Indexed OCR Text
Pages 141-160
كتاب الزكاة
الله تعالى: فتجاوزُوا عنه)(١).
١٥٨٧ - وحَدَّثَنَا روحُ بن الفرج، حَدَّثْنَا يوسف بنُ عدي،
حَدَّثَنَا عَبيدة بن حُميد، عن منصورٍ، عن رِبعي بنِ حِراشٍ، عن حُذيفةً،
قال: قالَ رسول الله ◌َ﴿: «نَظَرَ الله في عَمَلِ رجلٍ، فلم يُوجَد له شيءٌ
إلا أنه كان يتجاوز عن الناسِ، فقال الله عَزَّ وجَلَّ: تجاوزُوا عنه)).
فكان ما في هذا الحديث ذكرُ التجاوزِ عن الناسِ، فنظرنا في ذلك
التجاوز، ما هو؟
١٥٨٨- فوجدنا أبا عُبيد علي بن الحسين بن حرب قد حَدَّثَنَا،
قال: حَدَّثَنَا أبي، قال: حَدَّثَنَا خلفُ بنُ سالمٍ، عن غُنْدَرِ، عن شُعبة، عن
عبد الملك بن عُمير، عن ربعي، عن حُذيفة، قال: قال رسول الله (حَ ﴾.
(مَاتَ رَجُلٌ، فقيل له: اذْكُرْ، فَإِما ذَكر وإِما ذُكّر. قال: كنتُ أُبَابِعُ
الناسَ، فَأُنْظِرَ الْمُعْسِرَ، وأَتجاوزُ في النقدِ والسِّكَّةِ، فغفر له)).
قال أبو مسعود: وأنا سمعتُ من رسول الله (٢).
قال أبو جعفر:
(١) رواه البخاري (٢٠٧٧)، ومسلم (١٥٦٠)، والبيهقي ٣٥٦/٥ من طريق
أحمد بن عبد الله بن يونس، به.
(٢) رواه مسلم (١٥٦٠) (٢٩) من طريق محمد بن المثنى، عن غُندر، به. ورواه
البخاري (٢٣٩١)، والطبراني ١٧/(٦٤١)، والبيهقي ٣٥٦/٥ من طريق مسلم بن
إبراهيم، عن شعبة، به. ورواه البخاري (٣٤٥١) والطبراني ١٧/(٦٤٢) من طريق
أبي عوانة، عن عبد الملك بن عمير، به.
-١٤١ -
كتاب الزكاة .
١٥٨٩- قال لنا أبو عُبيد: وحدثنيه الحسينُ بنُ عبد الرحمن بن
فهم، عن بُندار، عن أبي عامر العقديِّ، عن شعبة، فذكر بإسنادِهِ مثلَه.
وكان في هذا الحديثِ أن ذلك التجاوزَ المذكورَ فيما رويناه قبل
في هذا الباب كان في النقد وفي السِّكة، فكان في ذلك إباحةُ إنفاق
الزائفِ من الدراهم، والله أعلم، وذلك مع تبيانٍ عَيْبه، لا على ما
سوى ذلك مما يستعمل فيه بعض الناس تدليسه على بعض، وبما لله
التوفيق.
٢٢٥ - بابُ بیانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله # في قولِه
للذي قال له: عندي دينارً: ((أُنْفِقْهُ على نفسك)). وفي قوله له
لما قالَ له: عندي آخر: «أنفِقْه علی ولَدِكَ». وفي قوله لما قال
له: عندي آخر. قال: ((أنفقه على خادمِكَ)، وفي قوله لما قال
له: عندي آخر. قال: «أنت أبصرُ أو أنتَ أعلمُ))
١٥٩٠- حَدَّثَنَا إبراهيمُ بن مرزوق، حَدَّثَنَا أبو عاصمٍ، عن ابنٍ
عجلانَ، عن المَقْبُرِيِّ، عن أبي هريرة: أن رسول الله :﴿ أَمَرَ بالصدقة،
فقال رجلٌ: يا رسولَ الله، عندي دِينارٌ، فقال: (أَنْفِقْهُ على نَفْسِكَ)،
فقال: عِنْدي آخرُ، فقالَ: ((أَنْفِقْهُ على زَوْجَتِكَ)، فقال: عندي آخَرُ،
قال: (أَنْفِقْهُ على وَلَدِكَ)، فقال: عندي آخر، قال: «أَنْفِقْهُ على
خادِمِكَ)، قال: عندي آخر: قال: (أَنتَ أَبْصَوُ)(١).
(١) ورواه البيهقي ٤٤٦/٧ من طريق إبراهيم بن عبد الله البصري، والبغوي
- ١٤٢-
كتاب الزكاة .
١٥٩١- وحَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ أبي داود، حَدَّثَنَا محمد بنُ المِنهال،
حَدَّثَنَا يزيدُ بنُ زُريع، حَدَّثْنَا روحُ بنُ القاسمِ، عن سعيد بن أبي سعيد
المَقْبُريِّ، عن أبي هريرة: أن رسول اللهلَ﴿ حَثّ ذاتَ يومٍ على
الصَّدَقَةِ، فقال رجلٌ: عندي دِينارٌ، قال: تَصَدَّقْ به على نَفْسِكَ)، قال:
عندي آخَرُ، قال: (َتَصَدَّقْ به على وَلَدِكَ)، قال: عندي آخرُ، قال:
(َتَصَدَّقْ بِهِ على زَوْجَتِكَ))، قال: عندي آخرُ، قال: (َتَصَدَّقْ به على
خادِمِكَ))، قال: عندي آخَرُ، قال: (أَنْتَ أَبْصَرُ)).
