Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦١
وفى البابِ عن عبدِ الرحمنِ بنِ عَوْفٍ وإبنِ مَسْعُودٍ وَسَلَانَ .
٦٧٨ - حدثنا هَنَّادٌ أخبرنا عَبْدَةُ والمُحَارِبِىُّ عن محمدِ بنِ عَمْرٍو عن
أَبِى سَلَمَةَ عن أبى هريرةَ قال: قال رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم ((مَنْ صَامَ
رَمَضَانَ وَقَامَهُ إِيمانً واحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَتَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، ومَنْ قَامَ لَيْلَةَ
بغير الحق ) والذى وقع فى الآيتين هو بمعنى التعدى ، وأما الذى فى هذا الحديث
فمعناه الطلب والمصدر منه بغاء وبغاية بضم الباء فيهما قال الجوهرى : بغيته
أو طلبته انتهى .
قلت : الأمر كما قال العراقى، وكذلك فى قوله تعالى (ذلك ما كنا نبغ) معناه
الطلب (وياباغي الشر أقصر) بفتح الهمزة وكسر الصاد أى يا مريد المعصية أمسك
عن المعاصى وارجع إلى اللّه تعالى فهذا أو ان قبول التوبة وزمان استعداد المغفرة،
ولعل طاعة المطيعين وتوبة المذنبين ورجوع المقصرين فى رمضان من أثر الندائين
ونتيجة إقبال الله تعالى على الطالبين، ولهذا ترى أكثر المسلمين صائمين حتى الصغار
والجوار بل غالبهم الذين يتركون الصلاة يكونون حينئذ مصلين ، مع أن الصوم
أصعب من الصلاة وهو يوجب ضعف البدن الذى يقتضى الكسل عن العبادة
وكثرة النوم عادة ، ومع ذلك ترى المساجد معمورة وبإحياء الليل مغمورة والحمد
للّه ولا حول ولا قوة إلا بالله، كذا فى المرقاة (ولله عتقاء من النار) أى ولله
عتقاء كثيرون من النار فلعلك تكون منهم (وذلك) قال الطيبي: أشار بقوله ذلك
إما البعيد وهو النداء ، وإما للقريب وهو لله عتقاء ( كل ليلة) أى فى كل ليلة
من ليالى رمضان .
قوله : (وفى الباب عن عبد الرحمن بن عوف) أخرجه النسائي وابن حبان
(وابن مسعود) أخرجه البيهقى (وسلمان) أخرجه ابن حبان فى الضعفاء والأربعة
والبيهقى كذا فى شرح سراج أحمد .
قوله : (من صام رمضان وقامه إيمانا) أى تصديقاً بأنه فرض عليه حق
وأنه من أركان الإسلام ومما وعد الله عليه من الثواب والأجر قاله السيوطى. وقال
الطيبى : نصب على أنه مفعول له أى للإيمان وهو التصديق بما جاء به النى صلى الله
عليه وسلم والاعتقاد بفريضة الصوم (واحتساباً) أى طلبا للثواب منه تعالى ،

٣٦٢
القَدْرِ إِماناً واحتساباً غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْيِهِ)).
هذا حديثٌ صحيحٌ .
قال أبو عيسى : وحديثُ أبى هريرةَ الَّذِىِ رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ بِنِ عَيَّاش
حديثٌ غريبٌ لا نَعْرِفُهُ مِنْ رِوَايَةِ أبِى بَكْرِ بنِ عَبَّشٍ عن الأَعَشِ عن
أبى صالحٍ عن أبى هريرةَ إِلَّ مِنْ حديثِ أبى بَكْرٍ . وَسَأَلْتُ مُحدَ بنَ
إسماعيلَ عن هذا الحديثِ فقال: أخبرنا الحَسَنُ بنُ الرَّبيعِ أَخبرنا أَبُوالأُخْوَصِ
عن الأعْمَشَِ عن مُجَاهِدٍ قَوْله قال: ((إذا كانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِن شَهْرٍ رَمَضَانَ))
فَذَ كَرَالَحَدِيثَ، قال محمدٌ : وهذا أَصُحُ عِنْدِى مِنْ حديثٍ أبِى بَكْرٍ بِنِ عَيَّاشٍ.
أو إخلاصاً ، أى باعثه على الصوم ما ذكر لا الخوف من الناس ولا الاستحياء منهم
ولا قصد السمعة والرياء عنهم (غفر له ما تقدم من ذنبه) قال السيوطى : زاد أحمد
فى مسنده : وما تأخر ، وهو محمول على الصغائر دون الكبائر انتهى . قال النووي:
إن المكفرات إن صادفت السيئات تمحوها إذا كانت صغائر وتخففها إذا كانت
كبائر وإلا تكون موجبة لرفع الدرجات فى الجنات .
قوله : (هذا حديث صحيح) وأخرجه الشيخان (غريب لا نعرفه إلا من رواية
أبى بكر بن عياش الخ) الحديث أخرجه ابن ماجة أيضاً . قال الجزرى : كلاهما
من طريق أبى بكر بن عياش عن الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة وهذا إسناد
صحيح. قال ميرك : وهذا لايخلو عن تأمل ، فإن أبا بكر بن عياش مختلف فيه.
والأكثر على أنه كثير الغلط وهو ضعيف عن الأعمش ولذا قال الترمذى : غريب
لا نعرفه إلا من رواية أبى بكر، (وسألت محمد بن إسماعيل الخ) لكن يفهم من
كلام الشيخ ابن حجر العسقلانى أن الحديث المرفوع أخرجه ابن خزيمة والترمذى
والنسائى وابن ماجة والحاكم وقال : واللفظ لابن خزيمة ونحوه البيهقى من حديث
ابن مسعود وقال فيه : فتحت أبواب الجنة فلم يغلق باب منها الشهر كله انتهى
كلامه. ويقوى رفع الحديث أن مثل هذا لا يقال بالرأى فهو مرفوع حكما والله
أعلم تم كلام ميرك، كذا نقل القارى فى المرقاة كلام الجزرى وكلام ميرك ، ثم
تعقب على ميرك بوجوه لا يخلو بعضها عن كلام .

٣٦٣
٢ - بابُ ما جَاءَ لا تَتَقَدَّمُوا الشَّهْرَ بِصَوْمٍ
٦٧٩ - حدثنا أبو كُرَيْبٍ أخبرنا عَبْدَةُ بنُ سُلْمَانَ عن محمدٍ بنِ
عَمْرٍوٍ عن أبى سَلَمَةَ عن أبى هريرةَ قال : قال النبيُّ صلى اللهُ عليه وسلم
(( لا تُقَدِّمُوا الَّهْرَ بِيَوْمٍ ولا بِيَوْمَيْنِ إِلا أنْ يُوَافِقَ ذلِكَ صَوْماً كانَ
يَصُومُهُ أَحَدُ كُم. صُومُوا لِرُؤْ يَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْ يَتِهِ فَإِن ◌ُمَّ عَلَيْكُمْ
باب ما جاء لا تقدموا الشهر بصوم
قوله : (لا تقدموا) بفتح التاء وأصله لا تتقدموا بالتائين حذفت إحداهما
كما فى ( تلظى) قال السيوطى فى قوت المغتذى: إنما نهى عن فعل ذلك لئلا يصوم
احتياطا لاحتمال أن يكون من رمضان وهو معنى قول المصنف (لمعنى رمضان)
وإنما ذكر اليومين لأنه قد يحصل الشك فى يومين بحصول الغيم أو الظلمة فى شهرين ،
أو ثلاثة فلذا عقب ذكر اليوم باليومين . والحكمة فى النهى أن لا يختلط صوم
الفرض بصوم نفل قبله ولابعده حذراً مما صنعت النصارى فى الزيادة على ما افترض
عليهم برأيهم الفاسد انتهى . وقال الحافظ فى فتح البارى: والحكمة فيه التقوى
بالفطر لرمضان ليدخل فيه بقوة ونشاط ، وهذا فيه نظر لأن مقتضى الحديث أنه
لو تقدمه بثلاثة أيام أو أربعة جاز ، وقيل الحكمة فيه خشية اختلاط النفل بالفرض،
وفيه نظر أيضاً لأنه يجوز لمن له عادة كما فى الحديث ، وقيل لأن الحكم علق
بالرؤية فن تقدمه بيوم أو بيومين فقد حاول الطعن فى ذلك الحكم ، وهذا هو
المعتمد ، ومعنى الاستثناء أن من كان له ورد فقد أذن له فيه لأنه اعتاده وألفه،
وترك المألوف شديد ، وليس ذلك من استقبال رمضان فى شىء ، ويلحق بذلك
القضاء والنذر لوجوبهما . قال بعض العلماء : يستثنى القضاء والنذو بالأدلة القطعية
على وجوب الوفاء بهما فلا يبطل القطعى بالظن . وفى الحديث رد على من يرى
بتقديم الصوم على الرؤية كالرافضة ، ورد على من قال بجواز صوم النفل
المطلق انتهى .
قوله: (صوموالرؤيته) أى لأجل رؤية الهلال ، فاللام للتعليل والضمير
لهلال على حد (توارت بالحجاب) اكتفاء بقرينة السياق (فإن غم عليكم) أى

