Indexed OCR Text
Pages 281-300
كتاب الحج
كان إهلالُهما بم أهلَّ به النبيُّ ◌َ﴿، فإن الإهلالَ لا يُوجبُ اللبثَ بين
العُمرة والحجة حتى يكونّ الإِهلالُ منهما معاً، إنما الذي يوجبُ ذلك
الهديُ الذي يُسَاقُ لهما ما سواه، فأمر كُلَّ واحدٍ منهما بما يجبُ عليه
من لبثٍ على ما هو فيه بَيْنَ عُمرته وحجته، ومِن خروجه عن ذلك إلى
حلّ بينهما. ثم التمسنا ما في هذين الحديثين، مما يَدُلِّنا على غيرِ هذا
البابِ من أبواب الفقه، فوجدنا كُلَّ واحدٍ مِن عليّ ومِن أبي موسى قد
أحرم بمثلٍ إحرامِ النبيِّ ◌َ﴿ قبل عِلمِهِ أنَّ النبيََّ ﴿ قد كان أحرم وقَبْلَ
عِلمِهِ ما أحرم به، وقد جعلهما النبيُّ :﴿ بذلك مُحْرِمَيْنِ داخِلَيْنِ في مثلٍ
إحرامه فدلَّ ذلك أن من أحرم كإحرام فلانٍ، ولم يدرِ ما هو أنه يكونُ
محرماً كإحرامٍ فلان بما أحرم به وإنَّ جَهْلَه بذلك لا يَضُرُّه وإنَّ مَنْ
دخل في شيءٍ قبلَ علمه بدخولٍ وقته، أو قبلَ علمه أن ما دخل فيه له
قد كان أنه يَرُدُّ ذلك إلى حقيقة ذلك الشيء، فيجعل مَنْ دَخَلَ فيه على
جهله به، كمن دَخَلَ فيه على علمه به، من ذلك رجل دخلَ في صلاة
الظهر، ولا يعلم أن الشمس قد زالت، ثم علم أنها قد كانت زالت أن
صلاَتَه تُجزئه كما يجزئه لو كان دخل فيها بعد علمه بدخول وقتها،
ومثلُ ذلك رجلٌ دخل في صوم يومٍ على أنّه يصومُه من رمضان ولم
يعلم أن الهلالَ قد رُئي قبلَ ذلك أنَّ ذلك الصوم يُجزئه مِن رمضان،
كما كان أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد يقولونه في ذلك، وبخلاف ما
يقولُه مخالفهم: إنه لا يُجزئه حتى يَعْلَمَ بوجوبِ فرضه عليه قبل دخوله
فيه، وبالله التوفيق.
- ٢٨١-
كتاب الحج
٢٤٤ - بابُ بیانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله في الحجة
التي كانت قبل حجته من التأمير فيها، ومن قراءة براءةَ علی
الناس فيها، ومن كان أمیره فیها، ومن کان المبلغ عنه فیھا
من أبي بكر ومن علي
١٧٥٨ - أخبرنا أحمدُ بن شعيب، قال: أخبرنا العباسُ بن محمد -
يعني الدُّوري-، قال: حَدَّثْنَا أبو نوح قُراد، عن يونس بنِ أبي إسحاق،
عن أبي إسحاق، عن زيد بن يُثَيْعِ، عن علي عليه السَّلامُ أن رسولَ الله
* بعث ببراءة إلى مكة مع أبي بكر رضي الله عنه، ثم تَبِعَهُ بعلي، فقال
له: ((خُذِ الكِتابَ واْضَ إلى أهل مكة)، فلحقته، فأخذتُ الكتابَ منه،
فانصرف أبو بكر وهو كتيبٌ، فقال: يا رسولَ الله أَنَزَلَ فيَّ شيءٌ؟ قال:
((لا إلاَّ أَنّي أُمِرتُ أن أُبلّغَهُ أنا أو رَجُلٌ مِن أَهْلِ بَيتِي))(١).
(١) إسناده ضعيف. أبو قراد عبد الرحمن بن غزوان: ثقة له أفراد، قال الإمامُ
الذهبي: له مناكير، ويونس بن أبي إسحاق سمع من أبيه بأخرة، وفي متنه نكارة، فإن
النبي * استعمل أبا بكر رضي الله عنه على الحج سنة تسع ولم يرده، ولا رجع، بل
هو الذي أقام للناسِ الحج ذلك العام، وعلى رضي الله عنه من جملة رعيته يُصلي
خلفه، ويدفع بدفعه، ويأتمر بأمره، وإنما بعثه * بعد أبي بكر لِيكون معه، ويتولى عليّ
إبلاغَ البراءة للمشركين نيابة عن رسول الله # لكونه ابنَ عمه من عصبته، فقد
كانت العادة المتبعة عندهم أن لا يعقد العهد ولا يحله إلا المطاعُ أو رجلٌ من أهل
بيته، فلم يكونوا يقبلون ذلك من كُلِّ أحد.
وهو في ((خصائص علي)) (٧٦).
ورواه أبي عبيد في («الأموال)) (٤٥٧) عن أبي قراد، عن يونس بن أبي
- ٢٨٢-
كتاب الحج
١٧٥٩- وحَدَّثنا إبراهيمُ بنُ أبي داود، قال: حَدَّثْنا سعيدُ بنُ
سليمان الواسطيُّ، عن عبَّاد -يعني ابنَ العوام-، عن سفيانَ بنِ حُسين،
عن الحكم بنِ عُتيبة، عن مِقْسَمٍ، عن ابنِ عباس رضي الله عنهما أنَّ
رسولَ اللهِ:﴿ل بعثَ أبا بكرٍ رضي الله عنه، وأمره أن يُنادي بهؤلاء
الكلماتِ، ثم اتبَعَه علياً، فبينا أبو بكر في بعضِ الطريقِ، إذ سمع رُغاء
ناقةِ رسولِ اللهِ﴿ القَصْواء، فخرج أبو بكر وظَنَّ أنه رسولُ الله مخلل
فإذا عليٌّ عليه السَّلامُ، فدفع إليه كتابَ رسول اللهِلَ﴿ه فأمَّرَهُ على
المَوْسِمِ، وأمَرَ علياً أن يُنادِي بهؤلاء الكلماتِ، فانطلقا، فقام علي أيامَ
التشريق، فقال: ((ذِمَّةُ الله عزَّ وجلَّ ورسولهِ ﴿ بريئةٌ من كُلِّ مشكرٍ،
فسيحوا في الأرضِ أربعة أشهر، ولا يَحُجَّنَّ بعدَ العَامِ مشرٌ، ولا
يطوفَنَّ بالبَيتِ عُريان، ولا يَدْخُلُ الجنَّةَ إلاَّ مؤمنٌ)، قال: فكان علي
يُنادي بها، فإذا بُحَّ، قام أبو هريرة، فنادى بها(١).