١٥٩٢- وحَدَّثَنَا المزنيُّ، حَدَّثْنَا الشافعيُّ، عن سفيانٌ، حَدَّثْنَا ابن
عَجلانَ، عن سعيد بن أبي سعيدٍ المقبريِّ، عن أبي هريرة، قال: جاء
رجلٌ إلى النِّ :﴿، فقال: يا رسولَ الله. ثم ذكر مثله، غيرَ أنَّه قال
مكان: ((أَنْتَ أَبْصَرُ)، (أنتَ أَعْلَمُ)(١).
فقال قائلونَ، منهم: أبو عبيد القاسِمُ بنُ سَلاَّم: في هذا ما قد دَلَّ
(١٦٨٦) من طريق حميد بن زنجويه، والطبري (٤١٧٠) من طريق علي بن عاصم،
ثلاثتهم عن أبي عاصم، به.
وراه أحمد ٢٥١/٢ و٤٧١، والنسائي ٩٢/٥، وفي ((عِشرة النساء) (٢٩٩)، وابن
حبان (٣٣٣٧) من طرق، عن ابن عجلان، به.
(١) رواه الشافعي في ((مستده)) ٦٣/٢ -٦٤، ومن طريقه البيهقي ٤٦٦/٧،
والبغوي (١٦٨٥)، ورواه الحميدي (١١٧٦)، وأبو داود (١٦٩١)، وأبو يعلى
(٦٦١٦)، وابن حبان (٤٢٣٣)، والحاكم ٤١٥/١، والبغوي (١٦٨٥) و(١٦٨٦)
من طرق، عن سفيان، وقرن أبو يعلى سفيان بيحيى بن سعيد.
-١٤٣-
كتاب الزكاة
على أن مَنْ ملك أربعةَ دنانير غَنِيٌّ، وأنَّ الصدقةَ عليه حَرَامٌ كما يقولُ
أهلُ المدينة: إن مَنْ مَلَكَ أربعينَ درهماً، فالصدقةُ عليه حَرَامٌ، وقالوا:
ألا ترى أنَّه قد أمره في الأربعة بما أمره به فيها، ولم يأمره فيما جاوزها
بشيءٍ وردّ أمرها إليه بما يراه فيها، وقد كُنَّا ذكرنا هذا البابَ، وما قد
رُوِيَ فيه فيما تقدَّمَ منا في كتابنا هذا، وبَيِّنًا فيه أن الأولى بتصحيح
الآثارِ المروية فيه حديث عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه، عن رجلٍ من
مُزِينَةَ: أنه أتى النبيَّ:﴿ يسأله، فوجده يَخْطُبُ، وهو يقولُ: ((مَن
اسْتَغنى أغْنَاهُ الله، ومن استَعفَّ أعفْه الله، ومن سألَ النَّاسَ، ولَهُ عِدْلُ
خمسٍ أواقٍ سأل إلحافا)).
واستدللنا على صحته بما كان مِن رسولِ الله {8# إلى معاذ بنِ
جبل لما بعثه إلى اليمن على الصدقةِ أن يأخُذَها من أغنيائهم، ويضعها
في فقرائهم(١)، فكان الأغنياءُ منهم هم المأخوذة منهم، وكان مَنْ
سواهم ممن لا تُؤْخَذُ منهم غير غني، إذ كان يُوضع فيه، وكان حديثُ
أبي هريرة الذي ذكرناه في هذا الباب حضّ رسول الله وَل﴿ على
الصدقة مِنْ حضه عليها، وقد يحض على الصدقةِ الأغنياء الذين تجب
عليهم الزكواتُ، ومَنْ سواهم مِن ذوي الفضولِ عن أقواتهم، وإن لم
يكونوا أغنياء.
ومن ذلك ما قد رواه أبو مسعودٍ الأنصاريُّ رضي الله عنه عن
(١) رواه البخاري (١٣٥٩) و(١٤٥٨) و(٢٤٤٨) و(٤٣٤٧) و(٧٣٧١)
و(٧٣٧٢)، ومسلم (١٩).
- ١٤٤ -
كتاب الزكاة
رسول الله
١٥٩٣- كما حَدَّثْنَا أحمدُ بنُ شعيب، أخبرنا الحسينُ بنُ حریث،
أخبرنا الفضلُ بنُ موسى، عن الحسين - وهو ابنُ واقدٍ -، عن منصور،
عن شقيقٍ، عن أبي مسعودٍ، قال: كان رسولُ الله:﴿ يَأْمُرُنا بالصَّدَقَةِ
فما يَجِدُ أحَدُنا شيئاً يَتَصدَّقُ به حتّى ينطلِقَ إلى السُّوقِ، فيحمل على
ظهرِهِ، فيجيء بالُدِّ فَيُعْطِيه رسولَ اللهلَ﴿، وإنّي لأَعْرِفُ اليومَ رجلاً له
مِئَةُ ألفٍ ما كان له يومئذ درهم(١).
١٥٩٤- وكما حَدَّثْنَا عليُّ بنُ عبدِ الرحمن، حَدَّثَنَا يحيى بنُ
معين، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عن شعبة، عن سُليمان - يعني الأعمشَ-، عن أبي
وائل، عن أبي مسعود، قال: لما أمرنا بالصدقةِ كُنَّا نُحَامِلُ فنتصدق،
فتصدق أبو عَقِيلٍ بصاعٍ، وجاء إنسانٌ بشيءٍ أكثرَ منه، فقال المنافقون:
إنَّ اللهَ لغني عن صَدَقَةِ هذا، وما فَعَلَ هذا الآخر إلا ريَاءً، فنزلت:
﴿اَّذِيِّيْسِنُنَاُطََّّعِينَ مِنْ الْمُؤْمِنَ فِ الصَّدَقَاتِ وَالَّذِنَّمَا يَحِدُونَ إلَا جَهْدَهُم)
[التوبة: ٧٩](٢).