٣٦٤
فِعُدُوا ثلاثينَ ثُمَّ أَفْطِرُوا)).
وفى البابِ عن بعضٍ أصحابِ النبيِّ صلى اللهُ عليه وسلم أخبرنا مَنْصُورُ
ابنُ الْعْتَمِرِ عن رِيِىٌّ بنِ حِرَاشٍ عن بعضِ أصحابِ النبيِّصلى الله عليه وسلم
عَنِ الَّبِىُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَمْ بِنَّحْوِ هذا.
قال أبو عيسى : حديثُ أبى هريرةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ . والعملُ على
هذا عِنْدَ أهلِ العلمِ: كَرِهُوا أنْ يَتَعَجَّلَ الرَّجُلُ بِصِيَامٍ قَبْلَ دُخُولٍ
شَهْرِ رَ مَضَانَ لِمَعْنَى رَمَضَانَ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يَصُومُ صَوْمَاً فَوَافَقَ صِيَامُهُ
ذلكَ فلا بأسَ به عندَهُ .
غطى الهلال فى ليلة الثلاثين . قال الجزرى فى النهاية : يقال غم علينا الهلال إذا حال
دون رؤيته غيم أو نحوه من غممت الشىء إذا غطيته ، وفى غم ضمير الهلال ،
ويجوز أن يكون غم مسنداً إلى الظرف أى فإن كنتم مغموماً عليكم فأكملوا
العدة انتهى ( فعدوا ثلاثين ) بصيغة الأمر من العد . والمعنى أكملوا عدة شعبان
ثلاثين يوماً .
قوله : (وفى الباب عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الخ) قال الحافظ
فى الفتح : وروى أبو داود والنسائى وابن خزيمة من طريق ربعى عن حذيفة
مرفوعاً: لا تقدموا الشهر متى ترووا الهلال أو تكملوا العدة ثم صوموا حتى
ترووا الهلال أو تكملوا العدة . وقيل الصواب فيه عن ربعى عن رجل من الصحابة
مبهم ولا يقدح ذلك فی صحته انتهى .
قوله : (حديث أبى هريرة حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد .
قوله : (كرهوا أن يتعجل الرجل بصيام قبل دخوله شهر رمضان لمعنى رمضان)
قال السيوطى فى قوت المغتذى : قوله لا تقدموا الشهر بيوم ولا يومين إنما نهى
عن فعل ذلك احتياطاً لاحتمال أن يكون من رمضان ، وهو معنى قول المصنف
لمعنى رمضان انتهى وقال الحافظ فى الفتح: قال العلماء : معنى الحديث لا تستقبلوا
رمضان بصيام على نية الاحتياط لرمضان . قال الترمذى لما أخرجه فذكر الحافظ
كلام الترمذى هذا إلى قوله : لمعنى رمضان .

٣٦٥
٦٨٠ - حدثنا هَنّادٌ أخبرنا وَكِيعٌ عن علىَّ بنِ المَبَارَكِ عن يَخْبَ بنِ
أبى كَثِيرٍ عن أبى سَلَمَةً عن أبى هريرة قال: قالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلمٍ
(( لا تَقَدَّمُوا شَهْرَ رَمَضانَ بِصِيَامٍ قَبْلَهُ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ
رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْماً فَلْيَصُمْهُ)).
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ .
٣ - بابُ ما جَاءَ فِى كَرَاهِيَةٍ صَوْمٍ يَوْمِ الشَّكِّ
٦٨١ - حدثنا أبو سَعِيدٍ عبدُ اللهِ بنُ سعيدٍ الأَشَجُّ أخبرنا أبو خَالِدٍ
الأحَمَرُ عن عَمْرٍوِ بنِ قَيْسٍ عن أبى إسحاقَ عن صِلَةَ بنِ زُفَرَ قال :
قوله: (لا تقدموا شهر رمضان بصيام قبله بيوم أو يومين) إنما اقتصر على
يوم أو يومين لأنه الغالب فيمن يقصد ذلك وقد قطع كثير من الشافعية بأن ابتداء
المنع من أول السادس عشر من شعبان بحديث أبى هريرة مرفوعاً: إذا انتصف
شعبان فلا تصوموا أخرجه أصحاب السنن وصححه ابن حبان وغيره ، وقال
الرويانى من الشافعية : يحرم التقدم بيوم أو يومين لحديث الباب ، ويكره التقدم
من نصف شعبان للحديث الآخر . وقال جمهور العلماء : يجوز الصوم تطوعاً بعد
النصف من شعبان وضعفوا الحديث الوارد فيه. وقال أحمدوابن معين: إنه منكر
وقد استدل البيهقى بحديث الباب على ضعفه فقال : الرخصة فى ذلك بما هو أصح
من حديث العلاء ، وكذا صنع قبله الطحاوى واستظهر بحديث ثابت عن أنس
مرفوعاً : أفضل الصيام بعد رمضان شعبان لكن إسناده ضعيف، وجمع بين
الحديثين بأن حديث العلاء محمول على من يضعفه الصوم ، وحديث الباب مخصوص
بمن يحتاط بزعمه لرمضان قال الحافظ وهو جمع حسن .
قوله: ( هذا حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعة .
باب ما جاء فى كراهية صوم يوم الشك
قوله : (أخبرنا أبو خالد الأحمر) اسمه سليمان بن حيان الأزدى الكوفى
صدوق يخطىء من الثامنة (عن صلة بن زفر) بكسر الصاد المهملة وتخفيف اللام
المفتوحة وزفر بالزاى والفاء على وزن عمر كوفى عيسى من كبار التابعين وفضلاتهم

