Indexed OCR Text

Pages 121-140

كتاب الزكاة
عُمر، عن أسامة بن زيد، عن عِرَاك بن مالك، عن أبي هريرة رضي
الله عنه، عن رسولِ الله وَلّ مثله.
فعقلنا بذلك أن ما تقدَّم ذكرُنًا له من الآثار في هذا الباب مما قد
قَصَّرَ رواتُه عما حفظه رواةُ الآثار التي رويناها بعد ذلك في هذا الباب،
فكانوا بذلك أوْلَى، وكانت زيادتُهم عليهم على ذلك مقبولةً مفعولاً
بها، لأنَّ من حفِظ شيئاً أوْلى مِمَّن قصَّر عنه.
فقال هذا القائلُ: أفيكون ذلك على كلِّ الرقيق من مسلِمِيهم
ومن کافِرِیھم؟
فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عَزَّ وجَلَّ وعونه أنَّ مِن
مذهبنا في ذلك أنّه على كلِّ الرَّقِيق مسلميهم وكافريهم، لأنَّ النبيَّ ◌ِ*
لم يستثن في ذلك مُسلماً من كافرٍ، ولا كافراً من مسلم. وقد تقدَّمَنَا
في ذلك من أصحاب رسول الله 8# أبو هريرة
١٥٧٤- كما حَدَّثَنَا يحيى بنُ عثمان وعبدُ الوهَّاب بن خلف بن
عُمر الكِنْدِي، قالا: حَدَّثْنَا نُعَيْم بن حَمَّاد، قال: حَدَّثْنَا ابنُ المبارك، قال:
أخبرنا ابن لّهِيعَة، عن عُبيد الله بن أبي جعفر، عن الأعْرَج، عن أبي
هريرة، قال: كان يخرجُ زكاة الفطر عن كلِّ إنسانٍ يَعُولُ من صغيرٍ، أو
كبير، أو حرِّ، أو عبدٍ وإن كان نصرانياً مُدَّيْنٍ من قمحٍ أو صاعاً من
تمرِ.
وتقدَّمنا فيه من تابعيهم عطاءَ بنُ أبي رباح وعُمرُ بنُ عبد العزيز.
كما قد حَدَّثْنَا يحيى وعبدُ الوهَّاب، قالا: حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بنُ حَمَّادٍ،
قال: حَدَّثْنَا ابنُ المبارك، قال: حَدَّثْنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عن عَطَاء، قال: إذا
- ١٢١-

كتاب الزكاة
كان لك عبيدٌ نصارَى لا يُدَارُون لتجارةٍ، فَزَكٌّ عنهم يومَ الفِطرِ.
حَدَّثَنَا يحيى وعبدُ الوهَّاب، قالا: حَدَّثَنَا نُعَيْم بن حَمَّاد، قال:
حَدَّثْنَا ابنُ المبارك، قال: حَدَّثْنَا إسماعيلُ بن عَيَّش، قال: حَدَّثَنَا عَمرو
بن الْمُهَاجر، عن عمر بن عبد العزيز، قال: يُعطي الرَّجُلُ عن مملوكه
وإنْ كان نصرانياً زكاةَ الفِطْرِ.
فقال قائل: ففي حديث ابنٍ عُمَرَ الذي فيه ذكر فرض رسول
اللّه ◌َ زكاة الفطر على كل حرّ وعبدٍ ذكرٍ أو أنثى من المسلمين -
وسنذكر ذلك بأسانيده فيما بعد من كتابنا هذا إن شاء الله - قال:
ففي ذلك ما ينفي أن يكون غيرُ المسلمين داخلين في ذلك.
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عَزَّ وجَلَّ وعونه أنَّ ذلك غيرُ
نافٍ للرقيقِ الذين على غير دينِ الإسلامِ عن وجوب زكاة الفطر فيهم،
لِأَنَّ رسولَ اللهِ:﴿ إنّما فرضها على مَنْ يُخرجها من ملكِهِ زكاةً له
وتطهيراً، فكان ذلك على المسلمين القادِرِين عليه، لا على مَنْ سِوَاهم
من العبيد العاجزين عنه، لأنَّ فرائضَ الله عَزَّ وجَلَّ إنَّما تلحق القادرينَ
عليها، لا العاجزينَ عنها. والعبيدُ عاجزونَ عن هذا الفرضِ لإخراج
الله إيّاهم عن ملك الأشياء بقوله: ﴿ضَرَبَالله صَلَا عَدَا مَعْلُوكَآَ يَقْدِرُ
عَلَى شيءٍ﴾ [النحل: ٧٥] فعاد الفرضُ الذي افترضه ﴿ في هذا الحديث
إلى المالِكِين الواحدِين، لا إلى المملوكين العاجزين، ولم نعلم اختلافاً بَيْنَ
أهلِ العلم في العبدِ يعتق قبل أداءٍ مواه عنه زكاةَ الفطرِ، فيملك مالاً بعد
ذلك أنه لا يجبُ عليه أن يُخْرِجَهَا عن نفسه ما ملَك، كما يخرج عن
- ١٢٢ -

