Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
خلف الإمام من حديث أبى هريرة أنه قال إن أدركت القوم ركوعاً لم يعتد بتلك
الركعة. فقال الحافظ: وهذا هو المعروف عن أبى هريرة موقوفاً وأما المرفوع فلا
أصل له . وقال الرافعى تبعاً للإمام إن أبا عاصم العبادى حكى عن ابن خزيمة أنه
احتج به ، وقد حكى هذا المذهب البخارى فى القراءة خلف الإمام عن كل من
ذهب إلى وجوب القراءة خلف الإمام ، وحكاه الحافظ فى الفتح عن جماعة من
الشافعية ، وقواه الشيخ تقي الدين السبكى وغيره من محدثى الشافعية ، ورجحه
المقبلى قال : وقد بحثت هذه المسألة وأحطتها فى جميع بحثى فقهاً وحديثاً فلم أحصل
منها على غير ما ذكرت يعنى من عدم الاعتداد بإدراك الركوع فقط .
واستدل الجمهور على ما ذهبوا إليه بحديث أبى هريرة: من أدرك الركوع من
الركعة الأخيره فى صلاته يوم الجمعة فليضف إليها ركعة أخرى. رواه الدار قطنى من
طريق يسين بن معاذ وهو متروك، وأخرجه الدار قطنى بلفظ : إذا أدرك أحدكم
الركعتين يوم الجمعة فقد أدرك ، وإذا أدرك ركعة فليركع إليها أخرى ، ولكنه
رواه من طريق سليمان بن داود الحرانى ومن طريق صالح بن أبى الأخضر وسليمان
متروك وصالح ضعيف . على أن التقييد بالجمعة فى كلا الروايتين مشعر بأن غير
الجمعة بخلافها ، وكذا بالركعة فى الرواية الأخرى يدل على خلاف المدعى لأن الركمة
حقيقة لجميعها وإطلاقها على الركوع وما بعده مجاز لا يصار إليه إلا لقرينة كما وقع
عند مسلم من حديث البراء بلفظ : فوجدت قيامه فركعته فاعتداله فسجدته ، فإن
وقوع الركعة فى مقابلة القيام والاعتدال والسجود قرينة تدل على أن المراد بها
الركوع . وقد ورد حديث من أدرك ركعة من صلاة الجمعة بألفاظ لا تخلو طرقها
عن مقال ، حتى قال ابن أبى حاتم فى العلل عن أبيه: لاأصل لهذا الحديث إنما المتن
من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدركها ، وكذا قال الدار قطنى والعقيلى ، وأخرجه ابن
خزيمة عن أبى هريرة مرفوعاً بلفظ : من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدركها قبل
أن يقيم الإمام صلبه ، وليس فى ذلك دليل لمطلوبهم لما عرفت من أن مسمى الركعة
جميع أركانها وأذكارها حقيقة شرعية وعرفية وهما مقدمتان على اللغوية. كما تقرر فى
الأصول ، فلا يصح جعل حديث ابن خزيمة وما قبله قرينة صارفة عن المعنى
الحقيقى ، فإن قلت : فأى فائدة على هذا فى التقييد بقوله: قبل أن يقيم صلبه ، قلت:

٢٠٢
٤١٠ - بابُ كَرَاهِيَةِ أن يَنْتَظِرَ الناسُ والإمَامَ
وُهُم قيامُ عندَ افتتاحِ الصّلاةِ
٥٨٩ - حدثنا أحمدُ بن محمدٍ أخبرنا عبدُ اللهِبنُ المبارَكِ أخبرنا مَعْمَرٌ
عن يحيى بن أبى كثيرٍ عن عبدِ الله بن أبى قَتَادَةَ عن أبيه قال : قال
دفع توهم أن من دخل مع الإمام ثم قرأ الفاتحة وركع الإمام قبل فراغه منها غير
مدرك ، وأما استدلال الجمهور بحديث أبى بكرة حيث صلى خلف الصف مخافة أنّ
تفوته الركعة فقال صلى الله عليه وسلم : زادك الله حرصاً ولاقعد ، ولم يأمر بإعادة
الركعة فليس فيه ما يدل على ما ذهبوا إليه، لأنه كما لم يأمر بالإعادة فلم ينقل إلينا
أنه اعتد بها. والدعاء بالحرص لا يستلزم الاعتداد بها، لأن الكون مع الإمام
مأمور به سواء كان الشىء الذی یدرکه المؤتم معتداً به أم لا كما فى حديثه : إذا
جئتم إلى الصلاة ونحن سجود فاسجدوا ولا تعدوها شيئاً ، رواه أبو داودوغيره
على أن النبى صلى الله عليه وسلم قد نهى أبا بكرة عن العود إلى مثل ذلك، والاستدلال
بشىء قد نهى عنه لا يصح. كذا ذكر الشوكانى فى النيل.
قلت : واستدل من ذهب إلى أن مدرك الركوع لا يكون مدركا للركعة إذا
فاته القيام وقراءة فاتحة الكتاب بحديث : لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب
وما فى معناه ، وبحديث: ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا، قال الحافظ فى
الفتح: قد استدل به على أن من أدرك الإمام راكماً لم يحتسب له تلك الركعة للأمر
بإتمامه ما فاته لأنه فاته القيام والقراءة فيه ، ثم قال : حجة الجمهور حديث
أبى بكرة انتهى .
قلت : القول الراجح عندى قول من قال: إن من أدرك الإمام واكما لم
يحتسب له ذلك الركعة وأما حديث أبى بكرة فواقعة عين ، فتفكر . هذا ماعندى
والله تعالى أعلم .
باب كراهية أن ينتظر الناس الإمام وهم قيام عند افتتاح الصلاة
قوله : ( حدثنا أحمد بن محمد ) بن موسى أبو العباس السمسار المعروف
بمردويه ثقة حافظ .