(١) حديث صحيح، وهو في ((سنن النسائي)) ٥٩/٥ بإسناده ومتنه.
ورواه أحمد ٢٧٣/٥، والبخاري (١٤١٦) و(٢٢٧٣) و(٤٦٦٩)، وابن ماجه
(٤١٥٥)، والطبراني في ((الكبير)) ٥٣٣١/١٧) و(٥٣٤) من طريق الأعمش، عن
شقیق، به.
(٢) إسناده صحيح، ورواه مسلم (١٠١٨)، عن يحيى بن معين، به.
ورواه الطيالسي (٦٠٩)، والبخاري (١٤١٥) و(٤٦٦٨)، ومسلم (١٠١٨)،
- ١٤٥-
كتاب الزكاة .
١٥٩٥- وكما حَدَّثْنَا أحمدُ بنُ شعيبٍ، قال: أخبرنا بِشْرُ بنُ
خالدٍ، أخبرنا غُنْدَرٌ، ثم ذكر بإسنادِهِ مثله(١).
فدلَّ ذلك أنه قد كان يَحُضُّ على الصدقةِ مَنْ ليس مِنْ أهلِ
الزكاة، ومَنْ ليسَ مِنْ أهلِ الغِنِى، وكان أمْرُهُ في حديثِ أبي هُريرة
الرجل الذي أمره في كُلِّ دينارٍ من دنانيره الأربعة بما هُوَ أولى به فيه،
وردّه إِيَّاه في ديناره الخامسِ إلى ما رَدَّه إليه فيه يحتمِلُ أن يكونَ ذلك،
لأنه لم يعلم له شيئاً يأمُرُه بصرفِه فيه، فردَّه في ذلك إلى نفسِه، لأنه
يعلم من أمر نفسه، ومما يَلْزَمُها، ما لا يعلمه غيرُه، وليس في ذلك
إثباتُ غنى له بملكه الأربعة، لم يكن من أهله قبلَ علمه أنه لا يملِكُها،
ولو كان الذي قطعه عن ذلك غناه، لكانَ قد قطعه إعلامُه إياه بملكه
الأربعة قبلَ أن يعلمه أن عنده خامساً عن أمره إياه في الرابع منها
بشيءٍ، وإذا انتفى بذلك ما قد توهَّمَهُ مَنْ توهَّمَ ما قد ذكرناه عنه في
حديثٍ أبي هُريرة، ثبت بذلك ما صححنا عليه ما رُوِيَ في هذا البابِ
فيما تقدَّمَ منا في كتابنا هذا وهو حديث عبد الحميد بن جعفر، عن
أبيه، عن المُزَنيِّ الذي ذكره عنه، وبالله التوفيق.
وابن خزيمة (٢٤٥٣)، وابن حبان (٣٣٣٨) و(٣٣٧٦)، والطبراني ١٧/(٥٣٥)،
والبيهقي ١٧٧/٤ من طرق، عن شعبة، به.
(١) إسناده صحيح، وهو عند النسائي في ((سننه) ٥٩/٥ - ٦٠، وفي (التفسير))
(٢٤٣) بإسناده ومتنه.
-١٤٦-
كتاب الزكاة
٢٢٦ - بابُ بیانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله # مما قاله
ليزيد أبي معن في صدقته التي أخذها معن مِن الرجل الذي
کان وضعها عنده: «لك ما نویت یا یزیدُ، ولك یا معن ما
أخذت))
١٥٩٦- حَدَّثْنَا محمدُ بنُ خُزيمة، حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ رجاء
الغُداني، حَدَّثْنَا إسرائيلُ بنُ يونس، عن أبي الجويرية، عن معن بنِ يزيد،
قال: بايعتُ رسولَ الله ﴿ أنا وأبي وجَدِّي، وخطب عليَّ، فأنكحني،
وخاصمتُ إليه، وكان أبي خرج بدنانيرَ يتصدَّقُ بها، فوضعها عند
رجل، فأخذتُها، فأتيتُه بها، فقال: واللهِ ما إيّاكَ أردتُ بها، فخاصمته
إلى النبيِّ ◌َ﴿، فقال: (لَكَ ما نَوَيْتَ - لأبي-، ولَكَ ما أَخَذْتَ يا
مَعْنُ(١).
قال أبو جعفر: فتأملنا هذا الحديثَ، فوجدنا فيه ذكرَ معنٍ أن أباه
خَرَجَ بالدنانيرِ التي كان خرج بها لِيتصدَّقَ بها، فوضعها عندَ الرجل
الذي كان وضعها عنده، فكان ذلك الوضعُ منه عند ذلك الرجلٍ -
والله أعلم - لِتلك الدنانيرِ لِيَضَعَها في الوجه الذي أخرجها له، وكان
ذلك الرجلُ له في ذلك وكيلاً، وكان تَقَدَّمَ مِن يزيد إرادته بتلك
الدنانير الصدقة على غير ابنه على ما في الحديث مما قاله لابنه معن بعدَ
أخذه صدقتَه مِن ذلك الرجل، وكانت الوكالات إنما تكونُ بما يتكلم
(١) إسناده صحيح، وأخرجه أحمد ٤٧٠/٣، والبخاري (١٤٢٢)، والطبراني
(١٠٧٠)، والبيهقي ٣٤/٧ من طرق عن إسرائيل، به.