٣٦٦
((كُنَّاعِنْدَ عَمَّارِبِنِ يَاسِرٍ فَأَفَى بِشَاةِ مَصْلِيَّةٍ فقال: كُلُوا فَتَخَّى بَعْضُ القَوْمِ فقال
إنّىَ صَائِمٌ ، فقال عَّارُ: مَنْ صَامَ اليومَ الذى تُكَّ فِيهِ فَقَدْ عَصَى أبا القَّاسِمِ».
وفى البابِ عن أبى هريرةَ وأَنَسٍ .
قال أبو عيسى: حديثُ عَّارِ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ . والعملُ على هذا
قوله : ( كنا عند عمار بن ياسر) صحابي جليل مشهور من السابقين الأولين
بدرى قتل مع على بصفين سنة سبع وثلاثين (مصلية ) أى مشوية (فتنحى بعض
القوم) أى اعتزل (فقال ) أى بعض القوم الذى اعتزل واحترز عن أكلها (من
صام اليوم الذى شك فيه ) وفى بعض النسخ يشك فيه، وذكر البخارى هذا
الحديث فى صحيحه تعليقاً بلفظ: من صام يوم الشك والمراد من اليوم الذى يشك
فيه يوم الثلاثين من شعبان إذا لم ير الهلال فى ليلته بغيم ساتر أو نحوه ، فيجوز
كونه من رمضان وكونه من شعبان ( فقد عصى أبا القاسم) هو كنية رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، قيل فائدة تخصيص ذكر هذه الكنية الإشارة إلى أنه هو الذى
يقسم بين عباد الله أحكامه زمانا ومكانا وغير ذلك . قال الحافظ فى فتح البارى:
استدل به على تحريم يوم الشك لأن الصحابى لا يقول ذلك من قبل رأيه فيكون من
قبل المرفوع . قال ابن عبد البر: هو مسند عندهم لايختلفونفىذلك، وخالفهم الجوهرى
المالكى فقال: هو موقوف ، والجواب ، أنه موقوف لفظاً مرفوع حكما انتهى .
قوله : (وفى الباب عن أبى هريرة) أخرجه البزار بلفظ: نهى رسول الله
صلى الله عليه وسلم عن صيام ستة أيام أحدها اليوم الذى يشك فيه وفى إسناده
عبد الله بن سعيد المقبرى عن جده وهو ضعيف، وأخرجه أيضاً الدار قطنى وفى
إسناده الواقدى ، وأخرجه أيضاً البيهقى وفى إسناده عباد وهو عبد الله بن سعيد
المقبرى المتقدم وهو منكر الحديث كما قال أحمدبن حنبل، كذا فى النيل(وأنس)
لم أقف على من أخرجه .
قوله : (حديث عمار حديث حسن صحيح) وأخرجه أيضاً ابن حبان وابن
خزيمة وصححاه والحاكم والدار قطنى والبيهقى . قال العراقى فى شرح الترمذى: جمع
الصاغانى فى تصنيف له الأحاديث الموضوعة فذكر فيه حديث عمار المذكور
وما أدرى ماوجه الحكم عليه بالوضع وليس فى إسناده من يتهم بالكذب وكلهم

٣٦٧
عنْدَ أكثَرَ أَهلِ العلمِ مِنْ أصحابِ النبيِّ صلى اللهُ عليه وسلم ومَن بَعْدَهُمْ مِنَ
التَّابِينَ. وبهِ يقولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِىُّ ومالكُ بنُ أنسٍ وعبدُ اللهِ بنُ المَبَارَكِ
والشَّافِى وأحمدُ وإسحاقُ: كَرِهُوا أَنْ يَصُومَ الرَّجُلُ الْيَوْمَ الَّذِىُ بِشَكْ فِيهِ،
وَرَأَى أُ كْثَرُمْ إِنْ صَامَهُ وَكَانَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ أَن يَقْضِىَ يَوْماً مكَنَهُ.
ثقات وقال : وقد كتبت على الكتاب المذكور كراسة فى الرد عليه فى أحاديث
منها هذا الحديث قال نعم فى اتصاله نظر ، فقد ذكر المزى فى الأطراف أنه روی
عن أبى إسحاق السبيعى أنه قال: حدثت عن صلة بن زفر لكن جزم البخارى بصحته
إلى صلة فقال فى صحيحه: وقال صلة ، وهذا يقتضى صحته عنده ، وقال البيهقى فى
المعرفة : إنه إسناده صحيح انتهى .
قوله: (والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم الخ) قال فى النيل: وقد استدل
بهذه الأحاديث أى بحديث عمار بن ياسر المذكور فى الباب وما فى معناه كأحاديث
الأمر بالصوم لرؤية الهلال وكأحاديث النهى عن استقبال رمضان بصوم على المنع
من صوم يوم الشك . قال النووى : وبه قال مالك والشافعى والجمهور ، وحكى
الحافظ فى الفتح عن مالك وأبى حنيفة أنه لا يجوزصومه عن فرض رمضان ويجوز
عما سوى ذلك . قال ابن الجوزى: ولأحمد فى هذه المسألة وهى إذا حال دون مطلع
الهلال غيم أو غيره ليلة الثلاثين من شعبان ثلاثة أقوال : أحداها يجب صومه على
أنه من رمضان ، وثانيها لا يجوز فرضاً ولانفلا مطلقا بل قضاء وكفارة ونذراً
ونفلا يوافق عادة، ثالثها المرجع إلى رأى الإمام فى الصوم والفطر ، وذهب جماعة
من الصحابة إلى صومه منهم على وعائشة وعمرو بن عمر وأنس بن مالك وأسماء
بنت أبى بكر وأبى هريرة ومعاوية وعمرو بن العاص وغيرهم وجماعة من التابعين.
واستدل المجوزون لصومه بأدلة ، ثم ذكرها الشوكانى وتكلم عليها وليس فيها
ما يفيد مطلوبهم ثم قال : قال ابن عبد البر: ومن روى عنه كراهة صوم يوم
الشك عمر بن الخطاب وعلى بن أبى طالب وعمار وابن مسعود وحذيفة وابن عباس
وأبو هريرة وأنس بن مالك ، ثم قال : والحاصل أن الصحابة مختلفون فى ذلك ،
وليس قول بعضهم بحجة على أحد والحجة ما جاءنا عن الشارع وقد عرفته . قال:
وقد استوفيت الكلام على هذه المسألة فى الأبحاث التى كتبتها على رسالة الجلال

٣٩٨
٤ - بابُ ما جَاءَ فى إحْصَاءِ هِلاَلٍ شَعْبَانَ لِرَمَضَانَ
٦٨٢ - حدثنا مُسْلِمُ بنُ حَجَّاجِ أخبرنا بَحْسَ بَنُ يَحْسِى أخبرنا
أبو مُعَاوِيَةً عن محمدِ بنِ عَمْرٍ وعن أبى سَلَمَةً عن أبى هريرةَ قال: قال رسولُ اللهِ
صلى اللهُ عليه وسلم ((أحْصُوا هِلاَلَ شَعْبَانَ لِرَمَضَانَ)).
قال أبو عيسى : حديثُ أبى هريرةَ لا نَعْرِفُهُ مِثْلَ هذا إلا مِنْ حدیثِ
أبى مُعَاوِيَةَ. والصَّحِيحُ مَا رُوِىَ عَن محمدٍ بِنِ عَْرٍو عن أبى سَلَةَ عن أبى
انتهى (ورأى أكثرهم إن صامه) أى صوم يوم الشك (وكان من شهر رمضان
أن يقضى يوماً مكانه ) لأن الذى صام يوم الشك لم يصم صوم رمضان على اليقين
وإن ظهر بعد أنه كان من رمضان فلا بد له من أن يقضى يوما مكانه .
باب ما جاء فى إحصاء هلال شعبان لرمضان
قوله: (حدثنا مسلم بن حجاج) هو صاحب الصحيح. قال العراقى: لم يرو
المصنف فى كتابه شيئاً عن مسلم صاحب الصحيح إلا هذا الحديث وهو من رواية
الأقران فإنهما اشتركا فى كثير من شيوخهما انتهى.
قوله : (أحصوا) بقطع الهمزة أمر من الإحصاء وهو فى الأصل العد بالحصا
أى عدوا ( هلال شعبان) أى أيامه (لرمضان) أى لأجل رمضان أو للمحافظة
على صوم رمضان . وقال ابن الملك : أى لتعلموا دخول رمضان . قال الطيبي:
الإحصاء المبالغة فى العد بأنواع الجهد ، ولذلك كنى به عن الطاقة فى قوله عليه
الصلاة والسلام . استقيموا ولن تحصوا انتهى . وقال ابن حجر : أى اجتهدوا فى
إحصائه وضبطه بأن تتحروا مطالعه وتتراءوا منازله لأجل أن تكونوا على بصيرة
فى إدراك هلال رمضان على حقيقة حتى لا يفوتكم منه شىء ، كذا فى المرقاة .
قال السيوطى فى قوت المغتذى : هذا الحديث مختصر من حديث وقد رواه
الدار قطنى بتمامه فزاد : ولا تخلطوا برمضان إلا أن يوافق ذلك صياماً ما كان
يصومه أحدكم، وصوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ، فإن غم عليكم فإنها ليست
تغمى عليكم العدة انتهى .
قوله: (لا نعرفه مثل هذا) أى بهذا اللفظ (إلا من حديث معاوية يعنى أنه
قد تفرد بهذا اللفظ (والصحيح ما روى عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة الخ) .