٢٠٣
رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ((إذا أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَلا تَتُومُوا حتى تَرَوْنِى
خَرَجْتُ)).
قولة : ( إذا أقيمت الصلاة ) أى إذا ذكر ألفاظ الإقامة ( فلا تقوموا حتى
ترونى خرجت) أى من الحجرة الشريفة فقوموا ، قال الحافظ فى الفتح : قال
مالك فى الموطأ : لم أسمع فى قيام الناس حين تقام الصلاة بحد محدود إلا أنى أرى
ذلك على طاقة الناس ، فإن منهم الثقيل والخفيف ، وذهب الأكثرون إلا أنهم إذا
كان الإمام معهم فى المسجد لم يقوموا حتى تفرغ الإقامة ، وعن أنس أنه كان
يقوم إذا قال المؤذن قد قامت الصلاة ، رواه ابن المنذر وغيره ، وكذا رواه سعيد
ابن منصور من طريق أبى إسحاق عن أصحاب عبد الله وعن سعيد بن المسيب قال:
إذا قال المؤذن: الله أكبر وجب القيام، وإذا قال حى على الصلاة عدلت الصفوف،
وإذا قال لا إله إلا الله كبر الإمام. وعن أبى حنيفة يقومون إذا قال حى على
الفلاح ، فإذا قال قد قامت الصلاة كبر الامام ، وأما إذا لم يكن الإمام فى المسجد
فذهب الجمهور إلى أنهم لا يقومون حتى يروه ، وخالف من ذكرنا على التفصيل
الذى شرحنا ، وحديث الباب حجة عليهم وفيه جواز الإقامة والإمام فى منزله
إذا كان يسمعها وتقدم إذنه فى ذلك . قال القرطبى : ظاهر الحديث أن الصلاة
كانت تقام قبل أن يخرج النبي صلى الله عليه وسلم من بيته، وهو معارض لحديث
جابر بن سمرة: أن بلالا كان لا يقيم حتى يخرج النبى صلى الله عليه وسلم، ويجمع
بينهما بأن بلالا كان يراقب خروج النبي صلى الله عليه وسلم فأول ما يراه يشرع
فى الإقامة قبل أن يروه ، ثم إذا رأوه قاموا فلا يقوم فى مقامه حتى تعتدل صفوفهم.
وأما ما: واه أبو داود وغيره من حديث أبى هريرة أن الصلاة كانت تقام لرسول
الله صلى الله عليه وسلم فيأخذ الناس مقامهم قبل أن يجىء النبى صلى الله عليه وسلم
فيجمع بينه وبين حديث أبى قتادة بأن ذلك ربما وقع لبيان الجواز ، وبأن
صنيعهم فى حديث أبى هريرة كان سبب النهى عن ذلك فى حديث أبى قتادة .
وأنهم كانوا يقومون ساعة تقام الصلاة ولو لم يخرج النبى صلى الله عليه وسلم،
فتهاهم عن ذلك لاحتمال أن يقع له شغل يبطى فيه عن الخروج فيشق عليهم انتظاره
انتهى كلام الحافظ باختصار .
1

٢٠٤
وفى البابِ عن أنسٍ . وحديثُ أَنَسٍ غيرُ مَحْفُوظٍ .
قال أبو عيسى : حديثُ أبى قتادَةً حَديثُ حَسَنٌ صحيحٌ . وقد كَرِهَ
قَوْمٌ مِن أهلِ العلمِ مِنْ أصحابِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وغيرِ هم أن ينْتَظِرَ
الناسُ الإمامَ وهم قِيَامَ.
وقال بعضُهم : إذا كانَ الإمامُ فى المسجدِ وأُقِيَمَتِ الصلاةُ فإنما
يقومُونَ إذا قال المؤذِّنُ: قد قامَتِ الصلاةُ . وهو قولُ ابنِ المبارَكِ .
قوله : (وفى الباب عن أنس ) لم أقف على من أخرجه . وفى الباب أيضاً
عن أبى هريرة أن الصلاة كانت تقام لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيأخذ الناس
مصافهم قبل أن يأخذ النبى صلى الله عليه وسلم مقامه ، أخرجه مسلم وأبو داود ،
وعنه أيضاً قال أقيمت الصلاة وعدلت الصفوف قياماً قبل أن يخرج إلينا النبى
صلى الله عليه وسلم نخرج إلينا ، الحديث أخرجه الشيخان .
قوله: ( حديث أبى قتادة حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعة إلا ابن ماجة
ولم يذكر البخارى فيه قد خرجت .
قوله : (وقال بعضهم: إذا كان الإمام فى المسجد وأقيمت الصلاة فإنما يقومون
إذا قال المؤذن قد قامت الصلاة ، قد قامت الصلاة ، وهو قول ابن المبارك)
لم أر فى هذا حديثاً مرفوعاً صحيحاً، نعم فيه أثرأنس أنه كان يقوم إذا قال المؤذن
قد قامت الصلاة وقد تقدم فى عبارة الحافظ ، وفيه حديث مرفوع ضعيف رواه
الطبرانى فى الكبير من طريق حجاج بن فروخ عن عبد الله بن أوفى قال : كان
رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال بلال: قد قامت الصلاة نهض فكبر، ذكر.
الحافظ الهيشمى فى مجمع الزوائد وقال: حجاج بن فروخ ضعيف جداً .

٢٠٥
٤١١ - بابُ ما ذُكِرَ فى الثناءِ على اللّهِ والصلاةِ
على النبيُّ صلى الله عليه وسلم قبلَ الدِّهَاءِ
٥٩٠ - حدثنا محمودُ بن غَيْلانَ أخبرنا يحيى بن آدمَ أخبرنا أبو بكر
ابن ◌َّشٍ عن عاصمٍ عِنْ زِرِّ عن عبدِ اللهِ قال: ((كُنْتُ أُصَلَّ والنبيُّ صلى اللهُ
عليه وسلم وأبُو بَكَرٍ وُمَرُ معه، فلما جَلَسْتُ بَدَأْتُ بالثناء على اللهِ ثم
الصّلاةِ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ثم دَعوتُ لنَفْسِ، فقال النبىُ
صلى الله عليه وسلم: سَلْ تُعْطَهُ. سَلْ تُعْطَهْ)).
وفى البابِ عن فَضَالَةَ بنِ عُبَيْدٍ .
باب ما ذكر فى الثناء على الله
والصلاة على النبى صلى الله عليه وسلم قبل الدعاء
قوله: (أخبرنا يحيى بن آدم ) بن سليمان السكر فى أبو زكريا ثقة حافظ فاضل
من كبار التاسعة مات سنة ٢٠٣ ثلاث وماتتين (أخبرنا أبو بكر بن عياش)
الأسدى الكوفى مختلف فى اسمه والصحيح أنه لا اسم له إلا كنيته، ثقة عابد إلا أنه
لما كبر ساء حفظه وكتابه صحيح من السابعة قاله الحافظ فى مقدمة الفتح والتقريب
(عن عاصم ) بن بهدلة صدوق له أوهام حجة فى القراءة وحديثه فى الصحيحين
مقرون ( عن زر) بكسر الزاى المعجمة وتشديد الراء المهملة ابن حبيش بمهملة
وموحدة ومعجمة مصغراً ثقة جليل مخضرم (عن عبد اللّه) هو ابن مسعود.
قوله: (كنت أصلى) أى الصلاة ذات الأركان بدليل قوله الآتى فلما جلست
(والنبى صلى الله عليه وسلم) أى حاضر أو جالس ونحوه قاله الطيبى (وأبو بكر
وعمر معه) جملة أخرى معطوفة على الجملة الأولى وهى حال من فاعل أصلى ( سل
تعمله) الهاء إما للسكت كقوله حسابيه وإما ضمير للمسئول عنه لدلالة سل عليه.
قوله: (وفى الباب عن فضالة بن عبيد) قال بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم

٢٠٦
قال أبو عيسى: حديثُ عبدِ الله حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وَرَوَى أحمدُ بن خَنْلٍ عن يحيى بنِ آدمَ هذا الحديثَ مختَصَراً .
٤١٢ - بابُ مَاذُكِرَ فِى تَطْسِيبِ المسَاجِدِ
٥٩١ - حدثنا محمدُ بن حاتمٍ البغدادىْ أَخبرنا عامر بن صالح
الزُّ بَيْرِىُّ أخبرنا هِشَامُ بن ◌ُرْوَةَ عن أبيه عن عائشةَ قالت: (( أمر النبيُّ
صلى الله عليه وسلم بِغَاءِ المسَاجِدِ فى الدُّورِ وأنْ ◌ُنَظَّفَ وتُطَيَّبَ)).
قاعد إذا دخل رجل فصلى فقال اللهم اغفر لى وارحمنى فقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم عملت أيها المصلى إذا صليت فقعدت فاحمد الله بماهو أهله وصل على ثم ادعه،
قال: ثم صلى رجل آخر بعد ذلك فحمد الله وصلى عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال
له النبى صلى الله عليه وسلم: أيها المصلى أدع تجب، رواه الترمذى، وروى أبو داود
والنسائى نحوه كذا فى المشكاه .
قوله: (حديث عبد الله حديث حسن صحيح) وأخرجه ابن ماجه .
باب ما ذكر فى تطييب المساجد
قوله : ( حدثنا محمد بن حاتم البغدادى) الذى أبو جعفر الخراسانى ثم
البغدادى ثقة ، روى عنه الترمذى والنسائى ووثقه (أخبر ناعامر بن صالح الزبيرى)
قال فى التقريب : عامر بن صالح بن عبد الله بن عروة بن الزبير القرشى الزبيرى
المدنى نزل بغدادمتروك الحديث ، أفرطفيه ابن معين فكذبه وكان عالماً بالأخبار
من الثامنة .
قوله : ( أمر النبي صلى الله عليه وسلم ببناء المساحد فى الدور ) فسر سفيان
ابن عيينة الدور بالقبائل كما فى الرواية الآتية . وقال فى المرقاة: هو جمع دار
وهو اسم جامع البناء والعرضية والمحلة ، والمراد المحلات فإنهم كانوا يسمون المحلة
التى اجتمعت فيها قبيلة دارا، أو محمول على اتخاذ بيت فى الدار للصلاة كالمسجد

٢٠٧
٥٩٢ - حدثنا هنادٌ أخبرنا عَبْدَةُ ووَكيعٌ عن هِشاٍ بن مُروةً عن
أبيهِ أنَّ النبيُّ صلى اللهُ عليه وسلمٍ أَمَرٍ فَذَكرَ نحوهُ . وهذا أَصَحْ مِن
الحديثِ الأُوَّلِ .
٥٩٣ - حدثنا ابنُ أبى ◌ُمرَ أخبرنا سُفْيانُ بن ◌ُيَيْنَةً عن هِشَاءٍ
ابن مُروةَ عن أبيهِ أنّ النبيَّ صلى الله عليه وسلمٍ أُمَر فذكرَ نحَوَدُ .
قال سفيانُ ببناءِ المساجدِ فى الدُوْرِ يعنى القَبَائِلَ .
يصلى فيه أهل البيت. قاله ابن الملك ، والأول هو المعول وعليه العمل. وحكمة
أمره لأهل كل محلة ببناء مسجد فيها أنه قد يتعذر أو يشق على أهل حلة الذهاب
للأخرى فيحرمون أجر المسجد وفضل إقامة الجماعة فيه فأمروا بذلك ليتيسر لأهل
كل محلة العبادة فى مسجدهم من غير مشقة تلحقهم .
وقال البغوى: قال عطاء: لما فتح الله تعالى على عمر رضى الله عنه الأمصار
أمر المسلمين بيناء المساجد وأمرهم أن لا يبنوا مسجدين يضار أحدهما الآخر ،
ومن المضارة فعل تفريق الجماعة إذا كان هناك مسجد يسعهم فان ذاك سن توسعته
أو اتخاذ مسجد يسعهم انتهى ما فى المرقاة (وأن تنظف ) بالتاء والياء بصيغة
الجهول أى تطهر كما فى رواية ابن ماجة ، والمراد تنظيفها من الوسخ والدنس والنتن
والنراب (وتطيب) بالتاء والياء أى بالرش أو العطر، ويجوز أن يحمل التطبيب
على التجمير فى المسجد . قال فى المرقاة : قال ابن حجر : وبه يعلم أنه يستحب
تجمعر المسجد بالبخور خلافا لمالك حيث كرهه ، فقد كان عبد الله يجمر المجد
إذا قعد عمر رضى الله عنه على المنبر، واستحب بعض السلف التخليق بالزعفران
والطيب، وروى عنه عليه السلام فعله ، وقال الشعبي هو سنة . وأخرج ابن أبى
شيبة أن ابن الزبير لما بنى الكعبة طلى حيطانها بالمسك . وأنه يستحب أيضاً
كنس المسجد وتنظيفه ، وقد روى ابن أبى شيبة أنه عليه السلام كان يتبع غبار
المسجد بجريدة انتهى ما فى المرقاة .