كتاب الزكاة
نفسه كفّارات أيْمَانه التي كان حَنِثَ فيها في حال رِقْه ولم يُكفِّر عنها
بالصيام عنها، فدلَّ ذلك أنَّ الذي يجب عليه في نفسه هو ما يُؤَدِّيه بعد
عِتَاقِهِ من ماله الذي يَكْسِبُهُ بعد عتاقه، ويكون في ذلك مِمَّن يراعي
حكمه في إسلامه وفي عدم إسلامه وما كان من ذلك لا يُؤَدِّيه بعد
عتاقه هو الذي كان على مولاه لا عليه والْمُرَاعَى في ذلك دِينُ مولاه لا
دِينُه. وكما كان يجبُ على مولاه أن يزكّيَ عنه إذا كان للتجارة كما
يُزَكّي عن عبده المسلم إذا كان للتجارة، ولا يمنعُهُ من ذلك كفرُه،
كان أيضاً يُؤَدِّي عنه زكاةَ الفطر بملكه إِيَّاه، ولا يمنعه من ذلك كفره.
فقال قائل آخر من أهل الشُّذُوذِ: هي واجبة عليه يعني العبدَ في
نفسه يُؤَدِّیها من کسبه.
وهذا قول لا نعلم أن أحداً تقدَّمَهُ فيه، وتعلْق في ذلك بقول
رسول الله ﴿: (مَنْ باع عبداً وَلَهُ مالٌ)).
قال: فعقلتُ بذلك أنه قال: ذو مالٍ.
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عَرَّ وجَلَّ وعونه أُنَّه ليس فيما
ذكر مما يُوجِبُ ما ذهب أن العبد ذو مال، بل في بَقِيَّة الحديث ما ينفي
ذلك وهو قولُهُم﴿: ((فمالُه للبائع إلّا أن يشترط المبتاعُ)(١) فدلَّ ذلك
أن حقيقة ماله لمالكِهِ، وأنَّ إضافته إليه - أعني العبد- إنما هي كإضافته
(١) رواه البخاري (٢٣٧٩)، مسلم (١٥٤٣) (٨٠) من طريق ابن شهاب، عن
سالم بن عبد الله، عن أبيه قال: سمعتُ رسول الله * يقول: ((ومن ابتاعَ عبداً وله
مال، فمالُه للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع).
- ١٢٣-

كتاب الزكاة
# تمرَ النخل المبيعة إلى النخل بقوله 8#: ((من مابع نخلاً له ثمرٌ قد
أُبٌَّ)(١) لا على أنَّ النخل يملك شيئاً، وكما أضاف اللهُ عَزَّ وجَلَّ بيتَ
العنكبوتِ إلى العنكبوت بقوله: ﴿وَإِنَّأَوْهَنَ الُيُوتِ لَبِيْتُ الْعَكُبوتِ﴾
[العنكبوت: ٤١] لا لملكها إياه، وكما يضافُ الدَّارِ إلى الدار، وجُلُّ
الفرسِ إلى الفرس، لا أنهما يَمْلِكَانِ ذلك، ولو كان العبدُ يملِكُ مَالَهُ، لما
كان لمولاه أخْذُهُ منه، كما ليس له أخذ بُضْعِ زوجته الذي قد ملكه
بتزويجه إِيَّها بأمره، وفيما ذكرنا كفاية، والله المحمودُ على ذلك.
وقال قائل آخر: فيما رويْتُم لنا عن رسولِ الله ل38 في الخيل نفسي
الزكاة عنها وأنتم توجبُون الزكاة فيما إذا كانت للتجارة.
فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عَزَّ وجَلَّ وعونه أنّا وجدنا
أهلَ العلم جميعاً متفقين على إخراجها إذا كانت للتجارة من ذلك، وأنَّ
رسول الله :﴿ إنما أخرجها من الزكاة إذا كانت لغير التجارة،
وإجماعُهم حُجَّةٌ كالاستثناءِ لو استثناه لنا رسول الله {# في ذلك
الحدیث.
وقد قال قائل آخر في حديث أبي هريرة: «ألا إنَّ في الرقيق
زكاة الفطر)) أعني المذكورَ ذلك فيه مما قد رويناه، وأهلُ العلم يختلِفُونَ
في زكاة الفطر، هل تجبُ في رقيق التجارة أم لا؟ فأبو حنيفة وأصحابُه
(١) رواه مالك في (الموطأ) ٦١٧/٢، ومن طريقه البخاري (٢٢٠٤)، ومسلم
(١٥٤٣) عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله 8# قال: (من باع نخلاً قد أُبّرت،
فشمرتُها للبائع إلا أن يشترط المبتاعُ)).
- ١٢٤ -

كتاب الزكاة
والثوري لا يوجبون زكاة الفطر فيها، ومالك وسائر أهل الحجاز
يُوجِبُون زكاة الفطرِ فيها، ولا يمنع من ذلك عندهم وجوبُ زكاة المال
فيها إذا كانت مِمَّا يُدَار في التّجَارات.
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عَزَّ وَلَّ وعونه أنَّ هذا مما لم
نجد فيه ذِكراً في كتابٍ ولا في سُنَّةٍ، وأَنَّا إنَّما وَحَدْنا الدليل على القول
فيه من الإجماع لا من ما سواه، وذلك أنَّا وجدنا الَمَوَاشي السَّائِمَة لا
اختلاف في وجوب الزكاة فيها إذا لم تكن للتجارة، وأنها إذا كانت
للتجارة لم تجتمع فيها الزكاتان جميعاً إنما يجبُ فيها إحداهما، وتنتفي
الأُخرى على ما يقولُه أهلُ العلم في ذلك. فعقلنا بذلك أنه لا يجتمع
زكاتانٍ في شيء واحدٍ، وأن إحداهما إذا وَجَبَت فيه، نفت الأخرى
عنه، فكذلك عَبِيدُ التجارة إذا وَجَبَت فيهم زكاةٌ ما، نفت عنهم زكاةً
الفطر، والله نسألُه التوفيق.
٢٢١ - بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيّ عن رسول الله ﴾ من قولِه
في الصدقة في المواشي: «ولا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِع، ولا يُجمع
بَیْنَ مُتَفَرِّقٍ خَشیةَ الصدقة، وما كان من خلیطین
يتراجعان بينهما بالسَّوية»
١٥٧٤- حَدَّثْنَا إبراهيمُ بن مرزوق، حَدَّثْنَا محمدُ بنُ عبد الله
الأنصاري، [قال: حدثني أبي]، عن ثُمامة بنِ عبدِ الله، عن أنس، أن
أبا بكر الصدِّيق - رَضِيَ الله عنه- لما استُخْلِفَ وجَّهَ أنس بنَ مالك إلى
- ١٢٥ -

