Indexed OCR Text
Pages 221-240
٢٢١ ورُوِىّ عن مُمَرَ أَنه كَتَبَ إِلى أَبِ موسى أَنْ اقْرَأْ فى المغربِ بِقِصَارٍ المُفَصَّلِ. ورُوِىَ عن أَبِى بَكْرِ أَنه قرأَ فِى المغرب بِقِصَارِ المُفَصَّلِ . قال : وعلى هذا العملُ عندَ أهلِ العلمِ. وبه يقولُ ابنُ المباركِ وأَحمدُ وإسحاقُ . وقال الشافعىُّ: وذُكِرَ عن مالكٍ أَنْه يَكْرَهُ أَنْ يُقْرَأَ فى صلاةٍ المغربِ بالشّوَرَ الطَّوَالِ، نحو الطُّورِ ولُرْسَلَاتِ . قال الشافعيُّ: لاَ أَكْرَهُ ذلكَ بل أَسْتَحِبُ أَنْ يُقْرأْ بهذِهِ الشُّرِ فى الصلاةِ للمغربِ. وغيرهما عن جبير بن مطعم وتقدم لفظه ( وروى عن عمر أنه كتب إلى أبى موسى أن أقرأ فى المغرب بقصار المفصل) تقدم تخريجه (وروى عن أبى بكر أنه قرأ فى المغرب بقصار المفصل ) لم أقف على من أخرجه . قوله ( وعلى هذا العمل عند أهل العلم) يعنى على القراءة بقصار المفصل فى المغرب، وبه يقول الحنفية ، واستدلوا على ذلك بما روى الطحاوى عن أبى هريرة قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ فى المغرب بقصار المفصل ، وبما روى ابن ماجة عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ فى المغرب ( قل يا أيها الكافرون) ( وقل هو الله أحد) وبما روى الطحاوى وغيره عن عمر أنه كتب إلى أبى موسى أن اقرأ فى المغرب بقصار المفصل ، وبما روى أبو داود عن هشام بن عروة أن أباه كان يقرأ فى صلاة المغرب بنحو ما تقرأون والعاديات ونحوه من السور . وروى عن أبى عثمان النهدى أنه صلى خلف ابن مسعود المغرب فقرأ بقل هو الله أحد ، وبما رواه الشيخان عن رافع بن خديج قال : كنا نصلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فينصرف أحدنا وأنه ليبصر مواقع نبله (وقال الشافعى) مقولة قوله الآتى: لا أكره ذلك إلخ (وذكر ٠ ٢٢٢ عن مالك أنه يكره إلخ ( الواو للحال والجملة حالية ( قال الشافعى لا أكره ذلك بل أستحب أن يقرأ بهذه السور فى صلاة المغرب ) أعاد قوله قال الشافعى لطول الفصل بينه وبين مقوله لا أكره ذلك إلخ . قال الحافظ فى الفتح: قال الترمذى : ذكر عن مالك أنه كره أن يقرأ فى المغرب بالسور الطوال نحو الطور والمرسلات ، وقال الشافعى : لا أكره ذلك بل أستحب ، وكذا نقله البغوى فى شرح السنة عن الشافعى. والمعروف عند الشافعية أنه لا كراهة فى ذلك ولا استحباب . وأما مالك فاعتمد العمل بالمدينة بل وبغيرها . قال ابن دقيق العيد: استمر العمل على تطويل القراءة فى الصبح وتقصيرها فى المغرب . والحق عندنا أن ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم فى ذلك وثبت مواظبته عليه فهو مستحب ، وما لا تثبت مواظبته عليه فلا كراهة فيه . قال الحافظ: ولم أر حديثا مرفوعا فيه التنصيص على القراءة فيها بشىء من قصار المفصل إلا حديثا فى ابن ماجة عن ابن عمر نص فيه على الكافرون والاخلاص ، ومثله لابن حبان عن جابر بن سمرة : فأما حديث ابن عمر فظاهر إسناد الصحة إلا أنه معلول . فال الدار قطنى أخطأ فيه بعض رواته. وأما حديث جابر بن سمرة ففيه سعيد بن سماك وهو متروك، والمحفوظ أنه قرأ بهما فى الركعتين بعد المغرب . واعتمد بعض مشائخنا وغيرهم حديث سليمان بن يسار عن أبى هريرة أنه قال: ما رأيت أحداً أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم من فلان ، قال سلمان : فكان يقرأ فى الصبح بطوال المفصل وفى المغرب بقصار المفصل الحديث . أخرجه النسائي وصححه ابن خزيمة وغيره . وهذا يشعر بالمواظبة على ذلك، ولكن فى الاستدلال به نظر. نعم حديث رافع أنهم كانوا ينتضاون بعد صلاة المغرب يدل على تخفيف القراءةفيها. وطريق الجمع بين هذه الأحاديث أنه صلى الله عليه وسلم كان أحيانا يطيل القراءة فى المغرب، إما لبيان الجواز وإما لعلمه بعدم المشقة على المأمومين : وليس فى حديث جبير بن مطعم ( أى الذى أخرجه البخارى بلفظ قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قرأ فى المغرب بالطور ) دليل على أن ذلك تكرر منه . وأما حديث زيد بن ثابت يعنى ماروى البخارى وغيره عن مروان بن الحكم قال: قال لى زيد بن ثابت: مالك تقرأ فى المغرب بقصار المفصل وقد سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ بطولى الطوليين ، ففيه إشعار بذلك لكونه أفكر على مروان المواظبة على القراءة بقصار المفصل، ولو كان مروان يعلم أن التى ٢٢٣ صلى الله عليه وسلم واظب على ذلك ليحتج به على زيد ، لكن لم يرد زيد منه فيما يظهر المواظبة على القراءة بالطوال، وإنما أراد منه أن يتعاهد ذلك كما رآه من النى صلى الله عليه وسلم . وفى حديث أم الفضل إشعار بأنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ فى الصحه بأطول من المرسلات لكونه كان فى حال شدة مرضه وهو مظنة التخفيف انتهى كلامه . قال ابن خزيمة فى صحيحه: هذامن الاختلاف المباح، جائز للمصلى أن يقرأ فى المغرب وفى الصاوات كلها بما أحب إلا أنه إذا كان إماما استحب له أن يخقف فى القراءة كما تقدم انتهى . قال الحافظ : وهذا أولى من قول الفرطى : ماورد فى مسلم وغيره من تطويل القراءة فيما استقر عليه التقصير أو عكسه فهو متروك . وادعى الطحاوى أنه لا دلالة فى شىء من الأحاديث الثلاثة على تطويل القراءة لاحتمال أن يكون المراد أنه قرأ بعض السورة ثم استدل لذلك بما رواه من طريق هشيم عن الزهرى فى حديث جبير بلفظ: فسمعته يقول ( إن عذاب ربك لواقع) قال : فأخبر أن الذى سمعه من هذه السورة هى هذه الآية خاصة انتهى . وليس فى السياق مايقتضى قوله خاصة مع كون رواية هشيم عن الزهرى بخصوصها مضعفة ، بل جاء فى روايات أخرى ما يدل على أنه قرأ السورة كلها ، فعند البخارى فى التفسير سمعته يقرأ فى المغرب بالطور فلما بلغ هذه الآية (أم خلقوا من غير شىء أم هم الخالقون ) الآيات إلى قوله (المصيطرون ) كاد قلبى يطير. ونحوه تقاسم بن اصبع وفى رواية أسامة ومهد بن عمرو المتقدمتين سمعته يقرأ ( والطور ، وكتاب مسطور ) ومثله لابن سعد ، وزاد فى أخرى فاستمعت قراءته حتى خرجت من المسجد . ثم ادعى الطحاوى أن الاحتمال المذكور يأتى فى حديث زيد بن ثابت وكذا أبداه الخطابى احتمالا ، وفيه نظر ، لأنه لو كان قرأ بشىء منها يكون قدر سورة من قصار المفصل لما كان لإنكار زيد معنى، وقد روى حديث زيد عن هشام عن أبيه عنه أنه قال لمروان: إنك لتخف القراءة فى الركعتين من المغرب ، فوالله لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ فيها بسورة الأعراف فى الركعتين جميعا، أخرجه ابن خزيمة ، واختلف على هشام فى محابيه ، والمحفوظ عن عروة أنه زيد بن ثابت ، وقال أكثر الرواة عن هشام عن زيد بن ثابت أو أبي أيوب ، وقيل عن عائشة أخرجه ٢٢٤ ٢٢٨ - باب ماجاء فى القراءةِ فى صلاةِ الِشَآءِ ٣٠٨- حدثنا عَبْدَةُ بنُ عبدِ اللهِ الجُزَاعِىُّ أَخبرنا زيدُ بنُ الحبَابِ أخبرنا ابنُ واقِدٍ عن عبدِ اللهِ بنِ بُرَيْدَةً عن أَبيِهِ قال: ((كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَقْرَأْ فى المِشَاءِ الْآخِرَةِ بالشّمْسِ وضُحَهَا ونحوِها من الشُّورِ)). وفى البابِ عن البراء بن عازبٍ . النسائى مقتصرا على المتن دون القصة ، انتهى كلام الحافظ . ( باب ماجاء فى القراءة فى صلاة العشاء ) قوله (أخبرنا ابن واقد) هو الحسين بن واقد مولى عبد الله بن عامر المروزى قاضيها، وثقه ابن معين مات سنة ١٥٩ تسع وخمسين ومائة ( عن عبد اللهبن بريدة ) بن الحصيب الأسلمى المروزى قاضيها ثقة (عن أبيه) بريدة بن الحصيب بمهملتين مصغرا صحابى أسلم قبل بدر مات سنة ٦٣ ثلاث وستين . قوله ( يقرأ فى العشاء الآخرة بالشمس وضحاها ونحوها من السور ) هذا فعله صلى الله عليه وسلم. وقال لمعاذ رضى الله عنه: أتريد أن تكون يامعاذفتانا، إذا أمحت الناس فاقرأ بالشمس وضحاها ، وسبح اسم ربك الأعلى ، والليل إذا يغشى . قاله له حين أخبر أنه صلى بأصحابه العشاء فطول عليهم , رواه الشيخان . وهذان الحديثان يدلان على أنه يقرأ فى العشاء الآخرة هذه السور ونحوها . قوله ( وفى الباب عن البراء بن عازب ) قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ فى العشاء ( والتين والزيتون ، الحديث أخرجه الأئمة الستة . وفى رواية للبخارى أن النبى صلى الله عليه وسلم كان فى سفر فقرأ فى العشاء فى إحدى الركعتين بالتين والزيتون ٢٢٥ قال أبو عيسى : حديثُ بُرَيْدَةَ حديثٌ حسنٌ . وقد رُوِىَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم: ((أَنه قرأَ فى العِشاءِ الْآخِرَةِ بسورةٍ والتِّينِ والزّيْتُونِ)). ورُوِىَ عن عثمانَ بنِ عَفَّنَ: أَنه كان يَقْرَأُ فى العِشاء بِسُوَرٍ من أَوْسَاطِ الْمُفَصَّلِ نحوِ سُورَةٍ المُنَفِقِينَ وَأَشْبَاهِهَا . ورُوِىَ عن أصحابٍ النبيِّ صلى الله عليه وسلم والتابعينَ: أنَّهم قَرَأْوا بأَ كْثَرَ مِنِ هذا وأَقَلَّ: كان الأمر عندهم واسع فى هذا - وأحسن شىء فى ذلك ماروى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قرأَ بالشّمْسِ وضُحَاهَا، والتِّينِ والزَّيْتُونِ . وفى الباب عن أبى هريرة رواه البخارى وغيره عن أبى رافع قال : صليت مع أبى هريرة العتمة فقرأ ( إذا السماء أنشقت ) فسجد فقلت: ما هذه ؟ قال : سجدت فيها خلف أبى القاسم صلى الله عليه وسلم فلا أزال أسجد فيها حتى ألقاه . واعلم أن سورة ( والتين والزيتون ) من قصار المفصل ، وسورة (إذا السماء انشقت) من أوساط المفصل . قال الجاحظ فى الفتح: وإنما قرأ فى العشاء بقصار المفصل لكونه كان مسافرا والسفر يطلب فيه التخفيف ، وحديث أبى هريرة محمول على الحضر فلذلك قرأ فيها بأوساط المفصل انتهى . قوله ( حديث بريدة حديث حسن ) وأخرجه أحمد والنسائى( وقد روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قرأ فى العشاء الآخر بسورة والتين والزيتون ) أخرجه الترمذى فى هذا الباب وأخرجه أيضاً غيره من الأئمة الستة كما عرفت (وروى عن عثمان بن عفان أنه كان يقرأ فى العشاء بسور من أوساط المفصل نحو سورة المنافقين وأشباهها ) وقد تقدم حديث سليمان بن يسار