٢٠٨
٤١٣ - بابُ ما جاءَ أنَّ صلاةَ اللَّيْلِ والنهارِ مَثْنَى مَثْنَى
٥٩٤ - حدثنا محمدُ بن بَشَارِ أخبرنا عبدُ الرحمنِ بن مهدىٌّ أخبرنا
شعبةُ عن بَعْلَى بن عطاءٍ عن علىَّ الأزْدِىِّ عن ابنِ عُمَر عن النبيِّ صلى الله
عليه وسلم قال ((صلاةُ اللّيْلِ والنّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى)).
قال أبو عيسى: اختلفَ أصحابُ شُعْبَةَ فى حديثٍ ابن ◌ُمَرَ ، فرِفَعَهُ
بعضُهُم ووقَفَهَ بعضُهُمِ .
وَرُوِىَ عن عبدِ اللهِ الْعُمَرِىِّ عن نافعٍ عن ابنِ ثُمَ عن النبيِّ صلى الله
عليه وسلم نحوُ هذا .
قوله: (وهذا) أى هذا الحديث المرسل بغير ذكر عائشة (أصح من الحديث
الأول) لأن فى سنده عامر بن صالح وهو ضعيف وقد تفرد بروايته مرفوعاً .
والحديث أخرجه أيضاً أبو داود وابن ماجة وابن حبان فى صحيحه .
باب ما جاء أن صلاة الليل والنهار مثنى مثنى
قوله ( عن على الأزدى ) هو ابن عبد اللّه البارقى صدوق ربما أخطأ من
الثالثة ( قال صلاة الليل والنهار مثنی مثنی) قد فسر ابن عمر رضى الله عنه راوی
الحديث معثى مثنى مثنى ، فعند مسلم من طريق عقبة بن حريث قلت لابن عمر :
ما معنى مثنى مثنى ؟ قال : تسلم من كل ركعتين؛ وفيه رد على من زعم من الحنفية
أن معنى مثنى مثنى أن يتشهد بين كل ركعتين ، لأن راوى الحديث أعلم بالمراد به:
وما فسره به هو المتبادر إلى الفهم لأنه لا يقال فى الرباعية مثلا إنها مثنى مثنى .
قوله (وروى عن عبد اللّه العمرى) هو عبد الله بن عمر بن حفص بن
عاصم بن عمر بن الخطاب المدنى ضعيف عابد ( عن نافع عن ابن عمر عن النبى
صلى الله عليه وسلم نحو هذا ) أى نحو حديث على الأزدى المذكور

٢٠٩
والصحيحُ ما روِىَ عن ابنِ عُمَرَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال
( صلاةُ الليْلِ مَثْنَى مَثْنَى )) .
A
ورَوَى الَّقَاتُ عن عبدِ اللهِ بن ◌ُمَرَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم ،
ولم يذكرُوا فيه صلاةَ النَّارِ .
وقد رُوِىَ عن عُبَيْدِ اللهِ عن نافعٍ عن ابن ◌ُمَرَ أنه كان يُصَلّى بالليلِ
مَثْنَى مَثْنَى ، وبالنهارِ أربعاً .
( والصحيح ما روى عن ابن عمر عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: صلاة الليل
مثنى مثنى) أى بغير ذكر النهار ، وكذا هو فى الصحيحين (وروى الثقات عن عبدالله
ابن عمر عن النبى صلى الله عليه وسلم ولم يذكروا فيه صلاة النهار) قال الحافظ فى الفتح
إن أكثر الأئمة أعلوا هذه الزيادة وهى قوله (( والنهار، بأن الحفاظ من أصحاب ابن
عمر رضى الله عنه لم يذكروها عنه، وحكم النسائى على راويها بأنه أخطأ فيها:
وقال يحيى بن معين : من على الأزدی حتى أقبل منهانتهى (وقد روى عن عبيدالله
عن نافع عن ابن عمر أنه كان يصلى بالليل مثنى مثنى وبالنهار أربعا) أخرج
الطحاوى بإسناده عن جبلة بن سحيم عن عبد الله بن عمر أنه كان يصلى قبل الجمعة
أربعا لا يفصل بينهن بسلام ثم بعد الجمعة ركعتين ثم أربعا ، قال الطحاوى :
فاستحال أن يكون ابن عمر يروى عن النبى صلى الله عليه وسلم ماروى عنه البارقى
ثم يفعل خلاف ذلك انتهى .
وقال الحافظ ابن عبد البر فى التمهيد بإسناده عن ابن معين إنه قال: صلاة
النهار أربع لا تفصل بينهن ، فقيل له إن ابن حنبل يقول: صلاة الليل والنهار
مثنى مثنى ، فقال: بأى حديث ؟ فقيل له : بحديث الأزدى عن ابن عمر ، فقال:
ومن على الأزدى حتى أقبل هذا منه وأدع يحيى بن سعيد الأنصارى عن نافع
عن ابن عمر أنه كان يتطوع بالنهار أربعا لا يفصل بينهن ؟ لو كان حديث الأزدى
(١٤ - تحفة الأحوذي - ٣)

٢١٠
وقد اختلفَ أهلُ العلمِ فى ذلكَ ، فرأى بعضُهم أن صَلاةَ الليلِ مَثْنَى
مَثْنَى، وهو قولُ الشافعىِّ وأحمدَ. وقال بعضُهم: صلاةُ الليلِ مَثْنَى
مَثْنَى، ورأَوْا صلاةَ النَّطَوُّعِ بالنهارِ أربعاً مثلَ الأربعِ قبلَ الظهرِ وغيرِها
من صَلاةِ التَّطَوْءِ . وهو قولُ سفيانَ الثورىِّ وابنِ المبارَكِ وإسحاقَ.
صحيحاً لم يخالفه ابن عمر انتهى ، وقال الحافظ : روى ابن وهب باسناد قوى عن
ابن عمر قال : صلاة الليل والنهار مثنى مثنى موقوفا أخرجه ابن عبد البر من
طريقه فلعل الأزدى اختلط عليه الموقوف بالمرفوع فلا تكون هذه الزيادة صحيحة
على طريقة من يشترط فى الصحيح أن لا يكون شاذاً انتهى .
قوله ( وقد اختلف أهل العلم فى ذلك فرأى بعضهم صلاة الليل والنهار مثنى
مثنى ، وهو قول الشافعى وأحمد) وهو مذهب الجمهور . قال الحافظ فى الفتح :
اختار الجمهور التسليم من كل ركعتين فى صلاة الليل والنهار ، وقال الأثرم عن
أحمد : الذى أختاره فى صلاة الليل مثنى مثنى فإن صلى بالنهار أربعاً فلا بأس
انتهى كلام الحافظ . واستدل الجمهور بحديث على الأزدى المذكور فى الباب وقد
عرفت ما فيه ( وقال بعضهم : صلاة الليل مثنى مثنى ورأوا صلاة التطوع بالنهار
أربعاً مثل الأربع قبل الظهر وغيرها من صلاة التطوع ، وهو قول سفيان الثورى
وابن المبارك وإسحاق ) استدلوا على ذلك بمفهوم حديث ابن عمر: صلاة الليل
مثنى مثنى ، قالوا إنه يدل بمفهومه على أن الأفضل فى صلاة النهار أن تكون
أربعاً .
وتعقب بأنه مفهوم لقب وليس بحجة على الراجح ، وعلى تقدير الأخذ بـ
فليس بمنحصر بأربع وبأنه خرج جوابا للسؤال عن صلاة الليل ، فقيد الجواب
بذلك مطابقة للسؤال . واستدلوا أيضاً بحديث أبى أيوب الأنصارى عن النبى
صلى الله عليه وسلم قال أربع قبل الظهر ليس فيهن تسليم تفتح هن أبواب السماء،
رواه أبو داود فى سنته والترمذى فى الشمائل. وفيه أن هذا الحديث ضعيف فإن
فى سنده عبيدة بن معتب وهو ضعيف ، قال أبو داود بعد روايته ما لفظه :