كتاب الزكاة .
البَحْرَيْنِ ... وذكر الحديث، وقال فيها: ((فمن سُئِلَها من المسلمين على
وجهها، فَلْيُعْطِها، ومَنْ سُئِلَ فوقَها فلا يُعْطِه))، وفي كتابه ذلك: ((أن لا
يُجمع بَيْنَ مُفَرَّقٍ، ولا يُفَرَّقَ بين مجتمعٍ خشيةَ الصَّدَقَّةِ، وما كان مِن
خليطين، فإنهما يتراجعان بينهما بالسَّويَّةِ)(١).
١٥٧٥- وحَدَّثْنَا بكارُ بنُ قتيبة، حَدَّثَنَا أبو عُمَرَ الضريرُ.
وحَدَّثَنَا الربيعُ المراديُّ، أخبرنا أسدُ بنُ موسى، حَدَّثَنَا حمادُ بنُ
سلمة، قال: أرسلني ثابتُ البناني إلى ثُمامة بنِ عبدِ الله بنٍ أنس أن
يُوَجِّهَ إليه بكتابٍ أبي بكرٍ - رَضِيَ الله عنه- لأنس بن مالك في
الصَّدقةِ، فوجَّه لي معي إليه وعليه خاتمُ رسولِ الله:﴿ .... وبه ما في
حديث إبراهيم بن مرزوق الذي ذكرناه قبلَه.
١٥٧٦ - وحَدَّثْنَا يزيدُ بنُ سِنان، حَدَّثْنَا عمرو بنُ خالدٍ، حَدَّثْنَا
زُهَيْرُ بنُ معاويةَ، حَدَّثَنَا أبو إسحاق، عن عاصم بنِ ضَمْرَةَ، [و] عن
الحارثِ الأعورِ، عن عليّ، عن النبيَِّ﴿ - قال زهير: أحسِبُه عن النبيِّ،
وهو عن النبيِّ عليه السَّلامُ، ولكن أحسِبُه أحبُّ إليَّ-، فكان مما فيه:
(١) حديث صحيح، وهو في ((شرح معاني الآثار)) ٣٣/٢ و٣٧٤ به.
ورواه بطوله الدارقطني ١١٣/٢-١١٤ عن أبي بكر النيسابوري، عن إبراهيم بن
مرزوق، به.
ورواه البخاري (١٤٥٠) و(١٤٥١) و(١٤٥٤) و(٢٤٨٧) و(٦٩٥٥)، وابن
الجارود (٣٤٢)، وابن خزيمة (٢٢٧٩)، وابن حبان (٣٢٦٦)، والبغوي (١٥٧٠)
من طرق، عن محمد بن عبد الله، به، وبعضهم يذكره مطولاً، وانظر ما بعده.
-١٢٦-

كتاب الزكاة
((أن لا يُفَرَّق بَيْنَ مجتمعٍ، ولا يُجمَعِ بَيْنَ متفرق خشيةَ الصدقةِ)).
١٥٧٧- وحَدَّثْنَا يونسُ، أخبرنا ابنُ وهبٍ، أخبرني يونسُ بنُ
يزيد، عن ابن شهابٍ، قال: هذه نسخةُ كتابٍ رسولِ الله:﴿ الذي
كَتَبَ في الصَّدَقَة، وهي عندَ آلِ عُمَرَ - رضي الله عنه - أقرأنيها سَالِمُ
بنُ عبد الله بنِ عُمَرَ فوعيتُها على وجهها، وهِيَ التي نَسَخَ عُمَرُ بنُ عبدِ
العزيز من سالم وعبد الله ابني عبد الله بن عمر حين مرَّ على المدينةِ،
وأمر عُمَّالَهُ العملَ بها(١).
فكان فيها مثلُ الذي ذكرناه في أحاديثِ إبراهيمَ بنِ مرزوق،
وبكارٍ بنٍ قتيبة، والربيع المرادي التي ذكرنا في هذا الباب.
فتأملنا ما في هذا الحديث من قول رسول الله 8 *: ((لا يفرق بين
مجتمع، ولا يجمع بين متفرق خشية الصدقة)) لنقف على المرادٍ به إن
شاء الله تعالى.
فوجدنا أهلَ العلم قد اختلفُوا في ذلك، وتنازَعُوا فيه اختلافاً
وتنازعاً شديداً، فكان أحسنَ ما قالُوه في ذلك، ما حكاه لنا الُرَنِيُّ،
عن الشافعيِّ: الذي لا يُشَك فيه أنَّ الشريكَيْنِ اللذين لم يَقْسِمَا الماشَيَةَ
خليطان، وأنه قد يكونُ الخليطان: الرَّجُلَيْنِ يتخالطان بماشيتهما، وإن
(١) رجاله ثقات، ورواه أحمد ١٥/٢، وأبو داود (١٥٦٨)، والترمذي (٦٢١)،
وأبو يعلى (٥٤٧٠) و(٥٤٧١)، والحاكم ٣٩٢/١-٣٩٣، والبيهقي ٨٨/٤
و ١٠٥ - ١٠٦، وابن حجر في «تغليق التعليق)) ١٤/٣-١٥ من طريق سفيان بن
حسين، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، به مطولاً.
-١٢٧-

