا عبدَ الله بن محمد بن خشيش قد حَدَّثْنَا، قال:
حَدَّثْنَا مسلمُ بنُ إبراهيم الأزديُّ، حَدَّثْنَا أبو عَوانة، عن الحكم، عن
مِقسم، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما - ولم يذكر النبيَّ ﴾- في الذي
يأتي امرأتَه وهي حائض، قال: يتصدَّقُ بدينارٍ، فإن لم يجد، فبنَصْفٍ
دينارٍ. فكان في هذا الحديث موافقةُ أبي عَوانةَ شعبة فيما حدَّث به عنه
يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، وموافقةُ حجَّاج فيما حدَّث به عن شعبة من إيقافِه هذا
الحديث على ابن عباس.
(١) رجاله ثقات، ورواه أحمد ٢٣٠/١، وأبو داود (٢٦٤) و(٢١٦٨)،
والنسائي ١٥٣/١، وفي (الكبرى)) (٢١٣)، وفي (عشرة النساء)) (٢١٣)، وابن ماجه
(٢١٦٨)، والحاكم ١٧١/١-١٧٢، وابن الجارود (١٠٨) و(١٠٩)، والدارمي
٢٥٤/١، والطبراني (١٢٠٦٦) من طرق عن شعبة، عن الحكم، عن عبد الحميد،
عن مقسم، عن ابن عباس، مرفوعا.
- ٦٣١ -
كتاب النكاح
٢٢٢٨- ووجدنا فهداً قد حَدَّثَنَا، قال: حَدَّثْنَا أحمدُ بنُ عبدِ الله
بنِ يونس، حَدَّثْنَا أبو بكر بن عياش، عن الأجلحِ، عن الحكم، عن
مِقْسَم، عن ابنِ عباس رضي الله عنهما - ولم يذكر النبي #- في الذي
يَقَعُ على امرأته وهي حائض، قال يَتَصدَّقُ بِنِصفِ دینار.
فكان الأجلحُ أيضاً قد وافق أبا عوانة في إسناده هذا الحديث،
عن الحكم، ثم نظرنا هل رواه عن مِقْسَمٍ غَيْرُ الحكم؟
٢٢٢٩- فوجدنا محمد بن عمرو بنَ يونس قد حَدَّثْنَا، قال:
حَدَّثَنَا أسباطُ بنُ محمدٍ، عن سعيد بنِ أبي عروبة، عن قتادة، عن
مقسم، عن ابنِ عَّاس رضي الله عنهما أنَّ رسولَ اللهِلَ﴿ٌ أُمر رجلاً
غَشِيَ امرأتَه وهي حائض أن يتصدَّقَ بدينارٍ أو بنصفِ دينار.
ثم نظرنا هل حدَّث قتادةُ سعيداً بهذا الحديث، عن مِقسم
بسماعه إيّاه منه أو بما سوى ذلك؟
٢٢٣٠- فوجدنا إبراهيمَ بنَ مرزوقٍ، قد حَدَّثَنَا، قال: حَدَّثَنَا
عے
عُبادةُ بنُ صُهيبٍ، حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ أبي عروبة، عن قتادة، عن عبد
الحميدِ، عن مِقسم، عن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما أنَّ رجلاً غَشِيَ
امرأته وهي حائض، فسأل رسولَ الله ﴿ عن ذلك، فأمره أن يتصدَّقَ
بدينارِ أو بنصفِ دينار(١). فوقفنا بذلك على أن قتادة إنما حدث سعيداً
*
(١) عباد بن صهيب: منكر الحديث. ورواه أحمد ٢٣٧/١ و٣١٢ و٣٣٩ عن
يزيد بن هارون وعبد الوهّاب بن عطاء ومحمد بن جعفر، والبيهقي ٣١٥/١ من
-٦٣٢ -
کتاب النكاح
بهذا الحديث عن مِقسم تدليساً، لا بسماعه إِيَّاه منه، ثم نظرنا هل
سَمِعَه قتادة من عبد الحميد أم لا؟
٢٢٣١ - فوجدنا الحجاجَ بن عمران بن الفضل المازنيَّ البصري
أبا عبد الله قد حَدَّثَنَا، حَدَّثْنَا هُدْبَةُ بنُ خالدٍ، حَدَّثَنَا حمادُ بنُ الجعدِ، عن
قتادة، عن الحكم، عن عبد الحميد عن مقسم، عن ابنِ عباس رضي الله
عنهما، عن النبيِّ ◌َ# في الذي يأتي امرأته وهي حائض؟ قال: (يَتصدَّقُ
بدينارٍ أو بنصفِ دينارٍ))(١).