٢١١
بلغنى عن يحيى بن سعيد القطان قال: لو حدثت عن عبيدة بشىء لحدثت عنه
بهذا الحديث ، قال أبو داود : عبيدة ضعيف انتهى، وقال المنذرى : عبيدة
هذا هو ابن معتب الضبى السكوفى لا يحتج بحديثه انتهى .
فإن قلت: عبيدة لم يتفرد برواية هذا الحديث بل تابعه بكير بن عامر البجلى
عن إبراهيم والشعبى عن أبى أيوب الأنصارى عند محمد ابن الحسن فى الموطأ .
قلت : نعم لكن بكير بن عامر البجنى أيضاً ضعيف ، قال الحافظ فى
التقريب : بكير بن عامر البجلى أبو إسماعيل الكوفى ضعيف من السادسة انتهى.
واستدلوا أيضاً بأثر إبراهيم النخعى قال : كانوا لا يفصلون بين أربع قبل الظهر
بتسليم إلا بالتشهد ولا أربع قبل الجمعة ولا أربع بعدها ، رواه محمد بن الحسن فى
الحجج ، وفيه أن إبراهيم النخعى لم يلق أحداً من الصحابة إلا عائشة ولم يسمع
منها وأدرك أناساً ولم يسمع منه. قاله أبو حاتم فالذين كانوا لا يفصلون بين أربع
هم التابعون فلا حجة فى هذا الأثر .
وقال أبو حنيفة: صلاة الليل والنهار أربع أربع واستدل له بحديث عائشة:
ما كان يزيد فى رمضان ولا فى غيره على إحدى عشرة ركعة يصلى أربعاً فلا تسأل
عن حسنهن وطولهن، ثم أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، الحديث . قال ابن
الهمام : فهذا الفصل يفيد المراد وإلا لقالت ثمانياً فلا تسأل عن حسنهن
وطوهن
قلت : اختلاف الأئمة فى هذه المسألة إنما هو فى الأولوية، والأولى عندى
أن تكون صلاة الليل مثنى مثنى، وأما صلاة النهار فإن شاء صلى أربعاً بسلام
واحد أو بسلامين . أما الأول فلما قال محمد بن نصر فى قيام الليل ما لفظه: وقد
صح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه أوتر بخمس لم يجلس إلا فى آخرها، إلى
غير ذلك من الأحاديث الدالة على الوصل إلا أنا نختار أن يسلم من ركعتين لكونه
أجاب به السائل، ولكون أحاديث الفصل أثبت وأكثر طرقا انتهى . وأما
الثانى فلحديث على الأزدی المذكور ولحديث أبى أيوب المذكور، وفيهما کلام کما
عرفت. هذا ما عندى والله تعالى أعلم .

٢١٢
٤١٤ -- بابُ
كَيْفَ كانَ يَتَطَوَّعُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بالنَّهَارِ
٥٩٥ - حدثنا محمودُ بن غَيْلاَنَ أخبرنا وَهْبُ بن جَرِيرٍ أخبرنا شُعْبَةُ
عن أبى إِسْحَاقَ عن عاصمٍ بن ضَمْرَةً قال: ((سأَلْنَا عليًّا عن صَلاةِ
رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِن النهارِ، فقال: إنكم لا تُطِيقُونَ ذلكَ
فَقُلْنَا: مَن أَطاقَ ذلكَ مِّنَّا . فقال كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا
كانت الشَّسُ من ههناكَهَيْئَتِها مِن ههنا عندَ الغصْرِ صلَّى ركعتين، وإذا
باب كيف كان يتطوع النبى صلى الله عليه وسلم بالنهار
قوله ( عن عاصم بن ضمرة ) السلولى الكوفى صدوق قاله الحافظ .
قوله ( فقال إنكم لا تطيقون ذلك ) أى الدوام والمواظبة على ذلك ، وعند
ابن ماجة فى آخر هذا الحديث : وقل من يداوم عليها (فقلنا من أطاق ذلك منا)
خبره محذوف أى أخذه وفعله ، وفى رواية ابن ماجة : فقلنا أخبرنا به نأخذ منه
ما استطعنا ( إذا كانت الشمس من ههنا) زاد فى رواية ابن ماجة : يعنى من قبل
المشرق (كهيتها من ههنا ) يعنى من قبل المغرب كما فى رواية ابن ماجة
(عند العصر صلى ركعتين) والحاصل أنه إذا ارتفعت الشمس من جانب المشرق
مقدار ارتفاعها من جانب المغرب وقت العصر صلى ركعتين وهى صلاة الضحى
وقيل هى صلاة الإشراق ، واستدل به لأبى حنيفة على أن وقت العصر
بعد المثلين .
قلت : إن كان المراد من صلاة الإشراق الصلاة التى كان يصلها التى صلى الله
عليه وسلم بعد ما طلعت الشمس فظاهر أن هذه الصلاة غير صلاة الإشراق ، وإن
كان المراد من صلاة الإشراق غيرها فلا يصح الاستدلال فتفكر . وقد سمى
صاحب إنجاح الحاجة هذه الصلاة الضحوة الصغرى ، والصلاة الثانية الآتية فى