كتاب الزكاة
عَرَفَ كُلُّ واحدٍ منهما ماشيته. قال: ولا يكونان خَلِيطَيْنِ حتى يُريحا
ويَسْرَحَا وَيَخْلُبا ويَسْقِيا معاً، وتكون فحولُها مختلطة، فإذا كان هكذا
صدَّقا صدقة الرجلِ الواحدِ بِكُلِّ واحدٍ، ولا يكونان خليطين حتى
يحول عليهما حول مِنْ يومٍ اختلطا، ويكونا مسلمين، وإن تفرقا في
مراحٍ أو مسرحٍ أو سقيٍ أو يحول على أحدهما قبلَ حول الآخر، فليسا
بخليطَيْنِ، ويَصْدُقَانٍ صدقةً الاثنين.
ومعنى قول: (لا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين متفرق خشية
الصدقة)) يعني: لا يُفرٌ بَيْنَ ثلاثةِ خلطاء في عشرينَ ومئةٍ شاةٍ، فإنما
عليهم شاة، لأنها إذا فُرِّقَتْ كان فيها ثلاثُ شياه.
(ولا يُجمع بَيْنَ متفرقٍ)): وهو رجلٌ له مئةُ شاةٍ وشاةٌ، ورجلٌ له
مئةُ شاةٍ، فإذا تُركا مفترقَيْنٍ، ففيهما شاتان، وإذا حُمِعًا، ففيهما ثلاثُ
شياه، فالخشيةُ خشية السَّاعي أن تَقِلَّ الصدقةُ، وخشيةُ ربِّ المال أن
تَكْثُرَ الصدقةُ.
قال: ولم أعلم مخالفاً إذا كانوا ثلاثةَ خلطاء، وكانت لهم مئةٌ
وعشرونَ شاةً، أُخذت منهم واحدٌ، وصدَّقوا صدقة واحدٍ، فنقصوا
المساكين شاتَيْنِ من مال الخُلطاء الثلاثة الذين لو تَفَرَّقَ مالُهم كان فيه
ثلاثُ شياةٍ لم يَحُزْ إلا أن يقولوا: لو كان أربعون بَيْنَ الثلاثةِ كانت
عليهم شاةٌ، لأنهم صَدَّقُوا الخلطاءَ صدقَةَ الواحد، وبهذا يقولُ في
الماشيةِ كُلّها والزرع.
وكان مَنْ سواه مِنْ أهلِ العلمِ، منهم: أبو حنيفة وأصحابُه
كما حَدَّثْنَا سليمانُ بنُ شعيب الكَيْسَاني، عن أبيه، عن محمد بن
-١٢٨-

كتاب الزكاة
الحسن، عن أبي يوسف، قال: قلتُ لأبي حنيفة: أرأيتَ قولَه ◌َ﴾: ((لا
يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِع)) ما هو؟ قال: يكونُ للرجل مئة وعشرون شاة
فيكون فيها ثلاثُ شياه، قلت: أرايتَ قوله: ((لا يجمع بينَ مُتفرِّق))، ما
هو؟ قال: الرجلان يكونُ بينهما أربعون شاة، فإن جمعها، كان فيه
شاة، وإن فرقها عشرين عشرين لم يكن فيها شاة. قلتُ: فلو كانا
شريكين متفاوضَّيْنِ، لم يجمع بَيْنَ أغنامهما؟ قال: نَعَمْ، لا يجمعُ بينهما.
ومنهم: سفيان الثوري
كما قد حَدَّثْنَا أبو غسان مالك بنُ يحيى الهَمْدَانيُّ، حَدَّثَنَا أبو
النضر هاشمُ بنُ القاسم، عن الأشجعي، عن سفيان، قال: ولا يَجْمَعُ
بين متفَرِّقٍ، ولا يُفرق بَيْنَ مجتمعٍ خشيةَ الصدقة. والتفريق بين المجتمع:
أن يكون للرجل مئةُ شاةٍ، فيكون هاهنا وهاهنا، فلا يأخُذُه مِن هذه
وهذه، (ولا يجمع بين متفرِّقٍ)): أن يكونَ للرجلِ أربعونَ، وللآخر
خمسون، فَيَخْلِطاهُما جميعاً، لأن لا يُؤْخَذَ منهما شاة، وأن يكون
للرجلِ أربعون شاةً، فيكون في الذي ذكرنا عن أبي حنيفة وعن
الثوري ما قد دَلَّ على أنَّهما لم يكونا يُرَاعِيَانِ الاختلاطَ، ولكنهما كانا
يُراعيان الأملاك على ما ذكرناه عنهما.
وفي ذلك ما قد دَلَّ أن ما قد ذكره الشافعي من أنّه لم يعلم مخالفاً
إذا كان ثلاثة خلطاء، وكانت لهم كمئة وعشرون شاة، أخذت منهم
واحِدَة، وصدَّقوا صدقةَ الواحِدِ، قد كان فيه مِن المخالفين لِذلك القولِ
مَنْ ذكرناه، وفي ثبوت ذلك ما دَفَعَ أن يكونَ لما احتجَّ به لِمذهبه من
الذي ذكرناه في ذلك ما يوجبُ الحجةَ له فيه، وكان الله تعالى قد ذكر
-١٢٩-

كتاب الزكاة
الزكاة بمثل ما ذكرَ الصيامَ، والصلاة، والحجَّ، فقال عَزَّ وجَلَّ: ﴿وأقيموا
الصَّلَ وَآتُوا الزَّكَاءَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وقال: ﴿فَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ
فَلَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقال: ﴿وَلِلِّ عَلَى النَّاسِ حِجُ الَّيْتِ مَنْ استطاعَإليه
سَبِيلاً﴾ [آل عمران: ٩٧]. فكان ما افترض في ذلك من هذه الأشياء،
فثبوته على كُلِّ واحدٍ من الناس بما افترضه عليه فيه، وفي ذلك ما قد
دَلَّ على أنه لا حُكْمَ للخلطة، فإن الحكمَ للأملاكِ دونَ ما سواها.
وقال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمِ صَدَقَةٌ تُطَهِرُهُمْ وتُرَكْبِهِمْبِهَا وَصَلْ عَلَيْهِمْ﴾
[التوبة: ١٠٣]، وكان معقولاً أنه لا يطهرُ أحدٌ من مال غيره، إنما
يَطْهُرُ من مالِ نفسه.
فإن قال: فما معنى قولِهِم﴿ موصولاً بهذا الكلام: ((وما كان مِن
خَلِيطَيْنِ، فَإِنَّهما يَتَرَاجَعَانِ بِالسَّوِيَّةِ؟
فكان جوابُنا له في ذلك أن يكونَ الرجلان لهما عشرون ومئة
شاة، لأحدهما تُلثاها، وللآخر ثُلُها، فيحضر المُصدِّق فَيُطالبهما
بصدقتهما، فلا يكونُ عليه انتظارُ قسمتها إيَّها بينهما فيأخذ منهما
شاتَيْنِ، فَيُعلم أنه قد أخذ من حِصة صاحبِ الثمانين: شاةً وثلثُ شاة،
والذي كان عليه مِن الصدقةَ شاة واحدة من صحة صاحب الأربعين:
ثلثي شاة، والذي كان عليه من الصدقة شاة واحدة، والباقي من حصة
صاحبِ الثمانين ثمان وسبعون شاة، وثلثا شاة، والباقي مِن حصة
صاحب الأربعين تسعٌ وثلاثون شاةً، وتُلُثُ شاة، ويكونُ ما أُخذ من
الحِصَّتَيْنِ جاز على مالكيها، فيرجع صاحبُ الثمانين على صاحِب
- ١٣٠ -