-١٤٧ -
كتاب الزكاة
به المُوَكّلُون ويُخاطبون به وكلاءهم لا بما ينوونه في ذلك، ويكتمونه
عنهم في قلوبهم، وكان الثوابُ إنما يكون فيما يكونُ مِن نيات
المتصدقين ومن سواهم من أهل الأعمالِ التي يُطلب بها القُرْبُ إلى اللهِ
تعالى، كما قال رسولُ الله :﴿: ((إنّما الأعمالُ بالنيات، وإنما لامرىء
ما نوى)) مما سنذكره فيما بَعْدُ مِن كتابنا هذا إن شاء الله عَزَّ وحَلَّ،
ولما كان الأمرُ فيما ذكرنا كما وصفنا، وكان مِن یزید أبي معن ما
کان منه مِن النية التي كان نواها فيما كان أخرجه لِیتصدق به، كان له
ثوابُ نيته، وكان ما أخذه ابنه معنٌ مِن ذلك قد أخذه ممن وكّل فيه
جائزَ الوكالة بما فعله فيه، فجاز لِمَعْنِ ما فعله له فيه وكيلُ أبيه فيما
دفعه إليه، وكان لأبيه ثوابُ ما نواه مِن الصدقة به على الغريب الذي
كان أرادَ أن تكونَ صدقةً عليه، وقد احتج محمد بن الحسن بهذا
الحديث لِقوله فيمن تصدق بزكاة ماله على رجلٍ يراه أجنبياً منه، ثم
عَلِمَ بعدَ ذلك أنه أبوه أو أبنه أنه يُجزئه ذلك، وليس هذا عندنا مِن
قوله بشيء، ولا في هذا الحديث الذي احتج به حجةٌ له فيه، والدليلُ
على ذلك - والله أعلم - أن تلك الصدقة لا تَحِلُّ لِقابضها، لأنها زكاةٌ
مالٍ أبيه، وزكاة مالٍ أبيه أو مال ابنه لا تَحِلُّ له، وإذا كانت لا تَحِلُّ
له كانت غيرَ جازية عن أبيه، أو عن ابنه الذي أعطاه إِيَّها، ومثل ذلك
الرجلُ يدفع زكاةَ مالِه إلى رجلٍ على أنه فقير، ثم يعلم بعدَ ذلك أنّه
غني، فلا تُجزئه أيضاً، لأنها حرامٌ على الذي أُعطيها، وإذا كانت
حراماً عليه، كانت غير جازية عن معطيه إِيَّها، وهذا قولُ أبي يوسف،
وهو أولى ما قيل في هذا البابِ عندنا، والله أعلم، وإياه نسأله التوفيق.
-١٤٨ -
كتاب الزكاة
٢٢٧- بابُ بیانِ مُشْكِل ما رُوِي عن رسول الله ﴾ من قوله
في الصدقة: ((لا حَقَّ فيها لغنيّ ولا لقويٌّ مُكتَسِب))
١٥٩٧- حَدَّثْنَا يُونُسُ، قال: حَدَّثَنَا أنسُ بن عِيَاض، وحَدَّثْنَا أبو
أميّة، قال: حَدَّثَنَا جعفرُ بنُ عَوْن، قال أنس: عن هشام بن عُرْوة، وقال
جعفر: حَدَّثْنَا هشامُ بن عُرْوة، ثم اجتمعا، فقالا: عن أبيه، عن عُبيد
الله بنِ عديٍّ بن الخِيَار، قال: حدثني رجلان من قومي أنهما أتًَّا النبيَّ
﴿ وهو يقسِمُ الصدقةَ، فسألا منها، فرفع البصرَ وخفضه، فرآهما
حَلْدَيْنِ قويينٍ، فقال: ((إن شئتُمَا فَعَلْتُ، ولا حقَّ فيها لِغنيِّ ولا لقوي
مُكْتَسِبٍ)(١).
١٥٩٨- حَدَّثْنَا يونس، قال: حَدَّثَنَا ابنُ وَهْب، قال: أخبرني
عَمْرو بن الحارث والليث بن سعد، عن هِشام بن عُرْوة.
وحَدَّثَنَا بَكَّار، قال: حدثني الحجَّاجِ بن مِنْهَال، قال: حَدَّثَنَا حماد
بن سلمة وهمَّام، عن هشام فذكر بإسناده مثله.
قال أبو جعفر: فتأملنا هذا الحديثَ في إسناده، فوجدنا فيه عن
رجلين من قومٍ عُبيدِ الله بن عدي لم يُسَمِّهِمَا، فيعلم بذلك أنهما من
أصحاب رسول الله:﴿ فيحب قبولُ ما رويا، وقد يَحْتَمِلُ أنْ لا يكونا
(١) رواه أبو داود (١٦٣٣)، والنسائي ٩٩/٥، والشافعي (٣٨٥)، والبغوي
(١٥٩٨)، من طرق عن هشام بن عروة، به. ورواه عبد الرزاق (٧١٥٤) عن معمر،
عن هشام بن عروة عن أبيه، عن عُبيد الله بن عدي بن الخيار، قال: كان النبيُّ ﴾
يقسم يوم الفتح، فجاءه رجلان، فسألاه .. ولم يذكر فيه: حدثني رجلان من قومي ..
