Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ سمعتُ محمداً يُقُولُ مَا رَوَى ابنُ أبى
لَيْلَى حَدِ يثا أعَجَبَ إِلىَّ مِن هذا .
٣٨٩ - باب ما جَاءَ فى الجمعِ بينَ الصَّلاتَينِ
٥٥١ - حدثنا قُتَيبَةُ أخبرنا الليثُ بنُ سعدٍ عن يزيدَ بنِ أبي حَبِيبٍ
عن أبى الطُّفَيلِ عنْ معاذٍ بينٍ جميلٍ: (( أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان
فى غزوةٍ تَبُوكَ إِذا ارتَحَل قَبلَ زَيغ الشّمسِ أخرَ الظهرَ إلى أن يجمَعَها إِلى
العصْرِ فُيُصلِّيهِمَا جميعاً وإذا ارتحلَ بعدَ زَيعِ الشَّمْسِ عجَّلَ العصْرَ إلى الظّهرِ
وصلى الظَّهرَ والعَصْرَ جميعًا ثم سارَ وكان إذا ارتحلَ قَبَلَ المغْربِ أخرَ المغرِبَ حتى
يصليَهَا مع العِشاءِ وإِذا ارتحَلَ بعدَ المغرِبِ عَجَلَ العِشَاءُ فَصَلَيْهَا مع المغربِ.
باب ما جاء فى الجمع بين الصلاتين
أی فی السفر
قوله: (عن أبى الطفيل)، اسمه عامر بن واثلة بن عبد الله الليثى، وربما
سمى عمرواً، ولد عام أحد ورأى النبى صلى الله عليه وسلم ، وروى عن أبى بكر
وعمن بعده وعمر إلى أن مات سنة عشر ومائة على الصحيح، وهو آخر من مات
من الصحابة ، قاله مسلم وغيره ، كذا فى التقريب .
قوله : ( كان فى غزوة تبوك) ، غير منصرف على المشهور، وهو موضع
قريب من الشام ( قبل زيغ الشمس ) أى قبل الزوال فإن زيغ الشمس هو ميلها
عن وسط السماء إلى جانب المغرب ، (جل العصر إلى الظهر وصل الظهر والعصر
جميعاً)، فيه دلالة على جواز جمع التقديم فى السفر وهو نص صريح فيه
لا يحتمل تأويلا .

١٢٢
وفى الباب عن علىِّ وابنٍ مُمَرَ وأنسٍ وعبدِ اللهِ بن عمْرٍ و وعائشةَ وابنٍ
عَّاسٍ وَأُسَامَةَ بن زَيدٍ وجابرٍ .
قوله : ( وفى الباب عن على وابن عمر وأنس وعبد الله بن عمرو وعائشة
وابن عباس وأسامة بن زيد وجابر ) ، أما حديث على فأخرجه الدار قطنى عن ابن
عقدة بسند له من حديث أهل البيت وفى إسناده من لا يعرف . وفية أيضاً المنذر
الکابوسی وهو ضعيف ، وروی عبدالله بن أحمد فی زیادات المسند یاسناد آخر
عن على أنه كان يفعل ذلك ، وأما حديث ابن عمر فأخرجه الجماعة إلا ابن ماجة،
وأما حديث أنس فأخرجه الشيخان عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
إذا رحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر ثم نزل يجمع بينهما ،
فإذا زاغت قبل أن يرتحل ، صلى الظهر ثم ركب . وفى رواية لمسلم: كان إذا أراد
أن يجمع بين الصلاتين فى السفر يؤخر الظهر حتى يدخل أول وقت العصر ثم يجمع
بينهما ، قال الحافظ فى فتح البارى : قوله صلى الظهر ثم ركب كذا فيه الظهر
فقط ، وهو المحفوظ عن عقيل فى الكتب المشهورة ، ومقتضاه أنه كان لا يجمع
بين الصلاتين إلا فى وقت الثانية منهما. وبه احتج من أبى جمع التقديم ، لكن
روى إسحاق بن راهويه هذا الحديث عن شبابة فقال : كان إذا كان فى سفر
فزالت الشمس صلى الظهر والعصر جميعاً ثم ارتحل . أخرجه الإسماعيلى.
وأعل بتفرد إسحاق بذلك عن شبابة ثم تفرد جعفر الفريابي به عن إسماق .
وليس ذلك بقادح فإنهما إمامان حافظان انتهى . وقال فى بلوغ المرام بعد
ذكر حديث أنس هذا، وفى رواية الحاكم فى الأربعين بإسناد الصحيح صلى الظهر
والعصر ثم ركب . ولأبى نعم فى مستخرج مسلم : كان إذا كان فى سفر فزالت
الشمس صلى الظهر والعصر جميعاً ثم ارتحل ، انتهى . وقال فى التلخيص: وحديث
أنس رواه الإسماعيلى والبيهقى من حديث إسحاق بن راهويه عن شبابة بن سوار
عن الليث عن عقيل عن الزهرى عن أنس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
إذا كان فى سفر فزالت الشمس صلى الظهر والعصر جميعاً ثم ارتحل . وإسناده

١٢٣
صحيح، قال النووى : وفى ذهنى أن أبا داود أنكره على إسحاق ولكن له متابع
رواه الحاكم فى الأربعين له عن أبى العباس محمد بن يعقوب عن محمد بن إسحاق
الصغانى عن حسان بن عبد الله عن المفضل بن فضالة عن عقيل عن ابن شهاب
عن أنس : أن النبى صلى الله عليه وسلم كان إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر
الظهر إلى وقت العصر ، ثم نزل تجمع بينهما ، فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل
صلى الظهر والعصر ثم ركب . وهو فى الصحيحين من هذا الوجه بهذا السياق وليس
فيهما والعصر وهى زيادة غريبة صحيحة الإسناد ، وقد صححه المنذرى من هذا
الوجه ، والعلائى وتعجب من الحاكم كونه لم يورده فى المستدرك ، وله طريق
أخرى رواها الطبرانى فى الأوسط ثم ذكرها الحافظ بسندها ومتنها ، وأما حديث
عبد الله بن عمرو فلينظر من أخرجه، وأما حديث عائشة فأخرجه الطحاوى
وأحمد والحاكم عنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فى السفر يؤخر
الظهر ويقدم العصر ، ويؤخر المغرب ويقدم العشاء ، وأما حديث ابن عباس
فأخرجه أحمد وآخرون بلفظ : أن النبى صلى اللّه عليه وسلم كان فى السفر
إذا زاغت الشمس فى منزله جمع بين الظهر والعصر قبل أن يركب ، فإذا لم تزغ فى
منزله فى منزله سار حتى إذا حانت العصر نزل لجمع بين الظهر والعصر ، وإذا
حانت له المغرب فى منزله جمع بينها وبين العشاء ، وإذا لم تحن فى منزله ركب
حتى إذا كانت العشاء نزل جمع بينهما. قال الحافظ فى الفتح: فى إسناده حسين
ابن عبد الله الهاشمى وهو ضعيف لكن له شواهد من طريق حماد عن أيوب عن
أبى قلابة عن ابن عباس ، لا أعله إلا مرفوعاً: أنه كان إذا نزل منزلا فى السفر
فأعجبه أقام فيه حتى يجمع بين الظهر والعصر ، ثم يرتحل فإذا لم يتهيأ له المنزل مد
فى السير فسار ، حتى ينزل فيجمع بين الظهر والعصر أخرجه البيهقى ، ورجاله ثقات
إلا أنه مشكوك فى رفعه، والمحفوظ أنه موقوف . وقد أخرجه البيهقى من وجه
آخر مجزوماً بوقفه على ابن عباس ولفظه : إذا كنتم سائرين فذكر نحوه ،
انتهى كلام الحافظ . وأما حديث أسامة بن زيد فأخرجه البخارى ومسلم ، وفيه
بيان الجمع بمزدلفة . وأما حديث جابر وهو جابر بن عبد الله فأخرجه مسلم فى
حديث طويل فى حجة النبي صلى الله عليه وسلم وفيه: ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر
ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئاً .

%g
١٢٤
قال أبو عيسى : ورَوَى علىّ بنُ المِدِينِىِّ عنْ أحمدَ بنِ حَنبلٍ عن ◌ُقَتَيبةً
هذا الحديثَ وحديثُ معاذٍ حديثٌ حَسَنٌ غريبٌ تفرَّدَ بِهِ قتيبةُ لانعرفُ
أحداً رواهَ عن الليثِ غَيرِهُ وحَدِيثُ الليثِ عن يزيدَ بِنِ أبى حبيبٍ عن
عن الطُغيلِ عَن معاذٍ حديثٌ غريبٌ . والمعرُوفُ عِند أهلِ العلم حديثُ مُعاذٍ
من حديث أبى الزُّبيرِ عَن أبى الطفيلِ عن مُماذٍ: (( أن النبيَّ صلى الله عليه
وسلم جَمعَ فِى غزوَةِ تُبُوكَ بين الظهْرِ والعصْرِ وبين المغرِبِ والعِشاءِ ».
رَوَاهُ قَرّةُ بُنْ خَالِدٍ وسفيانُ الثورِىُّ ومالكٌ وغيرُ واحدٍ عن أبى الزُبَيْرِ
المكىِّ وبهذا الحديثِ يقولُ الشافعىُّ وأحمدُ وإِسحاقُ يقولان : لا بأسَ أن
يجمعَ بين الصلادَيْنِ فِى السَّفْرِ فى وقتٍ إحداهما.
قوله: ( وروى عن على بن المدينى عن أحمد بن حنبل هذا الحديث) ، أى
حديث معاذ المذكور فى الباب .
قوله: ( وحديث معاذ حديث حسن غريب تفرد به قتيبة الخ) . قال الحافظ
فی التلخيص بعد نقل كلام الترمذى : هذا وقال أبو داود هذا حديث منکرو ليس
فى جمع التقديم حديث قائم . وقال أبو سعيد بن يونس لم يحدث بهذا الحديث
إلا قتيبة ، ويقال إنه غلط فيه غير بعض الأسماء ، وأن موضع يزيد بن حبيب
أبو الزبير وقال ابن أبى حاتم فى العلل عن أبيه: لا أعرفه من حديث يزيد والذى
عندی أنه دخل له حديث فى حديث . وأطنب الحاكم فى علوم الحديث فی بیان
علة هذا الخبر فيراجع منه . قال وله طريق أخرى عن معاذ بن جبل . أخرجها
أبو داود من رواية هشام بن سعد عن أبى الزبير عن أبى الطفيل ، وهشام مختلف
فيه ، وقد خالفه الحفاظ من أصحاب أبى الزبير كمالك والثورى وقرة بن خالد
وغيرهم ، فلم يذكروا فى روايتهم جمع التقديم انتهى .
قوله: ( وبهذا الحديث يقول الشافعى وأحمد وإسحاق ) قال الحافظ فى الفتح
قال بإطلاق جواز الجمع كثير من الصحابة والتابعين ، ومن الفقهاء الثورى

١٢٥
٥٥٢ -- حدثنا هناد أخبرنا عَبْدَةُ عنْ عُبَيدِ اللهِ بن عُمَرَ عن نافعٍ عن
والشافعى وأحمد وإسحاق وأشهب ، انتهى . يعنى قالوا بجواز الجمع فى السفر مطلقاً ،
سواء كان سائرا أم لا، وسواء كان سيراً مجداً أم لا. قال الحافظ: وقال قوم لا يجوز
الجمع مطلقاً إلا بعرفةومز دلفة. وهو قول الحسن والنخعى وأبى حنيفة وصاحبيه،
انتهى. وقيل: يختص الجمع بمن يجد فى السير . قاله الليث وهو القول المشهور عن
مالك . وقيل : يختص بالمسافر دون المنازل . وهو قول ابن حبيب . وقيل : يختص
بمن له عذر. حكى عن الأوزاعى. وقيل: يجوز جمع التأخير دون التقديم وهو
مروى عن مالك وأحمد وأختاره ابن حزم انتهى . (يقولان لا بأس أن يجمع بين
الصلاتين فى السفر فى وقت إحداهما)، كذا فى النسخ يقولان بصيغة التثنية، والظاهر
أن يقول : يقولون بصيغة الجمع والمعنى يقول الشامى وأحمد وإسحاق يجوز الجمع
بين الصلاتين فى السفر بجمعى التقديم والتأخير ، وهو الحق واستدلوا على جواز
جمع التقديم بحديث معاذ المذكور فى الباب وبحديث أنس وبحديث ابن عباس
وبحديث جابر، وقد ذكرنا ألفاظ هذه الأحاديث ، واستدلوا على جواز جمع
التأخير بحديث ابن عمر الآتى فى هذا الباب ، وبحديث أنس الذى تقدم لفظه .
وأجاب الحنفية عن هذه الأحاديث بأنها محمولة على الجمع الصورى .
ورد هذا الجواب بأن الأحاديث الواردة فى الجمع بعضها نصوص صريحة فى
جمع التقديم ، وفى جمع التأخير . لا تحتمل تأويلا . قال صاحب التعليق الممجد :
حمل أصحابنا يعنى الحنفية الأحاديث الواردة فى الجمع على الجمع الصورى . وقد
بسط الطحاوى الكلام فيه فى شرح معانى الآثار ، لكن لا أدرى ماذا يفعل
بالروايات التى وردت صريحة بأن الجمع كان بعد ذهاب الوقت ، وهى مروية فى
صحيح البخارى وسنن أبى داود وصحيح مسلم وغيرها من الكتب المعتمدة
على ما لا يخفى من نظر فيها ، فإن حمل على أن الرواة لم يحصل التميز لهم ، فظنوا
قرب خروج الوقت ، فهذا أمر بعيد عن الصحابة الناهين على ذلك ، وإن اختير
ترك تلك الروايات بإبداء الخلل فى الإسناد فهو أبعد وأبعد مع إخراج الأئمة لها
وشهادتهم بتصحيحها ، وإن عورض بالأحاديث التى صرحت بأن الجمع كان