كتاب الزكاة
الأربعين في غنمه بالثلثِ شاة الذي أُخِذَ من غنمه عن الزكاةِ التي
كانت على صاحبه حتى تَرْجِعَ حصة صاحب الثمانين إلى تسع
وسبعين، وحصة صاحب الأربعين إلى تسع وثلاثين.
فأما مالك، فإن مذهبه في ذلك
ما قد حَدَّثْنَا يونسُ، أخبرنا ابنُ وهب، قال: قال مالكٌ: تفسيرُ
قولٍ عُمَرَ: ((لا يُفَرَّقُ بين مجتمع)) أن يكون الخلیطان لِكُلِّ واحدٍ منهما
مئةُ شاة، فإِذا طلبهما الُصدق فَرَّقَا غَنَمَهُمَا، فلم يكن على واحدٍ منهما
إلا شأةٌ واحدةٌ، فنُهيَ عن ذلك. قال: ذلك في الخليطين إذا كان الراعي
واحدً، والفحلُ واحداً، والْمَسْرَحُ واحدً، والمراحُ واحداً، والدلو
واحدًاً، فالرجلان خليطان، فلا تجبُ الصدقة على الخليطِ حتى يكونَ
لِكُلِّ واحدٍ منهما ما تجبُ فيه الصدقةُ، وتفسيرُ ذلك: أنَّه إذا كان لأحدٍ
الخليطينِ أربعونَ شاةً، وللآخر أقلُّ من أربعين لم يَكُنْ على الذي له أقلُّ
من أربعين شاةً صدقة، وكانت الصدقةُ على الذي له أربعون، وإن
كان لِكُلِّ واحدٍ منهما ألفُ شاةٍ أو أقلُّ من ذلك مما تجبُ فيه الصَّدقةُ،
وللآخر أربعون شاةً أو أكثر، فهما خَلِيطَانِ يَتَرادَّانِ الفضل بينهما
بالسوية على الألفِ بحصتها وعلى الأربعين بحصتها(١).
يعني من الزكاة التي تجبُ فيها لو كانت لواحدٍ، وهذا مما لا
إشكالَ فيه، لأنه لا يخلو من أحد وجهين: أن تكون الخلطة لا معنى
(١) (الموطأ) ٢٦٣/١ -٢٦٤ برواية يحيى الليثي، و(٦٩١) برواية أبي مصعب
الزهري.
- ١٣١ -

كتاب الزكاة
لها، ويكون الخليطان بعدها كما كانا قبلَها، فيكون على كُلِّ واحدٍ
منهما في غنمه ما يكونُ عليه فيها لو لم يكن بينَه وبَيْنَ غيره فيها
خلطة، فيكون الأمرُ في ذلك كما قال أبو حنيفة، ثم رجع إلى ما ذكره
الشافعيُّ في الخليطين: أنهما وإن عرف كُلُّ واحد منهما ماله بَعْدَ أن
يكونَ الفحل واحدًاً، والمسرح واحداً، والسقي واحداً، أنهما يكونان
بذلك خليطين، فكان هذا مما لا يعقله، وكيف يكونان خليطين، وكُلُّ
واحدٍ منهما بائن ماله من مال الآخر.
ے
فإن قال بالخلطة في الفُحولِ، وفي المسرح، وفي الأشياء التي
ذكرها، قيل له: وهل الزكاةُ في تلك الأشياء؟ إنما الزكاةُ في المواشي
نفسِها، وليسا بخليطين فيها، وقد تقدمَك وتقدمَنا من أهلِ العلم من قد
١٠
خالف ما ذهبت إليه.
كما حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ مرزوق، حَدَّثْنَا أبو عاصم النبيلُ، عن ابنٍ
جريج، عن عمرو بن دينار، عن طاووس، قال: إذا كان الخليطان
يَعْرِفَانِ أموالَهما فلا يُجْمَعُ بينهما في الصَّدقةِ، وأخبرت بذلك عطاء،
فقالَ: ما أراه إلا حقّاً(١).
(١) رجاله ثقات، ورواه عبد الرزاق (٦٨٣٨)، وأبو عبد في (الأموال))
(١٠٧٩)، وابن أبي شيبة ١٨٧/٣ من طرق، عن ابن جريج، به، وعند ابن أبي شيبة
أن الذي سأل عطاء عن قول طاووس هو ابن جريج.
وعلقه البخاري ٣١٥/٣ ((فتح الباري)) في كتاب الزكاة، باب ما كان من
خليطين، فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية.
- ١٣٢-