إسحاق، عن أبيه، عن زيد بن يُثيع، قال: بعث رسول الله ﴾، وهذا مرسل.
ورواه أحمد ٣/١، وأبو بكر المرزوي في ((مسند أبي بكر)) (١٩٨)، وابن
جرير في ((جامع البيان)) (١٦٣٧٢)، والجورقاني في ((الأباطيل)) (١٢٤) من طريق
إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يشيع، عن أبي بكر: أن النبي * بعثه ببراءة
الأهلٍ مكة لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا
نفس مسلمة، من كان بينه وبين رسول الله # مدة فأجله إلى مدته، والله بريء من
المشركين ورسوله، قال: فسار بها ثلاثاً، ثم قال لعلي رضي الله تعالى عنه: ((الحقه،
فرد عليَّ أبا بكر وبلغها أنت)، قال: ففعل، قال: فلما قدم على النبي # أبو بكر
- ٢٨٣-
كتاب الحج
١٧٦٠ - حَدَّثنا أحمدُ بن شعيبٍ، قال: أخبرنا محمدُ بن المثنى،
قال: حَدَّثنا يحيى بنُ حماد، قال: حَدَّثْنا الوضَّاحُ -وهو أبو عَوانة-
قال: حَدَّثنا أبو بَلْجٍ، قال: حَدَّثْنا عمرو بن ميمون، قال: إني لجالسٌ
عندَ ابنِ عباس إذ أتاه تِسعَةُ رَهْطٍ، فذكر قصةً، فقال فيها: وبعث -
بكى، قال: يا رسول الله حدث فيّ شيء؟ قال: ((ما حدث فيك إلا خير، ولكن
أمرت أن لا يبلغه إلا أنا أو رجل مني».
وروى أحمد ٧٩/١، والترمذي (٣٠٩١) من طريق سفيان بن عيينة، والطيري
(١٦٣٧٣) من طريق زكريا بن أبي زائدة، كلاهما عن أبي إسحاق السبيعي، عن
زيد بن يُشيع، سألنا علياً: بأي شيء بعثت؟ - يعني يوم بعثه النبي * مع أبي بكر في
الحجة - قال: بعثت بأربع: لا يدخل الجنة إلا نفسٌ مؤمنة، ولا يطوف بالبيت عُريان،
ومن كان بينه وبين النبي # عهد، فعهده إلى مدته، وأن لا يحج المشركون والمسلمون
عامهم هذا. قال الترمذي: هذا حديث حسن، وهو حديث سفيان بن عيينة، عن أبي
إسحاق، ورواه الثوري عن أبي إسحاق، عن بعض أصحابه، عن علي.
(١) إسناده قوي، ورواه الترمذي (٣٠٩١)، وأبو زرعة الدمشقي في ((تاريخ
دمشق)) (١٦٦٩)، والطبراني (١٢١٢٧)، والبيهقي في ((دلائل النبوة)) ١٩٦/٥-
١٩٧ من طرق عن سعيد بن سليمان الواسطي، بهذا الإسناد، قال الترمذي: حديث
حسن غريب من هذا الوجه من حديث ابن عباس.
ورواه الحاكم ٥١/٣-٥٢، والبيهقي في ((دلائل النبوة) ٢٩٦/٥-٢٩٧، وفي
((السنن)) ٢٢٤/٩ من طرقين عن عباد بن العوام، به، وقال الحاكم: صحيح الإسناد،
ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
ورواه الطبري (١٦٣٧٥) من طريق سليمان بن قرم، عن الأعمش، عن
الحکم، به.
- ٢٨٤ -
كتاب الحج
يعني رسول الله 8- أبا بكر رضي الله عنه بسورة التوبة، وبعث علياً
عليه السَّلامُ خَلْفَهُ، فأخذها، منه وقال: ((لا يَذْهَبُ بها إلا رَجُلٌ هو
مِنِّي وأنا مِنْهُ))(١).
١٧٦١- وحَدَّثنا محمدُ بنُ علي بن داود، قال: حَدَّثنا محمدُ بنُ
عمران الأخنسيُّ (ح)، وحَدَّثنا فهد، قال: حَدَّثْنا محمدُ بن سعيد ابن
الأصبهاني، قالا: حَدَّثنا محمدُ بنُ فضيلٍ، قال: حَدَّثْنا سالم بنُ أبي
حفصة، عن جُميع بنِ عُمير التيمي، قال: قال لي عبدُ الله بنُ عُمَرَ: إن
رسولَ الله :﴿ بَعَثَ أبا بكر وعمر رضي الله عنهما ببراءةَ، حتى إذا
كانا مِن طريق مكة بكذا وكذا إذا هُما براكبٍ، وإذا هو عليٌّ رضي
الله عنه، فقال: يا أبا بكرِ هَاتِ الكِتابَ الذي معك، فقال: ما لي يما
عليٌّ؟ قال: واللهِ ما عَلِمْتُ إلا خيراً. فرجع أبو بكر إلى رسولِ الله ◌ِ﴿،
فقال: يا رسولَ الله مالي؟ قال: ((خيرٌ، ولكن أُمِرْتُ ألّ يُبَلِّغَ عنّي إِلّ
(١) الحديث في ((خصائص علي)) (٢٤) مطولاً، وفيه جمل منكرة تفرد بها
يحيى بن سليم. ورواه ابن أبي عاصم في ((السنة)) (١٣٥١) عن محمد بن المثنى، بهذا
الإسناد. ورواه أحمد (٣٠٦١) و(٣٠٦٢)، وفي («الفضائل)) (١١٦٨)، والحاكم
١٣٢/٣ من طريق يحيى بن حماد، به.
ورواه الطبراني في «الكبير)) (١٢٥٩٣) عن إبراهيم بن هاشم البغوي، عن
کثیر بن يحيى، عن أبي عوانة الوضاح، به.