١٢٦
ابنٍ مُمَرَ أنه اسْتُغيثَ على بعضِ أهلِ نجدَّ بِهِ السَّيرُ وأَخَّرَ المغربَ حتى غابٌ
بالتأخير إلى آخر الوقت والتقديم فى أول الوقت ، فهو أعجب ، فإن الجمع بينهما
يحملها على اختلاف الأحوال ممكن بل هو الظاهر ، انتهى كلام صاحب التعليق
المجد . وقال إمام الحرمين: ثبت فى الجمع أحاديث نصوص، لا يتطرق إليها تأويل
ودليله من حيث المعنى الاستنباط من الجمع بعرفة ومزدلفة، فإن سببه احتياج
الحاج إليه ، لاشتغالهم بمناسكهم، وهذا المعنى موجود فى كل الأسفار ولم تتقيد
الرخص ، كالقصر والفطر بالنسك إلى أن قال : ولا يخفى على منصف أن الجمع
أرفق من القصر ، فإن القائم إلى الصلاة لا يشق عليه ركعتان يضمهما إلى ركعتيه،
ورفق الجمع واضح لمشقة النزول على المسافر انتهى، كذا نقل كلام إمام الحرمين
الحافظ فى الفتح .
وتعقب الخطابى وغيره على من حمل أحاديث الجمع على الجمع الصوری ، بأن
الجمع رخصة ، فلو كان على ما ذكروه لكان أعظم ضيقاً من الإتيان بكل صلاة
فى وقتها ، لأن أوائل الأوقات وأواخرها بما لا يدركه أكثر الخاصة ، فضلا عن
العامة . ومن الدليل على أن الجمع رخصة قول ابن عباس : أن لا يحرج أمته .
أخرجه مسلم .
قوله : (أنه استغيث على بعض أهله )، أى طلب منه الإغاثة على بعض
أهله ، وذلك أن صفية بنت أبى عبيد زوجة ابن عمر كانت لها حالة الاحتضار .
فأخبر بذلك وهو خارج المدينة ، جد به السير وجل فى الوصول، کذا فى بعض
الحواشى. قلت : فى صحيح البخارى فى باب يصلى المغرب ثلاثاً فى السفر قال
سالم : وأخر ابن عمر المغرب وكان استصرخ على امرأته صفية بنت أبى عبيد الخ.
قال الحافظ فى الفتح : قوله استصرح بالضم أى استغيث بصوت مرتفع وهو
من الصراخ والمصرخ المغيث انتهى . ( بجد به السير ) أى اهتم به وأسرع فيه
يقال جد يجد ويجد بالضم والكسر وجد به الأمر وأجد وجد فيه وأجد إذا اجتهد

١٢٧
الشَّفْقُ ثم نَزَلَ فَجمعَ بينهمَا ثم أخْبَرَهُم أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم
كان يفْلُ ذلِكَ إِذا جَدَّ بِهِ السَّيرُ.
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ .
كذا فى النهاية . ( وأخر المغرب حتى غاب الشفق ثم نزل تجمع بينهما ) ، وفى
رواية البخارى فى باب السرعة فى السير من كتاب الجهاد من طريق أسلم قال
كنت مع عبد الله بن عمر بطريق مكة فبلغه عن صفية بنت أبى عبيد شدة وجع ،
فأسرع السير حتى إذا كان بعد غروب الشفق ثم نزل فصلى المغرب والعتمة جمع
بينهما (كان يفعل ذلك إذا جد به السير ) استدل بهذا الحديث من قال باختصاص
رخصة الجمع فى السفر بمن كان سائرا لا نازلا .
وأجيب بما وقع التصريح فى حديث معاذ بن جبل فى الموطأ ولفظه: أن النبى
صلى الله عليه وسلم أخر الصلاة فى غزوة تبوك، خرج فصلى الظهر والعصر جميعاً،
ثم دخل ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعاً . قال الشافعى فى الأم : قوله دخل
ثم خرج لا يكون إلا وهو نازل فللمسافر أن يجمع نازلا ومسافرا. وقال ابن
عبد البر فى هذا أوضح دليل على الرد على من قال : لا يجمع إلا من جدبه السير
وهو قاطع للالتباس انتهى . وحكى عياض أن بعضهم أول قوله: ثم دخل أى فى
الطريق ثم خرج عن الطريق للصلاة ثم استبعده ولا شك فى بعده ، وكانه صلى اللّه
عليه وسلم فعل ذلك لبيان الجواز وكان أكثر عادته ما دل عليه حديث أنس والله
أعلم. ومن ثم قال الشافعية ترك الجمع أفضل وعن مالك رواية أنه مكروه ، وفى
هذه الأحاديث تخصيص لأحاديث الأوقات التى بينها جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم
وبينها النبى صلى الله عليه وسلم للأعرابى حيث قال فى آخرها : الوقت ما بين
هذين كذا فى الفتح .
قوله: (هذا حديث حسن صحيح)، وأخرجه البخارى وأبو داودوالنسائى
وقد أخرج المسند منه مسلم .