٢١٣
كانت الشّمْسُ مِنْ ههنا كَهَيْفَتِها مِن ههنا عندَ الظُهر صَلَّى أربعاً، ويُصَلّى
قبلَ الظّهرِ أربعاً وبعدها ركعَتَيْنِ ، وقبلَ العصْرِ أربعاً يَفْصِلُ بِينَ كُلِّ
ركعَتَيْنٍ بالتسليمِ على الملائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ والَّبِيِّينَ والمرْسَلِين ومَن
تَبِعَهُمْ مِنَ الموُّمِنِينَ والمسْلمينَ)).
٥٩٦ - حدثنا محمد بن المَثَنَّى أخبرنا محمد بن جَعْفَر أخبرنا شُعْبَةُ
عن أبى إسحاقَ عن عاصمٍ بِن ضَمْرَةً عن علىَّ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم
نحوَه .
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حَسَنٌ .
الحديث الضحوة الكبرى حيث قال : هذه الصلاة فى الضحوة الصغرى وهو وقت
الاشراق وهذا الوقت هو أوسط وقت الإشراق وأعلاها ، وأما دخول وقته
فبعد طلوع الشمس وارتفاعها مقدار ربح أو رمحين حين قصير الشمس بازغة
ويزول وقت الكراهة ، وأما الصلاة الثانية فهى الضحوة الكبرى انتهى ( وإذا
كانت الشمس من ههنا ) أى من جانب المشرق (كهيئتها من ههنا) أى من جانب
المغرب ( عند الظهر صلى أربعا ) وهى الضحوة الكبرى ويفصل بين كل ركعتين
بالتسليم على الملائكة المقربين والنبيين والمرسلين ومن تبعهم من المؤمنين والمسلمين)
قال العراقى: حمل بعضهم هذا على أن المراد بالفصل بالتسليم التشهد لأن فيه السلام
على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى عباد الله الصالحين، واله إسحاق بن إبراهيم ، فإنه
كان يرى صلاة النهار أربعا، قال وفيما أوله عليه بعد . انتهى كلام العراقى .
قلت : قد ذكر الترمذى هذا الحديث مختصراً فى باب ما جاء فى الأربع قبل
العصر وذكر هناك قول إسحاق بن إبراهيم : ولا بعد عندى فيما أوله عليه ، بل هو
الظاهر القريب بل هو المتعين ، إذ النبيون والمرسلون لا يحضرون الصلاة حتى
ينويهم المصلى بقوله السلام عليكم ، فكيف يراد بالتسليم تسليم التحلل من
الصلاة : هذا ما عندى والله تعالى أعلم .

٢١٤
وقال إسحاقُ بن ابراهيمَ: أحْسَنُ شَىءٍ رُوِىَ فى تَطَوُّعِ النبيِّ صلى الله
عليه وسلم بالنهارِ هذا .
ورُوِىَ عن ابنِ المبارَكِ أنه كان يُضَعَّفُ هذا الحديثَ.
قال فى المرقاة : قال البغوى : المراد بالتسليم التشهد دون السلام ، أى وسمى
تسليما على من ذكر لاشتماله عليه وكذا قاله ابن الملك . قال الطيبى: ويؤيده حديث
عبد الله بن مسعود: كنا إذا صلينا قلنا السلام على اللّه قبل عباده السلام على
جبرئيل ، وكان ذلك فى التشهد انتهى ما فى المرقاة .
وأما قول ابن حجر المكى : لفظ الحديث يأبى ذلك، وإنما المراد بالتسليم
فيه للتحلل من الصلاة فيسن للمسلم منها أن ينوى بقوله السلام عليكم من على يمينه
وعلى يساره وخلفه من الملائكة ومؤمنى الإنس والجن انتهى.
ففيه أنه يلزم على هذا التقدير مسنونا للمصلى أن ينوى النبيين والمرسلين أيضاً
بقوله السلام عليكم ، والحال أن النبيين والمرسلين لا يحضرون الصلاة ولا يكونون
على يمين المصلى ولا على يساره وخلفه فتأمل .
قوله ( هذا حديث حسن) وأخرجه ابن ماجة والنسائى .
قوله ( قال إسحاق بن إبراهيم) بن مخلد الخنظلى أبو محمد بن راهويه المروزى
ثقة حافظ مجتهد قرين أحمد بن حنبل ( أحسن شىء روى فى تطوع النبى صلى الله
عليه وسلم بالنهار هذا) أى هذا الحديث لعله أراد بكونه أحسن شيء فى تطوعه
صلى الله عليه وسلم بالنهار باعتبار أنه مشتمل على ست عشرة ركعة دون غيره
من الأحاديث والله تعالى أعلم ، زاد ابن ماجة بعد رواية هذا الحديث قال وكيع:
زاد فيه أبى فقال حبيب بن أبى ثابت : يا أبا إسحاق ما أحب أن لى بحديثك هذا
ملء مسجدك هذا ذهباً انتهى .
(وروى عن ابن المبارك أنه كان يضعف هذا الحديث ) الظاهر أن تضعيفه
إنما هو من جهة عاصم بن ضمرة فإنه مختلف فيه فى روايته عن على رضى الله عنه

٢١٥
وإِنَّمَا ضَعَّفَهُ عندَنا، واللهُ أعلمُ لأنه لا يُرْوَى مِثْلُ هذا عن النبيِّ صلى اللهُ
عليه وسلم إلاَّ مِن هذا الوجهِ عن عاصمِ بن ضَمْرَةً عن علىّ. وعاصمُ بن
ضَعْرَةَ هوثِقَةٌ عندَ بعضٍ أَهلِ الحديثِ .
قال على بن الَدِيَّى : قال يحيى بن سعيدٍ القَطَّانُ . قال سفيانُ: كُنَّا
نَعْرِفُ فَضْلَ حديثِ عاصمٍ بن ضَمْرَةً على حديثِ الحَازَثِ .
كما ستعرف ( وإنما ضعفه عندنا والله أعلم لأنه لا يروى مثل هذا عن النبي صلى
الله عليه وسلم إلا من هذا الوجه عن عاصم بن ضمرة عن على وعاصم بن ضمرة هو
ثقة عند بعض أهل الحديث الخ) قال الذهبى فى الميزان: عاصم بن ضمرة صاحب
على وثقه ابن معين وابن المدينى ، وقال أحمد : هو أعلى من الحارث الأعور وهو
عندى حجة ، وقال النسائى ليس به بأس: وأما ابن عدى فقال ينفرد على علىّ
بأحاديث والبلية منه . وقال أبو بكر بن عياش: سمعت مغيرة يقول : لم يصدق
فى الحديث على على إلا أصحاب ابن مسعود . وقال ابن حبان : روى عنه
أبو إسحاق والحكم ردىء الحفظ فاحش الخطأ يرفع عن على قوله كثيرا فاستحق
الترك على أنه أحسن حالا من الحارس .
وقال الجوزجاني : روى عنه أبو إسحاق تطوع النبي صلى اللّه عليه وسلم
ست عشرة ركعة ركعتين عند الثالثة من النهار ثم أربعا قبل الزوال ثم أربعاً بعده
ثم ركعتين بعد الظهر ثم أربعاً قبل العصر ، فيا عباد الله أما كان الصحابة وأمهات
المؤمنين يحكون هذا إذ هم معه فى دهرهم ، يعنى أن عائشة وابن عمر وغيرهما
حكوا عنه خلاف هذا وعاصم بن ضمرة ينقل أنه عليه السلام كان يداوم على
ذلك. قال ثم غالف الأمة وروى: كان فى خمس وعشرين من الإبل خمس شياه
انتهى كلام الذهبي .