٣٦٩
هريرةَ عن النبيِّ صلى اللهُ عليه وسلم قال ((لا تَقَدّمُوا شَهْرَ رَمَضَانَ بِيَوْمٍ.
ولا يَوْمَيْنِ)» وهَكَذَا رُوِىَ عن يَحْيَى بِنِ أبى كَثِيرٍ عن أبى سَلَةَ عن
أبى هريرةَ نَحْوُ حديثِ محمدِ بنِ عَمْرٍو ◌َالَِّيُ.
٥ - بابُ مَا جَاءَ أنَّ الصَّوْمَ لِرُؤْيَةِ الهلاَلِ والإِفْطَارَ لَهُ
٦٨٣ - حدثنا قُتَيْبَةُ أخبرنا أبو الأَحْوَصِ عن ◌ِسِمَاكِ بِنِ حَرَبٍ
عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عباسٍ قال: قال رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم
((لا تَصُومُوا قَبْلَ رَمَضَانَ، صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وأَقْطِرُوا لِرُؤْ يَتِهِ ، فإنّ
حَالَتْ دُونَهُ غَيَايَةُ فَأَ كْسِلُوا ثلاثِينَ يَوْماً)» .
لقائل أن يقول : إن حديث أبى معاوية عن محمد بن عمرو بلفظ: أحصوا هلال
شعبان لرمضان ، وما روى عن محمد بن عمرو بلفظ : لا تقدموا شهر رمضان
بيوم ولا يومين ، حديثان يدلان على معنيين ، فالأول يدل على إحصاء هلال شعبان
والتحفظ به ، وقد روى أبو داود عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله
عليه وسلم يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره الحديث ،والحديث الآخر يدل
على النهى عن تقدم رمضان بيوم أو يومين ، فالظاهر أن محمد بن عمرو یرویهذين
الحديثين عن أبى سلمة عن أبى هريرة فروى عنه أبو معاوية الحديث الأولوروى
عنه غيره الحديث الآخر، فعلى هذا يكون الحديثان صحيحين فتفكر والله تعالى أعلم.
باب ما جاء أن الصوم لرؤية الهلال الخ
قوله: (صوموا لرؤيته) الضمير للهلال على حد توارت بالحجاب اكتفاء
بقرينه السياق . قال الطيبي: اللام التوقيت كقوله تعالى: ( أقم الصلاة لدلوك
الشمس ) (دونه) أى دون الهلال (غياية) بفتح الغين المعجمة واليائين المثاتين
من تحت وهى السحاب ونحوها . قال القارى : هذا هو المشهور فى ضبط هذا
الحديث . وقال ابن العربى: يجوز أن يجعل بدل الياء الأخيرة باء موحدة من
الغيب ، وتقديره ما خفى عليك واستتر ، أو نوناً من الغين وهو الحجاب ، كذا
فى قوت المغتذى .
( ٣٤ - تحفة الأحوذي - ٣)

٣٧٠
وفى البابِ عن أبى هريرةَ وأَبِى بَكْرَةَ وابنِ ثُمَرَ .
قال أبو عيسى : حديثُ ابْنِ عَّاسٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وقد رُوِىَ
عِنْهُ مِنْ غَيْرٍ وَجْهِ
٦ - بابُ مَا جَاءَ أن الشّهْرَ يَكُونُ تِسْماً وِعِشْرِينَ
٦٨٤- حدثنا أحمدُ بنُ مَنِيع أخبرنا يَحْتَ بِنُ زَكَرِيَّا بِنُ أَبِىِ زَاعِدَةَ
قال: أَخْبَرَ فِى عيسى بنُ دِينَارٍ عن أبيهِ عن ◌َمْرِ وبنِ الحارِثِ بنِ أبيِضِرَارٍ
عن ابنِ مَسْعُودٍ قال: ((ما صُمْتُ مع النبيِّ صلى اللهُ عليه وسلم تسعاً
وعِشْرِينَ أَكْثَرُ مِمَّا صُمْنَا ثلاثينَ)).
قوله : ( وفى الباب عن أبى هريرة) أخرجه الشيخان (وأبى بكرة) أخرجه
الشيخان (وابن عمر) أخرجه الشيخان .
قوله: (حديث ابن عباس حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد والنسائى.
باب ما جاء أن الشهر يكون تسعاً وعشرين
أى قد يكون تسعاً وعشرين .
قوله : (عن عمرو بن الحارث بن أبى ضرار) بكسر المعجمة صحابى قليل
الحديث وهو أخو جويرية أم المؤمنين، كذا فى التقريب.
قوله: (ما صمت مع النبى صلى الله عليه وسلم الخ) وفى رواية أبى داود:
لما صمنا مع النبى صلى الله عليه وسلم الخ. قال أبو الطيب السندى فى شرح الترمذى
كلمة (( ما ، تحتمل أن تكون مصدرية فى الموضعين أى صومى تسعاً وعشرين
أكثر من صومى ثلاثين ، وتحتمل أن تكون فى الموضعين موصولة والعائد
محدوف ، والتقدير ما صمته حال كونة تسعاً وعشرين أكثر مما صمناه حال كونه
ثلاثين ، فيكون تسعاً وعشرين ، وكذلك ثلاثين حال من ضمير المفعول المحذوف
الراجع إلى رمضان المراد بالموصول، وعلى التقديرين قوله (( أكثر) مرفوع على
الخبرية . والحاصل أن الأشهر الناقصة أكثر من الوافية . وأما القول بأن كلمة
((ما، الأولى نافية وعلى هذا التقدير يكون قوله أكثر منصوباً ويكون الحاصل
أن الناقص ما كان غالباً على الوافى فبعيد ، ويؤيدهذا البعد ما قال الشيخ ابن حجر
قال بعض الحفاظ : صام صلى الله عليه وسلم تسع رمضانات منها رمضانان فقط