فوقفنا بذلك على أن قتادة لم يسمعه من عبدٍ الحميد، فإنه إنما
حَدَّثَ به عن الحكم، عن عبدِ الحميدِ. والله أعلم، أسمعه من الحكم أم
لا؟، ثم نظرنا هل رواه عن مِقسم غير عبد الحميد؟
٢٢٣٢- فوجدنا الحسنَ بنَ عبدِ الله بن منصور البالسي قد
حَدَّثَنَا، قال: حَدَّثَنَا الهيثمُ بنُ جميل (ح)، ووجدنا فهداً قد حَدَّثَنَا، قال:
حَدَّثَنَا محمدُ بنُ سعيد ابن الأصبهاني، قال الحسن: حَدَّثْنَا شريكٌ، وقال
فهد: أخبرنا شريكٌ، عن خُصَيْفٍ، عن مِقْسَمٍ، عن ابنِ عبَّاس رضي الله
عنهما، عن النبيِّ ﴿ في الذي يَقَعُ على امرأته وهي حائض؟ قال:
طريق عبد الوهّاب، ثلاثتهم عن سعيد بن أبي عروبة، بهذا الإسناد.
(١) إسناده ضعيف.
حماد بن الجعد: ضعيف. ورواه البيهقي ٣١٥/١ من طريق إسماعيل القاضي، عن
هدية بن خالد، بهذا الإسناد.
- ٦٣٣ -
كتاب النكاح
(يتصدَّقُ بِنِصْفِ دينارٍ))(١).
٢٢٣٣- ووجدنا محمد بن خُزيمة، قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثْنَا
حجاجُ بنُ مِنهالٍ، حَدَّثْنَا حمادُ بنُ سلمة، أنبأنا خُصَيْفٌ الجزريُّ، عن
مِقسم، عن ابنِ عباس رضي الله عنهما - ولم يذكر النبيََّ﴾ - في الذي
يغشى امرأته وهي حائض، قال: يَتَصَدَّقُ بدينارٍ أو ينصفِ دينارٍ.
قال أبو جعفر: فكان حديثُ خصيفٍ هذا مما لم تقف على
اضطرابٍ في إسناده، ولكنه قد وقع فيه بَيْنَ حماد وبَيْنَ شريك في متنه
من الاختلاف ما قد ذكرناه في روايتيهما، ورفعه شريك إلى النبيِّ ◌َ﴿
ووافقه حماد على ابنِ عباس رضي الله عنهما.
ثم نظرنا: هل رواه عن مِقسم أحدٌ غير من ذكرنا؟
٢٢٣٤ - فوجدنا محمدَ بنَ علي بن داود قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثْنَا
داودُ بنُ مِهْرَانَ الدَّباغ، حَدَّثَنَا سفيانٌ بنُ عيينة، عن عبد الكريم
الجزري، عن مِقْسَم، عن ابنِ عباس رضي الله عنهما، قال سفيان: أُراده
عن النبي مح﴿، قال: (إذا أتَى الرَّجُلُ امرأته وهي حائض في الدَّمِ العَبِيطِ
(١) إسناده ضعيف لضعف شريك وخصيف. ورواه أحمد ٢٧٢/١، والترمذي
(١٣٦)، وأبو داود (٢٦٦)، والنسائي في ((عشرة النساء)) (٢٢٨)، والدارمي
٢٥٤/١، والبيهقي ٣١٦/١ من طرق عن شريك، بهذا الإسناد.
ورواه الدارمي ٢٥٤/١ من طريق سفيان الثوري، عن خصيف، به.
ورواه أحمد ٣٢٥/١ عن يحيى بن آدم، عن سفيان، عن خصيفة، عن مقسم، عن
الني ﴾.
-٦٣٤ -
كتاب النكاح
تَصَدَّقَ بدينار، وإن كانت صُفرةٌ، فينصفِ دينارٍ))(١).
٢٢٣٥ - ووجدنا محمد بن جعفر بن محمد بن أعين البغدادي قد
حَدَّثَنَا، قال: حَدَّثْنَا عليُّ بنُ الجعدِ، أخبرنا أبو جعفر الرازيُّ، عن عبدٍ
الكريم بن أبي المخارق، عن مِقسم، عن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما،
عن النبيِّ :﴿ ثم ذكر مثلَه(٢).