وأورده الهيثمي في (المجمع)) ١١٩/٩-١٢٠، وقال: رواه أحمد والطبراني في
(الكبير) و(الأوسط)) باختصار، ورجال أحمد رجال الصحيح غير أبي بلج الفزاري،
وهو ثقة، وقیه لین.
- ٢٨٥-
كتاب الحج
أنا أو رَجُلٌ مِن أهل بيتي)»، هكذا في حديث محمد بن علي، وفي
حديث فهد: ((أو رجلٌ مِن أهلِ بيتي))، هكذا في حديث محمد بن علي،
وفي حديث فهد: ((أو رجلٌ من أهلِ بيتي عليّ بن أبي طالب)(١).
١٧٦٢- وحَدَّثنا إبراهيمُ بنُ مرزوقٍ، قال: حَدَّثنا عثمانُ بنُ عُمَرَ
بنِ فارس، قال: حَدَّثنا حمادٌ، عن سماك بنِ حربٍ، عن أنس، عن النبيِّ
﴿ أنه بعث براءةً إلى أهل مكة مع أبي بكر، ثم بعث علياً، فقال: (لا
يُبلّغُها إلا رجلٌ من أهلِ بيتي))(٢).
١٧٦٣- وحَدَّثنا الحسينُ بنُ الحكم الحِيَري، قال: حَدَّثْنا عفانُ
بنُ مسلم، قال: حَدَّثْنا حمادُ بنُ سلمة، ثم ذكر بإسنادِهِ مثلَه.
١٧٦٤ - وحَدَّثنا أحمدُ بنُ شعيبٍ، قال: أخبرنا إسحاقُ بنُ
إبراهيم، قال: قرأتُ على أبي قُرة موسى بن طارق، عن ابن جُريج،
قال: حدثني عبدُ الله بن عثمان بن خُثيم، عن أبي الزبير، عن جابرٍ أن
(١) إسناده ضعيف جداً. جميع بن عمير، قال البخاري: فيه نظر، وقال ابن
حبان: رافضي يضع الأحاديث، وقال ابن نمير: كان من أکذب الناس.
ورواه الحاكم ٥١/٣ من طريق إسحاق بن بشر الكاهلي، عن محمد بن
فضيل، بهذا الإسناد، وقال: هذا حديث شاذ، والحمل فيه على جميع بن عمير، وبعده
على إسحاق بن بشر.
(٢) رواه أحمد ٢١٢/٣ و٢٨٣، وابن أبي شيبة ٨٤/١٢، والترمذي
(٣٠٩٠)، والنسائي في ((خصائص علي)) (٧٥)، والقطيعي في «زوائد الفضائل))
(٩٤٦) و(١٠٩٠) من طرق عن حماد بن سلمة، بهذا الإسناد. وقال الترمذي: هذا
حديث حسن غريب من حديث أنس بن مالك.
- ٢٨٦ -
كتاب الحج
النبيُّ ◌َ﴿َّ حِينَ رَجَعَ من ◌ُمرة الجعْرانَةِ بعث أبا بكر رضي الله عنه على
الحجِّ، حتّى إذا كنا بالعَرْجِ، ثُوِّبَ بِالصُّبْحِ، ثم استوى ◌ِيُكبر، فسَمِعَ
الرَّغْوَةَ خلفَ ظهره، فوقف عن التكبير، فقال: هذه رغوةُ ناقةِ رسولِ
الله:﴿ لقد بدا لِرسول الله لَ﴿ في الحجِّ، فلعله أن يكونَ رسولُ اللهِ مَ ◌ّ
فتصلي معه، فإذا عليٌّ رضي الله عنه عليها، فقال له أبو بكر: أميرٌ أو
رسولٌ؟ قال: لا بَلْ رسولٌ أرسلني رسولُ الله ◌َ ﴿ ببراءة أقرؤها على
الناسِ في مواقفِ الحجِ، فَقَدِمِنا مكة، فلمَّا كان قَبْلَ التروية بيوم، قام أبو
بكر رضي الله عنه، فخطب الناسَ، فحدَّتهم عن مناسكِهم، حتى إذا
فَرَغَ، قام عليٍّ رضي الله عنه، فقرأ على النَّاسِ براءة حتّى ختمها، ثم
خرجنا معه حتّى إذا كان يَوْمُ عَرَفَةَ، قام أبو بكر رضي الله عنه،
فخَطَبَ الناسَ، فحدثهم عن مناسِكهم، حتى إذا فرغ، قام علي رضي
الله عنه، فقرأ على الناسِ براءة حتى ختمها. ثم كان يومُ النحر،
فأفضنا، فلما رجع أبو بكر رضي الله عنه، خَطَب الناسَ فحدَّثْهم عن
إفاضتهم، وعن نحرهم، وعن مناسكهم، فلما فرغ، قام عليٍّ رضي الله
عنه، فقرأ على الناسِ براءة حتى ختمها، فلما كان يومُ النّفْرِ الأوَّلِ، قام
أبو بكر رضي الله عنه، فخطب الناسَ، فحدثهم كيف ينفرون وكيف
يرمون، فَعَلَّمَهم مناسِكَهُم، فلما فرغ قام عليٍّ، فقرأ براءةَ على الناسِ
حتّى ختمها(١).
(١) في متنه نكارة، فإن أمير الحج كان سنة عمرة الجعرانة -وهي سنة ثمان
من الهجرة- إنما هو عتاب بن أسيد، وأما أبو بكر، فكان أمير الحج سنةً تسعٍ، كما
-٢٨٧-
كتاب الحج
قال أبو جعفر: فقال قائل: فقد رُوِيَ عن أبي هريرة ما قد دَلَّ
و
أنَّ النداء كان بهذه الأشياء التى فيما رويتم مضافة إلى علي كانت بأمرٍ
أبي بكر رضي الله عنه.
١٧٦٥ - فذكر ما قد حَدَّثنا ابنُ أبي داود، قال: حَدَّثنا أبو
اليمان، قال: حَدَّثْنا شعيبُ بنُ أبي حمزة، عن الزهري، قال: حدثني
حميدُ بنُ عبد الرحمن، أن أبا هريرة رضي الله عنه، قال: بعثني أبو بكرٍ
رضي الله عنه فيمن يُؤَذِّثُ يوم النحرِ يمِنى: أن لا يحجَّ بَعْدَ العامِ مشرك،
ولا يطوفَ بالبيتِ عُريان(١).