٣٧١
وفى البابِ عن عُمَرَ وأبى هريرةَ وعَائِشَةَ وَسَعْدٍ بِنِ أبِى وَقَّاصٍ وابنٍ
عباسٍ وابِ عُمَرَ وأَسٍ وجَابٍ وأمْ سَلَةَ وأبى بَكْرَةَ أنَّ النبيَّ صلى اللهُ
عليه وسلم قال: ((الشَّهْرُ يَكُونُ ◌ِسْماً وِعِشْرِينَ)).
٦٨٥ - حدثنا علىُ بنُ حُجْرٍ أخبرنا إسماعيلُ بنُ جَعْفَرٍ عن حُمَيْدٍ عن
أَنَسِ أَنَّهُ قال: «آلى رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم مِنِنِسَائِ شَهْراً فَأَقَلْمُ
فِى مَشْرُبَةٍ تِسْعْاً وعِشْرِينَ يَوْماً، قالوا يا رسولَ اللهِ إِنّكَ آلَيْتَ شَهراً
فقالَ: الشّهْرُ تِسْعُ وِعِشْرُونَ )).
ثلاثون . وقال النووى: وقد يقع النقص متوالياً فى شهرين وثلاثة وأربعة ولا يقع
أكثر من أربعة انتهى كلام أبى الطيب باختصار . وحديث ابن مسعود هذا
أخرجه أبو داود أيضاً وسكت هو والمنذرى عنه، وذكره الحافظ فى الفتح
وسكت عنه هو أيضاً وقال: ومثله عن عائشة عند أحمد بإسناد جيد انتهى. قلت:
والظاهر أن حديث ابن مسعود حسن .
قوله: (وفى الباب عن عمر وأبى هريرة الخ) أما حديث عمر رضى الله عنه
فأخرجه الشيخان ، وأما حديث أبى هريرة فأخرجه أيضاً الشيخان ، وأما حديث
عائشة فأخرجه أحمد، وأما حديث سعد بن أبى وقاص فأخرجه مسلم ، فأما حديث
ابن عمر وأنس وجابر وأم سلمة فأخرجه مسلم وغيره ، وأما حديث ابن عباس
وأبى بكرة فلينظر من أخرجه .
قوله : (آلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من نسائه) أى حلف أن لا يدخل
عليهن ، وليس المراد بالإيلاء فى هذا الحديث الإيلاء الشرعى بل المراد الإيلاء
اللغوى وهو الحلف (فأقام فى مشربة) بضم الراء وفتحها أى غرفة . قال الجزرى
فى النهاية: المشربة بالضم والفتح الغرفة ، وفى القاموس: المشربة الغرفة أو العلبة
انتهى . والغرفة بالضم والعلية بالضم والتشديد معناهما بالفارسية برواره، كذا
فى الصراح ، وبرواره على وزن همواره معناه بالفارسية بالإخانة وحجرة
بالاءحجرة (الشهر تسع وعشرون) أى هذا الشهر تسع وعشرون أو المعنى الشهر
قد يكون كذلك . قال الحافظ فى الفتح : ظاهره حصر الشهر فى تسع وعشرين
مع أنه لا ينحصر فيه بل قد يكون ثلاثين، والجواب أن المعنى أن الشهر يكون تسعة

٣٧٢
قال أبو عيسى : هذا حديثٌ حسنَ صحيحٌ .
٧ - بابُ مَا جَاءٍ فى الصَّوْمِ بِالشَّهَادَةِ
٦٨٦ - حدثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ أخبرنا محمدُ بنُ الصَّبَّاحِ أخبرنا
الوِيدُ بنُ أبى ثَوْرِ عن ◌ِسِمَاكٍ عن عِكْرِمَةٍ عن ابنِ عباسٍ قال: ((جَاءَ
أَعْرابىُّ إلى النبيِّ صلى اللهُ عليه وسلم فقال: ((إِنِّى رأيْتُ الِلاَلَ، فقال :
أَتَشْهَدُ أنْ لا إلهَ إلاّ اللهُ ؟ أتشْهَدُ أنَّ محمداً رسولُ اللهُ ؟ قال: نعم ، قال :
يا بِلاَلُ أَذِّنْ فِى النَّاسِ أنْ يَصُومُوا غداً)).
وعشرين أو اللام للعهد والمراد شهر بعينه أو هو محمول على الأكثر الأغلب ،
كقول ابن مسعود : ما صمنا مع النبى صلى الله عليه وسلم تسعاً وعشرين أكثر مما
صمنا ثلاثين . ويؤيد الأول قوله فى حديث أم سلمة : إن الشهر يكون تسعة وعشرين
يوماً . وقال ابن العربى : معناه حصره من جهة أحد طرفيه أى أنه يكون تسعاً
وعشرين وهو أقله ويكون ثلاثين وهو أكثره فلا تأخذوا أنفسكم بصوم الأكثر
احتياطاً ولا تقتصروا على الأقل تخفيفاً، ولكن اجعلوا عبادتكم من تبطة ابتداء
وانتهاء باستهلاله انتهى :
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخارى .
باب ما جاء فى الصوم بالشهادة
قوله: ( حدثنا محمد بن اسماعيل) هو الإمام البخاري رحمه الله (أخبرنا محمد
ابن الصباح) الدولابي أبى جعفر البغدادى ثقة حافظ من العاشرة ( أخبرنا الوليد
ابن أبى ثور ) هو الوليد بن عبد الله بن أبى ثور الهمدانى الكوفى وقد ينسب
يجده ضعيف من الثامنة كذا فى التقريب (جاء أعرابى) أى واحد من الأعراب
وهم سكان البادية ( إنى رأيت الهلال) یعنی هلال رمضان كما فى رواية يعنى وكان
غما ، وفيه دليل على أن الإخبار كاف ولا يحتاج إلى لفظ الشهادة ولا إلى الدعوى
( فقال أتشهد أن لا إله إلا اللّه الخ) قاك ابن الملك: دل على أن الإسلام شرط فى
الشهادة (أذن فى الناس ) أمر من التأذين أى ناد فيهم وأعلهم .

٣٧٣
٦٨٧ - حدثنا أبو كُرَيْبٍ أخبرنا حُسَيْنٌ الْجُعِىُّ عن زَائِدَةَ عن سِمَاكِ
ابنِ حَرْبٍ تَحْوَهُ .
قال أبو عيسى : حديثُ ابنِ عباسٍ فِيهِ اخْتِلاَفٌ. وَرَوَى سُفْيَانُ
الثَّوْرِىُّ وَغَيْرُهُ عن ◌ِمَاكِ بنِ حَرْبٍ عن عِكْرِمَةَ عن النبيُّ صلى الله عليه وسلم
مُرْسَلاَ وأكثرُ أصحابٍ سِمَاكِ رَقَوْا عن سَِّاكٍ عن عِكْرِمَةَ عن النبيِّ صلى اللهُ
عليه وسلم مُرْسَلاً.
والعملُ على هذا الحديثِ عند أكثر أهلِ العلم ، قالوا تُقْبَلُ شَهادَةُ
رَجُلٍ وَاحِدٍ فى الصِّيَامِ. وبِهِ يَقولُ ابنُ الْمَبَارَكِ والشَّافِىُّ وأحمدُ . وقال
إسحاقُ: لايُصَامُ إلَّ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ وَلَمْ يَخْتَلِفِْ أهلُ العلمِ فِى الإفطَارِ
أَنَّهُ لا يُنْبَلُ فِيهِ إلاَّ شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ .
قوله : ( وأكثر أصحاب سماك رووا عن سماك عن النبى صلى الله عليه وسلم
مرسلا) وقال النسائى: إنه أولى بالصواب، وسماك إذا تفرد بأصل لم يكن حجة ،
كذا الحافظ فى التلخيص . وقال فى بلوغ المرام : رواه الخمسة وصححه ابن خزيمة
وابن حبان ورجح النسائى إرساله انتهى .
قوله : (وبه يقول ابن المبارك والشافعى ) أى فى أحد قوليه . قال النووى:
وهو الأصح (وأحمد ) وبه قال أبو حنيفة رحمه الله: وهو قول الجمهور كما صرح
به الحافظ فى الفتح، واستدلوا بحديث الباب وبحديث ابن عمر رضى الله عنه قال:
تراءى الناس الهلال فأخبرت النبى صلى الله عليه وسلم أنى رأيته فصام وأمر الناس
بصيامه ، رواه أبو داود وصححه ابن حبان والحاكم (وقال إسحاق: لا يصام إلا بشهادة
رجلين ) وبه قال مالك والليث والأوزاعى والثورى والشافعى فى أحد قوليه ،
واستدلوا بحديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أنه خطب فى اليوم الذى شك
فيه فقال : ألا إنى جالست أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألتهم أنهم
حدثونى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته
وأنسكوا لها ، فإن غم عليكم فأتموا ثلاثين يوماً ، فإن شهد شاهدان مسلمان
فصوموا وأفطروا. رواه أحمد والنسائى ولم يقل فيه ومسلمان((قال الشوكانى فى النيل:

٣٧٤
٤ - بابُ مَا جَاءَ شَهْرَا عِيدٍ لا يَنْقُصَانِ
٦٨٨ - حدثنا يَحْتِ بنُ خَلَفِ البَصْرِىُّ أخبرنا بِشْرُ بنُ المَفَضّلِ عن
خالدِ الَّذَّاءِ عن عبدِ الرحمنِ بن أبى بَكْرَةَ عن أبيهِ قال : قال رسولُ اللهِ
صلى اللهُ عليه وسلم (( شَهْرَا عِيدٍ لا يَنْقُصَانِ: رمَضَانُ وذو الِجَّةِ)).
ذكره الحافظ فى التلخيص ولم يذكر فيه قدحا وإسناده لا بأس به على اختلاف فيه
انتهى . واستدلوا أيضاً بحديث أمير مكة الحارث بن حاطب قال: عهد إلينا رسول
الله صلى الله عليه وسلم أن نفسك للرؤية فإن لم تره وشهد شاهدا عدل نسكنا
بشهادتهما، رواه أبو داود والدار قطنى وقال هذا إسناد متصل صحيح .
وأجاب من قال بقبول شهادة رجل فى الصيام عن هذين الحديثين بأن التصريح
بالإثنين غاية ما فيه المنع من قبول الواحد بالمفهوم ، وحديث ابن عباس وحديث
ابن عمر المذكورين يدلان على قبوله بالمنطوق ودلالة المنطوق أرجح (ولم يختلف
أهل العلم فى الإفطار أنه لا يقبل فيه إلا شهادة رجلين) قال النووى فى شرح مسلم:
لا تجوز شهادة عدل واحد على هلال شوال عند جميع العلماء إلا أبا ثور بجوزه
بعدل انتهى. واحتجوا بما رواه الدار قطنى والطبرانى فى الأوسط من طريق طاؤس
قال شهدت المدينة وبها ابن عمر وابن عباس فجاء رجل إلى واليها وشهد عنده على
رؤية هلال شهر رمضان فسأل ابن عمر وابن عباس عن شهادته فأمراه أن يجيزه
وقالا : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أجاز شهادة واحد على رؤية هلال رمضان
وكان لا يجيز شهادة الإفطار إلا بشهادة رجلين ، قال الدارقطنى : تفرد به حفص
ابن عمر الأيلى وهو ضعيف .
فإن قلت : هذا الحديث ضعيف فكيف يصح الاحتجاج به على عدم جواز
شهادة رجل واحد فى الإفطار .
قلت : أصل الاحتجاج بحديث عبدالرحمن بن زيد وحديث الحارث بن حاطب
المذكورين ، فإن قوله صلى الله عليه وسلم: فإن شهد شاهدان مسلمان فصوموا
وأفطروا فى حديث عبد الرحمن بن زيد ، وقوله : فإن لم تره وشهد شاهدا عدل
نسكنا بشهادتهما فى حديث الحارث يدلان بمفهومهما على عدم جواز شهادة رجل
واحد فى الإفطار ولا يعارضه منطوق بل منطوق حديث ابن عمر وابن عباس
وإن كان ضعيفاً يؤيدهما .

٣٧٥
ءِ
قال أبو عيسى : حديثُ أبِى بَكْرَةَ حديثٌ حسنٌ .
وقد رُوِىَ هذا الحديثُ عن عبد الرحمنِ بنِ أبى بَكْرَةَ عن النبى
صلى اللهُ عليه وسلم مُرْسَلاً.
قال أحمدُ : مَعْنَى هذا الحديثِ (( شَهْرا عِيدٍ لا يَنْقُصَانِ)) يقولُ :
لاَ يَنْقُصَانِ ،َمَا فِى سَنَةِوَاحِدَةٍ شَهْرُ رَمَضَانَ وَذُوا لِجَّةٍ إِنْ نقَصَ أَحَدُهُمَ ثَمَّالْآخَرُ.
وقال إسحاقُ: مَعْنَاهُ لا يَنْتُصَانِ، يَقُولُ وإِنْ كانَ تِسْعاً وعِشْرِينَ
فَهُوَ تَمَامٌ غَيْرُ نُقْصَانِ . وعلى مَذْهَبٍ إسحاقَ يَكُونُ يَنْقُصُ الشَّهْرَانِ مَاً
فى سَنَةٍ واحِدَةٍ .
باب ما جاء ((شهرا عيد لا ينقصان))
قوله : (رمضان وذو الحجة بدلان وبيانان أطلق على رمضان أنه شهر عيد
لقربه من العبيد، ونظير قوله صلى اللّه عليه وسلم: المغرب وتر النهار، أخرجه
الترمذى من حديث ابن عمر ، وصلاة المغرب ليلية جهرية وأطلق كونها وتر النهار
لقربها منه . قاله الحافظ .
قوله: (حديث أبى بكرة حديث حسن) وأخرجه الشيخان فالظاهر أنه صحيح
(قال أحمد) أى ابن حنبل رحمه الله (إن نقص أحدهما تم الآخر ) أى إن جاء
أحدهما تسعاً وعشرين جاء الآخر ثلاثين (وقال إسماق) أى ابن راهوبه رحمه الله
وإن كان تسعاً وعشرين فهو تمام غير نقصان أى فهو تام فى الفضيلة غير ناقص
(وعلى مذهب إسحاق يكون ينقص الشهران معا فى سنة واحدة) أى على مذهب إسحاق
يجوز أن ينقصا معاً فى سنة واحدة وفى صحيح البخارى : وقال أبو الحسن : كان
إسحاق بن راهويه يقول : لا ينقصان فى الفضيلة إن كان تسعة وعشرين أو ثلاثين
انتهى. وذكر ابن حبان لهذا الحديث معنيين: أحدهما ما قال إسحاق، والآخر
أنهما فى الفضل سواء لقوله فى الحديث الآخر : ما من أيام العمل فيها أفضل من
عشر ذي الحجة ، وقيل معناه لا ينقصان فى عام بعينه وهو العام الذى قال فيه
صلى الله عليه وسلم تلك المقالة. وقيل: المعنى لا ينقصان فى الأحكام، وبهذا جزم
البيهقى وقبله الطحاوى فقال معنى لا ينقصان أى الأحكام فيهما وإن كانتا تسعة