فكان هذا الحديث قد حدَّث به ابنُ عُيينة، عن عبدِ الكريم
(١) عبد الكريم الجزري، هكذا جاءت نسبته الجزري، وهو عبد الكريم بن
مالك، الثقة.
ورواه النسائي في ((عشرة النساء)) (٢٢١) عن إسحاق بن إبراهيم، عن سفيان بن
عيينة، بهذا الإسناد. فقال: عن عبد الكريم ولم يتسبه، وهو الصواب.
وعبد الكريم هذا هو ابن أبي المخارق البصري، أبو أمية، كما سيأتي مصرحاً
وهو ضعيف. وانظر ((التكت الظراف)) ٢٤٨/٥.
(٢) أبو جعفر الرازي: ضعيف، وكذا عبد الكريم بن أبي المخارق.
ورواه أبو يعلى (٢٤٣٢)، والطبراني (١٢١٣٥)، والبغوي (٣١٥) من طريق
علي بن الجعد، بهذا الإسناد.
ورواه أحمد ٣٦٧/١، وعبد الرزاق (١٢٦٤)، والدارقطني ٢٨٧/٣، والطبراني
(١٢١٣٤)، والبيهقي ٣١٦/١ من طرق عن ابن جريجن عن عبد الكريم غير
منسوب، به.
ورواه ابن ماجه (٦٥٠) من طريق أبي الأحوص، وابن الجارود (١١١)،
والبيهقي ٣١٧/١ من طريق سعيد بن أبي عروبة، والترمذي (١٣٧) من طريق أبي
حمزة السكري، وعبد الرزاق (١٢٦٥) عن محمد بن راشد، أربعتهم عن عبد الكريم
غير منسوب إلا عند البيهقي، فهو عنده عن أبي أمية عبد الكريم البصري.
- ٦٣٥-
كتاب النكاح
الجزري وهو مقبولُ الرواية، وحدَّث به أبو جعفر الرازي عن عبدٍ
الكريم بن أبي المخارق، وهو مغمورٌ في روايته، وكلاهما حدَّث به
عن مِقسم، عن ابنِ عباس، وشكَّ فيه ابنُ عُيينة أن يكون عبدُ الكريم
رفعه له أم لا، ولم يَشُكَّ فيه عبدُ الكريم أبو أُمية أنَّه مرفوع.
ثم نظرنا: هل رواه عن ابنِ عباس غَيْرُ مِقسم؟
٢٢٣٦ - فوجدنا الربيعَ بنَ سليمان المراديَّ قد حَدَّثْنَا، قال:
حَدَّثَنَا أسدُ بنُ موسى، حَدَّثَنَا الوليدُ بنُ مسلم، حدثني عبدُ الرحمن بنُ
يزيد بن تميمٍ أنّه سَمِعَ عليَّ بنَ بَذِيمةَ الجزريَّ يقولُ: سمعتُ سعيدَ بن
جبير يقولُ: سمعتُ ابنَ عباس يقول: أخبر رجُلٌّ رسولَ اللهِ﴿ أَنَّه أتى
امرأته وهي حائض، فأمره أن يَعْتِقَ نسمة، قال ابنُ عباس: وقيمةُ
النسمة يومئذ دينارٌ(١).
فكأنَّ هذا الحديث قد رجع إلى عبد الرحمن بن يزيد بن تميم،
وليس كمن روى هذا الحديث سواه ممن ذكرنا فيما تقدَّم منا في هذا
الباب، وكشفنا عن أحوال عبد الرحمن بن يزيد هذا، فوجدنا
(١) إسناده ضعيف. عبد الرحمن بن يزيد بن تميم ضعيف. ورواه النسائي في
((عشرة النساء)) (٢٣١) عن محمود بن خالد، والطبراني (١٢٢٥٦) من طريق صفوان
بن صالح، كلاهما عن الوليد بن مسلم، بهذا الإسناد.
ورواه أيضاً (٢٣٠) عن عبد الله بن محمد بن تميم، عن موسى بن أيوب، عن
الوليد بن مسلم، عن ابن جابر، عن علي بن بذيمة، به. والوليد بن مسلم عنعنه، وهو
مدلس.
-٦٣٦-
کتاب النكاح
البخاريَّ(١) قد ذكر أنّه رجلٌ من أهل الشام، وأنه يُحدِّثُ بأحاديث
منكراتٍ، وأنّه كان قدِمَ الكُوفة، فكتب عنه غيرُ واحد من أهلها،
ونسبوه إلى جابر، فقالوا: عبدُ الرحمن بنُ يزيد بن جابر، وهم يرونه
عبد الرحمن بن يزيد وليس به.