١٧٦٦- وحَدَّثنا فهد، قال: حَدَّتْنا عاصمُ بنُ علي، قال: حَدَّنا
الليثُ بنُ سعدٍ، عن عُقيل، عن محمد بن شهاب الزهري، قال: حدَّثْني
حُمَيْدُ بنُ عبدِ الرحمن، أن أبا هريرة رضي الله عنه، قال: بعثني أبو بكرٍ
جزم به غيرُ واحد من أهل العلم. انظر ((طبقات ابن سعد)) ١٦٨/٢-١٦٩، و(«سيرة
ابن هشام)) ١٨٨/٤، و(تاريخ خليفة بن خياط) ص ٩٢ -٩٣، و((زاد المعاد))
٥٩٣/٣، و(البداية والنهاية)) لابن كثير ٣٣/٥. وهو في ((خصائص علي)) (٧٨).
ورواه النسائي ٢٤٧/٥، والدارمي ٦٦/٢-٦٧، والبيهقي ١١١/٥،
والجورقاني في (الأباطيل)) (١٢٩) من طريق أبي قرة موسى بن طارق، بهذا الإسناد.
(١) إسناده صحيح. ورواه البخاري (٣١٧٧)، وأبو داود (١٩٤٦) عن أبي
اليمان، به. ورواه البخاري (٣٦٩) و(١٦٢٢) و(٤٣٦٣) و(٤٦٥٧)، ومسلم
(١٣٤٧)، والنسائي ٢٣٤/٥، وفي (الكبرى) (٣٨٤١)، وأبو يعلى (٧٦)، والبيهقي
٨٧/٥-٨٨، والطبري (١٦٤٣٧)، والبغوي في ((شرح السنة)) (١٩١٢)، وفي («معالم
التنزيل)) ٢٦٨/٢ من طرق عن الزهري، بهذا الإسناد.
-٢٨٨-
كتاب الحج
في تلك الحجةِ في مؤذنين بعثهم يومَ النحرِ يُؤذنون بمِنى: لا يحجُّ بعدَ
العامِ مشرك، ولا يطوفُ بالبيتِ عُريان(١).
قال هذا القائلُ: فقد دَلَّ حديثُ أبي هريرة هذا على أن التبليغ
بهذه الأشياء إنما كان من أبي بكر لا مِن علي، وهذا اضطراب في هذه
الآثار شدید.
فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عزَّ وجلَّ وعونه: أنه ما في
ذلك اضطراب كما ذكر، لأن الإمرة في تلك الحجةِ إنما كانت لأبي
بكر خاصةً لا شريك له فيها، وكانت الطاعةُ في الأمر والنهي الذي
يكون فيها إلى أبي بكر لا إلى سواه، فمن أجل ذلك بعث أبا هريرة في
المؤذنين الذين كانوا معه ليمتثلوا ما يأمرهم به علي رضي الله عنه فيما
بعثه رسولُ الله :﴿ له، وقد دَلَّ على ذلك
١٧٦٧- ما قد حَدَّثنا إبراهيمُ بن مرزوق، قال: حَدَّثنا عثمانُ بنُ
عمر بنٍ فارس، قال: أخبرنا شُعبةُ، عن المغيرة، عن الشعبي، عن المحرَّر
بنِ أبي هريرة، عن أبيه، قال: كنتُ مع عليّ رضي الله عنه حينَ بعثه
البِيُّ ◌َ﴿ ببراءةَ إلى أهل مكة، فكنتُ أُنادي حتى صَحِلَ صوتي، فقيل:
بأيِّ شيء كنت تُنادي؟ قال: أمرنا أن تُنادِيَ: أَنَّه لا يَدْخُلُ الجنَّةَ إلا
مؤمنٌ، ومَنْ كانَ بينَهُ وبَيْنَ رسولِ اللهِع﴿، فذكر كلمة كأنّها عهدٌ،
(١) إسناده صحيح. ورواه البيهقي في ((دلائل النبوة)) ٢٩٥/٥-٢٩٦ من
طريق عمر بن حفص السدوسي، عن عاصم بن علي، بهذا الإسناد.
ورواه البخاري (٤٦٥٥) و(٤٦٥٦) من طريقين عن الليث بن سعد، به.
-٢٨٩-
كتاب الحج
فأجلُه إلى أربعة أشهر، فإذا مضت الأشهرُ، فإنَّ الله بريءٌ من المشركين
ورسولُه، ولا يطوفُ بالبيتِ عُريان، ولا يحج بعدَ العامِ مُشْرِكٌ(١).
قال أبو جعفر: فدلَّ ذلك على أنَّ نداء أبي هريرة إنما كان بما
يُلقيه عليٍّ عليه، وأن مصيره كان إلى علي كان بأمر أبي بكر، لأن
الأمر كان إليه إذا كان هو الأمير في تلك الحجة حتى رجع [إلى]
رسول الله / منصرفاً منها.
وفيما بينا من ذلك عُلُوُّ المرتبة لأبي بكر رضي الله عنه في إمرته
على المبلِّغ عن رسولِ اللهِ﴿ فيما لا يَصْلُحُ أن يكونَ المبلغَ له عنه إلا
هو.
وفيه أيضاً علىُّ مرتبة علي رضي الله عنه في اختصاصِ رسولِ الله
﴿ إَّاه بما اختصه به من التبليغ عنه، وفي ذلك ما يجب على أهلِ العلمِ
الوقوفُ على منزلة كُلِّ واحد منهما حتى يُؤتوه ما جعله الله له، ولا
يُنْتَقِصُونه منه شيئاً. والله نسأله التوفيق.
(١) رواه أحمد ٢٩٩/٢، والدارمي ٣٣٢/١-٣٣٣ و٢٣٧/٢، والنسائي
٢٣٤/٥، وفي (الكبرى)) (١١٢١٤)، وابن حبان (٣٨٢٠)، والطبري في ((جامع
البيان)) (١٦٣٦٨) و(١٦٣٧٠) من طرق، عن شعبة، بهذا الإسناد.
ورواه الطبري (١٦٣٧٠)، والحاكم ٣٣١/٢ من طريقين عن أبي إسحاق
الشيباني، عن الشعبي، به. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي.