١٢٨
٣٩٠ - بابُ مَا جَاءَ فِى صَلاةِ الاستِقَاءِ
٥٥٣ - حدثنا يحيى بنُ موسى أخبرنا عبدُ الرزاق أخبرنا مَعْمرُ عَن
الزهرىِّ عن عَبَّادِ بن تميمٍ عن عَمَّهُ: (( أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم
خرجَ بالناسِ يَسَتْقِى فَصَّى بِهِمْ رَكَمَتَينِ جَهَرَ بالقراءةِ فيهما وَحوّلَ رِدَاءَ
وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَاسْتَدْقَى واستقَبَلَ القِبْلَةَ .
باب ما جاء فى صلاة الاستسقاء
الاستسقاء لغة طلب سقى الماء من الغير للنفس أو للغير ، وشرعاً طلبه من
الله تعالى عند حصول الجدب على وجه مخصوص، قاله الحافظ: وقال الجزرى
فى النهاية": هو استفعال من طلب السقيا أى إنزال الغيث على البلاد والعباد.
يقال : سقى الله عباده الغيث وأسقاهم والإسم السقيا بالضم واستسقيت فلانا إذا
طلبت منه أن يسقيك انتهى . وقال الرافعى: هو أنواع أدناها الدعاء المجرد
وأوسطها الدعاء خلف الصلوات وأفضلها الاستسقاء بركعتين وخطبتين . والأخبار
وردت بجميع ذلك انتهى .
قوله: (عن عباد بن تميم ) بن غزية الأنصارى المازنى المدنى ثقة من الثالثة،
وقد قيل أن له رواية (عن عمه) قال فى التقريب: اسم عمه عبد الله بن زيد ابن
عاصم وهو أخو أبيه لأمه انتهى .
تنبيه : إعلم أن عمه هو عبد الله بن زيد بن عاصم بن مازن الأنصارى
لا عبد الله بن زيد بن عبدربه الأنصارى الخزرجى الذى رأى الأذان فى المنام.
وهما مختلفان ومن ظنهما واحداً فقد غلط وأخطأ .
قوله: ( خرج بالناس ) ، أى إلى المصلى كما فى رواية الشيخين ( يستسقى)
حال أو استئناف فيه معنى التعليل ( فصلى بهم ركعتين ) فيه دليل على أن الصلاة
فى الاستسقاء سنة. وقال الشافعى وأحمد ومالك والجمهور، وهو قول أبى يوسف
ومحمد. قال محمد فى موطأه. أما أبو حنيفة رحمه الله فكان لا يرى فى الاستسقاء

١٢٩
صلاة ، وأما فى قولنا فإن الإمام يصلى بالناس ركعتين ثم يدعو ويحول
رداءه ، انتهى .
قلت: قول الجمهور هو الصواب والحق لأنه قد ثبت صلاته صلى الله عليه وسلم
ركعتين فى الاستسقاء من أحاديث كثيرة صحيحة .
منها : حديث عبد الله بن زيد المذكور فى الباب وهو حديث متفق عليه ،
ومنها حديث أبى هريرة ، أخرجه أحمد وابن ماجة ، ومنها حديث ابن عباس
أخرجه أصحاب السنن الأربعة ، ومنها : حديث عائشة أخرجه أبو داود وقال:
غريب وإسناده جيد ، ورواه ابن حبان فى صحيحه والحاكم فى المستدرك وقال
حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ، فهذه الأحاديث حجة بينة لقول
الجمهور ، وهى حجة على الإمام أبى حنيفة . قال بعض العلماء فى تعليقه على موطأ
الإمام محمد بعد ذكر هذه الأحاديث ما لفظه : وبه ظهر ضعف قول صاحب
الهداية فى تعليل مذهب أبى حنيفة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استسقى
ولم يرو عنه الصلاة انتهى ، فإنه إن أراد أنه لم يرو بالكلية فهذه الأخبار تكذبه،
وإن أراد أنه لم يرو فى بعض الروايات فغير قادح انتهى . وقد رد على قول
صاحب الهداية المذكور الحافظ الزيلعى فى نصب الراية حيث قال : أما استسقاؤه
عليه السلام فصحيح ثابت ، وأما أنه لم يرو عنه الصلاة فهذا غير صحيح بل صح
أنه صلى فيه ، وليس فى الحديث أنه استسقى ولم يصل ، بل غاية ما يوجد ذكر
الاستسقاء دون ذكر الصلاة، ولا يلزم من عدم ذكر الشىء عدم وقوعه انتهى.
قال العينى فى شرح البخارى : قال أبو حنيفة : ليس فى الاستسقاء صلاة
مسنونة فى جماعة ، فإن صلى الناس وحداناً جاز، إنما الاستسقاء الدعاء والاستغفار،
ثم ذكر أحاديث الاستسقاء التى ليس فيها ذكر الصلاة ثم قال : وأجيب عن
الأحاديث التى فيها الصلاة أنه صلى الله عليه وسلم فعلها مرة وتركها أخرى ،
وذا لا يدل على السنية وإنما يدل على الجواز انتهى، وكذلك قال غير واحد
من العلماء الحنفية .
(٩ - تحفة الاحوذى ٣)

١٣٠
ورده بعض العلماء الحنفية فى تعليقه على موطأ الإمام محمد حيث قال : وأما
ما ذكروا أن النبى صلى الله عليه وسلم فعله مرة وتركه أخرى فلم يكن سنة فليس
بشىء، فإنه لا ينكر ثبوت كليهما مرة هذا ومرة هذا، لكن يعلم من تتبع
الطرق أنه لما خرج بالناس إلى الصحراء صلى فتكون الصلاة مسنونة فى هذه الحالة
بلا ريب ، ودعاءه المجرد كان فى غير هذه الصورة انتهى كلامه . وقال فى حاشية
شرح الوقاية : ولعل هذه الأخبار لم تبلغ الإمام وإلا لم ينكر استنان
الجماعة انتهى .
قلت : هذا هو الظن به والله تعالى أعلم .
فإن قلت: استدل الإمام أبو حنيفة بقوله تعالى: ( استغفروا ربكم إنه كان
غفارا . يرسل السماء عليكم مدراراً) قال : علق نزول الغيث بالاستغفار
لا بالصلاة ، فكان الأصل فيه هو الاستغفار ، فقوله تعالى هذا يدل على سنية
الصلاة فى الاستسقاء .
قلت : قوله تعالى هذا لاينافى سنية الصلاة فى الاستسقاء وليس فيه نفسها ،
وقد ثبت بأحاديث صحيحة أنه صلى الله عليه وسلم صلى مع الناس فى الاستسقاء،
فاستدلاله بقوله تعالى هذا غير صحيح ، ولذلك خالفه أصحابه الإمام محمد وغيره ( جهر
بالقراءة فيهما ) قال النووى فى شرح مسلم : أجمعوا على استحبابه وكذا نقل
الإجماع على استحباب الجهر ابن بطال (وحول رداءه) كيفية تحويل الرداء أن
يأخذ بيده اليمنى الطرف الأسفل من جانب يساره وبيده اليسرى الطرف الأسفل
أيضاً من جانب يمينه ويقلب يديه خلف ظهره بحيث يكون الطرف المقبوض بيده
اليمنى على كتفه الأعلى من جانب اليمين والطرف المقبوض بيده اليسرى على كتفه
الأعلى من جانب اليسار ، فإذا فعل ذلك فقد انقلب اليمين يسارا واليسار يمينا
والأعلى أسفل وبالعكس كذا فى المرقاة . وقال الحافظ فى الفتح: وقد وقع بيان
المراد من ذلك فى زيادة سفيان عن المسعودى عن أبى بكر بن محمد ولفظه : قلب
رداءه جعل اليمين على الشمال، وزاد فيه ابن ماجة وابن خزيمة من هذا الوجه
والشمال على اليمين ، وله شاهد أخرجه أبو داود من طريق الزبيدى عن الزهرى