٢٢٣٧ - ووجدنا محمد بن خزيمة قد حَدَّثْنَا، حَدَّثَنَا حجاجُ بنُ
مِنهالٍ، حَدَّتْنَا حمادُ بنُ سلمة، عن عطاء العطار، عن عِكرمة، عن ابنٍ
٩
عباسٍ، عن النبيِّ :﴿ في الذي يَغْشَى امرأته وهِيَ حائض، قال يتصدَّقُ
بدينار، فإن لم يجد فبنصفِ دينارٍ (٢).
وكان عطاء هذا عندَ أهلِ العلم بالإسناد هو أبو يزيد بن عطاء
غير أن البخاري نسبه إلى البز(٣)، ولم ينسبه إلى العِطر، وقد يحتمل أن
(١) في ((تاريخه الكبير)) ٣٦٥/٥.
(٢) عطاء العطار هو عطاء بن عجلان الحتفي أبو محمد البصري العطار، لا كما
قال الطحاوي: عطاء أبو يزيد البزار.
قال البخاري: منكر الحديث، وقال أبو حاتم والنسائي: متروك، وقال الدارقطني:
ضعيف لا يعتبر به، وقال مرة: منكر الحديث.
(٣) هذا الذي نسبه البخاري إلى البز ليس هو عطاء العطار الذي في هذا السند.
قال البخاري في ((تاريخه) ٤٦٧/٦: عطاء البزاز أبو يزيد بن عطاء، روى عنه
الشيباني وعبد الله بن عون، نسبه حامد عن أبي عوانة، ويقال عن أبي عوانة: إنه
الكندي، ويقال: مولى بني یشکر.
وقال ابن حاتم ٣٣٩/٦: عطاء البزاز والد يزيد بن عطاء، روى عن أنس، روى
عنه عبد الله بن عون، وأبو إسحاق الشيباني سمعتُ أبي يقول ذلك: حَدَّثًّا عبد
-٦٣٧-
كتاب النكاح
يكونَ كان عطاراً بزازاً، فنسبه قوم إلى البر، ونسبه قوم إلى العِطْرِ.
٢٢٣٨ - ووجدنا الربيعَ بنَ سليمان المراديَّ قد حَدَّثْنَا، قال:
حَدَّثْنَا أسد، قال: حَدَّثْنَا حمادُ بنُ سلمة، عن عطاء العطّار، ثم ذكر
بإسنادِه مثله.
ثم نظرنا هل روى هذا الحديثَ أيضاً عن عبد الحميد غَيْرُ
العراقيين أم لا؟
٢٢٣٩- فوجدنا الحسنَ بنَ عبد الله بن منصور البالسي قد
حَدَّثَنَا، قال: حَدَّثْنَا محمدُ بنُ كثيرٍ، عن الأوزاعيِّ، عن يزيد بن أبي
مالكٍ، عن عبد الحميد بن زيد - يعني عبد الحميد بن عبد الرحمن بن
زيد بن الخطاب - ولم يتجاوز به.
قال: كانت لِعُمَرَ بنِ الخطاب امرأةٌ تكره الجماعَ، فكان إذا
أرادها، اعتلْتْ بالمحيض، فظن أنَّه لَيْسَ كما تقولُ، فوقع عليها، فإذا هي
حائض، فسأل النبيَّ ◌َ﴿ عن ذلك، فأمره أن يتصدَّقَ بِخُمْسَيْ دينار(١).
فكان في هذا الحديث مما أمره رسولُ الله ﴿ أن يتصدَّقَ به أقلُّ
مما في الأحاديث الأُوَل، وكانت الأحاديث الأُول أولى عندنا من هذا
الحديث لتَّبْتِ رواتها، ولتجاوزهم في المقدار يزيد بن أبي مالك.
الرحمن، قال: قرئ على العباس بن محمد الدوري، عن يحيى بن معين أنه قال: مولى
أبي عوانة ليس بشيء.
(١) في سنده انقطاع.
-٦٣٨ -
كتاب النكاح
ثم نظرنا هل روى هذا الحديثَ أيضاً عن مقسم غيرُ مَنْ ذكرنا؟
٢٢٤٠ - فوجدنا فهداً قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ عبدِ الله
بن يونس، حَدََّنَا أبو بكر - يعني ابنَ عَّاشٍ -، عن ابنِ عطاء - يعني
يعقوب-، عن مقسم، عن ابنِ عباس قال: قال النبيُّ ﴿ في الذي يَقَعُ
على امرأتِه وهي حائضٌ: (يَتَصَدَّقُ بدينارٍ أو بِنصفِ دينارٍ))(١).