كتاب الزكاة .
فهذا طاووس، وعطاءلم يُراعيا فحلاً، ولا حَلْباً، ولا سَقياً، ولا
مُراحاً، ولا دَلواً، ولا ما سوى ذلك مما راعيته أنتَ مما ذكرناه عنكَ.
فإن قال: فما رويته عن طاووس، وعطاء يَجبُ به إذا كانا
خليطَيْنِ لا يَعْرِفَانِ أموالَهما، جَمَعَ بينهما في الصدقةِ، وفي ذلك ما قد
دَلَّ على ما نقولُه نحن.
قيل له: لَيْسَ في ذلك ما يَدُلُّ على ما قلته أنت، لأنَّه قد يحتمِلُ أن
يكونَ قولُه: ((جَمَعَ بينهما في الصَّدَقةِ)، أي: جمع بينهما قبضاً حتى
يُؤْخَذَا أخذاً واحداً، ثم يتراجعان بينهما في المأخوذِ منهما كما يقولُ
مخالفُكَ فيه، وبالله التوفيق.
٢٢٢- بابُ بیانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله / في الذهب
الذي كان عليٌّ عليه السَّلامُ بعثَ به إليه من اليمن، فدَفَعَه
إلى من دفعه إليه من المُؤْلّفة قلوبُهم، هَلْ في ذلك ما يَدُلُّ
على أنَّ الواجبَ فيما وجد في المعادن هو الصدقةُ، أم لا؟
١٥٧٨- حَدَّثْنَا بكارُ بنُ قتيبة وإبراهيم بنُ مرزوقٍ، قالا: حَدَّثَنَا
أبو داود الطيالسيُّ، قال: حَدَّثْنَا أبو الأحوص، عن سعيدِ بنِ مسروقٍ
وروى البيهقي ١٠٦/٤ من طريق عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: سألت
عطاء، عن النفر الخلاء لهم أربعون شاة، قال: عليهم شاة، قال: فإن كان لواحد تسع
وثلاثون، ولآخر شاة، قال: عليهم شاة.
-١٣٣ -

كتاب الزكاة
أبي سفيان الثوريِّ، عن عبد الرحمن بن أبي نُعْمٍ، عن أبي سعيدٍ
الخدريٌّ: أن رسولَ الله :﴿ بعث علياً عليه السَّلامُ إلى اليمن، فبعثَ
إليه بذهبةٍ من تُربتها، فقسمها رسولُ الله :﴿ بينَ أربعةٍ: بَيْنِ الأقرعِ
بنِ حابسٍ، وعُيينة بن بدرٍ، وزيدِ الخير الطائي، وعلقمةَ بنِ عُلائة
العامريِّ، ثم أُحد بني كلاب، فغضبت قريشٌ، وقالت: يُعطي صناديدَ
أهلِ نَجْدٍ وَيَدَعُنا! فقال رسولُ اللهِلَ﴿: ((إنَّما أُعْطِيهم أتالَّفُهم))(١).
١٥٧٩ - وحَدَّثْنَا عبدُ الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم، قال:
حَدَّثَنَا الفِريابِيُّ، قال: حَدَّثْنَا سفيانُ، عن أبيه، عن ابنِ أبي نُعم البَحَلِيِّ،
عن أبي سعيد الخدري، قال: بعث عليٌّ عليه السَّلامُ إلى النبيِّ ◌َ *
(١) إسناده صحيح، وهو في ((مسند الطيالسي)) (٢٢٣٤) مطولاً، وقرن مع أبي
الأحوص قيس بن الربيع. ورواه البيهقي في ((دلائل النبوة)) ٤٢٦/٦-٤٢٧ من طريق
الطيالسي، به. ورواه أيضاً مسلم (١٠٦٤) (١٤٣)، والنسائي ٨٧/٥، كلاهما عن
هناد بن السري، عن أبي الأحوص، به.
ورواه أحمد ٣١/٣ عن وكيع، عن أبيه، عن سعيد بن مسروق، به مختصراً.
ورواه أحمد ٤/٣-٥، ومسلم (١٠٦٤) (١٤٦) من طريق محمد بن فضيل،
والبخاري (٤٣٥١)، ومسلم (١٠٦٤) (١٤٤) من طريق عبد الواحد، ومسلم
(١٠٦٤) (١٤٥)، وأبو يعلى (١١٦٣)، وابن حبان (٢٥) من طريق جرير بن عبد
الحميد، ثلاثتهم عن عمارة بن القعقاع، عن عبد الرحمن بن أبي نُعم، به مطولاً.
وفي روايتي محمد بن فضيل وعبد الواحد أن الرجلَ الرابعَ الذي أعطاه التي تؤ إما
علقمةُ بنُ عُلائة، أو عامرُ بنُ الطفيل، لكن قال النووي في ((شرح مسلم)) ١٦٢/٧ :
قال العلماء: ذكر عامر هنا غَلَطٌ ظاهر، لأنه تُوفي قبل هذا بستين، والصوابُ الجزم
بأنه علقمة بن عُلاثة كما هو مجزوم في باقي الروايات. انظر ما بعده.
- ١٣٤ -

كتاب الزكاة
بذُهيبةٍ في تربتها مِن اليمن، فقسمها بَيْنَ أربعة: الأقرع بن حابس
التميمي، وبين علقمة بن عُلاثة العامري ثم أحد بني كلاب، وبَيْنَ عُيينةَ
بنٍ بدرٍ الفزاري، وبين زيد الخيل الطائي، ثم أحد بني نبهان، قال:
فغضبت قريش والأنصارُ، وقالوا: يُعطي صنادِيدَ أهلٍ نجد ويدعنا!
فقال: (إنّي أَتَلَّقُهم)(١).
فقال قائل: في صرفِ رسولِ اللهَ﴿ ذلك الذَّهَبَ الموجودَ في
المَعْدِنِ إلى المؤلفةِ قلوبُهم ما قد دَلَّ أنّه من المالِ الذي يُعطى منه المؤلفة
قلوبهم، وهو أموالُ الزكواتِ، فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيقِ الله عَزَّ
وجَلَّ وعونه: أنه لا دليلَ له بذلك على ما ذكر، لأنَّ النبيَّ # قد كان
يتألّفُ قلوبَ أُولِئِكَ القومِ مِن الصَّدَقَاتِ كما قد ذكر هذا القائلُ، وقد
کان یتألّفُهُم من غيرها
١٥٨٠- كما قد حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ مرزوقٍ، قال: حَدَّثْنَا عبدُ الله
بنُ بكرِ السهميُّ، قال: حَدَّثَنَا حُميدٌ الطويلُ، عن أنس بن مالك: أن
رسولَ الله ﴿ أعطى مِن غنائم حُنينِ مئةٌ مِن الإبل: عيينةَ بينَ بدرِ،
(١) إسناده صحيح، ورواه ابن زنجويه في (الأموال)) (٧٩٤) عن الفريابي، بهذا
الإسناد.
ورواه عبد الرزاق (١٨٦٧٦)، وأبو عبيد في (الأموال)) (٥٤٧)، وأحمد ٦٨/٣
و٧٢ و٧٣، والبخاري (٣٣٤٤) و (٤٦٦٧) و(٧٤٣٢)، وأبو داود (٤٧٦٤)،
والنسائي ١١٨/٧ من طرق عن سفيان الثوري، به.
- ١٣٥ -