١٣١
عن عباد بلفظ : جعل عطافه الأيمن على عاتقه الأيسر وعطافه الأيسر على عاتقه
الأيمن ، وله من طريق عمارة بن غزية عن عباد: إستسقى وعليه خميصة سوداء
فأراد أن يأخذ بأسفلها فيجعله أعلاها ، فلما ثقلت عليها قلها على عاتقه . وقد
استحب الشافعى فى الجديد فعل ماهم به صلى الله عليه وسلم من تنكيس الرداء مع
التحويل الموصوف . وزعم القرطبى كغيره أن الشافعى اختار فى الجديد تنكيس
الرداء لاتحويله ، والذى فى الأم ما ذكرته . والجمهور على استحباب التحويل فقط ،
ولا ريب أن الذى استحبه الشافعى أحوط . وعن أبى حنيفة وبعض المالكية
لا يستحب شىء من ذلك انتهى كلام الحافظ .
فائدة فى بيان محل تحويل الرداء . فاعلم أن محله فى أثناء الخطبة حين يستقبل
القبلة للدعاء ، ففي رواية لمسلم خرج إلى المصلى يستسقى وأنه لما أراد أن يدعو
استقبل القبلة وحول رداءه ، وفى أخرى له جعل إلى الناس ظهره يدعو الله
واستقبل القبلة وحول رداءه ، وفى رواية للبخارى : خرج بالناس يستسقى لهم
فقام فدعا الله قائماً ثم توجه قبل القبلة وحول رداءه . قال الحافظ فى الفتح بعد
ذكر هذه الروايات : عرف بذلك أن التحويل وقع فى أثناء الخطبة عند إرادة
الدعاء . وقال فى موضع آخر : محل هذا التحويل بعد فراغ الموعظة وإرادة الدعاء
انتهى. وقال النووى فى شرح مسلم : قال أصحابنا: يحوله فى نحو ثلث الخطبة الثانية
وذلك حين يستقبل القبلة انتهى
فائدة أخرى : قال الحافظ فى الفتح: استحب الجمهور أن يحول الناس بتحويل
الإمام ، ويشهد له مارواه أحمد عن عباد فى هذا الحديث بلفظ: وحول الناس معه .
وقال الليث وأبو يوسف : يحول الإمام وحده فاستثنى ابن الماجشون النساء فقال
لا یستحب فی حقهن انتهى .
قلت فالقول الظاهر المعول عليه هو ماذهب إليه الجمهور .
فائدة أخرى : اختلف فى حكمة هذا التحويل ، جزم المهلب بأنه التفاؤل
بتحويل الحال عما هى عليه .
وتعقبه ابن العربى بأن من شرط الفأل أن لا يقصد إليه قال ، وإنما التحويل

١٣٢
وفى البابِ عن ابنِ عباسٍ وأبى هريرةَ وأَنَسٍ وَآبى الَّحمِ.
قال أبو عيسى : حديثُ عبدِ اللهِ بن زيدٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وعلى هذا العملُ عندَ أهلِ العلمِ وبهِ يقولُ الشافِىٌّ وأحمدُ وإسحاقُ .
واسمُ عَمِّ عَّبَادٍ بن تميمٍ هو عبدُ اللهِ بنُ زيدٍ بنٍ عاصِمِ المازنىُ.
أمارة بينه وبين ربه ، قيل له حول رداءك ليتحول حالك .
و تعقب بأن الذی جزم به يحتاج إلى نقل ، والذى رده ورد فيهحديث رجاله
ثقاة أخرجه الدار قطنى والحاكم من طريق جعفر بن محمد بن على عن أبيه عن جابر
ورجح الدار قطنى إرساله وعلى كل حال فهو أولى من القول بالظن . وقال بعضهم:
إنما حول رداءه ليكون أثبت على عاتقه عند رفع يديه فى الدعاء فلا يكون سنة
فى كل حال ، وأجيب بأن التحويل من جهة إلى جهة لا يقتضى الثبوت على العاق،
فالجمل على المعنى الأول أولى فإن الاتباع أولى من تركه لمجرد احتمال الخصوص كذا
فى الفتح. وفى الدراية والحاكم من حديث جابر وتحول رداءه ليتحول القحط ،
والدار قطنى من حديث أنس وقلب رداءه لأن ينقلب القحط إلى الخصب انتهى .
فالقول المعول عليه فى حكمة التحويل هو ما جزم به المهلب .
قوله (فى الباب عن ابن عباس وأبي هريرة) تقدم تخريج حديثهما (وأنس)
أخرجه الطبرانى فى معجمه الوسط وسيأتى لفظه (وآبى اللحم) أخرجه الترمذى
وأبو داود والنسائى .
قوله ( حديث عبد الله بن زید حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد والبخارى
وأبو داود والنسائى وأخرجه مسلم ولم يذكر الجهر بالقراءة.
قوله ( وعلى هذا العمل عند أهل العلم) أى على ما يدل عليه حديث عبد الله
بن زيد ( وبه يقول الشافعى وأحمد وإسحاق ) وهو قول الجمهور وهو الحق .

١٣٣
٥٥٤ - حدثنا قُتَيْبَةُ أخبرنا اللَّيْثُ عن خالدِ بن يزيدَ عن سعيدِ بن
أبى هلالٍ عن يزيدَ بن عبدِ اللهِ عن عُمَيْرٍ مولى أبى اللحْرِ عن أبى اللحمِ
((أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم عندَ أحْجَارِ الزَيْتِ يَسْتَسْقِى وهو
مُقْنِعُ بِكْنَّيْهِ يَدْعُوْ )).
قال أبو عيسى: كذا قال قُتَيْبَةُ فى هذا الحديث ((عن أبى اللحمِ))
ولا نَعرِفُ لَه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم إلاَّ هذا الحديثَ الْوَاحِدَ .
وعُمَيْرٌ مُولى أبى اللحْمِ قد رَوَى عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أحاديثَ
وله صُحْبَةٌ .
٥٥٥ - حدثنا قُتَيْبَةُ أخبرنا حاتمُ بن إسماعيلَ عن هِشَامِ بن
إسحاقَ وهو ابنُ عبد الله بن كِنَانَةَ عن أبيه قال أرسَلَنِيِ الوَليدُ بن ◌ُعُقْبَةَ
قوله (عن يزيد بن عبد اللّه) بن أسامة بن الهاد الليثى المدنى وثقه ابن معين
والنسائى وهو من رجال الكتب الستة (عن عمير ) بالتصغير ( مولى أبي اللحم)
الغفارى صحابى شهد خبير وعاش إلى نحو السبعين (عن آبى اللحم) بالمد اسم رجل
من قدماء الصحابة سمى بذلك لامتناعه من أكل اللحم أو لحم ماذيح على النصب.
فى الجاهلية ، اسمه عبد الله بن عبد الملك استشهد يوم حنين.
قوله ( عند أحجار الزيت) هو موضع بالمدينة من الحرة سميت بذلك لسواد
أحجارها بها كأنها طليت بالزيت (يستسقى) حال (وهو مقنع بكفيه) أى رافع
کفیه، وفى رواية أبى داود قائماً يدعو يستسقى رافعاً يديه لايجاوز بهما رأسه .
والحديث استدل به لأبى حنيفة رحمه الله على عدم استنان الصلاة فى الاستسقاء
لأنه ليس فيه ذكر الصلاة وقد تقدم الجواب عنه فتذكر .
قوله ( كذا قال قتيبة فى هذا الحديث الخ) والحديث أخرحه أبو داود
والنسائى وسكت عنه أبو داود والمنذرى .
قوله: ( عن هشام بن إسحاق)، المسدنى القرشى ، قال فى التقريب مقبول ،

