Indexed OCR Text
Pages 1-20
تُخْفَةُ الأُخَارُ بَيّبْ شَرِحْ مشكل الآثارِ تأليفُ الإِمَامِ المَحَدِّثِ الفَقيةِ المَفَسِرِ أبِ جَعْفَر أجْمَد بْ مُحَمَّد بنسَلَامَة الطّحَاوي (٢٣٩هـ - ٣٢١ هـ) تحقيق وَترتیبْ أَبِ الحَسَيِّن خَالِدٍ مُحْمُودُ الرّبَاط المَجَلّد الأوّل الإِيمَانُ - الّطَهَارة - أوَّل الصَّلاَة دار بلنسية بسم الله الرحمن الرحيم تقسيم مجلدات الكتاب المجلد الأول · المقدمة ٥ • كتاب الإيمان ٤٣ • كتاب الطهارة ٢٣١ • كتاب الصلاة ٣٨٧ المجلد الثاني: ● باقي كتاب الصلاة ٥ • كتاب الصوم . ٥٩٣ المجلد الثالث ● باقي كتاب الصوم .. ٥ • كتاب الزكاة ١٠٥ • كتاب الحج ١٥٩ • كتاب النكاح. ٤٨٣ المجلد الرابع ● باقي كتاب النكاح. ٥ • كتاب المعاملات. ١٧٥ المجلد الخامس كتاب القضاء والأحكام والحدود ٥ .٣٧١ • كتاب الجهاد والمغازي .. • كتاب السيرة ٥٩٥ المجلد السادس • كتاب الرؤيا ٥ • كتاب الأيمان والنذور .٢٧ • كتاب الميراث والوصية والهبة ٩١ ٢١٥ • كتاب اللباس والزينة • كتاب الأطعمة والأشربة ٣٠٧ • كتاب الأدب ٤٨١ المجلد السابع ● باقي كتاب الأدب ٥ • كتاب الرقاق ٣٣٣ • كتاب الطب والمرض. ٣٥٨ • كتاب العلم ٣٩٠ المجلد الثامن • كتاب الذكر والدعاء ...... ٥ • كتاب فضائل القرآن وأحكامه .. ١٣٦ ١٩٥ • كتاب التفسير المجلد التاسع • كتاب المناقب ٥ • كتاب الفتن ٢٩١ • وأشراط الساعة ٣٧٩ • كتاب القيامة والجنة والنار ... ٤١٣ المجلد العاشر : الفهارس -٤- نُخْفَّةُ الَّضَارِ بَيْ شَرِحْ مشكل الآثارِ جَميعُ الحقوق محفوظة لِلنّاشِرْ الطَّبَعَّة الأولى ١٤٢٠ هـ / ١٩٩٩م دار بلنسية دار بلنسية للنشر والتوزيع - المملكة العربية السعودية - الرياض ص. ب ٥٧٢٤٢ - الرمز البريدي ١١٥٧٤ - هاتف وفاكس: ٤٨٢١٧٧٦ (٠١) مقدمة صاحب التحفة مقدمة إِنَّ الحمدَ لله، نَحْمَدُه، ونستعينُه، ونستغفِرُهُ، ونعوذُ به مِن شرور أنفسِنا، وَمِن سيئات أعمالنا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومن يُضْلِل، فلا هادي له. وأَشْهَدُ أن لا إله إلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أُهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَحَقَّ تَقَاتِ وَلاَ تَمُوتُنَّإِلا وَأْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]. ﴿بِ أَبِهَا النَّاسُ أَّقُوا رَّكُمْ أَلَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْنَفْسٍ وَاحِدَةٍ وخَلَقْ مِنْهَا مَوْجَهَا وَبَثْ مِهِما رِجَالاً كَثِيراً وَبِسَاءَ وَاتّقُوا الله الّذِي تَسَاءَكُونَ بِهِ وَالأرْ حَامَ إِنَّالله كان عليكم رقيباً﴾ [النساء: ١]. ﴿أَّهِ الَّذِينَ آمَنُوا أَُّوا اللهَوَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا يُصْلِحَلَكُمْ أَغْمَكُمْ وَبَيْفِرُ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِع الله ورسُوَلَهِ فَقَدْ فَانَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب: ٧٠-٧١]. أما بعد، فإنَّ كتاب الإمام الطحاوي المشهور باسم «شَرْح مُشكل الآثار» قَدْ حَوَى فوائد جمة مِنْ الأسانيد والحديثِ والفقه، ويكفي أنّ فيه من الأسانيد والروايات ما يَفُوق الستة آلاف أكثرها بَيْنَ الصحيح والحسن والحسن لغيره، وفيها من الضعيف القليل ويندر فيها الموضوع، ولَمَّا كانت حاجة طلبة العلم - وخاصة طلبة الحديث- الوقوف على ما فيه مِنْ أسانيد وفِقْه وفوائد، فإنَّ طريقة ترتيب الكتاب -٥- مقدمة صاحب التحفة الأصلي كانت عائقاً أمام الاستفادة المتْلَى من الكتاب؛ ذلك أنَّ الطحاوي رحمه الله لم يُراعِ ضَمَّ كُل بابٍ إلى مثيله، فقَلَّ ما نجد بابين متتاليين بينهما تجانس أو اتفاق - إلا ما ندر - ويبدو أنَّه رحمه الله كان يكتب ما يَعرِض لَهُ مِنْ مشكلات الحديث فيضعها كما كَتَبَها حَسْبَما اتفق لَهُ دُون مُراعاةٍ ترتيب، ولهذا جاءت الحاجةُ إلى ترتيب هذا الكتاب، وقد حاولتُ قبله أَنْ أَقومَ بعمل فهارس وافية للكتاب الأصلي، لكن وجدتُ أنها لَنْ تَفي بالغرض، ولم يَعُد بدّ من ترتيب الکتاب. ولأنّ أحاديث الكتاب مرتبطة بتعليق الإِمام الطحاوي عليها؛ وقد تجد في الباب الواحدة أحاديث لأكثر من صحابي فإنَّ من الصعوبة ترتيبه على المسانيد لأن ذلك قد يؤدي إلى حذف كلام الشيخ في بعض الأحيان، فبات ترتيب الكتاب عَلَى الموضوعات الفقهية هُوَ السبيل لتقريب هذا الكتاب، فبدأتُ فيه منذ أكثر من عامين والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. وقد اتبعت في الترتيب الطريقة التالية: - فصلت أبواب الكتاب عن بعضها بحيث أصبَحَ كُلُّ بابٍ .بمفرده. - اخترتُ الموضوعات حسبما اشتهر في المصنفات المبوبة وحسب ما لدى الطحاوي من أبواب، فبدأتُ بكتاب الإيمان ووضعتُ تحته الأبواب المتعلقة به، ثم كتاب الطهارة، ثم الصلاة، وهكذا. -٦- مقدمة صاحب التحفة - اختياري لمكان الباب بحسب عنوانه - هذا في الغالب- لكن قد يكون الباب متعلقاً بما قبله فأضطرُ لوضعه معه وأشير له في موضع آخر. وقد يكون الباب متعلقاً بموضوعين مثل: باب بيان مشكل ما رُوِيَ عن رسول اللهِوَ﴿ّ «مَنْ انتهب فليس مِنَّا» فَقَدْ وضعتَهُ في كتاب الإيمان ، باب (٢٦)، وأشرتُ إليه في نهاية كتاب الجهاد. أمَّا الأبواب التي ذكرها الطحاوي رحمه الله في تَفْسير بعضٍ الآيات فقد وضعتُها كلها - باستثناء بابين أو ثلاثة- وضعتُها في كتاب التفسير، وهي بالطبع تحتوي عَلَى موضوعات مختلفة يَصْلح كثير منها أن يوضع في كتاب آخر؛ لكن وجدتُ أنَّ مِنْ الأفضل أَنْ أضعها في كتاب التفسير. ولم أرغب في التفريع الكثير للكتب فلم أقسمها إلى أبواب بل اكتفيت بأبواب الطحاوي إلا إشارات في رأس الصفحة لتسهل على القارئ الوصول إلى مبتغاه، وذلك أن عدد