عن أبى هريرة وفيه: ويقرأ. فى الأوليين من العشاء من وسط المفصل ( كأن الأمر عندهم واسع ) كأن بشدة النون من الحروف (١٥ - تحفة الأحوذي ٢) ٢٢٦ ٣٠٩- حدثنا هَنَّادٌ أَخبرا أبو معاويةً عن يحيى بن سعيدٍ الأنصارىِّ عن عَدِيِّ بنِ ثابتٍ عن البراء بن عازب: ((أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قرأ فى العِشاءِ الآخِرَةِ بالنِّينِ وَالزَّيْتُونِ)). وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ . ٢٢٩ - بابُ . ما جاء فى القراءة خلف الإمامِ ٣١٠- حدثنا هَنَّدٌ أَخبرنا عَبْدَةُ بن سليمانَ عن محمد بن إسحاقَ المشبهة بالفعل يعنى كأن أمر القراء فى صلاة العشاء فيه وسعة عندهم لا تضييق فيه،ولأجل ذلك قرأوا فيها بأكثر من المذكور وأقل ( وأحسن شىء فى ذلك ما روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قرأ بالشمس وضحاها والتين والزيتون ) بل أحسن شىء فى ذلك ما أمر النبى صلى الله عليه وسلم معاذا رضى الله عنه بقراءته من السور وأمثالها والله تعالى أعلم . ( باب ما جاء فى القراءة خلف الإمام ) قوله ( عن محمد بن إسحاق ) هو محمد بن إسحاق بن يسار أبو بكر المطلبي مولاهم المدنى نزيل العراق إمام المغازى وهو ثقة قابل للاحتجاج على ما هو الحق. قال بدر الدين العينى فى شرح البخارى : ابن اسحاق من الثقات الكبار عند الجمهور انتهى . وقال ابن الهمام فى فتح القدير : وأما ابن اسحاق فئقة ثقة لا شبهة عندنا فى ذلك ولا عند محققى المحدثين انتهى. وقال أيضا وهو يعنى توثيق ابن إسحاق الحق الأبلج وما نقل عن مالك فيه لا يثبت ولو صح لم يقبله أهل العلم. كيف وقد قال شعبة هو أمير المؤمنين فى الحديث ، وروی عنه مثل الثوری وابں أدريس وحماد بن زيد ويزيد بن زريع وابن علية وعبد الوارث وابن المبارك واحتمله أحمد وابن معين وعامة أهل الحديث غفر الله لهم . وقد ٢٢٧ عن مَكْحُولٍ عن محمود بن الرَّبيعِ عن عُبَدَةَ بن الصَّامِتِ قال: ((صلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح، فَتَقُلَتْ عليه القراءةُ ، فلمَّا انصرف قال: إِنِّى أَراكم تَقْرِأُونَ وراءَ إِمَامِكُمْ؟ قال: قلنا : يارسولَ اللهِ إِى وَاللهِ، قال: لا تَفْعَلُوا إِلَّ بِأُمِّ الْقُرْآنِ، فإِنَّهُ لاصلاةَ لِنْ لَمْ يقرأ بها)). أطال البخارى فى توثيقه فى كتاب القراءة خلف الإمام ، وذكره ابن حبان فى الثقات ، وإن مالكارجع عن الكلام فى ابن إسحاق واصطلح معه وبعث إليه هدية انتهى كلام ابن الهمام. وقال الحافظ بن حجر فى القول المسدد : وأما حمله یعنی ابن الجوزى على محمد بن إسحاق فلا طائل فيه فإن الأمة قبلوا حديثه وأكثر ما عيب فيه التدليس والرواية عن المجهولين ، وأما هو فى نفسه فصدوق وهو حجة فى المغازى عند الجمهور انتهى كلام الحافظ ( عن مكحول ) وفى رواية الدار قطنى وأحمد والبيهقى حدثنى مكحول . وقال الزيلعى فى نصب الراية: ورواه إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق فذكر فيه سماع ابن إسحاق عن مكحول فصار الحديث موصولا صحيحا انتهى. ومكحول هذا هو مكحول الشامى وأبو عبد الله ثقة فقيه كثير الإرسال مشهور من الخامسة مات سنة بضع عشرة ومائة كذا في التقريب . قوله (صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح فثقلت عليه القراءة) أى شق عليه التلفظ والجهر بالقراءة ، وفى رواية أبى داود: كنا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فى صلاة الفجر فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فتقلت عليه القراءة ( فلما أنصرف ) أى فرغ من الصلاة ( إى والله) بكسر الهمزة وسكون التحتية أى نعم والله نحن نقرأ (قال لا تفعلوا إلا بأم القرآن فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها) قال الخطابى هذا الحديث صريح بأن قراءة الفاتحة واجبة على من خلف الإمام سواء جهر الإمام بالقراءة أو خافت بها ، وإسناده جيد لا طعن فيه انتهى . قلت الأمر كما قال الخطابى لا شك فى أن هذا الحديث نص ٢٢٨ قال : وفى البابِ عن أبى هريرةَ وعائشةَ وأَنَسِ وأبى قتادةَ وعبدِ اللهِ انِ عَمْرٍو . صريح فى أن قراءة فاتحة الكتاب واجبة على من خلف الإمام فى جميع الصلوات سرية كانت أو جهرية وهو القول الراجح المنصور عندى . قوله (وفى الباب عن أبى هريرة وعائشة وأنس وأبى قتادة وعبد الله بن عمرو ) أما حديث أبى هريرة فأخرجه مسلم عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهى خداج. ثلاثا غير تمام ، فقيل لأبى هريرة إنا نكون وراء الإمام قال اقرأ بها فى نفسك الحديث . وأما حديث عائشة فأخرجه أحمد وابن ماجة والطحاوى من طريق محمد بن إسحاق عن يحيى بن عباد بن عبد الله ابن الزبيرعن أبيه عنها قالت: سمعت رسول اللهصلى الله عليه وسلم يقول من صلى صلاة لميقرأ فيها بأم القرآن فهى خداج ، وإسناده حسن . وجاء فى رواية الطحاوى تصريح سماع ابن إسحاق من يحي بن عباد فزالت شبهة التدليس . وهذان الحديثان بعمومها شاملان للمأمومين أيضاً : وأما حديث أنس فأخرجه البخارى فى جزء القراءة، والبيهقى فى كتاب القراءة ، وابن حبان والطبرانى فى الأوسط ، ولفظ البخارى : إن النبى صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه فلما قضى صلاته أقبل عليهم بوجهه فقال أتقرأون فى صلاتكم والإمام يقرأ؟ فسكتوا ، فقالها ثلاث مرات ، فقال قائل أو قائلون : إنا لنفعل : قال : فلا تفعلوا وليقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب فى نفسه قاله صاحب الجوهر النقي من العلماء الحنفية : أخرجه بن حبان فى صحيحه من حديث أبى قلابة عن أنس ثم قال سمعه من أنس وسمعه من ابن أبى عائشة ، فالطريقان محفوظان انتهى . وقال البيهقى فى كتاب القراءة بعد روايته من طريق ابن علية عن أيوب عن أبى قلابة عن أنس . احتج به البخاری فی کتاب القراءة خلف الإمام. وأما حديث أبى قتادةفأخرجهالبيهقى فى كتاب القراءة عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أنقرأون خلفى ؟ قلنا نعم ، قال فلا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب . وأما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه البيهقى فى كتاب القراءة عنه من طريق عبد العظيم عن النضر بن محمد عن عكرمة بن عمار عن عمرو بن سعد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتقرأون : ٢٢٩ قال أبو عيسى: حديثُ عُبَادَةً حديثٌ حسنٌّ . وَرَوَى هذا الحديثَ الزُّهْرِىُّ عن محمود بن الرَّبيع عن عُبَادَةً بِنِ الضَّامِتِ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: ((لاصلاةَ ◌ِنْ لم يقرأ بفاتحةِ الكتابِ )) . وهذا أَصَحُ . خلفى؟ قالوا نعم يارسول الله إنا لنهزه هزاً، قال فلا تفعلوا إلا بأم القرآن. قال البيهقى: رواه فى كتاب القراءة خلف الإمام عن شجاع ابن الوليد عن النضر . وفى باب أحاديث أخرى ذكرناها فى كتابنا تحقيق الكلام فى وجوب القراءة خلف الإمام ، وفى كتابنا أبكار المنن فى نقد آثار السنن ، وذكرها البيهقي فى كتاب القراءة ، فمنها حديث محمد بن أبى عائشة عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وسيأتى لفظه ، قال الحافظ فى التلخيص إسناده حسن ، وقال البيهقى فى معرفة السنن بعد روايته هذا إسناد صحيح ، وقال فى كتاب القراءة: هذا حديث صحيح احتج به محمد ابن إسحاق بن خزيمة فى جملة ما احتج به فى هذا الباب . قوله ( حديث عبادة حديث حسن ) قال الحافظ فى التلخيص بعد ذكر هذا الحديث : أخرجه أحمد والبخارى فى جزء القراءة وصححه أبو داود والترمذى والدارقطنى وابن حبان والحاكم والبيهقى من طريق ابن إسحاق حدثنى مكحول عن محمود بن ربيعة عن عبادة وتابعه زيد بن واقد وغيره عن مكحول ، ومن شواهده ما رواه أحمد من طريق خالد الحذاء عن أبى قلابة عن محمد بن أبى عائشة عن رجل من أصحاب النى صلى الله عليه وسلم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لعلكم تقرأون والإمام يقرأ ؟ قالوا إنا لنفعل ، قال لا إلا أن يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب . إسناده حسن انتهى كلام الحافظ . وقال فى الدراية : أخرجه أبو داود بإسناد رجاله ثقات انتهى . وقال فى نتائج الأفكار لتخريج أحاديث الأذكار : هذا حديث حسن انتهى . وسكت عنه أبو داود . وذكر الحافظ المنذرى تحسين الترمذى وأقره . وقال القارى فى المرقاة شرح المشكاة ٢٣٠ والعملُ على هذا الحديثِ فى القراءةِ خلفَ الإِمامِ عندَ أَكثر أَهلِ العلمِ مِن أصحابِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم والتابعينَ. وهو قولُ مالكِ بن أَنسٍ وابنِ المبارَكِ والشافعىِّ وأحمدَ وإسحاقَ : ◌َرَوْنَ القراءةَ خَلْفَ الإمامِ . قال ميرك نقلا عن الملقن : حديث عبادة بن الصامت رواه أبو داودوالترمذى والدار قطنى وابن حبان والبيهقى والحاكم وقال الترمذى حسن ، وقال الدارقطنى إسناده حسن ورجاله ثقات ، وقال الخطابى إسناده جيد لا مطعن فيه ، وقال الحاكم إسناده مستقيم، وقال البيهقى مجميح انتهى ما فى المرقاة . قوله ( وهذا أصح ) أى من حديث عبادة المذكور فى الباب من طريق ابن إسحاق عن مكحول عن محمود بن الربيع عنه وحديث عبادة من طريق الزهرى عن محمود أخرجه الأئمة السته . قوله ( والعمل على هذا الحديث فى القراءة خلف الإمام عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم والتابعين ، وهو قول مالك بن أنس وابن المبارك والشافعى وأحمد وإسحاق يرون القراءة خلف الإمام ) وهو قول بعض العلماء الحنفية أيضا . قال العينى فى عمدة القارى : بعض أصحابنا يستحسنون ذلك على سبيل الاحتياط فى جميع الصلوات ، وبعضهم فى السرية فقط وعليه فقهاء الحجاز والشام انتهى . وقال الملاجيون من العلماء الحنفية فى التفسير الأحمدى فإن رأيت الطائفة الصوفية والمشائخين الحنفية تراهم يستحسنون قراءة الفاتحة للمؤتم كما استحسنه محمد رحمه الله أيضا احتياطا فيها روى عنه انتهى . وقال صاحب عمدة الرعاية حاشية شرح الوقاية من العلماء الحنفية وروى عن حد أنه استحسن قراءة الفاتحة للمؤتم فى السرية ، وروى مثله عن أبى حنيفة صرح به فى الهداية المجتبى شرح مختصر القدورى وغيرهما ، وهذا هو مختار كثير من مشانخنا انتهى . تنبيه : إعلم أن قول الترمذى وهو قول مالك بن أنسٍ وابن المبارك والشافعى وأحمد ٢٣١ ٢٣٠ - بابٌ: مَلَاءٍ فِى تَرْكِ القراءة خَلفَ الإمامِ إذا جَهَرَ الإمامُ بِالقِرَاءَةِ ٣١١- حدثنا الأنصارىُّ أَخبرنا مَعْنٌ أَخبرنا مالكٌ عن انِ شهابٍ عن ابنِ أُ كَيْمَةَ الَّيِّ عن أبى هريرةَ: ((أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم انْصَرَفَ مِنِ صلاةٍ جَهَرَ فيها بالقراءةِ ، فقال : هل قَرَأْ مِعِى أَحَدٌ منكم آنِفًاً؟ فقال رجلٌ: نعم يارسولَ اللهِ، قال : إِى أَقُولُ مَالِى أَنَزَعُ القرآنَ؟! قال: فَاَنْتَهَى الناسُ عن القراءةِ مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فيما يَجْهَرُ فيه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم من الصَّلَوَاتِ بالقراءةِ حين سمعوا ذلك من رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم» . وإسحاق يرون القراءة خلف الإمام فيه إجمال ، ومقصوده أن هؤلاء الآنمة كلهم يرور القراءة خلف الإمام إما فى جميع الصلوات أو فى الصلاة السرية فقط ، وإما على سبيل الوجوب أو على سبيل الاستحباب والاستحسان . فأما من قال بوجوب القراءة خلف الإمام فى جميع الصلوات سرية كمانت أو جهرية فاستدل بأحاديث الباب ، وهو القول الراجح المنصور . وسيأتى تفصيل الأقوال فى هذه المسألة . ( باب ما جاء فى ترك القراءة خلف الإمام إذا جهر الإمام بالقراءة ) قوله ( حدثنا الأنصارى ) وهو إسحاق بن موسى الأنصارى ( عن ابن أكيمة ) بالتصغير اسمه عمارة بضم أوله والتخفيف الليثى المدنى يكنى أبا الوليد وقيل اسمه عماء أو عمر أو عامر يأتى غير مسمى ثقة من أوساط التابعين . قوله (انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة) وفى رواية لأبى داود صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة نظن أنها الصبح ( إنى أقول مالى أنازع القرآن) بفتح الزاد. ٢٣٢ وفى الباب : عنِ ابنِ مسعودٍ وعِعْرَنَ بنِ حُصَيْنٍ وجابرِ بنِ عبدِ الله . قال أبو عيسى : هذا حديثٌ حسنٌ . وابنُ أَكَيْمَةَ اللَّبِىُّ اسُهُ عُمَرَةُ، وَيُقَل ◌َمْرُو بن أُكَيْمَةَ. وَرَوَى بعضُ أَصحابِ الزهرِىِّ هذا الحديثَ وذَكَرُوا هَذَا الحرفَ : (( قال : قال الزهرىُ: فَنْتَهَى الناسُ عن القراءةِ حينَ سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم )) . ونصب القرآن على أنه مفعول ثان أى فيه كذا ، قال صاحب الازهار : وقال الخطابى معناه أداخل فى القراءة وأغالب عليها ، وقال الجزرى فى النهاية أى أجاذب فى قراءته كأنهم جهروا بالقراءة خلفه فشغلوه فالتبست عليه القراءة . وأصل النزع الجذب ومنه نزع الميت بروحه انتهى ( قال فانتهى الناس إلخ ) أى قال الزهرى فانتهى الناس كما روى بعض أصحاب الزهرى فقوله فانتهى الناس مدرج من قول الزهرى وسيجىء تصريح الحفاظ بكونه مدرجا . والحديث قد استدل به على ترك القراءة خلف الإمام إذا جهر الإمام بالقراءة ، وفى الاستدلال به على هذا المطلوب نظر كما ستقف عليه . قوله ( وفى الباب عن ابن مسعود وعمران بن حصين وجابر بن عبد الله) أماحديث بن مسعود فأخرجه الطحاوى وغيره عنه قال: كانوا يقرأون خلف النبى صلى الله عليه وسلم فقال: خلطتم على القرآن. وأما حديث عمران بن حصين فأخرجه مسلم وغيره عنه قال : صلى بنا رسول اللهصلى الله عليه وسلم صلاة الظهر أو العصر فقال: أيكم قرأ خلفى بسبح اسم ربك الأعلى ؟ فقال رجل: أنا ولم أرد بها إلا الخير ، قال : قد علمت أن بعضكم خالجنيها . وأما حديث جابر فأخرجه ابن ماجة وغيره عنه مرفوعاً: من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة . وهذا حديث ضعيف كما ستعرف . قوله ( هذا حديث حسن) وأخرجه مالك فى الموطأ وأبو داود والنسائى وابن ماجة . ٢٣٣ وليس فى هذا الحديث ما يَدْخُلُ على مَنْ رأَى القراءةَ خلفَ الإمامِ لأَنَّ أَبا هريرةً هو الذى رَوَى عن النبى صلى الله عليه وسلم هذا الحديثَ . قوله ( وروى بعض أصحاب الزهرى هذا الحديث وذكروا هذا الحرف قال : قال الزهرى: فانتهى الناس عن القراءة إلخ) يعنى أن بعض أصحاب الزهرى فصل قوله : فانتهى الناس الخ عن الحديث وجعله من قول الزهرى . قال الإمام البخارى فى جزء القراءة: قوله : فانتهى الناس من كلام الزهرى وقد بينه لى الحسن بن الصباح قال : حدثنا مبشر عن الأوزاعى قال الزهرى : فانعظ المسلمون بذلك فلم يكونوا يقرأون فيما جهر . وقال مالك : قال ربيعة: إذا حدثت فبين كلامك من كلام النبي صلى الله عليه وسلم وسلم انتهى وقال البيهقى فى معرفة السنن: قوله : فانتهى الناس من القراءة من قول الزهرى ، قاله محمد بن يحي الذهلى صاحب الزهريات ومحمد بن إسماعيل البخارى وأبو داود ، واستدلوا على ذلك برواية الأوزاعى حينميزه من الحديث وجعله من قول الزهرى ، وكيف يصح ذلك عن أبى