١٣٤
وهو أَميرُ المدينةِ إلى ابنِ عباسٍ أَسْأَلُهُ عن استقاءِ رسولِ الله صلى الله
عليه وسلٍ، فَأتيتُهُ فقالَ: إن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم خَرَجَ مُتَبَدّلاً
مُتَوَاضِعاً مُتَضَرِّعاً حتى أَنَى المُصَلَّى فِ يَخْطُبْ خُطْبَتْكُمْ هذِهِ ، ولكن
لم يزَلْ فى الدعاءِ والتَضَرْعِ والتكبيرِ، وصلَّى ركمتْنِ كما كانَ يصَلِّى فى
العيد)).
وقال فى الخلاصة قال أبو حاتم شيخ (عن أبيه ) هو إسحاق بن عبد الله بن كنانة.
قال النسائى ليس به بأس ، وقال أبو زرعة ثقة .
قوله : ( خرج منبذة) ، أى لابساً ثياب البذلة تاركا ثياب الزينة ، قال فى
النهاية : التبذل ترك التزين والتهيؤ بالهيئة الحسنة الجميلة على جهة التواضع
(متواضعاً) فى الظاهر (متخشماً) فى الباطن، وقال فى النيل: قوله متخشعاً
أى مظهراً للخشوع ليسكون ذلك وسيلة إلى نيل ما عند الله عز وجل ، وزاد فى
رواية: مترسلا أى غير مستعجل فى مشيه ( متضرعاً) أى مظهراً للضراعة وهى
التذلل عند طلب الحاجة (فلم يخطب خطبتكم هذه ) النفى متوجه إلى القيد لا إلى
المقيد ، كما يدل على ذلك الأحاديث المصرحة بالخطبة ، وفى رواية أبى داود :
فرقى المنبر ولم يخطب خطبتكم هذه . فقوله فرقى المنبر أيضاً يدل على أن النفى متوجه
إلى القيد ، قال الزيلعى فى نصب الراية : قال أحمد : لا تسن الخطبة فى الاستسقاء
واحتجوا له بقوله فلم يخطب خطبتكم هذه، قلنا مفهومه أنه خطب لكنه لم يخطب
خطبتين كما يفعل فى الجمعة ولكنه خطب الخطبة واحدة ، فلذلك ففى النوع ولم
ولم ينف الجنس ، ولم يرو أنه خطب خطبتين فلذلك قال أبو يوسف يخطب خطبة
واحدة ، ومحمد يقول يخطب خطبتين ولم أجد له شاهداً انتهى كلام الزيلى ،
(وصلى ركعتين كما كان يصلى فى العيد ) استدل به الشافعى رحمه الله على أنه
يكبر فى صلاة الاستسقاء كتكبير العيد، وتأوله الجمهور على أن المراد كصلاة
العيد فى العدد والجهر بالقراءة وكونها قبل الخطبة ، واستدل له بما أخرجه الحاكم
والدار قطنى والبيهقى عن محمد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف عن

١٣٥
أبيه عن طلحة قال: أرسلنى مروان إلى ابن عباس أسأله عن سنة الاستسقاء فقال
سنة الاستسقاء سنة الصلاة فى العيدين الحديث ، وفيه وصلى ركعتين كبر فى الأولى
سبع تكبيرات وقرأ سبح اسم ربك الأعلى وقرأ فى الثانية هل أتاك حديث الغاشية
وكبر فيها خمس تكبيرات ، قال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
قال الحافظ الزيلمی : والجواب عنه من وجهين :
أحدهما : ضعف الحديث فإن محمد بن عبد العزيز هذا قال فيه البخارى منكر
الحديث ، وقال النسائى متروك الحديث ، وقال أبو حاتم ضعيف الحديث ليس له
حديث مستقيم .
الثانى : أنه معارض بحديث أخرحه الطبرانى فى معجمه الوسط عن أنس
ابن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استسقى خطب قبل الصلاة واستقبل
القبلة وحول رداءه ثم نزل فصلى ركعتين لم يكبر فيهما إلا تكبيرة . انتهى
كلام الزيلغى .
قلت: قال الحافظ فى الدراية بعد ذكر حديث أنس هذا : ولا حجة فيه فإنها
كانت حينئذ صلاة الجمعة انتهى .
واعلم أنه قد اختلف الأحاديث فى تقديم الخطبة على الصلاة أو العكس ،
ففى حديث أبى هريرة وحديث أنس وحديث عبد الله بن زيد عند أحمد أنه بدأ
الصلاة قبل الخطبة ، وفى حديث عبد الله بن زيد فى الصحيحين وغيرهما ، وكذا
فی حدیث ابنعباس عند أبىداود وحديث عائشة عند أبى داود أنه بدأ بالخطبةقبل
الصلاة و لكنه لم يصرح فیحدیت عبد اللهبن زيد الذى فىالصحیحین أنه خطبوإنما
ذكر تحويل الظهر إلى الناس واستقبال القبلة والدعاء وتحويل الرداء ، قال القرطبى،
يعتضد القول بتقديم الصلاة على الخطبة بمشابهتها للعيد، وكذا ما تقرر من تقديم
الصلاة أمام الحاجة . قال فى الفتح : ويمكن الجمع بين ما اختلف من الروايات فى ذلك
أنه صلى الله عليه وسلم بدأ بالدعاء ثم صلى ركعتين ثم خطب، فاقتصر بعض الرواة على
شىء وعبر بعضهم بالدعاء عن الخطبة فلذلك وقع الاختلاف، والمرجح عند الشافعية
والمالكية الشروع بالصلاة ، وعن أحمد رواية كذلك قال النووى وبه قال الجماهير ،