أبواب الكتاب ١٠٠٢ فرأيتُ أنه ليس مِنَ المناسب أَنْ أضعها هي الأخرى تحت أبواب جديدة مِنْ عندي، فاكتفيتُ بأَنْ أجمعَ كل باب إلى مثيله تحت اسم الكتاب، فمثلاً « كتاب الجهاد» لم أضع تحته أبواب أو عناوين فرعية سوى الأبواب التي عنونها الطحاوي. لكني وضعت دليل للموضوعات في أول كل كتاب بالإضافة إلى فهرس الأبواب في نهاية كل مجلد. أما التخريج فكانت طريقتي فيه كالتالي: لَمْ ألتزم منهجاً معيناً في تخريج أحاديث الكتاب وكمان ذلك بحسب الموضوع أو نشاطي وقت العمل، والحقيقة أني لم أُعط الكتاب -٧- مقدمة صاحب التحفة حقه في التخريج بسبب طول الكتاب وكثرة أحاديثه أولاً؛ وثانياً: لأنه مُخرَّج في الأصل (طبعة مؤسسة الرسالة بتخريج وتعليق الشيخ شعيب الأرنؤوط) فجاء عملي في التخريج متبايناً كالتالي: - ربما خرجتُ الحديث مِنْ جميع طرقه التي وقفتُ عليها مرةً واحدة وإنْ أتى به الطحاوي من عدة طرق. مثال ذلك أحاديث رقم ١، ١٣، ٢٣٦، ٤٢٧، ٤٥٢. - وقد أورد تخريج الطريق الذي ذَكَرَه الطحاويُّ فقط. - وقد أكتفى بعزو الحديث لبعض المصادر إِلَى مخرج الحديث فقط، ورُبما أقتصرُ في التخريج عَلَى الصحيحين أو الستة، خاصة في الأحاديث الواقعة في الصحيحين أو أحدهما. وقد استفدتُ في التخريج من المصادر الآتية: ١- كتب الحديث المسندة والطرق المعروفة للتخريج. ٢- المسند الجامع للأخ محمود محمد خليل وإخوانه - شَكَر الله صنيعهم - وقد اختصر هذا الكتاب كثيراً مِنَ الجهد والوقت، وقد علمت أنهم يضيفون كتب أخرى إلى هذا الكتاب نسأل الله لهم التوفيق. ٣- تخريج النسخة الأصلية للشيخ شعيب الأرنؤوط، وقد بُذِل فيه جهدٌ كَبِيرٌ، وعَلَى الرغم مما يوجه أحياناً من نقد لمنهج التخريج في الكتاب الأصلي؛ فإنّي قد استفدت من المصادر التي ذكرها ولم أقع على أخطاء في العزو إلا القليل جداً، وقمتُ في مواضع كثيرة باختصار تخريج الشيخ شعيب أو إعادة ترتيبه، وبالتالي قلت الحواشي كثيرا عن -٨- مقدمة صاحب التحفة الكتاب الأصلي مع الاستفادة منها (١). (١) أما ما يوجه من نقد لتخريج الشيخ شعيب فإن غالبه على الحكم على الإسناد أو التعليق والحقيقة أن الحكم على الأسانيد فيه بعض التساهل من المحقق حفظه الله وكذلك التعليقات يكون فيها أحياناً ميلاً لترجيح المذهب الحنفي - وهو مذهب الطحاوي رحمه الله ومذهب المحقق أيضاً -على حد علمي-، وذلك لا يشمل كل التعليقات. بل إنه حفظه الله ربما عرض باختصار مذاهب العلماء في المسألة. ومما يؤخذ على المحقق حفظه الله كثرة تعقيباته على العلامة الألباني وربما يكون متحاملاً بشدة عليه. وهذه تحسب للشيخ الألباني إذ أنه على الرغم من الطفرة الكبيرة في التحقيق والنشر والتخريج والتي أحد روادها الشيخ شعيب فلا زال طلبة العلم والعاملون بهذا المجال يرجعون إلى كتب الشيخ الألباني لما فيها من فوائد غزيرة، وغالب مآخذه