ثم تأملنا هذا الحديث، فوجدناه إذا ثبت، كان الذي فيه أمرُ
رسولِ الله﴿ مَنْ وقع في السببِ المذكورِ فيه بالصَّدَقَةِ بالمقدارِ المذكورِ
فيها. فعقلنا بذلك أن تلك الصدقة التي أمره بها قربة إلى الله عز وجل،
فاحتمل أن يكونَ كفارةً عن ما كان منه، واحتمل أن يكونَ قربة، لا
لأنها كفارة كما أمر النبي {﴿ٌ بالصدقة عند كُسُوفِ الشمس لِتكون
قربةٌ لا كفارة.
٢٢٤١- كما حَدَّثْنَا يونس، أخبرنا ابنُ وهبٍ أن مالكاً حدَّثه،
عن هشامٍ بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها أن النبيَّ ◌ِ﴿،
قال: ((إِنَّ الشَّمْسَ والقَمَرِ آيتانِ مِن آياتِ اللهِ تباركَ وتعالى لا
يُخْسَفَانِ لِمَوْتِ أحدٍ ولا لِحَيَاتِهِ، فإذا رَأيْتُمْ ذلك، فادعوا الله عز
وجلَّ وكَبِّروا، وتَصدَّقو)»(٢)، وهو أولى الاحتمالین.
(١) يعقوب بن عطاء، قال أبو حاتم: ليس بالمتین یکتب حديثه.
ورواه الدارقطني ٢٨٦/٣، والبيهقي ٣١٨/١ من طريق أحمد بن عبد الله بن
يونس، بهذا الإسناد. وقال البيهقي بإثره: ويعقوب بن عطاء لا يحتج به.
(٢) إسناده صحيح، وهو في «الموطأ) ٣٨٦/١، ومن طريقه رواه البخاري
-٦٣٩-
كتاب النكاح
فقال قائل: ولم كان ما تأوَّلت في تلك الصدقة بالقربة أولى من
الكفارة؟
فكان جوابناُ له في ذلك أنا وجدنا الكفاراتِ التي أمر الله عز
وجَلَّ بها في كتابه، وعلى لسان نبيه:﴿ منها ما قد خلط فيه الصيام
بغيره، وهي آيةُ جزاء الصيدِ، فقال عز وجل: ﴿فَجَزَاءُ مِثْلُ مَا قَلَ مِنَ
١
النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]، ومثلها أيضاً آيةُ الفِدية في حلق المحرمِ رأسَه من
أَذىّ، وهي قولهُ: ﴿فَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِضَا أَوِ أَذَ مِنْ رَأْسِهِ فَقِيَةٌ مِنْ
صِيام أو صَدَقَةٍ أَوْنُسُكِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
ومنها ما أمر به في كتابه في كفارات الإيمان عندَ إِعوازِ الرقبةِ
والكسوة والإطعام وهي قولهُ عز وجلَّ: ﴿فَمَنْ لمَيَجِدُ فِصِيامُ ثَلاثةِ أَيَامٍ﴾
[البقرة: ١٩٦]، فكان ذلك صياماً مُحَوَّلاً عندَ الإعواز بدلاً مما قبلَه مما
ليسَ بصيامٍ، ومثلُ ذلك ما جعله عز وجل من الصيام بدلاً عن الكفارة
عن القتل الخطأ بقول: ﴿فَمَنْ مَيَجِدْ فَصَّيَّامُ شَهْرَنِ مُتَابِعِيْنِ﴾ [النساء:
٩٢]، ومثلُ ذلك كفارةُ الظِّهارِ لمن لم يجد رَقبةٌ بصومٍ شهرين
متابِعَيْنٍ، فإن لم يَقْدِرْ، أَطْعَمَ ستين مسكيناً، ومثل ذلك ما بينه لنا على
لسانِ رسولِهِ ﴾ في المجامع في صيامه متعمداً مما هو مثلُ ذلك، فكان ما
جعله الله عز وجلَّ كفارةٌ قد خلطه بالصيامِ، أو جعل له بدلاً مِن
(١٠٤٤)، ومسلم (٩٠١).
- ٦٤٠-