-١٤٩-
كتاب الزكاة
مِن أصحابه وكانا من الأعراب مِمَّن اعترضه في الصدقة، ولكنا تأملناه
مع ذلك لنقف على مُرَاد رسول الله ﴿ بجوابه الذي أجاب به ذَيْنِك
الرجلين، فوجدنا قوله: ((لا حق فيها لغني)) يعْني الصدقة، أي أني لا
علمَ لي بحقيقة أموركما من غنىٌ أو فقرٍ، وأنتما بذلك أعلمُ متي فاعملا
فيها ما يُوجبه ما قد سمعتُماه مني فيها أنه لا حق فيها لغني. ثم تأملنا
قوله: (ولا لقوي مُكْتَسِبٍ))، فوجدنا الصدقة قد تَحِلُّ للفقيرِ القويّ،
وكان معنى قوله: ((ولا حقَّ فيها لقوي مكتسِب) يريدُ/ الحق الذي
هو أعلى مراتب الحقوق بالصدقة التي يستحقّ بها، وليس هو القوة ولا
الجلد الذي يستغنى به عنها كما تُغَلّظُ العربُ الشيء من هذا الجنس،
فتقول: فلانٌ عالٌ حقاً إذا كان في أعلى مراتب العلم، ولا تقولُه لمن هو
في دون أعْلى مراتبه إن كان عالماً.
ومثل ذلك ما قد رُوِيَ عن النسبيِ﴿ مما قاله في أبي عُبَيْدة بن
الجراح رضي الله عنه.
١٥٩٩- كما حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حَدَّثْنَا وَهْب بن
جَرِير، قال: حَدَّثْنَا شُعْبة، عن أبي إسحاق، عن صِلَّة بنِ زُفَر، عن
حُذيفة، قال: جاء أهل نَحْرَان إلى النِيِّ ◌َ﴿، فقالوا: ابْعَثْ لنا رجلاً
أميناً، فقال رَسُولُ اللهِ﴿: ( أَبْعَثَنَّ إليكم رَجُلاً أميناً حقَّ أمين حقَّ
أمين))(١) فاستشرف لها الناسُ، فدعى أبا عبيدة بن الجرَّاحِ رضي الله
(١) إسناده صحيح، ورواه البخاري (٣٧٤٥) و(٤٣٨١) و(٧٢٥٤)، ومسلم
(٢٤٢٠)، وابن ماجه (١٣٥) من طرق عن شعبة، به.
- ١٥٠-
كتاب الزكاة
عنه.
١٦٠٠- كما حَدَّثَنَا فهدٌ، قال: حَدَّثْنَا يحيى بنُ الحِمَّاني، قال:
حَدَّثْنَا عبدُ الرحيم بنُ سليمان، عن زكريا، عن أبي إسحاق، عن صِلَة،
عن حُذَيْفة، قال: أتى النبيَّ :﴿ٌ أُسقفُ نَجْرَان، ثم ذكر مثلَه.
١٦٠١ - وكما حَدَّثْنَا يوسفُ بنُ يزيد، قال: حَدَّثَنَا أسدُ بن
موسى، قال: حَذَّنَا إسرائيلُ، عن أبي إسحاق، عن صِلَة بن زُفَّر، عن
ابن مسعود رضي الله عنه، أنَّ العاقبَ والسيدَ صاحبي نَحْرَان أتيا
رسولَ الله:﴿، فأراد أن يُلاعِنَهُمَان فقال أحَدُهُما لِصاحبه: لا تُلاَعِنْهُ،
فواللهِ لَئِنْ كان نبياً فلاعنَّاه، لا نُفْلِحُ ولا عَقِبْنَا من بعدنا، ولكن نُعطِيه
ما سأله. قالوا: نعطيك ما سألتَ، فابعث معنا رجلاً أميناً، ولا تبعث
معنا إلاّ أميناً فقال رسول الله :﴿: (لأبعثنَّ معكما رجلاً أميناً حقَّ أمين
حقَّ أمين)) فاستشرف لها أصحابُه فقال: ((قُمْ يا أبا عُبَيْدة بن الجَرَّاح))
فلما قفى، قال: ((هذا أمينُ هذه الأُمَّةِ)).
فكان قولُه ﴿ فيه: ((حَقَّ أمين حقَّ أمين) إثباته لأبي عُبيدة أعْلَى
مراتبِ الأمانةِ وإن كان قد يكونُ من أهلِها مَنْ هُوَ دونَه فيها، وليس
من أعلى مراتبها، فمثلُ ذلك قولُ النّبِيِ وَ﴾: ((ولا حقَّ فيها لقوي
مكتسب)) هو على هذا المعنى وعلى أعلى مراتب الاستحقاق لها وإن
كانَ في المستحقّين لها مَنْ هو دونَ ذلك في استحقاقها. والله عَزَّ وجَلَّ
نسألُه التوفيق.
- ١٥١-
كتاب الزكاة
٢٢٨ - بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ فی مَنْعٍ رسول الله ﴿ عمرَ بنَ
الخطاب عن العود في صدقته، هل ذلك بكلِّ الوجوه حتی
لا تصلُح له بوجهٍ منها، أو علی خاص من الوجوه؟
١٦٠٢- حَدَّثْنَا محمدُ بنُ عليٍّ بن داود البغداديُّ، قال: حَدَّثَنَا
خَلَفُ بن هشام المقرئ، قال: حَدَّثَنَا عليُّ بنُ مُسْهِر، عن عُبيد الله بن
عمر، عن نافع، عن ابن عُمَر، عن عُمر بن الخَطَّاب رضي الله عنه،
قال: حَمَلْتُ على فرسٍ في سبيلِ الله عَزَّ وجَلَّ، وكنّا إذا حَمَلْنا في
سبيل الله، أَتَيْنا به رسولَ الله:﴿، فدَفَعْناه إليه، فَيَضَعُه حيثُ أراه اللهُ
عَزَّ وجَلَّ، فجئتُ بفرسي، فدفعتُها إليه، فحَمَلَ عليها رجلاً من
أصحابه، فوافَقْتُه يَبيعُها في السُّوق، فأردتُ أن أُشتَرِيَها منه، فأتيتُ
رسولَ اللهِ ﴿، فذكرتُ ذلك له، فقال: (لا تَشْتَرِيها، ولا تَعُد في
شيءٍ من صَدَقَتِكَ))(١).