٣٧٦
٩ - بابُ ماجَاءٍ لِكُلِّ أَهْلٍ بَلَدِ رُؤْ يَتْهُمْ
٦٨٩ - حدثنا عَلِىُّ بن حُجْرٍ أخبرنا إسماعيلُ بنُ جَعْفَرِ أخبرنا محمدُ بنُ
أبِى حَرْمَلَةَ أَخْبَرَ فِى كُرَيْبٌ ((أنَّ أُمَّ الفَضْلِ بِنْتَ الحَارِثِ بَشَتْهُ إِلى مُعَاوِيَةً
بالشَّامِ، قال: فَقَدِمْتُ الشَّامَ فَتَضَيْتُ حَاجَتَهَا واسْمِل عَلَىَّ هِلاَلُ رَمَضَانَ
وأنا بالشَّامِ فرأَيْنَا الهِلَالَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، ثمَّ قَدِمْتُ المَدِينَةَ فى آخِرِ الشهْرِ
فَأَلَنِ ابْنُ عَّاسٍ ثُمَّ ذكَرَ الِلاَلَ فقالَ مَى رَأْيُمُ الِلاَلَ؛ فَقُلْتُ :
رَأَيْنَاهُ لْلَةَ الْجُمُعَةِ، فقال: أَنْتَ رَأَيْتَهُ لَيْلَةَ الْجُمعَةِ؟ فَقُلْتُ رَآهُ النَّاسُ
فَصَأْمُوا وَصَامَ مُعَاوِيَةُ ، فَقَالَ: لَكِنْ رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ فَلا نَزَالُ نَصُومُ
وعشرين متكاملة غير ناقصة عن حكمهما إذا كانا ثلاثين وقيل معناه لا ينقصان
فى نفس الأمر لكن ربما حال دون رؤية الهلال مانع، وهذا أشار إليه ابنحبان
أيضاً ولا يخفى بعده . وقيل معناه لا ينقصان معا فى سنة واحدة على طريق الأكثر
الأغلب وإن ندر وقوع ذلك ، وهذا أعدل ما تقدم لأنه ربما وجد وقوعهما
ووقوع كل منهما تسعة وعشرين . هذا تلخيص ما قاله الحافظ فى فتح البارى .
وقال النووى فى شرح مسلم: الأصح أن معناه لا ينقص أجرهما والثواب
المرتب عليهما وإن نقص عددهما ، وقيل معناه لا ينقصان جميعاً فى سنة واحدة
غالباً ، وقيل لا ينقص ثواب ذى الحجة عن ثواب رمضان لأن فيه المناسك حكاه
الخطابى وهو ضعيف، والأول هو الصواب المعتمد، ومعناه أن قوله صلى الله
عليه وسلم : من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ، وقوله:
من قام رمضانا إيماناً واحتساباً ، وغير ذلك ، فكل هذه الفضائل تحصل سواء
تم عدد رمضان أم نقص انتهى .
قلت : الظاهر هو ما قاله النووى والله تعالى أعلم .
باب ما جاء لكل أهل بلد رؤيتهم
قوله : ( بعثته) أى كريبا (واستهل على رمضان) بضم التاء من استهل قاله
النووى يعنى بصيغة المجهول ( فرأينا الهلال) وفى رواية مسلم: فرأيت الهلال
(فقال أنت رأيته ليلة الجمعة فقلت رآه الناس وصاموا وصام معاوية) وفى رواية

٣٧٧
حتى نُكْمِلَ ثلاثِينَ يَوْماً أو نَرَاهُ، فَقُلْتُ ألا تَكْتِفِى بِرُؤْيَةِ مُعَاوِيَةَ
وِصِيَامِهِ؟ قال: لا هَكَذَا أَمَرَنا رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم)).
قال أبو عيسى : حديثُ ابنِ عبَّاسٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ.
والعملُ على هذا الحديثِ عندَ أهلِ العلمِ أنَّ لِكُلِّ أَهْلِ بَلَّدٍ رُؤْ يَتَهُمْ.
مسلم : فقال أنت رأيته ؟ فقلت: نعم ورآه الناس وصاموا وصام معاوية (فقال
لكن رأيناه) أى فقال ابن عباس: لكن رأيناه (حتى نكمل) من الإكمال
أو التكميل (فقلت ألا تكتفى برؤية معاوية وصيامه قال لا الخ) هذا بظاهره يدل
على أن لكل أهل بلد رؤيتهم ولا تكفى رؤية أهل بلد لأهل بلد آخر قال النووى
فى شرح مسلم: والصحيح عند أصحابنا أن الرؤية لا تعم الناس بل تختص عن قرب
على مسافة لا تقصر فيها الصلاة ، وقيل إن اتفق المطلع لزمهم وإن اتفق الإقليم
وإلا فلا . وقال بعض أصحابنا : تعم الرؤية فى موضع جميع أهل الأرض ، فعلى
هذا تقول : إنما لم يعمل ابن عباس بخبر كريب لأنه شهادة فلا تثبت بواحد، لكن
ظاهر حديثه أنه لم يرده لهذا وإنما رده لأن الرؤية لا يثبت حكمها فى حق البعيد انتهى.
قوله : ( حديث ابن عباس حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم .
قوله: (والعمل على هذا عند أهل العلم أن لكل أهل بلد رؤيتهم) ظاهر كلام
الترمذى هذا أنه ليس فى هذا اختلاف بين أهل العلم والأمر ليس كذلك .
قال الحافظ فى الفتح: قد اختلف العلماء فى ذلك على مذاهب : أحدها لأهل
كل بلد رؤيتهم ، وفى صحيح مسلم منحديث ابن عباس ما يشهد له ، وحكاه ابن
المنذر عن عكرمة والقاسم وسالم وإسحاق ، وحكاه الترمذى عن أهل العلم ولميحك
سواه ، وحكى الماوردى وجهاً الشافعية .
ثانيها : مقابله إذا رؤى ببلدة لزم أهل البلاد كلها وهو المشهور عندالمالكية،
لكن حكى ابن عبد البر الإجماع على خلافه ، وقال أجمعوا على أنه لا تراعى الرؤية
فيما بعد من البلاد كخراسان والأنداس . قال القرطبى : قد قال شيوخنا إذا كانت
رؤية الهلال ظاهرة قاطعة بموضع ثم نقل إلى غيرهم بشهادة اثنين لزمهم الصوم .
وقال ابن الماجشون : لا يلزمهم بالشهادة إلا لأهل البلد الذى ثبتت فيه الشهادة
إلا أن يثبت عند الإمام الأعظم فيلزم الناس كلهم لأن البلاد فى حقه كالبلد الواحد

٣٧٨
إذ حكمه نافذ فى الجميع . وقال بعض الشافعية: إن تقاربت البلاد كان الحكم واحداً
وإن تباعدت فوجهان لا يجب عند الأكثر ، واختار أبو الطيب وطائفة الوجوب،
وحكاه البغوى عن الشافعى وفى ضبطه البعد أوجه : أحدها اختلاف المطالع ،
قطع به العراقيون والصيدلانى وصححه النووى فى الروضة وشرح المهذب ثانيها مسافة
القصر قطع به الإمام البغوى وصححه الرافعى فى الصغير والنووى فى شرح مسلم ،
ثالثها اختلاف الأقاليم ، رابعها حكاه السرخسى فقال: يلزم كل بلد لا يتصور خفائة
عنهم بلا عارض دون غيرهم، خامسها قول ابن ماجشون المتقدم. انتهى كلام الحافظ .
قلت : حديث ابن عباس الذى يشهد القول الأول أخرجه الجماعة إلا البخارى
وابن ماجة عن كريب أن أم الفضل بعثته إلى معاوية بالشام فقال فقدمت الشام
فقضيت حاجتها واستهل على رمضان وأنا بالشام فرأيت الهلال ليلة الجمعة ، ثم قدمت
المدينة فى آخر الشهر فسألنى عبدالله بن عباس ثم ذكر الهلال. فقال متى رأيتم الهلال؟
فقلت رأيناه ليلة الجمعة ، فقال أنت رأيته ؟ فقلت نعم ورآه الناس وصامواوصام
معاوية ، فقال لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل الثلاثين أو تراه،
فقلت ألا تكتفى برؤية معاوية وصيامه ؟ فقال : لا هكذا أمرنا رسول الله
صلى الله عليه وسلم.
قال الشوكانى فى النيل بعد ذكر الأقوال التى ذكرها الحافظ ما لفظه : وحجة
أهل هذه الأقوال حديث كريب هذا، ووجه الاحتجاج به أن ابن عباس لم يعمل
برؤية أهل الشام وقال فى آخر الحديث : هكذا أمرنا رسول صلى الله عليه وسلم،
فدل ذلك على أنه قد حفظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لا يلزم أهل بند
العمل برؤية أهل بلد آخر . واعلم أن الحجة إنما هى فى المرفوع من رواية ابن
عباس لا فى اجتهاده الذى فهم عنه الناس والمشار إليه بقوله : هكذا أمرنا
رسول الله صلى اللهعليه وسلم هو قوله: فلا تزالنصوم حتی نکمل ثلاثین،والأمر
الكائن من رسول الله صلى الله عليه وسلم هو ما أخرجه الشيخان وغيرهما بلفظ:
لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فأكملوا العدة
ثلاثين ، وهذا لا يختص بأهل ناحية على جهة الإنفراد بل هو خطاب لكل من
يصلح له من المسلمين ، فالاستدلال به على لزوم رؤية أهل بلد لغيرهم من أهل البلاد
أظهر من الاستدلال به على عدم اللزوم ، لأنه إذا رآه أهل بلد فقد رآه المسلمون
فيلزم غيرهم ما لزمهم ، ولو سلم توجه الإشارة فى كلام ابن عباس إلى عدم لزوم رؤية
٠