- ٢٩٠ -
كتاب الحج
٢٤٥- بابُ بیانِ مشکلٍ ما رُوِي عن رسول الله ﴾ بعثته أبا بكر
على الحج في تلك الحجة التي ذكرناها في الباب الذي
قبل هذا الباب من انشماره إلى ذي المجاز. كما رُوِيّ عن
ابن عبّاس مما يُخالف حدیث جابر الذي ذ کرناه في الباب
الذي قبل هذا الباب
١٧٦٨ - حَدَّثَنا إبراهيمُ بن أبي داود، قال: حَدَّثْنَا الْمُقَدَّميُّ، قال:
حَدَّثْنا فضيلُ بنُ سليمان النَّميري، قال: حَدَّثنا موسى -يعني ابنَ عقبة -
، قال: أخبرني كُرَيبٌ، عن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما: أن النبيَّ ◌ِ﴿.
بعث أبا بكرٍ على الحَجِّ، فلم يَقْرَبِ الكعبةَ، ولكنه انشمرَ إلى ذي المجازِ
يُخبرُ النّاسَ بمناسكهم ويُبلغهم عن رسولِ اللهِ ﴾ حتّى أتى عرفة مِن
قبل ذي المجازِ، وذلك أنَّهم لم يكونوا تمتَّعوا بالحجِّ إلى العُمرةِ(١).
فقال قائل: كيف تقبلون هذا وفيه تركُ أشياء من أسباب الحج؟
هي طوافُ القدوم، والخطبة في مكة في اليوم الذي قبل يَوْمِ الترويةِ،
واللبث بمنى الوقت الذي يَلْبَتُهُ الحاجُّ فيها، ثم يصيرون منها إلى عرفة.
فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عزَّ وجلَّ وعونه: أن الذي
كان من أبي بكر مما في هذا الحديث، كان لمعنىٌ يجبُ الوقوفُ عليه،
ويعلم، لأنّه كان سوقُ ذي المجاز أحدَ الأسواق التي كانت العرب
(١) رواه الطبراني (١٢١٨٠) عن إبراهيم بن نائلة الأصبهاني عن المقدمي،
بهذا الإسناد.
-٢٩١ -
كتاب الحج
يجتمعون فيها للتبايع والتجارات، فمنهم من يَحُجُّ، ومنهم من ينصرفُ
إلى داره بلا حج، فأرادَ أبو بكرٍ رضي الله عنه أن يجتمعوا في موسم
الحجِّ، ليسمعوا ما يُقرأ عليهم فيه مما بعث رسولُ الله ﴿ له علياً رضي
لله عنه.
فمما رُوِيَ في سوقٍ ذي المجاز أنه كان كذلك
١٧٦٩- ما قد حَدَّثْنا عبدُ الغني بنُ أبي عقيل، قال: حَدَّثنا
سفيانُ، عن عمرو بن دينارٍ، عن ابنِ عباس رضي الله عنهما، قال:
كانت عُكاظُ، وذو المجازِ، ومَجَنّة، الأسواقَ في الجاهلية، فلمَّا جاء
الإِسلامُ كأنّهم تأثّموا أن يَتْجروا، فأنزل الله: ﴿َلَيسَ عَلَيْكُمْ جَاعُ أن
شَتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] في مواسم الحجّ(١).
(١) إسناده صحيح. ورواه البخاري (٢٠٥٠) و(٢٠٩٨) و(٤٥١٩)،
والطبري (٣٧٧٩) و(٣٧٩١)، والطيراني (١١٢١٣)، والبيهقي ٣٣٣/٤ من طرق
عن سفيان، بهذا الإسناد.
ورواه البخاري (١٧٧٠)، والطبراني (٣٧٦٩) من طريق ابن جريج، عن
عمرو بن دينار، به، وقد صرح ابن جريج بالتحديث في رواية إسحاق بن راهويه،
نقله الحافظ في ((الفتح)) ٥٩٣/٣.
ورواه أبو داود (١٧٣٤)، والبيهقي ٣٣٣/٤-٣٣٤ من طريق عُبيد بن عمير،
عن ابن عباس، به.
وذو المجاز، قال الحافظ: ذكر الفاكهي من طريق ابن إسحاق أنها كانت
بناحية عرفة إلى جانبها، وعند الأزرقي من طريق هشام ابنِ الكلبي أنه كان لهذيل
على فرسخٍ من عرفة.
-٢٩٢-
كتاب الحج
١٧٧٠- وما قد حَدَّثَنا ابنُ أبي عقيل، قال: حَدَّثنا سفيانُ، عن
◌ُبيدِ الله بن أبي يزيد، قال: سمعتُ ابنَ الزبير يقول: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ
جُنَاحٌ أنْ تَبَغُوا فَصْلاَ مِنْ رَّكُمْ﴾ في مواسم الحج(١).
هكذا حدث به ابنُ أبي عقيل، عن ابن عيينة، وقد حدَّث به غيرُه
عنه بخلاف ذلك.
١٧٧١- كما قد حَدَّثنا فهدٌ، قال: حَدَّنا ابنُ الأصبهاني، قال:
أخبرنا سفيانُ، عن عمروٍ، عن ابن عباس، وعن عبيد الله بن أبي يزيد،
عن ابنِ الزبير، قال: كانت عُكَاظَ ومَجَنّةُ وذو المجاز أسواقاً في الجاهلية
وأما عكاظ، فعن ابن إسحاق أنها فيما بين نخلة والطائف إلى بلدٍ يقال لها:
الفُتق، وعن ابن الكلبي أنها كانت وراء قرن المنازل بمرحلة على طريق صنعاء،
وكانت لقيس وثقيف.
وأما مَجَنّة، فعن ابن إسحاق أنها كانت بمر الظهران إلى جبل يقال له:
الأصفر، وعن ابن الكلبي كانت بأسفل مكة على بريدٍ منها غربي البيضاء، وكانت
لكنانة، وذکر من أسواق العرب في الجاهلية أيضاً حُبَاشَة، و كانت في ديار بارق نحو
قُتُونى من مكة إلى جهة اليمن على ست مراحل، قال: وإنما لم تذكر هذه السوق في
الحديث لأنها لم تكن في مواسم الحج، وإنما كانت تقام في رجب.