٢١٦
٤١٥ - بابٌ فِى كَرَاهِيَةِ الَّصَلاةِ فى الخُفِ النِّسَاءِ
٥٩٧ - حدثنا محمدُ بن عبدِ الأعلى أخبرنا خالدُ بن الحارثِ عن
أَشْعَثَ وهو ابن عبدِ الملكِ عن محمدِ بن سيرينَ عن عبدِ الله بن شَقِيقٍ
عن عائشةَ قالت ((كان رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم لا يَصَلّى فى ◌ُفٍ
نِسَائِهِ )).
باب فى كراهية الصلاة فى لحف النساء
بضم اللام والحاء جمع لحاف بكسر اللام وهو والملحفة : اللباس الذى فوق
سائر اللباس من دثار البرد ونحوه ، قال فى المحكم كذا فى قوت المغتذى .
قوله ( أخبرنا خالد بن الحارث ) بن عبيد بن سليم الهجيمى أبو عثمان
البصرى ثقة ثبت ( عن أشعث وهو ابن عبد الملك) الحمرانى بضم المهملة بصرى
يكنى أباهافى ثقة فقيه ( عن عبد الله بن شقيق ) العقيلى بالضم بصرى ثقة فيه
نصب من الثالثة كذا فى التقريب .
قوله ( لا يصلى فى لحف نسائه) وفى رواية أبى داود : فى شعرنا أو لحفنا
شك من الراوى . والحديث يدل على مشروعية تجنب ثياب النساء التى هى مظنة
لوقوع النجاسة فيها وكذلك سائر الثياب التى تكون كذلك ، وفيه أيضا أن
الاحتياط والأخذ باليقين جائز غير مستنكر فى الشرع وأن ترك المشكوك فيه من
المتيقن المعلوم جائز وليس من نوع الوسواس، وأما ما ورد أنه صلى الله عليه وسلم
كان يصلى فى الثوب الذى يجامع فيه أهله مالم ير فيه أذى فهو من باب الأخذ
بالمئنة لعدم وجوب العمل بالمظنة كذا فى النيل .
قوله ( هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائى
وابن ماجة .

٢١٧
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ . وقد رُوِىَ فى ذلكَ رُخْصَةٌ
عن النبيِّ الله صلى الله عليه وسلم .
٤١٦ - بابُ ما يجوزُ من الَشْىِ والعَمَلِ فى صلاةِ التطَوِّعِ
٥٩٨ - حدثنا أبو سَلَةً يحيى بن خَلَفِ أخبرنا بِشْرُ بن المُفَضْلِ عن
بُرُدِ بن ◌ِسِنَانِ عن الزُّهْرِىِّ عن عُرْوَةَ عن عائشةَ قالت: ((جِئْتُ
ورسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم يُصَّى فى البيتِ والبابُ عليهِ مُغْلَقُ ،
قوله ( وقد روى فى ذلك رخصة عن النبى صلى الله عليه وسلم) أشار إلى
حديث عائشة رضى الله عنها قالت: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلينا
شعارنا وقد ألقينا فوقه كساء ، فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ
الكساء فلبسه ثم خرج فصلى الغداة الحديث ، رواه أبو داود وروى مسلم وأبو
داود عنها قالت : كان النبى صلى الله عليه وسلم يصلى من الليل وأنا إلى جنبه
وأنا حائض وعلى مرط وعليه بعضه . قال القاضى الشوكانى : كل ذلك يدل على عدم
وجوب تجنب ثياب النساء وإنما هو مندوب فقط عملا بالاحتياط ، وبهذا يجمع
بین الأحاديث انتهى .
باب ما يجوز من المشى والعمل فى صلاة التطوع
قوله (عن برد) بضم الموحدة وسكون الراء (بن سنان) بكسر مهملة وخفة
نون أولى الدمشقى نزيل البصرة مولى قريش صدوق رمى بالقدر. كذا فى التقريب
وقال فى الخلاصة : وثقه ابن معين وأبو حاتم والنسائى .
قوله ( يصلى فى البيت ) وفى رواية النسائى يصلى تطوعا ( والباب عليه مغلق)
فيه أن المستحب لمن صلى فى بيت بابه إلى القبلة أن يغلق الباب عليه ليكون سترة
للمار بين يديه وليكون أستر ، وفى رواية أبى داود: جئت فاستفتحت

٢١٨
فَشَى حتى فَتَحَ لى ثُمَّ رَجَعَ إلى مَكَانِهِ ، ووَصَفَتِ البابَ فِى الْقِبَلَّةَ » .
قال أبو عيسى : هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ .
(فشى حتى فتحلى) قال ابن رسلان: هذا المشى محمول على أنه مشى خطوة أو خطوتين
أو مشى أكثر من ذلك متفرقا. قال الشوكانى : وهو من التقييد بالمذهب
ولا يخفى فساده ( ثم رجع إلى مكانة) وفى رواية أبى داود: إلى مصلاه أى رجع
إلى مكانه على عقبيه ( ووصفت الباب فى القبلة ) أى ذكرت عائشة أن الباب
كان إلى القبلة أى فلم يتحول صلى اللهعليه وسلمعنها عند مجيئه إليه ، ویکون رجوعه
إلى مصلاه على عقبيه إلى خلف . قال الأشرف : هذا قطع وهم من يتوهم أن
هذا الفعل يستلزم ترك استقبال القبلة ولعل تلك الخطوات لم تكن متوالية ،
لأن الأفعال الكثيرة إذا تفاصئت ولم تكن على الولاء لم تبطل الصلاة قال المظهر:
ويشبه أن تكون تلك المشية لم تزد على خطوتين . قال القارى : الإشكال باق
لأن الخطوتين مع الفتح والرجوع عمل كثير فالأولى أن يقال تلك الفعلات
لم تكن متواليات انتهى.
قلت : هذا كله من التقيد بالمذهب ، والظاهر أن أمثال هذه الأفعال فى
صلاة التطوع عند الحاجة لا تبطل الصلاة وإن لم تكن متوالية : قال ابن الملك:
مشيه عليه الصلاة والسلام وفتحه الباب ثم رجوعه إلى مصلاه يدل على أن الأفعال
الكثيرة إذا تتوالى لاتبطل الصلاة ، وإليه ذهب بعضهم انتهى كلامه . قال
القارى : وهو ليس بمعتمد فى المذهب انتهى .
قلت : ما قال ابن الملك هو ظاهر الحديث لكن فى صلاة التطوع عند الحاجة
لا مطلقا، وهو الراجح المعتمد المعول عليه وإن لم يكن معتمدا فى المذهب الحنفى
والله تعالى أعلم.
قوله ( هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائى
وابن ماجة ، وسكت عنه أبو داود ، ونقل المنذرى تحسين الترمذى وأقره .