على الشيخ أوهام يقع فيها الكثير، وهي موجودة في تحقيقه لهذا الكتاب، بل أحياناً ما يكون هناك تناقضات؛ أذكر منها على سبيل المثال: - في تعليقه على حديث رقم (٤٩٨) -من الأصل - قال: صحيح على شرط الشيخين. ونقل تصويب الحافظ أنّ الراوي هو محمد بن جبير. ونفس الحديث بنفس الإسناد (مع الشك في اسم الرجل) برقم (٣٧٦٤) قال: ضعيف. وصوّب أن الراوي محمد بن حنين. - وقال في تعليقه على حديث في باب ٢٣٣: رواية إسرائيل عن أبي إسحاق کانت بعد تغیره. وذكر في تعليقه على حديث (٥١٨١) (هنا برقم ١٢٦٢) تصحيح رواية إسرائيل عن أبي إسحاق، وصححها في أكثر من موضع على أنها في غاية الإتقان. - وفي حديث (٧٧) (هنا برقم ١٢٠١) قال: إسناده صحيح على شرط مسلم: والصواب أن فيه يحيى الحماني ولم يصح أن مسلماً روى له. وقال المحقق في الحماني فى موضعٍ آخر (١٢٣٣): حافظ اتهم بالسرقة. -٩- مقدمة صاحب التحفة وربما أستفيد أيضاً من بعض نقولات المحقق، وسيجد القارئ الكريم بعض الإشارات أَنَّ هَذَا التعليق مِنْ مُحقق الأصل، على أنه إذا كان هناك تصرف مني أو إضافة للتخريج الأصلي فإني لا أشير إلى ذلك واكتفيتُ ما ذكرته في مقدمتي هذه. وقال في موضع آخر أن مسلماً لم يرو للحماني. - وفي تعليقه على عدة أحاديث وآثار من رواية عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم وهو شيخ الطحاوي قال إسناده ثقات أو رجاله ثقات أو إسناده قوي إو إسناده صحيح على شرط الشيخين، ومن أمثلة ذلك: حديث رقم (١٥٠٢ - من الأصل المطبوع) و(٢٣٣١)، وأثر بعد حديث (٩٦٤)، وأثر في باب (٥٤)، ونهاية باب (٥٥)، وفي باب (٩٠٣)، رغم أنه أشار إلى ضعف ابن أبي مريم في أكثر من موضع منها أثر في باب (١٦٦) وقال: الشيخ المؤلف حدث عن الفريابي بالبواطيل، قاله ابن عدي في الكامل. وكذا في التعليق على حديث (٥١٧٦). أما ابن أبي مريم فقال الحافظ في «لسان الميزان» ٣٣٧/٣: عبد الله ابن محمد بن سعيد بن أبي مريم قال ابن عدي: حدث عن الفريابي بالبواطيل، ثم ساق له عن جده سعيد حَذَّثنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى ﴿وشاورهم في الأمر) قال أبو بكر وعمر. قال ابن عدي: إما أن يكون مغفلاً أو متعمداً فإني رأيت له مناكير. أ.هـ. أما قول المحقق حفظه الله: إسناده صحيح أو نحوه فهذا خطأ بَّن. أما قوله: إسناده صحيح على شرط الشيخين فهو لم يعتبر شيخ المصنف في هذا الشرط كما ذكر في مقدمته. لكن لا يصح أن يُقال هذا إذا كان الراوي عن رجال الشيخين ضعيفاً أو متهماً بل لابد من الإشارة إلى ضعفه. - ١٠- مقدمة صاحب التحفة تَرْجَمةُ الإمام أَبِي جَعْفَر الطحاويّ (٢٣٩- ٣٢١ هـ) عَصْرُ الإمام الطحاويّ: عاشَ الإمام الطحاويّ في العصرِ العباسي الثاني، وكَانتَ مصرُ - مَسقطَ رأسِهِ- خلال العقود السابقة تخضعُ للدولة العباسية مباشرةً وتعد ولاية مِنْ ولاياتها، ولكن