١٣٦
قال أبو عيسى : هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ .
٥٥٦ - حدثنا محمودُ بن غَيْلانَ أخبرَ نا وَكيعُ عن سفيانَ عن ◌ِهِشامِ
ابن إسحاقَ بن عبدِ اللهِ بنِ كِنَانةَ عن أبيهِ فذكَرَ نَحوَهُ، وزادَ فيهِ
مُتَخَشَّاً)).
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ .
وهو قولُ الشافعىِّ قال يُصَلّى صلاة الاستسقاءِ نحوَ صلاةِ الْعِيدَيْنِ،
يُكَبِّرُ فى الركعةِ الأولىَ سبعاً، وفى الثَّانِيةِ خمساً، واحتَجَّ بحديث ابنِ
عباسٍ .
قال أبو عيسى: ورُوِى عن مالكِ بن أنسٍ أنه قال : لا يُكَبِّرُ
فى صلاةِ الاستِسْقاءِ كما يَكَبِرُ فى صلاةِ العيدَينِ .
وقال الليث بعد الخطبة ، وكان مالك يقول به ثم رجع إلى قول الجماهير . قال قال
أصحابنا: ولو قدم الخطبة على الصلاة صحتا ولكن الأفضل تقديم الصلاة كصلاة العيد
وخطبتها . وجاء فى الأحاديث ما يقتضى جواز التقديم والتأخير . واختلفت الرواية
فى ذلك عن الصحابة انتهى. كذا ذكر القاضى الشوكانى فى النيل ، وقال وجواز
التقديم والتأخير بلا أولوية هو الحق انتهى .
قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجهأبو داود والنسائى، وأخرجه أيضاً
أبو عوانة وابن حبان والحاكم والدار قطنى والبيهقى وصححه أيضاً أبو عوانة وابن حبان.
قوله: (وزاد فيه متخشماً) أى مظهراً للخشوع ليكون ذلك وسيلة إلى نيل
ما عند الله عز وجل ، وزاد فى رواية مترسلا أى غير مستعجل فى مشيه .
قوله : ( وهو قول الشافعى قال يصلى صلاة الاستسقاء نحو صلاة العيدين
يكبر فى الركعة الأولى سبعاً وفى الثانية خمساً، واحتج بحديث ابن عباس) تقدم
الكلام فى ذلك فتذكر ، (وروى عن مالك بن أنس أنه قال : لا يكبر فى صلاة
الاستسقاء كما يكبر فى صلاة العيدين) وهو قول الجمهور. واختلفت الرواية عن
أحمد فى ذلك . وقال داود إنه مخير بين التكبير وتركه .

١٣٧
٣٩١ -- بابٌ فِى صَلاَةِ الكُسُوفِ
٥٥٧ - حدثنا محمدُ بن بَشَّارِ أخبرنا يحيى بنُ سعيدٍ عن سفيانَ عن
حَبيبٍ بن أبى ثَابتٍ عن طاوُسٍ عن ابنِ عباسٍ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم
((أنه صلَّى فى كسوفٍ فَقَرَأْ ثُمَّ رَكَعَ ثم قَرَأْثم رَكَعَ نم قَرَأْثُمَّ رَكَعَ،
ثم سَجَدَ سجِدَ تَيْن، وأَلأخرَى مثلُها)).
قلت : الراجح عندى قول الجمهور فإنه لم يثبت من حديث مرفوع صحيح
صريح أنه يكبر فى صلاة الاستسقاء فى الركعة الأولى سبعاً وفى الثانية خمساً كما يكبر
فى صلاة العيدين . أما حديث ابن عباس الذى أخرجه الترمذى وغيره فليس
بصريح فى ذلك . وأما حديثه الذى أخرجه الحاكم والدار قطنى والبيهقى وقد تقدم،
فقد عرفت أنه ضعيف لا يصلح للاحتجاج والله تعالى أعلم.
باب فى صلاة الكسوف
قال الحافظ فى الفتح : المشهور فى استعمال الفقهاء أن الكسوف الشمس
والخسوف للقمر واختاره ثعلب ، وذكر الجوهرى أنه أفصح وقيل يتعين ذلك،
وحكى عياض عن بعضهم عكسه وغلطه لثبوته بالخاء فى القرآن . وقيل يقال بهما
فى كل منهما وبه جاءت الأحاديث . ولا شك أن مدلول الكسوف لغة غير مدلول
الخسوف لأن الكسوف التغير إلى سواد والخسوف النقصان أى الذل ، فإذا قيل
فى الشمس كسفت أو خسفت لأنها تتغير ولحقها النقص ساغ وكذلك القمر، ولا يلزم
من ذلك أن الكسوف والخسوف مترادفان، وقيل بالكاف فى الابتداء وبالخاء
فى الانتهاء ، وقيل بالكاف لذهاب جميع الضوء وبالخاء لبعضه، وقيل بالخاء
لذهاب کل اللون وبالكاف لتغيره انتهى .
قوله : (أنه صلى فى کسوف فقرأ ثم ركع ثم قرأ ثم ركع ثم قرأ ثم ركع
ثم سجد جدتین الخ) أی رکع فی کل رکمةثلاث ركوعات و جد سجدتین ، والحديث
أخرجه أيضا مسلم ولفظه، ثم قرأ ثم ركع ثم قرأ ثم ركع ثم قرأ ثم ركع ثم قرأ