كتاب الزكاة
والأقرعَ بنَ حابس مئة من الإبل(١).
ولما كان ما ذكرنا كذلك انتفى أن يكونَ في الحديثِ الأوَّلِ دليلٌ
لهذا القائِل على ما تَوَهَّمَ أنه دَلِيلٌ له على ما استدلَّ به فيه. والله عَزَّ
وجَلَّ نسأُه التوفيق.
(١) إسناده صحيح، ورواه ابن زنجويه في (الأموال)) (١٢١٩) عن عبد الله بن
بکر السهمي، به.
ورواه أبو عبيد في (الأموال)) (٨٣٠)، وأحمد ١٨٨/٣، وابن حبان (٧٢٦٨)،
والبغوي (٣٩٧٦) من طريق إسماعيل بن جعفر، عن حميد، به. وهو عندهم ضمن
الحديث الطويل في فضل الأنصار، ورواية أبي عبيد مختصرة.
ووراه أحمد ٢٤٦/٣ عن عفان، عن ثابت، عن أنس بن مالك أن رسول الله ﴾
أعطى أبا سفيان وعيينة والأقرع وسهيل بن عمرو في الآخرين يومَ حُنين ... وذكر
الحديثَ بطوله، ثم قال في آخره: قال حماد: أعطى مئةً من الإبل يُسمي كل أحد من
هؤلاء.
-١٣٦ -

كتاب الزكاة
٢٢٣- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيّ عن رسول الله﴾ في الفَحْلِ
الذي نهى عن أخْذِهِ في الصَّدَقَةِ
١٥٨١- حَدَّثْنَا إبراهيم بنُ مرزوقٍ، قال: حَدَّثْنَا محمد بنُ عبد
الله الأنصاريُّ، قال: حَدَّثَنَا أبي، عن ثُمَامَةَ، عن أنسِ، أن في الكِتابِ
الذي كتبَهُ أبو بكرِ الصِّدِّيق في الصَّدَقَةِ، وكتب له فيها: إنها صدقَةُ
رسول الله ﴿ِ التي افَتَرَضَها الله عَزَّ وجَلَّ على خلقِهِ، فمن سُئِلَ فوقها،
فلا تُعطِهِ: ((أَن لا يُؤْخَذْ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ، ولا ذات عَوارِ، ولا تَيْسٌ،
إلاَّ أنْ يَشاءَ المصدِّقُ)). وهكذا حدثناه إبراهيم بالكسر، بعني به الوالي
على الصَّدَقَةِ(١).
١٥٨٢- وكذلك حَدَّثْنَاهُ بكَّار بن قتيبة، عن أبي عُمر الضرير،
(١) حديث صحيح، ورواه البخاري مطولاً (١٤٥٤) عن محمد بن عبد الله
الأنصاري، به، ورواه مقطعاً في (١٤٤٨) و(١٤٥٠) و(١٤٥١) و(١٤٥٣)
و(٢٤٨٧) و(٣١٠٦) و(٥٨٧٨) و(٦٩٥٥).
وأبو حاتم والعجلي، وأما النسائي، فقال: ليس بالقوي، وقال العقيلي: لا يتابع في
أکثر حديثه.
قال الحافظ: وقد تابعه على حديثه هذا حمادُ بن سلمة، فرواه عن ثماة أنه أعطاه
كتاباً زعم أن ابا بكر كتبه لأنس وعليه خاتم رسول الله # حين بعثه مصدقاً، فذكر
الحديث هكذا.
رواه أبو داود (١٥٦٧) عن أبي سلمة التبوذكي موسى بن إسماعيل، عنه.
ورواه أحمد في («مسنده)) ١١/١-١٢، قال: حَدَّثْنَا أبو كامل، حَدَّثْنَا حماد قال:
أخذت هذا الكتاب من ثمامة بن عبد الله بن أنس، عن أنس أن أبا بكر ... فذكره.
-١٣٧-

كتاب الزكاة
عن حماد بن سلمة، أنَّ ثُمَامَة أرسله بذلك الكتاب إلى ثابت.
١٥٨٣- وكذلك حدثناه الرَّبيع بنُ سُليمان المرَادي، عن أسد،
عن حماد، كلُّ واحدٍ منهما ذكر هذا الحرف بالكسرِ.
قال أبو جعفرٍ: وأجاز لي عليٌّ بنُ عبد العزيز، عن أبي عُبيد، أنه
قال: المحدِّثون يقولون في هذا الحديث: (إلاّ أنْ يَشَاء المصدِّق)) بالكسر،
وأنا أراهُ إلاَّ أنْ يشاء المصدَّق بالفتح، يعني ربَّ المال.
قال أبو جعفرٍ: وهو عندي كما قال أبو عُبيد - والله أعلم-،
لأَنَّ الَّيْسَ إنْ كان مجاوزاً للسِّنِّ الواجب على ربِّ المال فيما يوجب في
ماله، كان حراماً على المصدِّق أخذُه لما فيه من الزيادةِ على الواجب
على ربِّه المأخوذِ منه، وإنْ كان دونَ الواجب على ربِّه، كان حراماً
على المصدِّق أخذُه مِن ربِّه بما عليه في ماله مِمَّا هو فوقَه، وإنْ كان مثله
في القيمة، فهو خلاف النوع الذي أُمِرَ بأخذِهِ لوجوبه على ربِّه، فحرامٌ
عليه أخذُه بغير طيبِ نفسِ ربِّه. فدلَّ ذلك أنَّ المصدِّق لم يُرَدْ بما ذكر
في هذا الحديث، وأن المراد بما ذكر فيه ربُّ المالِ لا المصدِّق، فيكون
إليه الخِيَارُ في أَنْ يُعطِيَ فوق ما عليه أو مثلَ ما عليه من خلافٍ نوع ما
هو عليه، ويكون للمصدِّق قبولُ ذلك منه إن رأى ذلك حظاً لما يتولاه
من الصدَقَةِ. والله عَزَّ وجَلَّ نسأله التوفيق.
-١٣٨-