منذُ عهد الخليفة العباسي المعتصم (٢١٨-٢٢٧هـ) أصبحتْ مصرُ تَحتَ حكم الأتراك؛ إذْ كان القواد الأتراك يُقَطِّعُون الولايات ويقتسمُون النفوذَ، عَلَى أَنْ يؤدي الوالي خراجاً معيناً لدار الخلافة العباسية ببغداد، وقد عَاصَر الطحاويّ الخلفاء الآتية أسماؤهم: ١ - المتوكل على الله (جعفر بن المعتصم) (٢٣٢ -٢٤٧ هـ). ٢ - المستنصر بالله (٢٤٧- ٢٤٨ هـ). ٣ - المستعين بالله (٢٤٨ - ٢٥٢ هـ). ٤ - المعتز (٢٥٢ -٢٥٥هـ). ٥ - المهتدي (٢٥٥ -٢٥٦هـ). ٦ - المعتمد على الله (٢٥٦-٢٧٩ هـ). ٧ - المعتضد بالله (٢٧٩-٢٨٩هـ). ٨ - المكتفى بالله (٢٨٩ -٢٩٥ هـ). ٩ - المقتدر (٢٩٥ - ٣٢٠هـ). ١٠ - القاهر بالله (٣٢٠ -٣٢٢هـ). وقد قُتِلَ كثير من هؤلاء على يد الأتراك المسيطرين على نفوذ -١١- مقدمة صاحب التحفة الخلافة، حتى أَنَّ الولاة الأتراك كانوا يفضلون البقاء على مقربةٍ من دارٍ الخلافة خشية التآمر عليهم؛ وكانوا يستخلفُون عنهم نواباً يحكمون البلاد باسمهم. وفي سنة ٢٥٤ هـ آلت ولاية مصر إلى «بايكباك» فبعثَ بأحمد بن طولون إلى مصر لينوبَ عنه في حكمها، الذي وطد بدوره قدمه في مصر واستقل بها وضمّ إليها الشام وبرقة وبعض العراق وكان مِنَ القُوة بحيث استعان به الخليفة المعتمد ببغداد -واستمرت الدولة الطولونية بمصر إلى سنة ٣٢٣هـ، تعاقب عليها بعد ابن طولون - ممن عاصرهم الطحاوي -: خمارويه بن أحمد (٢٧٠-٢٨٢ هـ)، وأبو العساكر جيش بن خمارويه (٢٨٢- ٢٨٣هـ)، وهارون بن خمارويه (٢٨٣-٢٩٢هـ)، وشيبان بن أحمد ٢٩٢هـ. وعلى الرغم مما أَصَاب الدولة العباسية مِنْ تمزق وضعف -عصر الطحاوي وقبله- إلا أَن هذه الفترة شهدت نهضةً علميةً كبيرةً، فبعدَ أنْ كانت بغداد تستأثر بغالب النشاط العلمي؛ نافَسَتْها مراكز أُخرى مثل: قُرطبة والقاهرة وبُخارى وحَلَب ومكة المكرمة وغيرها، ويرجع ذلك إلى عوامل أهمها تشجيع الخلفاء والأمراء والولاة لرجالِ العلم والأدب، وكَّذًا الرحلات العلمية للعلماء وطلبة العلم وظهر أفذاذ الرجال مِنْ حُفَّاظ الحديث وأئمة الرواية، فكُتبت المصنفات والمسانيد، وكُتب الصحاح والسنن، وحظي علم الحديث سنداً ومتناً بعنايةٍ بالغة، كما بَرَزَ عددٌ كبيرٌ من الفقهاء والمجتهدين الذين نبغوا في استخراج المسائل الفقهية الفرعية الكثيرة وتقعيد القواعد الفقهية والأصولية. -١٢- مقدمة صاحب التحفة وكان لمصرَ النصيب الوافر بينْ هذه النهضة، وعاصر الطحاويّ كثيراً من هؤلاء العلماء والأئمة أو أخذ عمن أخذ منهم. فقد عاصر أصحاب الكتب الستة وأكثر الروايةً عن النسائي كَمَا هُوَ واضح في كتابه هذا، وتَفَقه على خاله المزني وأَدْرَكَ مُعظم طبقته. اسمه ونسبه: هو الإمام أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة بن عبد الملك بن سلمة بن سليم بن سليمان بن جناب الأزديّ الحجريّ المصريّ الطحاويّ. على أنه تختلف بعض