١٦٠٣- وحَدَّثَنَا الْمُزَنِيُّ، قال: حَدَّثَنَا الشافعيُّ، عن مالك بن
أنس، عن نافعٍ، عن ابن عمر: أن عمر بن الخطاب حَمَلَ على فرسٍ في
سبيل الله، فوجده يُباعُ، فأراد أن يَبْتَاعَه، فسألَ رسولَ اللهِلَ ﴿ عن
(١) صحيح، ورواه بنحوه أحمد ٥٥/٢، والبخاري (٢٧٧٥)، ومسلم (١٦٢١)
(٣)، وابن الجارود (٣٦٢) من طرق، عن عبيد الله بن عمر، به. بعضهم يقول فيه:
عن ابن عمر، عن عمر، وبعضهم يقول: عن ابن عمر أن عمر ...
وأخرجه مسلم (١٦٢١) (٣) من طريق الليث بن سعد، عن نافع، به.
-١٥٢-
كتاب الزكاة
ذلك، فقال: ((لا تَبْتَعْه، ولا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ)(١).
١٦٠٤- وحَدَّثَنَا المزنيُّ، قال: حَدَّثْنَا الشافعيُّ، قال: حَدَّثَنَا
سفيانُ، عن زَيْد بن أُسْلم، عن أبيه، عن عمر رضي الله عنه: أنه أبْصَرَ
فرساً تُباع في السوق، وكان تَصَدَّقَ بها، فسألَ رسول الله ◌ِص﴾:
أُشْتَرِيه؟ فقال رسول الله :﴿: ((لا تَشْتَرِيهِ، ولا شيئاً مِن نِتاجه)(٢).
١٦٠٥- حَدَّثْنَا المزنيُّ، قال: حَدَّثَنَا الشافعيُّ، قال: أخبرنا عبدُ
الوهاب بن عبد المجيد، قال: سمعتُ يحيى بن سعيد، يقول: أخبرني
نافعٌ، عن ابنِ عمر: أن عمر تَصَدَّقَ بِفَرَسٍ له في زمنِ رسولِ الله، وأنه
وَجَدَهُ يُباعُ، فَذَكَرَ ذلك لرسول اللهلَ﴿، فقال: ((لا تَشْتَرِيهِ، ولا
تَقْرَبِنَّهُ)(٣).
قال أبو جعفرٍ: ففي هذه الآثار نَهى رسولُ اللهِلَ﴿ عُمرَ عن
انْتِياع صَدَقته، وأن ذلك عَوْدٌ منه فيها، فاحتمل أن يكونَ ذلك يُوقِعُ
(١) إسناده صحيح. وهو في (السنن المأثورة)) (٣٨٢). وهو في (الموطأ)
٢٨٢/١، ومن طريق مالك، أخرجه البخاري (٢٩٧١) و(٣٠٠٢)، ومسلم
(١٦٢١) (٣)، وأبو داود (١٥٩٣)، وابن حبان (٥١٢٤)، والبغوي (١٦٩٩).
(٢) إسناده صحيح. ورواه بنحوه الحميدي (١٥)، وأحمد (١٦٦)، والبخاري
(٢٦٣٦) و(٢٩٧٠)، ومسلم (١٦٢٠) من طريق ابن عيينة، به.
ورواه الطيالسي (٤٦) و(١٣٤)، وأحمد (٢٥٨)، ومسلم (١٦٢٠) (٢)، وابن
ماجه (٢٣٩٠)، وأبو يعلى (١٦٦) و(٢٢٥) من طرق، عن زيد بن أسلم، به.
ورواه الحميدي (١٦) عن سفيان، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عمر.
(٣) إسناده صحيح. وهو في (السنن المأثورة) (٣٨٤).
- ١٥٣-
كتاب الزكاة .
الكراهةَ لِمِلْكِها من الوجوه كلِّها، واحتمل أن يكونَ على الكراهةِ
لِمِلْكِها من بعضِ الوجوه دونَ بعضٍ، فَنَظَرْنا في ذلك
١٦٠٦- فَوَجَدْنا إبراهيم بن أبي داود قد حَدَّثْنَا قال: حَدَّثَنَا عبدُ
الله بن صالحٍ، قال: حدثني الليثُ، قال: حدثني عُقَيلٌ، عن ابن شهاب،
قال: أخبرني سالم بن عبد الله بن عمر: أن ابن عمر كان يُحَدِّث: أن
عمر رضي الله عنه تَصَدَّقَ بفرسٍ في سبيل الله، فوَجَدَه يُباعُ بعدَ
ذلك، فأرادَ أن يَشْتَرِيَه، ثم أتى رسولَ الله لَ﴿ِ، فَاسْتَأْمَرَه في ذلك،
فقال له رسول الله ﴿: ((لا تَعُدْ في صَدَقَتِكَ))(١).
فبذلك كان ابنُ عمر يتركُ أن يَبْتَاعَ شيئاً تَصَدَّقَ به، أو يرثُه، إلا
جَعَلَهَ صدقةٌ، ففي هذا ما قد دَلَّ أن ابن عمر كان يرى أن رجوع
الصدقة إلى المتصدِّق بها بالميراثِ، مكروهٌ له احتباسُها في مِلكٍ، حتى
يردّها إلى الصدقة.