ومعنى تأثموا: طرحوا الإِثمَ، أي: تركوا التجارة في الحج حذراً من الإثم.
وقراءة ابن عباس ((في مواسم الحج) معدودة من الشاذ الذي صح إسناده،
وحكمها عند الأئمة حكم التفسير.
(١) رجاله ثقات. ورواه الطبري (٣٧٧٨) من طريق عبد الرزاق، عن سفيان
بن عيينة، بهذا الإسناد.
- ٢٩٣-
كتاب الحج
يَتَّحِرُونَ فيها، فلما جاء الإِسلامُ كأنهم تأثموا منها، فسألوا النبيَّ ◌ِ﴿،
فنزلت: ﴿َلَيْسَ عَلَيْكُمْ جَنَاحٌ أَنْ تَغُوا فَضْلاً مِنْ رِكُمْ﴾ في مواسم
الحج.
قال أبو جعفر: فكان الذي من أبي بكر رضي الله عنه من
انشماره إلى ذي المجاز، ليأمُر الناسَ جميعاً بموافاةِ الموسم ليسمعوا ما يُقرأ
هناك مما بعثَ رسولُ الله ◌ِ﴿ٌ فيه مَنْ بعثه فيه، وعسى أن يكونَ رسولُ
الله ﴿ كان أمَرَه بذلك، ثم صار إلى عَرَفَةَ بالناسِ، فوقف بها وهي
صلةُ الحجِّ الذي لا بُدَّ منه، ثم رجع إلى مكة بعدَ أن صارَ إلى المزدلفةِ،
وبعد أن رمى وحلق حتّى طاف بالبيتِ طوافَ يوم النحرِ، وهو طوافُ
الزيارة التي لا يتمُّ الحجُّ إلا به، ولا اختلاف بينَ أهلِ العلمِ أَنَّ مَنْ طاف
ولم يكن طاف عندَ قُدومه بالبيت أنه يَرْمُلُ في الثلاثة الأشواطِ الأُولِ
منها إذا لم يَرْمُلْها في الطواف الذي يُرْمَلُ فيه، وهو طواف القدوم، وأنّه
سعى بعد ذلك بين الصفا والمروةٍ كما يسعى بعدَ طواف القُدوم
بخلافِ ما يفعلُهُ من طاف بالبيتِ يومَ النحرِ، وقد كان طاف طوافَ
القُدوم مِن ترك الرمَلِ فيه، ومِن ترك السعي بين الصفا والمروة، ولم
يُهْمِلْ أبو بكر رضي الله عنه أمر الخطبة التي قبل يوم التروية بمكة، لأنَّ
رسولَ الله ◌َ﴿ قد كان له على مكة حينئذٍ عامِلٌ له عليها وهو عتَّابُ
بن أسِيد الأموي، فخَطَبَ الناسَ بمكة في ذلك اليوم، [ثم] وافى أبا بكرٍ
بالناسِ بعرفةَ حتى قضى بهم بقية حَجِّهم، فكان الذي كان مِن أبي
بكر رضي الله عنه في حَجِّه مما إليه القيامُ بهِ للناس إذ كان أميرَهم في
- ٢٩٤-
كتاب الحج
حجهم ولا نقص فيه عما يجب أن يَفْعَلَهُ أميرُ الحاجِّ في حجهِ بالناسِ
وهي حَجَّةٌ لم يكن قبلَها في الإسلام حجةٌ إلا حجة واحدة حجَّها
بالناسِ عتّابُ بنُ أسِيد في سنة ثمان، ويقال: إنها كانت في غير ذي
الحِجَّةِ، لأن الزَّمان أيضاً استدارَ (١) إلى ذي الحِجةِ في الحجةِ التي حجَّها
أبو بكر بالناس، وأقرَّ الحج فيه، وحجَّ رسولُ الله ﴿ بالناسِ في السنة
التي بَعْدَها في ذي الحِجة، وجرى الأمرُ على ذلك إلى يومِ القِيامة. والله
نسأله التوفيق.
(١) أي: دار، قال البغويُّ في ((شرح السنة)) ٢٢٠/٧-٢٢١: ((إنَّ الزمان
قد استدار كهيئته يَوْمَ خَلَقَ الله السماواتِ والأرضَ) معناه: أن العرب كانت في
الجاهليةِ قد بَدَّلَتْ أشهر الْحُرُمِ، وذلك أنّهم كانوا يعتقدون تعظيمَ هذه الأشهر الحُرُمِ،
ويَتَحرَّجُون فيها عن القتالِ، فاستحلَّ بعضُهم القتالَ فيها مِن أجلِ أنَّ عامة معايشهم
كانت مِن الصيد والغارة، فكان يَشُقُّ عليهم الكفُّ عن ذلك ثلاثة أشهر على التوالي،
وكانوا إذا استحلُّوا شهراً منها، حرموا مكانه شهراً آخر، وهو النسيءُ الذي ذكره
الله في كتابه، فقال: (إنّما النسيُّ زيادة في الكفر)، ومعنى النسيء: تأخيرُ تحريم
رجب إلى شعبان، والمحرم إلى صفر، مأخوذٌ من: نسأتُ الشيء: إذا أخرته، وكان
ذلك في كِانة هم الذين كانوا يُنسئون الشهورَ على العربِ، وإذا أخْرُوا تحريم المحرم
إلى صفر، ومكثوا لذلك زماناً، ثم احتاجوا إلى تأخير تحريم صفر إلى الربيع فعلوا
هكذا شهراً بَعْدَ شهرٍ حتى استدارَ التحريمُ على السََّةِ كُلِّها، فقام الإِسلامُ وقد رَجَعَ
المحرمُ إلى موضعه الذي وضعه الله، وذلك بَعْدَ دهرٍ طويلٍ، فذلك قوله عليه السَّلامُ:
(إنَّ الزمانَ قد استدار كهيئته يَوْمَ خلق الله السمواتِ والأرضِ)).