المصادر في سياق نسبه. وأبوه: محمد بن سلامة: كان من أهل العلم والأدب والشعر وتوفي عام ٢٦٤ هـ. وأمه: أخت الإمام المزني صاحب الإمام الشافعي وناشر علمه. والأَزْدي: نسبه إلى أزْد من أعظم القبائل العربية القحطانية وأكثرها فروعاً. والحَجْري: نسبة إلى بطن من بطون الأزد. والمصريّ: نسبةً إلى مصر، وهو مصري ولادةً ومنشأً ووفاةً. والطَحَاويّ: نسبة إلى «طحا» قرية من صعيد مصر. ورجَّح الدكتور عبد المجيد محمود - بعد درسة مستفيضةً عن موقع البلدة- بأن قرية «طحا» التي ينسب إليها الطحاوي هي المعروفة الآن بـ «طحا الأعمدة» التي تتبع مركز «سمالوط» من مديرية -١٣- مقدمة صاحب التحفة «المنيا»(١). مولده ونشأته: وُلِدَ رحمه الله سنة ٢٣٩هـ على أصح الأقوال، ونشأ في أسرةٍ معروفةٍ بالعلم والتقى والصلاح، فأبوه كان من أهل العلم والأدب والشعر، وأمه معدودة في أصحاب الشافعي، وما من شك أَنَّ والديه قد أثرا في توجهه العلمي وأنهما كَانَا مصدر ثقافته الأُولى، ثمَّ صار يرتاد حلقات العلم التي كانت تقام بمسجد عمرو بن العاص، والتحق بحلقةٍ الإمام أبي زكريا يحيى بن محمد بن عمروس التي تلقى فيها مبادئ القراءة والكتابة وحفظ فيها القرآن الكريم، ثُمَّ جَلَس إلى حلقة والده وأخذ عنه قِسطاً من الأدب، ثُمَّ حَلَس إلى حلقة خاله «المزني» التي كان يعقدها في بيته فاستمع إلى سنن الإمام الشافعي، ولازمه أيضاً في حلقات الفقه التي كانت تُعنى بالأخص بفقه الإمام الشافعي. أما انتقاله لمذهب الإمام أبي حنيفة فله عدة أسباب: قال الخليلي في «الإرشاد» ٤٣١/١: سمعت عبد الله بن محمد الحافظ سمعت محمد بن أحمد الشروطي يقول: قلتُ للطحاوي لِمَ خالفتَ مذهبَ خالِك واخترتَ مذهبَ أبي حنيفة؟ فقال: لأني كنت أرى خالي يديم النظر في كتب أبي حنيفة فلذلك انتقلت إليه. ثم أنه تلقى الفقه من أحمد بن أبي عمران القاضي الذي كان (١) أبو جعفر الطحاوي وأثره في الحديث ص ٤٥- ٥٢. - ١٤- مقدمة صاحب التحفة يتفقه الكوفيين فأخذ الطحاوي بقوله وتحول عن مذهب خاله. وذكر الشيرازي في «طبقات الفقهاء» ص ١٤٢ عن الطحاوي(١): كان شافعيا يقرأ على المزني فقال له يوماً: والله لا جاء منك شيء، فغضب من ذلك وانتقل إلى ابن أبي عمران، فلما صَنَّف مُختصره، قال: رَحم الله أَبا إبراهيم، لو كان حياً لكفّر عن يمينه. ولم يُعرَف بمصر قبل الطحاوي فقهاءً أحنافاً إلاَّ غرباء عنه مِن قضاةٍ أو عُلماءَ زائرين، وإنَّما كان فقهاء مصر إمَّا مالكية أو شافعية فقط(٢). رحلته إلى الشام: لا تُعرف للطحاوي رحلة سوى رحلته إلى الشام سنة ٢٦٨هـ بتكليف من الأمير أحمد بن طولون ليُناقش أبي حازم عبد الحميد بن عبد العزيز السكوني قاضي دمشق في مسألة تتعلق بكتابة الشروط؛ واعترف أبو خازم بغلطه وبصواب الطحاوي، وتَنقَلَ الطحاويّ في رحلته هذه بين بيت المقدس وغزة وعسقلان وطبرية ودمشق، ولقي علماءها فاستفاد منهم وأفادهم. وقد استغرقت هذه الرحلة قرابة العام، (١) ونقلها عنه ابن العماد في الشذرات ٢٨٨/٢. (٢) وانظر مزيد من البيان كتاب أبو جعفر الطحاوي الإمام المحدث الفقيه د.