هريرة وأبو هريرة يأمر بالقراءة خلف الإمام فيما جهر به وفيما خافت انتهى. وقال فى كتاب القراءة: رواية ابن عيينة عن معمر دالة على كونه من قول الزهرى ، وكذلك انتهاء الليث بن سعد وهو من الحفاظ الأثبات الفقهاء مع ابن جريج بروايه الحديث من الزهرى إلى قوله: مالى أنازع القرآن ، الدال على أن ما بعده ليس فى الحديث وأنه من قول الزهرى ، ففصل كلام الزهرى من الحديث بفصل ظاهر انتهى. وقال الحافظ فى التلخيص الحبير: وقوله : فانتهى الناس إلى آخره مدرج فى الخبر من كلام الزهرى بينه الخطيب واتفق عليه البخارى فى التاريخ وأبوداود ويعقوب بن سفيان والذهلى والخطابى وغيرهم انتهى. قوله ( وليس فى هذا الحديث ما يدخل على من رأى القراءة خلف الإمام إلخ) حاصل كلامه أن حديث أبى هريرة المروى فى هذا الباب لا يدل على منع القراءة خلف الإمام حتى يكون حجة على القائلين بها ، فإن أبا هريرة الذى روى هذا الحديث قد روى هو حديث الخداج الذى يدل على وجوب قراءة الفاتحة على كل مصلى إماماً كان أو مأموماً أو منفردا . وقد أفتى أبو هريرة بعد رواية هذا الحديث بقراءة فاتحة ٢٣٤ وَرَوَى أَبو هريرةَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((مَنْ صَلّى صْلاَةً لَمَّ يَقْرَأْ فيها ◌ِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِىَ خِدَاجٌ عَيْرُ تَمَاءِ)» فقال له حاملُ الحديثِ: إِى أكُونُ أحياناً وراء الإمامِ ؟ قال: اقْرَأْ بها فى نَفْسِكَ. وَرَوَى أبو عثمانَ النّهْدِىُّ عن أبى هريرة قال: ((أمَرَنِى النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنْ أنَدِىَ أن لاَصلاةَ إلا بقراءةٍ فاتحةِ الكتابِ)). الكتاب خلف الإمام حيث قال : اقرأ بها فى نفسك ، فعلم أن حديث أبى هريرة المروى فى هذا الباب ليس فيه ما يدخل على من رأى القراءة خلف الإمام ، أى ليس فيه مايضر القائلين بالقراءة خلف الإمام . قال فى القاموس : الدخل محركة ما داخلك من فساد فى عقل أو جسم وقد دخل كفرح وعنى دخلا ودخلا والمكر والخديعة والعيب فى الحسب. انتهى (وروى أبو عثمان النهدى عن أبى هريرة قال: أمرنى النبى صلى الله عليه وسلم أن أنادى أن لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب ) رواه البيهقى فى كتاب القراءة بأسانيد. وألفاظ من شاء الوقوف عليها فليرجع إليه . تنبيه: إعلم أن الإمام مالك والزهرى وغيرهما ممن قالوا بالقراءة خلف الإمام فى الصلوات السرية دون الجهرية قد استدلوا بأحاديث الباب ، لكن فى الاستدلال بهذه الأحاديث على مطلوبهم نظر . أما حديث المنازعة الذى روى الترمذى فى هذا الباب فإنه لا يدل على منع القراءة خلف الإمام المتنازع فيها وهى القراءة بالسر وفى النفس بحيث لا يفضى إلى المنازعة بقراءة الإمام ، نعم يدل على منع القراءة بالجهر خلفه وهى ممنوعة بالاتفاق . قال الشوكانى فى النيل ، استدل به القائلون بأنه لا يقرأ المؤتم خلف الإمام فى الجهرية ، وهو خارج عن محل النزاع . لأن محل النزاع هو القراءة خلف الإمام سراً والمنازعة إنما تكون مع جهر المؤتم لا مع إسراره . وقال الفاضل اللكنوى : غاية ما فيه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: مالى أنازع المقرآن ، فهو إن دل على النهى فإنما يدل على نهى القراءة المفضية إلى المنازعة فى الجهرية انتهى . وأما حديث ابن مسعود فإنه إنما يدل على منع التخليط على الإمام ، والتخليط لا يكون ٢٣٥ واخْتَرَ أَصحابُ الحديثِ أن لاَّ يقرأَ الرجلُ إِذا جَهَرَ الإِمامُ باقراءَةٍ ، وقالُوا: يَنْبَعُ سكناتِ الإِمامِ. إلا إذا قرىء خلف الإمام بالجهر، وأما إذا قرىء خلفه بالسر وفى النفس فلا يكون التخليط البتة . وقد روى البيهقى فى كتاب القراءة والبخارى فى جزء القراءة حديث ابن مسعود هذا من طريق أبى الأحوص عن عبد الله قال : قال النبى صلى الله عليه وسلم القوم كانوا يقرأون القرآن فيجهرون به : خلطتم على القرآن ، فهذه الرواية صريحة أن تخليطهم القرآن على النبى صلى الله عليه وسلم كان لقراءتهم خلفه بالجهر ، وعلى ذلك أنكر صلى الله عليه وسلم بقوله : خلطتم على القرآن ، فهذا الحديث أيضاً خارج عن محل النزاع . وأما حديث عمران بن حصين فهو أيضاً خارج عن محل النزاع . قال الحافظ ابن عبد البر فى التمهيد: معنى قوله: خالجنيها أى نازعنى، والمخالجة هنا عندهم كالمنازعة، حديث عمران هذا الحديث ابن اكيمة عن أبى هريرة ، ولا تكون المنازعة إلا فما جهر فيه المأموم وراء الإمام ، ويدل على ذلك قول أبى هريره وهو راوى الحديث فىذلك : اقرأ بها فى نفسك يافارسى انتهى . وقال البيهقى فى كتاب القراءة : ثم إن كان كره النبى صلى الله عليه وسلم من قراءته شيئا فإنما كره جهره بالقراءة خلف الامام ، ألا تراه قال: أيكم قرأ بسبح اسم ربك الأعلى، فلولا أنه رفع صوته بقراءة هذه السورة وإلا لم يسم له ماقرأ، ونحن نكره للمأموم رفع الصوت بالقراءة خلف الامام، فأما أن يترك أصل القراءة فلا ، وقد روينا عن عمران بن حصين رضى الله عنه فى