٢١٩
٤١٧ - بابُ ما ذُكر فى قراءة سور تيْنٍ فی رَكْمَةٍ
٥٩٩ - حدثنا محمودُ بن غَيْلانَ أخبرنا أبو دَاودَ قال أنبأنا شُعْبَةُ عن
الْأعْمَشِ قال: (( سَمِعْتُ أبا وائلٍ قال: سأَلِ رَجُلٌ عبدَ اللهِ عن هذا الحَرْفِ
(غَيْرِ آسِنٍ أو يَاِنٍ ) قال: كُلَّ القرآنِ قرأْتَ غَيْرَ هذا ؟ قال نعم ،
قال: إِنَّ قَوْماً يَقْرَأُونَهُ يَنْتُرُونَهُ نَثْرَ الدَّقَلِ، لا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ،
باب ما ذكر فى قراءة سورتين فى ركعة
قوله (أخبرنا أبو داود) هو الطيالسى .
قوله (سأل رجل ) هو نهيك بفتح النون وكسر الهاء ابن سنان البجلى
(عبد الله) هو ابن مسعود (عن هذا الحرف غير آسن أو ياسن) يعنى هذا
اللفظ بهمزة أو بياء ، وهذا اللفظ وقع فى سورة محمد هكذا ( فيها أنهار من ماء
غير آسن) الآية أى غير متغير ( قال كل القرآن قرأت غير هذا ؟) بتقدير همزة
الاستفهام وبنصب كل على أنه مفعول قرأت بفتح التاء على الخطاب ، أى قال
عبد الله بن مسعود للرجل: أكل القرآن قرأت غير هذا الحرف ( قال نعم)
أى قال الرجل نعم قرأت كل القرآن غير هذا وأحصيته ، وفى رواية لمسلم :
كيف تقرأ هذا الحرف ألفاً تجده أو ياء؟ ( من ماء غير آسن ) أو ( من ماء غير
ياسن) قال فقال عبد الله: وكل القرآن قد أحصيت غير هذا قال: أنى لأقرأ
المفصل فى ركعة ، فقال عبد الله هزاً كهز الشعر، إن أقواما يقرؤن القرآن لا يجاوز
تراقيهم ولكن إذا وقع فى القلب فرسخ فيه تفع. الحديث (ينشرون شر الدقل)
أى يرمون بكلماته من غير روية وتأمل كما يرمى الدقل بفتحتين وهو ردىء التمر
فإنه الرداءته لا يحفظ ويلقى منثوراً وقال فى النهاية : أى كما يتساقط الرطب
اليابس من المذق إذا هز ( لايجاوز تراقيهم ) جمع ترقوة بالفتح وهى العظم بين
النحر والعاتق ، وهو كناية عن عدم القبول والصعود فى موضع العرض . وقال
النووى معناه: أن قوما يقرأون وليس حظهم من القرآن إلا مروره على اللسان
٠,٠

٢٢٠
إِّى لَأَعْرِفُ السُّوَرَ النظَائِرَ التى كان رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم
يَقْرُنُ بَيْنَهُنَّ، فَأَمَرَنَا عَلْقَمَةَ فَأَلَهُ فقال: عشرونَ سورةٌ مِنَ
الْمُفَصَّلِ كَانَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم يَقْرُنُ بَيْنَ كَلِّ سورَ تَبْنٍ فى كلِّ
رَكْمَةً)).
قال أبو عيسى : هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ .
فلا يجاوز تراقيهم ليصل قلوبهم ، وليس ذلك هو المطلوب بل المطلوب تعقله
وتدبره بوقوعه فى القلب (إنى لأعرف السور النظائر) أى السور المتماثلة فى
المعانى كالموعظة أو الحكم أو القصص لا المتماثلة فى عدد الآى . قال المحب الطبرى:
كنت أظن أن المراد أنها متساوية فى العدد حتى اعتبرتها فلم أجد فيها شيئاً متساويا
( يقرن) بضم الراء وكسرها ( قال) أى أبو وائل (فأمرنا علقمة) بن قيس
ابن مالك النخعى أى قال أبو وائل فأمرنا علقمة أن يسأل ابن مسعود عن
السور النظائر (فسأله) أى فسأل علقمة عبد الله بن مسعود (فقال عشرون
سورة من الفصل) وهو من ق إلى آخر القرآن على الصحيح لكثرة الفصل بين
سورة بالبسملة على الصحيح قاله الحافظ ( يقرن بين كل سورتين فى كل ركعة )
أى يجمع بين سورتين منها فى كل ركعة على تأليف ابن مسعود فإنه جمع القرآن
على نسق غير ما جمعه زيد وهى الرحمن والنجم فى ركعة ، واقتربت والحاقة فى
ركعة، والطور والذاريات فى ركعة، وإذا وقعت والنون فى الركعة، والمعارج
والنازعات فى ركعة ، وويل للمطففين وعبس فى ركعة ، والمدثر والمزمل فى ركعة،
وهل أتى ولا أقسم فى ركعة ، وعم والمرسلات فى ركعة ، والدخان وإذا الشمس
فى ركعة ، كذا فى مجمع البحار . قلت : كذلك وقع بيان جمع السور تين فى كل
ركعة فى رواية أبى داود وقال فى آخره تأليف ابن مسعود رحمه الله انتهى.
ويتبين بهذا أن فى قوله عشرون سورة من المفصل فى حديث الباب تجوز لأن
الدخان ليست منه ، قاله الحافظ . وفى الحديث جواز الجمع بين سور تين فى كل
ركعة ، وقدروى أبو داود وصححه ابن خزيمة من طريق عبد الله بن شقيق