١٣٨
وفى البابِ عن علىَّ وَعائِشةَ وعبدِ اللهِ بن عَمْرٍ و والنّعَمَانِ بن بَشِيرٍ
والمُغيرةِ بن شُعبةَ وأبى مسْعودٍ وأبى بَكْرَةَ وَسَحُرَةَ وابنِ مِسْعودٍ وأسماءِ ابنةٍ
أبى بكرٍ وابنٍ عُمَرَ وَقَبِيصةَ الِلالىِّ وجابرِ بن عبدِ اللهِ وأبى موسى
وعبدِ الرحمنِ بنِ سَمرُةَ وأبىّ بنِ كَعْبٍ .
ثم ركع وفى لفظ له ثمان ركعات فى أربع سجدات . وأخرج البخارى ومسلم عن
ابن عباس ما يدل على أنه صلى الله عليه وسلم ركع ركوعين فى كل ركعة وسجد
سجدتين ولفظهما : فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام قياماً طويلا نحواً من
قراءة سورة البقرة ثم ركع ركوعاً طويلا ، ثم رفع فقام قياماً طويلا وهو دون
القيام الأول ، ثم ركع ركوعاً طويلا وهو دون الركوع الأول ، ثم سجد ثم قام
قياماً طويلا وهو دون القيام الأول ، ثم ركع ركوعاً طويلا وهو دون الركوع
الأول ، ثم رفع فقام قياماً طويلا وهو دون القيام الأول ، ثم ركع ركوعاً طويلا
وهو دون الركوع الأول ، ثم نجدثم انصرف . وحديث ابن عباس هذا الذى
رواه البخارى ومسلم أصح وأقوى .
وأما حديثه الذى رواه الترمذى وحديثه الذى رواه مسلم فهما من طريق
حبيب بن أبى ثابت عن طاؤس عن ابن عباس قال الحافظ فى التلخيص : قال
ابن حبان فى صحيحه : هذا الحديث ليس بصحيح لأنه من رواية حبيب بن أبى
ثابت عن طاؤس ولم يسمعه حبيب من طاؤس . وقال البيهقى: حبيب وإن
كان ثقة فإنه كان يدلس ولم يبين سماعه فيهمن طاؤس ، وقد خالفه سلمان الأحول
فوقفه انتهى ما فى التلخيص . وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم رکع فى كل
ركعة من صلاة الكسوف ركوعين وسجد سجدتين من عدة أحاديث صحيحة .
قال الرافعى : واشتهرت الرواية عن فعل النبي صلى اللّه عليه وسلم أن فى كل ركعتين
ركوعين انتهى . قال الحافظ فى التلخيص : كذا رواه الأئمة عن عائشة وأسماء
بنت أبى بكر وعبد الله بن عمرو بن العاص وابن عباس وجابر وأبى موسى
الأشعرى وسمرة بن جندب انتهى .
قوله: (وفى الباب عن على وعائشة وعبد الله بن عمرو والنعمان بن بشير والمغيرة
ابن شعبة وأبى مسعود وأبى بكرة وسمرة وابن مسعود وأسماء بنت أبى بكر وابن

١٣٩
عمر وقبيصة الهلالى وجابر بن عبد وأبى الله موسى وعبد الرحمن بن سمرة وأبى
ابن كعب) ، أما حديث على فأخرجه أحمد ولفظه : قال كسفت الشمس فصلى
على الناس فقرأ يس ونموها ثم ركع نحواً من قدر سورة الحديث ، وفيه حتى صلى
أربع ركوعات ثم قال سمع الله لمن حمده ، ثم سجد ثم قام إلى الركعة ، ففعل كفعله
فى الركعة الأولى ، ثم جلس يدعو ويرغب حتى انجلت الشمس ، ثم حدثهم أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك فعل انتهى.
وقال مسلم فى صحيحه بعد رواية حديث ابن عباس بلفظ: صلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم حين كسفت الشمس ثمان ركعات فى أربع سيدات. وعن على
مثل ذلك ولم يذكر مسلم لفظه. وأما حديث عائشة فأخرجه الشيخان وفى آخره
فاستكمل أربع ركعات فى أربع سيدات .
وأما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه الشيخان ولفظه: لما كسفت الشمس
على عهد النبي صلى الله عليه وسلم نودى أن الصلاة جامعة فركع النبى صلى الله
عليه وسلم ركعتين فى سجدة ، ثم قام فركع ركعتين فى سهمدة ثم جلى عن الشمس .
وأما حديث النعمان بن بشير فأخرجه أبو داود وفيه : جعل يصلى ركعتين
ورواه النسائى بلفظ : فصلوا كأحدث صلاه صليتموها من المكتوبة ركعتين .
وأخرجه أحمد والحاكم وصححه ابن عبد البر وأعله ابن أبى حاتم بالانقطاع كذا
فى التلخيص الحبير .
وأما حديث المغيره بن شعبة فأخرجه الشيخان وفيه فإذا رأيتموهما فادعوا
الله تعالى وصلوا حتى ينجلى.
وأما حديث أبى مسعود فأخرجه مسلم .
وأما حديث أبى بكرة فأخرجه البخارى وفيه فإذا رأيتموهما فصلوا وادعوا
حتى ينكشف ما بكم ، ورواه ابن حبان والحاكم ولفظهما فاذا انكسف أحدهما
فافزعوا إلى المساجد ، وفيه فصلى بهم ركعتين مثل صلاتكم . والنسائى مثل
ما تصلون كذا فى التلخيص .

١٤٠
وأما حديث سمرة فأخرجه الترمذى فى الباب الآتى ، وأخرجه أبو داود
والنسائى أيضاً .
وأما حديث ابن مسعود فأخرجه البزار والطبرانى فى الكبير . قال الهيشمى
فى مجمع الزوائد : فيه حبيب بن حسان وهو ضعيف ولم يذكر لفظه بل أحال على
حديث أول الباب وهو حديث أبى شريح الخزاعى قال كسفت الشمس على عهد
عثمان فصلى بالناس تلك الصلاة ركعتين وسجد سجدتين فى كل ركعة قال ثم انصرف
عثمان فدخل داره وجلس عبد الله بن مسعود إلى حجرة عائشة وجلسنا إليه فقال
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر بالصلاة عند كسوف الشمس والقمر
فإذا رأيتموه قد أصابهما فافزعوا إلى الصلاة الحديث ، رواه أحمد وأبو يعلى
والطبرانى فى الكبير والبزار قال الهيشمى ورجاله موثقون .
وأما حديث أسماء بنت أبى بكر فأخرجه الشيخان .
وأما حديث ابن عمر فأخرجه الشيخان أيضاً .
وأما حديث قبيصة الهلالى فأخرجه أبو داود والنسائى والحاكم بلفظ أنه
صلى الله عليه وسلم قال: إذا رأيتم ذلك فصلوها كأحدث صلاة صليتموها من
المنكتوبة، وسكت عنه أبو داود والمنذرى ورجاله رجال الصحيح كذا فى النيل.
وأما حديث جابر بن عبد الله فأخرجه أحمد ومسلم وأبو داود وفيه فكانت أربع
ركعات وأربع سيدات . وأما حديث أبى موسى فأخرجه الشيخان . وأما حديث
عبد الرحمن بن سمرة فأخرجه مسلم بلفظ : قال بينما أنا أرى بأسهى فى حياة
رسول الله صلى الله عليه إذ انكسفت الشمس فنبذتهن وقلت لأنظرن ما يحدث
لرسول الله صلى الله عليه وسلم فى انكساف الشمس اليوم، فانتهيت إليه وهو
يديه يدعو ويكبر ويحمد ويهلل حتى جلى عن الشمس فقرأ سورتين وركع ركعتين.
وأما حديث أبي بن كعب فأخرجه أبو داود وفيه: فقرأ بسورة من الطول وركع
خمس ركم ت وجد محمدتين ثم قام الثانية فقرأ سورة من الطول وركع خمس
ركعات وسجد سجدتين . قال المنذري فى إسناده أبو جعفر واسمه عيسى بن عبد الله
ابن ماهان الرازى وفيه مقال ، واختلف فيه قول ابن معين وابن المدينى انتهى.