ثم نَظَرْنا: هل رُوِيَ عن رسول الله:﴿ ما يدفَعُ هذا القولَ، أم
لا؟
١٦٠٧ - فَوَجَدْنا يونسَ قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثَنَا عليُّ بن مَعْبَدٍ،
قال: حَدَّثْنَا عبيدُ الله بن عَمْرو، عن عبد الكريم بن مالكٍ، عن عمرو
(١) حديث صحيح، ورواه البخاري (١٤٨٩)، والبيهقي ١٥١/٤ من طريق
يحيى بن بكير، والنسائي ١٠٩/٥ من طريق حجين بن المثنى، كلاهما عن الليث، به.
وراه عبد الرزاق (١٦٥٧٢)، وأحمد ٧/٢ و٣٤، ومسلم (١٦٢١) (٤)،
والترمذي (٦٦٨)، والنسائي ١٠٩/٥ من طريق معمر، عن الزهري، به.
-١٥٤-
كتاب الزكاة.
بن شعيب، عن أبيه، عن حَدِّه: أن رجلاً أتى رسولَ الله لَ﴿، فقال: يا
رسولَ الله، إنّي أعْطَيْتُ أُمي حديقةٌ، وإنها ماتَتْ ولم تَتْرُكْ وارِثاً
غيري، فقال رسولُ الله ﴿: ((وَجَبَتْ صَدَقْتُكَ، وَرَجَعَتْ إليكَ
حَدِيقَتُكَ)(١).
فكان في هذا إباحةُ رسول الله ﴿ للمتصدِّق ملكَ صدقته
بالميراث، وإباحتُه ذلك له، وفيما روينا قبلَه مَنْعُه عمرَ من ابتياع
صدقته، فوَجَبَ بتصحيح هذه الآثار عن رسول الله :﴿ أن تكونَ
إعادةُ المتصدِّقِ صدقَتَه بالابتياعِ، وبما أُشْبَهَهُ من الأشياء التي تكون منه،
كالقَبُولِ لها في هِبةٍ له، أو في صدقةٍ عليه، أو فيما سوى ذلك من
وجوه التَّمليكاتِ، مكروهاً له، وأن إعادةَ الله عَزَّ وجَلَّ إياها إلى ملكه
بتَوْرِيثٍ له إِيَّاها عن من تصدَّق بها عليه، غيرُ مكروهٍ له، إذ لم يكن
ذلك بارْتِجَاعِه إياها وإنما كان ذلك بإعادةِ الله عَزَّ وجَلَّ إياها إليه.
وقد رُوِيَ أيضاً في الرُّجوعِ في الصَّدقة بالابتياعِ لها نَهْيٌ من
رسول الله ﴿ غير عمر عن مِثْلِ ذلك أيضاً.
١٦٠٨- كما قد حَدَّثْنَا عليُّ بن شَيْبَة، قال: حَدَّثْنَا يزيدُ بنُ
هارون، قال: حَدَّثْنَا سليمان التّيْمي، عن أبي عثمان النِّهْدِي، عن عبد
الله بن عامر، عن الزُّبير بن العَوَّام رضي الله عنه: أنه حَمَلَ على فرسٍ
(١) إسناده حسن، ورواه أحمد ١٨٥/٢، والبزار (١٣١٣ - كشف الأستار) من
طريق زكريا بن عدي، وابن ماجه (٢٣٩٥) من طريق عبد الله بن جعفر الرقي،
كلاهما عن عبيد الله بن عمرو الرقي، به.
- ١٥٥-
كتاب الزكاة
في سبيلِ الله عَزَّ وجَلَّ، فَنَزَا فرساً أو مُهراً، فأراد شِراءَها، فنُهيَ عنها.
١٦٠٩- وكما حَدَّثْنَا أبو أُمية، قال: حَدَّثْنَا سُرَيْج بنُ النَّعمان،
قال: حَدَّثَنَا حمادٌ، عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان النَّهْدِي، عن ابن
عباس: أن الزُّبِيرَ حَمَلَ على فرسٍ في سبيلِ الله، فوَجَدَ فرساً يُباعُ من
ضِئْضِيِها - يعني ولد ولدها-، فنُهِي أن يَشتِّيَها.
قال أبو جعفرٍ: فاختلَفَ سليمانُ وعاصمٌ في الرجل الذي حَدَّثَ
أبو عثمان بهذا الحديث عنه كما ذَكَرْنا من اختلافهما فيه، وقد رُوِيَ
عن أسامة بن زيد مثلُ ذلك أيضاً.
١٦١٠- كما حَدَّثْنَا إبراهيمُ بن مَرْزوق، قال: حَدَّثْنَا وَهْب بن
جَرِير، قال: حَدَّثْنَا شعبة، عن الحَكَم، عن عبد الله بن مَعْقِلٍ، عن
أسامة أو زَيْد: أنه حَمَلَ على فرسٍ في سبيلِ الله عَزَّ وجَلَّ، فأرادَ أن
يشتريَ فُلُوَّها، فَنَهَاهُ البِيُّ ◌َ﴾ ..
١٦١١- وكما حَدَّثْنَا محمد بن علي بن داود، قال: حَدَّثْنَا لَيْث
بن داود، قال: حَدَّثْنَا شعبةُ، عن الحَكَم بن عُتَيْبة، عن يحيى بن الجَزَّار،
عن عبد الله بن مَعْقِل، عن أسامة بن زيد أو زيد بن حارثة، ثم ذكر
مثله.