-٢٩٥ -
كتاب الحج - عرفات
٢٤٦ - بابُ بيانِ مشكلٍ ما رُوِيَ عن رسولِ الله ﴾ في الدلیلِ
على مُرادِ الله عزَّ وجلَّ بقولِه: ﴿فَإِذَا أُفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ
فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ﴾ الآية [البقرة: ١٩٨]
١٧٧٢ - حَدَّثنا الربيعُ بنُ سليمانَ المراديُّ قال: حَدَّثنا أسدُ بنُ
موسى، قال: حَدَّثنا حاتِمُ بنُ إسماعيلَ، قال: حَدَّثنا جعفرُ بنُ محمدٍ، عن
أبيه، عن جابرِ بنِ عبدِ الله - في حديثه عن حجَّةِ النبيِّ#- أنَّ النبيَّ ◌ِ*
لما صلَّى الصُّبْحَ يومَ عرفةَ بمنىٍّ، مكثَ قليلاً حتى طَلَعَتِ الشَّمسُ،
فرَكِبَ، وأَمَرَ بقُبَّةٍ من شَعَرِ، فَنُصِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ، فسارَ ولا تَشُكُّ قريشٌ
إلاَّ أنَّهُ واقفٌ عندَ المَشْعَرِ الحَرامِ، كما كانت قريشٌ تصنعُ في الجاهليةِ،
فأجازَ حتى أتى عرفةً، فوجدَ القُبَّةَ قد ضُرِبَتْ له بنَمِرَةَ، فَنزَلَ بها، حتى
إذا زَاغَتِ الشَّمسُ، أمَرَ بِالقَصْواءِ، فَرُحِلَتْ لهُ، فَرَكِبَ، حتى إذا أُتَّى
بَطْنَ الوادِي، فخَطَبَ النَّاسَ(١).
قال أبو جعفر: ففي هذا الحديثِ أنَّ قريشاً كانتْ في الجاهليةِ
تقفُ يومَ عرفةَ في خلافِ الموضعِ الذي يَقِفُ الناسُ به اليومَ بعرفةً
لِحَجِّهم، وذلك عندنا والله أعلمُ، لأنَّ عرفةَ ليست من الحَرَمِ، وكانت
قريشٌ لا تُجَاوِزُ الْحَرَمَ، ولا تقفُ لحجِّها في يومٍ عرفةَ إلاّ في موضعٍ من
الحَرَمِ، وكانَ الموضعُ الذي كانت تَقِفُهُ في ذلكَ اليومِ فيه هو المزدِلفَة.
١٧٧٣- كما حَدَّثنا إسماعيلُ بنُ يحيى المزنيُّ، قال: حَدَّثْنا
(١) حديث صحيح تقدم في عدة مواضع.
-٢٩٦-
کتاب الحج - عرفات
الشافعيُّ، عن سُفيانٌ، عن عمرو بن دينار، عن محمدِ بنِ جُبَيْرِ، عن
أبيهِ، قال: ذهبتُ أَطْلُبُ بعيراً لي يَوْمَ عرفةَ فخرجتُ، فإذا النبيُّ ◌ِ﴾
واقفٌ بعرَفَةَ بَيْنَ الناسِ، فَقُلْتُ: إنَّ هذا من الحُمْسِ، فما لَهْ خَرَجَ مِنَ
الحَرَمِ. يعني بالحُمْسِ: قريشاً، وكانت قريشٌ تَقِفُ بالمزدلفةِ، وتقولُ:
نحنُ الحُمْسَ لا نُحَاوِزَ الحرمَ(١).
١٧٧٤ - وكما حَدَّثنا أحمدُ بنُ شعيبٍ، قال: حَدَّثنا إسحاقُ بنُ
إبراهيمَ -يعني ابنَ راهويه- قال حَدَّثنا أبو معاويةَ، قال: حَدَّثْنا هشامٌ،
عن أبيهِ، عن عائشةَ، قالت: كانت قريشٌ تَقِفُ بالمزدلفةِ، وتَسَمَّوا
الْحُمْسَ، وسائرُ العربِ تَقِفُ بعرفةَ، فأمَرَ الله عزَّ وجلَّ نبيَّهِ:﴿ أَن يَقِفَ
بعرفةً، ثم يَدْفَعَ منها، وأنزلَ الله عزَّ وجلَّ: ﴿ثُمَّ افِيضُوا مِنْ حيثُ أفاضَ
النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩](٢).
(١) إسناده صحيح. وهو في (السنن المأثورة)) للشافعي (٤٨٧) برواية
الطحاوي، عن خاله المزني.
والحمس: من الحماسة، وهي الشدة سُمُّوا به لشدتهم وصلابتهم في دينهم،
كانوا لا يخرجون من الحرم للوقوف، ويقولون: نحن قطينُ الله يعني: سكان حرم الله،
وعرفات خارج الحرم، فأمر الله المسلمين بعرفة.
(٢) إسناده صحيح. وهو في ((سنن النسائي)) ٢٥٤/٥-٢٥٥.
ورواه البخاري (٤٥٢٠)، ومسلم (١٢١٩) (١٥١)، وأبو داود (١٩١٠)،
والبيهقي ١١٣/٥، والبغوي (١٩٢٥) من طرق عن أبي معاوية محمد بن خازم، بهذا
الإسناد.
- ٢٩٧-
كتاب الحج - عرفات
قال أبو جعفر: فدلَّ هذان الحديثانِ أنَّ النبيَّ: ﴿ قد كانَ في
ہے
الجاهليةِ لتوفيقِ اللهِ عزَّ وجلَّ إِيَّاهُ، ولِتَوَلّيهِ لُه، قد كانَ يقفُ يومَ عرفةً
حيثُ يَقِفُ الناسُ سِوى قريشٍ، وكان قولُ الله وجلَّ عزَّ: ﴿فَإِذَا أَفَصْتُمْ
مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا الله عِنْدَالمَشْعَرِ الْحَرَاءِ وَاذْكُرُكَمَا هَدَاكُمْ وَأَنْ
كُنْتَمِ مِنْ قَلِهِ لَمِنَ الضَّالْيَ ثُمَّ افِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَضَ النّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩]
دليلاً على أنَّ الإِفاضةَ من ذلكَ المكان قد كانَ منهم قبلَها وقوفٌ فيهِ.
وقد رُوِيَ عن رسولِ اللهِ / في هذا المعنى:
١٧٧٥- ما حَدَّثْنا يونسُ، قال: حَدَّثنا سفيانُ، عن عمروٍ، عن
عمرو بنِ عبدِ الله بنِ صفوانَ، عن يزيدَ بنِ شيبانَ، قال: أتانا ابنُ مِرْبَعٍ
الأنصاريُّ بعرفةً، ونحنُ بمكانٍ من الموقِفِ بعيدٍ - يُبَغِّدُهُ عَمروٌ - فقال:
$
أنا رسولُ رسولِ الله ﴿ إِلَيْكُمْ يَقُولُ: ((كونُوا على مَشاعِرٍ كم هذهِ،
فإِنَّكم على إرثٍ من إرثِ إبراهيم {)(١).