عبد الله نذير أحمد ص ٧٩ - ٩٢. - ١٥- مقدمة صاحب التحفة ولا يوجد في ترجمة الطحاوي في كتب التراجم رحلة غيرها، ويبرر من ترجم للطحاوي من المعاصرين عدم ارتحاله إلى طلب العلم بأنَّ مصر وقتها كانت من أهم مراكز العلم والرواية وأنها أصبحت مقصد العلماء وطلاب العلم من كافة الأقطار، فوجد فيها الطحاوي بغيته ولم يكن ثمة حاجة للارتحال. شيوخه: جَمَع الشيخ الكاندهولي في مقدمة كتابه «أماني الأحبار شرح معاني الآثار» أسماء شيوخ الطحاوي في معاني الآثار ومشكل الآثار مع ما ذكر أصحاب الرجال والتاريخ بأن الطحاوي رَوَى عنهم فبلغ ٢٩٨ شيخاً، وأذكر منهم: ١- إبراهيم بن أبي داود سليمان بن داود الأسدي، أبو إسحاق البرلسي، حافظ ثقة من الحفاظ المكثرين (٢٧٠ هـ). ٢- أحمد بن شعيب بن علي النسائي، أبو عبد الرحمن: صاحب السنن كان إماماً في الحديث، ثقة ثبتاً حافظاً، فقيهاً، توفي سنة (٣٠٣ هـ). ٣- أحمد بن أبي عمران القاضي، أبو جعفر الفقيه البغدادي، ثقة مكين في العلم، حسن الدراية، توفي سنة (٢٨٠هـ)(١). (١) انظر: الجواهر المضية، ٢٧٤/١، ٣٣٧؛ النجوم الزاهرة، ٢٣٩/٣؛ الفوائد البهية، ص ٣٢. -١٦- مقدمة صاحب التحفة ٤- إسحاق بن إبراهيم بن يونس البغدادي، أبو يعقوب الوراق المنجنيقي، نزيل مصر، شيخ ثقة صالح، توفي سنة (٣٠٤هـ). ٥- إسماعيل بن يحيى المزني، أبو إبراهيم، صاحب الشافعي وناصر مذهبه، خال الطحاوي، ثقة صدوق فقيه، توفي سنة (٢٦٤هـ)(١) . ٦- بحر بن نصر بن سابق الخولاني، مولاهم المصري، تلميذ الشافعي ثقة صدوق فاضل مشهور، توفي سنة (٢٦٧ هـ). ٧- بكار بن قتيبة أبو بكرة البكراوي البصري، الفقيه الحنفي قاضي مصر، ثقة مأمون، وكان مضرب المثل في الورع والزهد والعفّة، توفي سنة (٢٧٠هـ). وقد أكثر عنه الطحاوي(٢). ٨- جعفر بن محمد بن الحسن الفريابي أبو بكر القاضي الإمام الحافظ توفي سنة (٣٠١هـ). ٩- الربيع بن سليمان بن داود الجيزي، أبو محمد المصري، تلميذ الشافعي، ثقة صالح مأمون كثير الحديث، توفي سنة (٢٥٦هـ)(٣). (١) انظر: الشيرازي، طبقات الفقهاء، ص ٩٧ وفيات الأعيان، ٢١٧/١. (٢) انظر: الولاة والقضاة، ص ٥٠٥؛ وفيات الأعيان، ٢٧٩/١؛ الجواهر المضية ٢٧٥/١، ٤٥٨. (٣) انظر: طبقات الفقهاء، ص ٩٩، وفيات الأعيان، ٢٩٢/٢. -١٧- مقدمة صاحب التحفة ١٠ - الربيع بن سليمان بن عبد الجبار المؤذن، أبو محمد المصري صاحب الشافعي وراوية كتبه، ثقة صدوق متفق عليه، توفي سنة (٢٧٠هـ)(١). ١١ - روح بن الفرج القطان، أبو الزنباع المصري، ثقة من أوثق الناس رفعه الله بالعلم والصدق، شيخ الطحاوي في القراءات، توفي سنة (٢٨٢هـ)(٢). ١٢ - عبد الحميد بن