٣٧٩
١٠ - بابُ ما جَاءَ ما يُسْتَحَبُ عَلَيْهِ الإفْطَارُ
٦٩٠ - حدثنا محمدُ بن ◌ُمَرَ بنِ علىِّ المقدَّمِىُّ أخبرنا سَعِيد بنِ عَامِي
أخبرنا شعْبَةُ عن عبدِ العزيزِ بِن ◌ُبَيْبٍ عن أنسِ بِنِ مالكٍ قال : قال
رسولُ اللهِ صلى الله عليهوسلم ((مَنْ وَجَدَ تَراً فَلُغْطِرْ عَلَيْهِ ومَنْ لاَ فَلْيُغْطِرْ
على مَاءٍ فإِنَّ الماءَ طَهُورٌ )).
: أهل بلد لأهل بلد آخر، لكان عدم اللزوم مقيداً بدليل العقل وهو أن يكون بين
القطرين من البعد ما يجوز معه اختلاف المطالع . وعدم عمل ابن عباس برؤية أهل
الشام مع عدم البعد الذى يمكن معه الاختلاف عمل بالاجتهاد وليس بحجة ،
ولو سلم عدم لزوم التقييد بالعقل فلا يشك أن الأدلة قاضية بأن أهل الأقطار يعمل
بعضهم بخبر بعض وشهادته فى جميع الأحكام الشرعية والرؤية من جملتها ، وسواء
كان بين القطرين من البعد ما يجوز معه اختلاف المطالع أم لا ، فلا يقبل التخصيص
إلا بدليل . ولو سلم صلاحية حديث كريب هذا للتخصيص فينبغى أن يقتصر فيه
على محل النص إن كان النص معلوماً أو على المفهوم منه إن لم يكن معلوماً لو رووه
على خلاف القياس ، ولم يأت ابن عباس بلفظ النبى صلى الله عليه وسلم ولا بمعنى
لفظه حتى ننظر فى عمومه وخصوصه ، إنما جاء بصيغة مجملة أشار بها إلى قصة هى عدم
عمل أهل المدينة برؤية أهل الشام على تسليم أن ذلك المراد ، ولم تفهم منه زيادة
على ذلك حتى نجعله مخصصاً لذلك العموم ، فينبغى الاقتصار على المفهوم من ذلك
الوارد على خلاف القياس وعدم الإلحاق به ، فلا يجب على أهل المدينة العمل برؤية
أهل الشام دون غيرهم، ويمكن أن يكون فى ذلك حكمة لا تعقلها . ولو تسلم صحة
الإلحاق وتخصيص العموم به ، فغايته أن يكون فى المحلات التى بينها من البعد ما بين
المدينة والشام أو أكثر ؛ وأما فى أقل من ذلك فلا ، وهذا ظاهر فينبغى أن ينظر
ما دليل من ذهب إلى اعتبار البريد أو الناحية أو البلد فى المنع من العمل بالرؤية .
والذى ينبغى اعتماده هو ماذهب إليه المالكية وحكاه القرطى عن شيوخه أنه إذا
رآه أهل بلد لزم أهل البلاد كلها ، ولا يلتفت إلى ما قاله ابن عبد البر من أن هذا
القول خلاف الإجماع ، قال لأنهم قد أجمعوا على أنه لا تراعى الرؤيةفما بعدمن البلدان
كخراسان والأندلس ، وذلك لأن الإجماع لا يتم والمخالف مثل هؤلاء الجماعة .
انتهى كلام الشوكانى فتفكر وتأمل .
سے

٣٨٠
وفى البابِ عن سَلْمَانَ بِن ◌َاِي .
قال أبو عيسى: حديث أَسٍ لاَ نَمُ أحداً رَوَاهُ عن شُعْبَةَ مِثْلُ هذا غَيْرُ
سَعِيدٍ بِنِ عَامٍِ. وهو حديثٌ غَيْرُ مَحْفُوظٍ ولاَ نَعْلَمُ لَهُ أَصْلاً مِنْ حديثِ عبدِ العزيزِ
ابْنِ صُهَيْبٍ عِن أَنَسٍ. وقد رَوَىَ أَصْحَابُ شُعْبَةَ هَذَا الحَدِيثَ عن شُعْبَةً عن عامِمٍ
الأَحْوَلِ عن حَقْصَةَ ابْنَةَ سِيرِينَ عن الرَّبَابِ عِنْ سَلْكَانَ بنِ عَامٍِ عن النبيِّ صلى
اللهُ عليه وسلم. وهذا أَصْحٌ مِنْ حديثٍ سَعِيدٍ بِنِ عَامِرٍ . وهَكَذَا رَوَوْا عن
شُعْبَةَ عن عَاصِمٍ عن حَقْصَةَ ابْنَةَ سِيرِينَ عن سَلْمَانَ بنِ عَامِرٍ ولم يَذْكُرْ
فِيهِ شُعْبَةُ عن الرَّبَابِ. والصَّحِيحُ مارَوَى سُفَيَانُ الثورىُ وابنُ مَُيْنَةَ
وغَبْرُ واحِدٍ عن عَاصِمِ الأَحْوَلِ عن حَنْصَةَ بِذْتِ سِيرِينَ عن الرَّبَابِ عن
سَلْمَانَ بنِ عَامِرٍ . وابنُ عَوْنٍ يقولُ: عن أُمِّالرَّائِ بِنتِ صُلَيْعٍ عن
باب ما جاء ما يستحب عليه الإفطار
قوله: (من وجد تمراً فليفطر عليه) الأمر للندب . قال البخارى فى صحيحه:
باب يفطر بما تيسر بالماء وغيره ، ثم ذكر حديث عبد الله بن أو فى قال: سرنا مع
رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صائم فلما غربت الشمس قال إنزل فاجدح لنا الخ،
قال الحافظ فى الفتح : لعل البخارى أشار إلى أن الأمر فى قوله : من وجد تمراً
فليفطر عليه ومن لا فليفطر على الماء ، ليس على الوجوب ، وقد شذ ابن حزم
فأوجب الفطر على التمر وإلا فعلى الماء انتهى (فإن الماء طهور) أى بالغ فى الطهارة
فيبتدأ به تفاؤلا بطهارة الظاهر والباطن. قال الطبى: لأنه مزيل المانع من أداء العباد
ولذا من اللّه تعالى على عباده ( وأنزلنا من السماء ماء طهورا) كذا فى المرقاة .
قوله: (وفى الباب عن سلمان بن عامر) أخرجه أحمد والترمذى وأبو داود
وابن ماجة والدارمى .
قوله : (وهو حديث غير محفوظ) فإنه تفرد به سعيد بن عامر بروايته عن
شعبة عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس وخالفه أصحاب شعبة فرووه عن شعبة
عن عاصم الأحول عن حفصة بنت سيرين عن سلمان بن عامر ، وكذلك رواه أصحاب
عاصم الأحول كسفيان الثورى وابن عيينة وغيرهما .
قوله : (وابن عون يقول عن أم الرائح بنت صليح الخ) يعنى أن ابن عون