هكذا حَدَّنا يونسُ.
١٧٧٦ - وقد حَدَّثناه المزنيُّ قبلَ ذلكَ، قالَ: حَدَّثنا الشافعيُّ، عن
(١) رواه أحمد ١٣٧/٤، وأبو داود (١٩١٩)، والترمذي (٨٨٣)، والنسائي
٢٥٥/٥، وابن ماجه (٣٠١١)، وابن خزيمة (٢٨١٨) و(٢٨١٩)، والحاكم
٤٦٢/١، وصححه ووافقه الذهبي من طرق عن سفيان بن عيينة، بهذا الإسناد. وقال
الترمذي: حديثُ ابن مربع الأنصاري: حديث حسن صحيح لا نعرفه إلاّ من حديث
این عیینة، عن عمرو بن دينار.
-٢٩٨ -
كتاب الحج - عرفات
سفيانَ بنِ عيينةَ، عن عمروٍ بنِ دينارٍ، عن عبدِ الله بنٍ صفوانَ -ولم
يَذكُر عُمْراً عَنْ خالٍ لَهُ قالَ: كنّا في موقفٍ لنا بعرفةَ، ثم ذَكَرَ بقيَّةَ هذا
الحديثِ(١).
قال أبو جعفرٍ: فدلَّ ذلكَ أنَّ عرفةَ قد كانتْ مِنْ مواقِفِ إبراهيمَ
* في الحجِّ حيثُ يقفُ الناسُ اليومَ لحجهم. وأما أمرُهُ ﴾ في حديثٍ
ابنِ عباسٍ بالارتفاعِ عَنْ مُحَسٍِّ، ومُحَسِّرٌ من مُزْدَلِفَةَ، فذلك لمعنىّ
سِوَى هذا المعنى، قد يَحتَمِلُ أنْ يكونَ لخروجِهِ عن مشاعِرِ إبراهيمَ ،
فأمَرَ الناسَ بالرَّفْعِ عنهُ، وبالرجوع إلى مشاعرِ إبراهيمَ ﴿، والله أعلمُ
بمرادِهِ في ذلكَ ﴿، وباللهِ التوفيقُ.
٢٤٧ - بابُ بيانِ مشكلٍ ما رُوِيَ عن رسولِ الله /# في حدیث
عُروة بنِ مُضَرِّسٍ: ((ومَنْ لَمْ يُدْرِكِ الوُقوفَ بِجَمْعٍ، فلا حَجَّ لَهُ))
١٧٧٧ - حَدَّنا يحيى بنُ عثمان بنِ عثمان بنِ صالح، حَدَّنا عبدُ
الغفارِ بنُ داود الحرَّاني، حَدَّثْنا موسى بنُ أعين، عن مُطرِّف بنِ طريف،
عن الشعبيِّ، عن عُروة بنِ مُضَرِّسِ الطائيِّ، قال: أتى رجلٌ إلى النِيِّ ◌ِ﴾،
فقال: يا رسولَ الله، أتعبت وأنضيت، فقال رسولُ اللهِعَ﴿: ((مَنْ أَدْرَكَ
جمعاً والإمامُ واقِفٌ، فَوَقَفَ مَعَ الإمامِ، ثم أفاضَ مع النَّاسِ، فَقَدْ
(١) هو مكرر ما قبله إلاّ أن جميع من رواه غير الشافعي قالوا: عمرو بن عبد
الله بن صفوان، وعمرو بن دينار له رواية عن عبد الله والد عمرو. وهو في «السنن
المأثورة)) (٤٨٨).
-٢٩٩-
کتاب الحج - عرفات
أدركَ الحَجَّ، ومن لم يُدْرِكْ، فلا حَجَّ لَهُ).
قال أبو جعفر: وهذا المعنى لمن فاته الوقوفُ بجمع، أنَّه لا حجَّ
له، فلم نَعْلَمْ أحداً جاء به في هذا الحديثِ عن الشعبيِّ غير مطرِّف، فأما
الجماعة من أصحاب الشعبيِّ، فلا يذكرونه فيه، منهم عبدُ الله بنُ أبي
السفر، وإسماعیلُ بنُ أبي خالد:
١٧٧٨- كما قد حَدَّثنا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حَدَّثنا وهبُ
بنُ جريرٍ، قال: حَدَّثنا شعبةٌ، عن ابنٍ أبي السفر، وإسماعيل بن أبي
خالد، عن الشعبي، عن عُروة بن مُضَرِّسٍ، قال: أتيتُ النسبي ﴿ بِجَمْعٍ،
فقلت: يا رسولَ الله: هل لي من حَجْ؟ قد أنضيتُ راحلتي، فقال: ((مَنْ
صلَّى معنا هذه الصلاة، وقد وقف معنا قَبْلَ ذلك، وأفاض من عرفةَ
ليلاً أو نهاراً، فقد ثمّ حَجُّهُ، وقضی تَفَه)(١).
١٧٧٩ - وكما قد حَدَّثنا يزيدُ بنُ سِنان، حَدَّثنا يزيدُ بنُ هارون،
أخبرنا إسماعيلَ بن أبي خالد، عن الشعبيِّ، عن عُروة بن مُضَرِّسٍ، قال:
(١) إسناده صحيح. وهو في ((شرح معاني الآثار)) ٢٠٨/٢. ورواه أحمد
٢٦١/٤ و٢٦٢، والطيالسي (١٢٨٢)، والدارمي ٥٩/٢، والنسائي ٢٦٤/٥، وابن
حبان (٣٨٥٠)، والطبراني ٣٧٩/١٧، والحاكم ٤٦٣/١ من طرق، عن شعبة، عن
عبد الله بن أبي السفر وحده، بهذا الإسناد.
وقضى تَفَتَّه، قال ابن الأثير: هو ما يفعله المحرم بالحج إذا خَلَّ، كقص
الشارب، والأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة، وقيل: هو إذهاب الشَّعَث والدَّرن
والوسخ مطلقاً.
- ٣٠٠ -