عبد العزيز، أبو خازم القاضي، من كبار الحنفية وكان ديناً عالماً ورعاً ثقة جليل القدر، توفي سنة (٢٩٢ هـ)(٣). ١٣- عبد الرحمن بن عمرو النصري الدمشقي أبو زرعة الإمام المحديث توفي سنة (٢٨١هـ). ١٤- عبد الله بن سليمان بن الأشعث السجستاني أبو بكر الإمام الحافظ صنف «السنة» و«المصاحف» وغيرها توفي سنة (٣١٦هـ). ١٥- علي بن عبد العزيز البغدادي، أبو الحسن البغوي، نزيل مكة أحد الحفاظ المكثرين مع علو الإسناد، مشهور، ثقة (١) انظر: طبقات الفقهاء، ص ٩٨، وفيات الأعيان، ٢٩١/٢. (٢) انظر: حسن المحاضرة، ١٩٠/١. (٣) انظر: طبقات الفقهاء، ص ١٤١؛ تذكرة الحفاظ، ٨٠٨/٣؛ الجواهر المضية ٢٧٤/١. -١٨- مقدمة صاحب التحفة صدوق، توفي سنة بضع وثمانين ومائتين. ١٦- عيسى بن إبراهيم الغافقي المترودي، أبو موسى المصري، ثقة ثبت، توفي سنة (٢٦١ هـ). ١٧- محمد بن جعفر بن محمد بن أعين، أبو بكر، نزل مصر وحدث بها وكان ثقة، توفي بمصر سنة (٢٩٣هـ)(١). ١٨- محمد بن سلامة بن سلمة الأزدي والد (أبي جعفر الطحاوي) توفي سنة (٢٦٤ هـ) (٢). ١٩ - محمد بن شاذان القاضي، أبو بكر الجوهري، أحد أئمة الفقهاء الحنفية، وكان نائباً للقاضي بكار وخليفته، توفى سنة (٢٧٤ هـ)(٣). ٢٠- محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري الفقيه، ثقة صدوق، وكان مفتي مصر في أيامه، توفي سنة (٢٦٨هـ)(٤). ٢١- محمود بن حسان النحوي، كان نحويباً مجوداً، توفي سنة (٢٧٢ هـ)(٥). ٢٢- هارون بن سعيد الأيلي السعدي مولاهم، أبو جعفر (١) انظر: الخطيب: تاريخ بغداد، ١٢٨/٢. (٢) انظر: الجواهر المضية، ٢٧٣/١. (٣) انظر: ملحق الولاة والقضاة، ص ٥١٣، الجواهر المضية ١٧٢/٣. (٤) انظر: تذكرة الحفاظ، ٨٠٨/٣؛ النجوم الزاهرة، ٢٣٩/٣. (٥) انظر: أماني الأحبار، ص ١٧. - ١٩- مقدمة صاحب التحفة التميمي نزيل مصر، ثقة فقيه فاضل، توفي سنة (٢٥٣هـ). ٢٣- الوليد بن محمد التميمي النحوي المشهور بـ(ولاد) رَوَى عنه أبو جعفر «غريب الحديث» لأبي عبيدة معمر بن المثنى، كان نحوياً مجوداً ثقة توفي سنة (٢٦٣هـ). بغية الوعاة ٣١٨/٢. ٢٤- يحيى بن زكريا بن يحيى النيسابوري، أبو زكريا الأعرج، رحال جوال حافظ فاضل نبيل، وكان ثقة صدوقاً، توفي سنة (٣٠٧هـ). ٢٥- يونس بن عبد الأعلى الصدفي، أبو موسى البصري، كان ثقة ذا عقل وعلم، توفي سنة (٢٦٤ هـ). تلاميذه: توافد على الطحاوي طلاب العلم من شتى الأقطار، فبلغوا عدداً كبيراً، منهم: ١ - أحمد بن إبراهيم بن حماد، أبو عثمان قاضي مصر، حفيد إسماعيل القاضي، وكان ثقة كريماً حيباً، توفي سنة (٣٢٩هـ)(١). ٢- أحمد بن محمد بن منصور، أبو بكر الأنصاري الدامغاني القاضي أقام ببغداد دهراً طويلاً يحدث عن الطحاوي ويفتّ، وكان إماماً في العلم والدين، مشاراً إليه في الورع والزهادة، قال القرشي: إنه (١) انظر: الكندي: كتاب الولاة والقضاة، ص ٤٨٣، ٤٨٥. - ٢٠ -