كتاب الزكاة
٢٢٤ - بابُ بیانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله ﴿ مما يَدُلُّ
على إباحة إنفاقِ الزائفِ مِن الدَّارهِمِ
١٥٨٤- حَدَّثْنَا فهدُ بنُ سليمان، حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ عبد الله بنِ
يونس، حَدَّثْنَا أبو بكر بن عياش، عن الأجلح، عن رِبعي بن حِراش،
ولم يذكر بينهما أحداً، قال: جلس حذيفةُ، وأبو مسعود يتذاكران
ويتحدَّثَان، فقال أحدهما: سمعتُ رسولَ اللهِل:﴿، يقولُ: ((حُوسِبَ
رجلٌ فلم يُوجَدْ له شيءٌ من الخَيْرِ، فنظر في حِسَابه، فقيل له: ما
عَمِلْتَ خيراً قطُّ؟ قال: لا، إلاّ أنّي كنتُ أُدَاينُ الناسَ، فكنتُ آمرُ
فِتياني أو غِلماني يُيَسِّرُون على الُوسِرِ، ويُنُظِرُونَ الْمُعسِرَ، فقال الله
عَزَّ وجَلَّ: أنا أحقُّ من بُيَسِّرُ. قال: فَادْخُلِ الْجَنَّةَ)(١).
قال أبو جعفر: هكذا حَدَّثَنَا فهدُ بن سليمان هذا الحديث بغير
ذكرٍ منه بَيْنَ الأجلح وبَيْنَ رِبعي أحداً.
(١) صحيح، وهذا سند ضعيف، لضعف الأجلح بسبب سوء حفظه، وانقطاعه
بین الأجلح وبین ربعي بن حراش.
ورواه أحمد ١٨١/٤، والطبراني ١٧/(٦٤٩) من طريق يزيد بن هارون، عن أبي
مالك الأشجعي سعد بن طارق، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة، وابن مسعود.
ورواه أحمد ١٢٠/٤، ومسلم (١٥٦١)، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (٢٩٣)،
والترمذي (١٣٠٧)، والطبراني ١٧/ (٥٣٧)، والبيهقي في («السنن)) ٣٥٦/٥، وفي
((شعب الإيمان)) (١١٢٤٣) من طرق، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن شقيق بن
سلمة، عن أبي مسعود البدري وحده، وهذا سند صحيح على شرط الشيخين.
- ١٣٩ -

كتاب الزكاة
١٥٨٥- وقد حَدَّثْنَا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بن يونس، حَدَّثْنَا حميدُ
بنُ زنجويه، حَدَّثْنَا مُحَاضِرٌ، حَدَّثْنَا الأجلحُ، عن نعيم بنِ أبي هندٍ، عن
رِبعي بنِ حِراش، قال: سمعتُ أبا مسعود، وحُذيفة، قال: أحدُهم
لِصاحبه: حَدِّثْ ما سمعتَ مِن رسولِ اللهِلَ﴿، قال: بَلْ حَدِّثْ. قال:
فَحَدَّثَ أحدهما وصَدَّقَ الآخرُ، فذكرا عن النبيِّ :﴿ قصةَ الرجلِ الذي
قال لأهلِه: إذا مِتُّ فأخْرِقُوني، ثم اطحَنُوني، ثم ذُرُّوني(١).
وهذه القصةُ في الحديثِ الذي ذكرناه عن فهدٍ، غيرَ أني
اخْتَصَرْتُ منه ما كتبتُه في هذا الباب، فدَلَّ ذلك: أن بينَ الأجلح ويَيْنَ
رِبِعي فيه نعيمُ بن أبي هند إلا أن يكونَ أبو بكر بن عياش حدَّث به
عن الأجلح، عن ربعي بغيرِ ذكر فيه نعيماً، فيكون مرسلاً.
١٥٨٦- وحَدَّثْنَا أبو أُمية، حَدَّثْنَا أحمدُ بنُ عبد الله بن يونس،
وعبدُ الله بن هارون أبو شيخ الحرَّاني، قالا: حَدَّثَنَا زهرُ بنُ معاوية،
حَدَّثْنَا منصورُ بنُ المعتمرِ، عن رِبعي بنِ حِرَاشٍ، عن حُذيفة، قال: قال
رسول الله ﴿: (َلَقَّتِ الملائكةُ روحَ رَجُلٍ مِنْ قبلِكم، فقيلَ: أَكُنْتَ
تعْمَلُ من الخيرِ شيئاً؟ قال: لا، قالوا: تَذَكَّرْ. قال: كنتُ أُدَاينُ
الناسَ، فَآمر فِتِياني أن يُنظِروا المُعسِرَ، ويتجاوزوا عن الُوسِرِ. قال
(١) حديث صحيح، وهذا سند ضعيف. الأجلح في كلام من جهة حفظه.
ورواه أحمد ٤٠٧/٥، والطبراني ١٧/(٦٤٧) و (٦٤٨) من طريقين، عن أبي
مالك الأشجعي سعد بن طارق، عن ربعي، عن حذيفة. ورواه البخاري (٣٤٧٩)
عن مُسدَّد، حَدَّثَنَا أبو عوانة، عن عبد الملك بن عمير، عن ربعي، عن حذيفة.
- ١٤٠-