فزاد ليثُ بن داود عن شعبة على وَهْب بن جرير في إسنادٍ هذا
الحديث بين الحكم وبين عبدِ الله بن معقل يحيى بنَ الجَزَّارِ، ففي
حديثي الزُّبير وأسامة كراهةُ ما وَلَدَ الفرسُ المتصدَّقُ به ككراهة الفرس
بِعَّيْنِه، فقد بانَ بحمد الله عَزَّ وجَلَّ ونعمته أن لا تَضادَّ في شيءٍ مما
رويناه في هذا البابِ عن سول الله :﴿، وأن لكلَّ معنىً مذكورٍ فيه
-١٥٦-
كتاب الزكاة.
وجةٌ، يتوجَّه فيه غيرُ الوجه الذي يتوجَّه فيه ما يَظُنُّ من لا عِلْمَ له أنه
يخالفُهُ، والله عَزَّ وجَلَّ نسأله التوفيق.
٢٢٩- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول اللهِ﴾ في رَدِّه
حكمَ العائِدِ في صدقته إلى العائِد في قَيْئِه، مَنْ هو؟
قد رَوَيْنا في الباب الذي قبلَ هذا الباب منعَ رسولِ اللهِ:﴿ من
العَوْدِ في الصدقة بما مَنَعَ من العَوْدِ فيها به، فاحتمل أن يكونَ ذلك على
أنه لا يَحِلُّ للمتصدِّق بها مِلْكُها، واحتمل أن يكون مِلكُها يَحِلُّ له مع
الكراهة التي فيه، فاحتّجْنا إلى الوقوف على الحقيقة في ذلك، ما هي؟
١٦١٢- فوجدنا المزنيَّ قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثَنَا الشافعيُّ، قال:
حَدَّثْنَا مالكٌ، عن زيد بن أسْلَمَ، عن أبيه، قال: سمعتُ عمرَ بن الخطاب
يقول: حَمَلْتُ على فرسٍ في سَبيلِ الله، فأضاعَه الذي كان عندَه،
فأردتُ أن أبتاعَه منه، وظننتُ أنه بائعُه برُخْصٍ، فقال: ((لا تَبْتَعْهُ، وإِنْ
أعطاكَهُ بِدِرْهَمٍ واحدٍ، ولا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ، فإِنَّ العائِدَ في صدَقَتِه،
كالكلبِ يَعُودُ في قَيْئِهِ)(١).
(١) إسناده صحيح. وهو في ((السنن المأثورة) للشافعي (٣٨٣).
والحديث في «الموطأ)) ٢٨٢/١، ومن طريق مالك أخرجه أحمد (٢٨١)،
والبخاري (١٤٩٠) و(٢٦٢٣) و(٣٠٠٣)، ومسلم (١٦٢٠) (١)، والبزار
(٢٦٦)، والنسائي ١٠٨/٥، وابن حبان (٥١٢٥)، والبيهقي ١٥١/٤، والبغوي
(١٧٠٠).
-١٥٧-
كتاب الزكاة
١٦١٣- ووجدنا يزيدَ بن سِنان قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثْنَا سعيدُ بنُ
أبي مَرْيم، قال: حَدَّثْنَا محمد بن جعفر - يعني ابن أبي كثير الأنصاري-
قال: حدثني زَيْد بن أسلم، قال: حدثني أبي، عن عمر بن الخَطَّاب، ثم
ذ کر مثله.
فكان في هذا البابِ ردُّ رسول الله ◌َ﴿وَ حُكمَ العائدِ في صدقته إلى
الكلب يعودُ في قَيْئِهِ، والكلبُ فغيرُ متعَبَّدٍ بتحريمٍ ولا تحليلٍ كبني آدم
المتعبَّدين بالتحريم والتحليل، ومما تُعُبِّدوا به تحريمَ قيئِهم عليهم، وكان
الكلبُ ليس كُمْ في ذلك، لأن عَوْدَهُ في قَيْتِه إنما هو كعوده في قذر لا
عَوْدٌ في محرَّمٍ عليه، وفي ذلك ما قد دَلَّ أن عَوْدَ المتصدِّق في صدقته إنما
هو عَوْدٌ في قذرٍ، لا عودٌ في حرامٍ، ولا أنه لا يقعُ مِلكُه على ما تصدَّق
به من ذلك بعَوْده فيه، كما لا يقعُ مِلكُه على الأشياء المحرَّمات عليه
بأعیانھا.
وقد رُوِيَ عن رسول الله :﴿ من غير هذا الوجه أيضاً
١٦١٤- كما حَدَّثَنَا بَكَّار بن قُتيبة، قال: حَدَّثْنَا رَوْح بن عُبادة،
قال: حَدَّثْنَا عوفٌ، عن خِلاسٍ بن عمرو، عن أبي هريرة، عن النبي
*، قال: ((مَثَلُ الذي يَعُودُ في عطائِه، كمَثَلِ الكلبِ أَكَلَ حتى إذا
شَبِعَ قَاءَ، ثم عادَ في قَيْنِهِ، فَأَكَلَم).
فَانَ بحمدِ الله بما وَصَفْنا مُرادُ رسولِ اللهِلَ﴿ل بما نهى عنه عمرَ،
ومَن ذَكَرناه معه في الباب الذي قبلَ هذا الباب، عن ما نَهاهم عنه،
والله عَزَّ وجَلَّ نسألُه التوفيق.
- ١٥٨-
كتاب الحج
كتاب الحج
-١٥٩ -
كتاب الحج
موضوعات كتاب الحج
أحكام عامة والإهلال
١٦١
الطواف
٢٣٣
صفة الحج
٢٧٠
الوقوف بعرفة
٢٩٦
٣١٤
رمي الجمار
أعمال يوم النحر
٣٢٩
منی
٣٥١
٣٥٦
أحكام عامة
٣٩٣
النكاح في الحج
تحريم مكة والمدينة
٤٠٨
الأضاحي
٤٣٨
- ١٦٠ -