هذا المكتاب ماروى عنه فى القراءة خلف الإمام ، وذلك يؤكد ما قلنا انتهى . وأماحديث جابر بن عبد الله فهو بجميع طرقه ضعيف كما ستعرف . وقد استدل القائلون بالقراءة خلف الإمام فى السرية دون الجهرية بقوله تعالى ( وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وانصتوا ، وبحديث أبى موسى : وإذا قرأ فانصتوا ، وسيأتى الجواب عن ذلك فانتظر . قوله ( واختار أصحاب الحديث أن لا يقرأ الرجل إذا جهر الإمام بالقراءة وقالوا يتبع سكتات الامام ) جاءفيه حديث مرفوع رواه الحاكم عن عطاء عن أبى هريرة مرفوعا من صلى صلاة مكتوبة مع الإمام فليقرأ بفاتحة الكتاب فى سكتاته ، ورواه ٢٣٦ البيهقى فى كتاب القراءة من طريق محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا وفيه : من صلى صلاة مع إمام يجهر فليقرأ بفاتحة الكتاب فى بعض سكناته ، فإن لم يفعل فصلاته خداج غير تمام . وقال بعد روايته ما لفظه: ومهد ابن عبد الله بن عبيد بن عمير وإن كان غير محتج به ، وكذلك بعض من تقدم ممن رواه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده فلقراءة المأموم فاتحة الكتاب فى سكنة الامام شواهد صحيحة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده خبرا عن فعلهم ، وعن أبى هريرة وغيره من فتواهم ونحن نذكرها إن شاء الله تعالى فى ذكر أقاويل الصحابة انتهى كلامه . قلت : قد ذكر البيهقى فى هذا الكتاب فى أقاويل الصحابة بإسناده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنهم كانوا يقرأون خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أنصت ، فإذا قرأ لم يقرأوا وإذا أنصت قرأوا . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهى خداج . ثم ذكر بإسناده عن سعيد بن جبير قال : كانوا إذا كبروا لا يفتحون القراءة حتى يعلم أن من خلفه قد قرأوا فاتحة الكتاب. قال البيهقى: وقرأت فى كتاب القراءة خلف الإمام تصنيف البخارى قال : قال ابن خثيم: قلت لسعيد بن جبير : اقرأ خلف الإمام قال نعم وإن سمعت قراءته فإنهم قد أحدثوا ما لم يكونوا يصنعونه ، إن السلف كان إذا أم أحدهم الناس كبر ثم أنصت حتى يظن أن من خلفه قرأ بفاتحة الكتاب ثم قرأ وأنصت انتهى ما فى كتاب القراءة قلت : قال الحافظ ابن حجر فى نتائج الأفكار : هذا موقوف صحيح ، فقد أدرك سعيد بن جبير جماعة من علماء الصحابة ومن كبار التابعين انتهى . ثم ذكر البيهقى بإسناده عن هشام بن عروة عن أبية قال : يابنى اقرأوا فى سكتة الإمام فإنه لا تتم صلاة إلا بفاتحة الكتاب، ثم ذكر بإسناده عن عبد الملك بن المغيرة عن أبى هريرة قال : كل صلاة لا يقرأ فيها بأم الكتاب فهى خداج ثم هى خداج ، فقال بعض القوم : فكيف إذا كان الإمام يقرأ ، قال أبو سلمة : للامام سكتتان فاغتنموهما : سكتة حين يكبرو سكتة حين يقول غير المغضوب عليهم ولا الضالين : قال ٢٣٧ وقد اختلفَ أَهلُ العلم فى القراءةِ خلفَ الإِمامِ فرأى أكثرُ أهلِ العلم مِن أَصحابِ النبى صلى الله عليه وسلم والتابعينَ ومَنْ بَعدهم القراءةَ خلف الإمامِ فهذا الجواب من أبى سلمة بن عبد الرحمن کان بین یدی أبى هريرة ولم ینکر عليه ذلك فهو كما قاله أبو هريرة ، وروايه العلاء بن عبد الرحمن تشهد لذلك بالصحة انتهى . قلت : رواية العلاء ليست مقيدة بقراءة المأموم فى سكتات الإمام ، ففى محيح مسلم : فقيل لأبى هريرة: إنا نكون وراء الإمام ، فقال : اقرأ بها فى نفسك الحديث . وعند البيهقى فى هذا الكتاب ص ٢١ قال : قلت يا أبا هريرة إنى أسمع قراءة الإمام ، بقال يافارسى ، أو يا ابن الفارسى اقرأ فى نفسك . وعنده أيضا فى هذا الكتاب ص ١٩ قلت يا أبا هريرة فكيف أصنع إذا جهر الإمام قال: إقرأ بها فى نفسك: ثم ذكر البيهقى فإسناده : قال مكحول : إقرأ بها ، يعنى بالفاتحة فيما جهر به الإمام إذا قرأ بفاتحة الكتاب وسكت سراوإن لم يسكت اقرأ بها قبله ومعه وبعده لا تتركها على حال انتهى . قوله ( وقد اختلف أهل العلم فى القراءة خلف الإمام فرأى أكثر أهل العلم من من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والت بعين ومن بعدهم القراءة خلف الإمام ) وهو قول عمر بن الخطاب وعلى بن أبى طالب رضى الله عنهما . أخرج الدار قطنى فى سننه بإسناده عن يزيد بن شريك أنه سأل عمر عن القراءة خلف الإمام فقال : اقرأ بفاتحة الكتاب ، قلت: وإن كنت. قال: وإن كنت أنا قلت: وإن جهرت ؟ قال: وإنجهرت . قال الدارقطنى : رواية كلهم ثقات وأخرجه بإسناد آخر وقال هذا إسناد محيح . وأخرج بإسناده عن عبيد الله ابن أبى رافع قال : كان على يقول اقرأوا فى الركعتين الأوليين من الظهر والعصر خلف الامام بفاتحة الكتاب وسورة ، قال الدار قطنى بعد إخراجه هذا إسناد صحيح ، خرجه بإسناد آخر بلفظ : كان يأمر أو يقول : إقرأوا خلف الإمام فى الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة ، وفى الأخريين أو بفاتحة الكتاب . وقال الحاكم فى المستدرك : قد صحت الرواية عن عمر وعلى أنهما كانا يأمران بالقراءة خلف الامام انتهى . وإن شئت أن تقف على آثار الصحابة فى ٢٣٨ وبه يقولُ مالكٌ وابنُ المبارَكِ والشافعىُّ وَأَحمدُ وإِسحاقُ. وَرُوِىَ عن عبدِ الله بن المباركِ أَنه قال: أَنا أَقْرَأُ خلفَ الإِمامِ والناس يَقْرَ أُونَ، إِلاَّ قَوْمٌ من الكُوفِينَ. وَأَرَى أَنَّ مَن لم يقرأْ صَلاَتُهُ جائزةٌ . وشدَّدَ قومٌ مِن أهلِ العلم فى تركِ قراءةٍ فاتحةِ الكتابِ، وإِنْ كان خلفَ الإمام ، فقالوا : لا تُجْزِئُ صلاةٌ إِلّ بقراءَةِ فاتحةِ الكتابِ، وَحْدَهُ كانَ أوْ خلفَ الإِمامِ وَذَهَبُوا إِلى ما رَوَى عبادةُ بن الصامتِ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم . القراءة خلف الإمام فارجع إلى كتابنا تحقيق الكلام ، وإلى كتاب القراءة خلف الإمام للبیہقی . ( وبه يقول مالك وابن المبارك والشافعى وأحمد وإسحاق ) قال البخارى فى جزء القراءة : وكان سعيد بن المسيب وعروة والشعبى وعبيد الله بن عبد الله ونافع بن جبير وأبو المليح والقاسم بن عمر وأبو مجلز ومكحول ومالك بن عون وسعيد بن عروبة يرون القراءة ، وقال فيه: وقال الحسن وسعيد بن جبير وميمون بن مهران وما لا أحصى من التابعين وأهل العلم أنه يقرأ خلف الإمام وإن جهر انتهى ( وروى عن عبد الله ابن المبارك أنه قال: أنا أقرأ خلف الإمام والناس يقرأون إلا قوم من الكوفيين ) يعنى أبا حنيفة وأصحابه فهم لا يرون القراءة خلف الإمام لا فى السرية ولا فى الجهرية ، وظهر من كلام ابن المبارك هذا أن كل من كان فى عهدابن المبارك من التابعين وأتباعهم كانوا يقرأون خلف الإمام غير قوم من أهل الكوفة (وأرى أن من لم يقرأ) أى خلف الإمام ( صلاته جائزة) فابن المبارك كان يقرأ خلف الإمام ولكن لم يكن من القائلين بوجوب القراءة خلف الإمام ( وشدد قوم من أهل العلم فى ترك قراءة فاتحة الكتاب وإن كان خلف الإمام فقالوا : لا تجزىء صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب وحده كان أو خلف الإمام قولهم هذا هو القول الراجح المنصور وذهبوا إلى ما روى عبادة بن الصامت عن النبى صلى الله عليه وسلم ) قال: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب . فإن لفظ: من فى هذا الحديث من ألفاظ العموم ، فهو شامل للمأموم قطعا كما هو شامل للامام والمنفرد، وكذلك لفظ: صلاة فى قوله : لاصلاة عام يشمل كل صلاة فرضا كانت أو نقلا، صلاة الإمام ٢٣٩ وقرأ عبادة بن الصامت بعدَ النبى صلى الله عليه وسلم خلفَ الإمامِ، وتَأَوَّلَ قولَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: (( لاصلاةَ إِلاَّ بقراءةٍ فاتحةِ الكتاب)). وبه يقولُ الشافعىُّ وإسحاقُ وغيرُها . كانت أو صلاة المأموم أو صلاة المنفرد ، سرية كانت أو جهرية . قال الحافظ ابن عبد البر : وقال آخرون لا يترك أحد من المأمومين قراءة فاتحة الكتاب فيما جهر الإِمام بالقراءة لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يخص بقوله ذلك مصليا من مصل انتهى . وقال الحافظ فى الفتح : واستدل به على وجوب قراءة الفاتحة على المأموم سواء أسر الامام أو جهر لأن صلاته صلاة حقيقة فتنتفى عند انتفاء القراءة انتهى . (وقرأ عباده بن الصامت بعد النبى صلى الله عليه وسلم خلف الإمام وتأول قول النبى صلی الله عليه وسلم لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب) روى الدار قطنى عن زيد بن واقد عن حرام ابن حكيم ومكحول عن نافع بن محمود بن الربيع كذا قال أنه سمع عبادة ابن الصامت يقرأ بأم القرآن وأبو نعيم يجهر بالقراءة فقلت : رأيتك صنعت فى صلاتك شيئا قال وما ذاك قلت : سمعتك تقرأ بأم القرآن وأبو نعيم يجهر بالقراءة قال: نعم صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض الصلوات التى يجهر فيها بالقراءة فلما انصرف قال: منكم من أحد يقرأ شيئا من القرآن إذا جهرت بالقراءة قلنا نعم يارسول الله ،فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أقول مالى أنازع القرآن فلا يقرأن أحد منكم شيئا من القرآن إذا جهرت بالقراءة إلا بأم القرآن . رواه الدار قطنى وقال هذا إسناد حسن ورجاله ثقات كلهم ( وبه يقول الشافعى وإسحاق وغيرهما ) قال الخطابى فى معالم السنن : قد اختلف العلماء فى هذه المسألة تروى عن جماعة من الصحابة أنهم أوجبوا القراءة خلف الإمام وقد روى عن آخرين أنهم كانوا لا يقرأون، وافترق الفقهاء فيه على ثلاثة أقاويل، ٢٤٠ وأما أحمدُ بن حنبلِ فقال: معنى قولِ النبيِّ صلى الله وعليه وسلم: ((لاصلاةَ لِن لم يَقْرَأْ بفاتحةِ الكتابِ)): إذا كان وَحْدَهُ. واحتَجَّ بحديثٍ جابر بن عبد الله حيثُ قالَ: مَن صلّى رَكّمَةً لم يقرأ فيها بِمٌ القرآنِ فلم يُصَلِّ، إلاَّ أن يكونَ وراءَ الإِمامِ . قال أحمدُ : فهذا رجلٌ مِن أصحابٍ النبيِّ صلى الله عليه وسلم تَأْوَلَ قولَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ((لاصلاةَ لمن لَمْيقرأ بفاتحةِ الكتابِ)): أَنَّ هذا إذا كان وحدَه. واخْتَرَ أُحمدٌ مع هذا القراءةَ خلفَ الإِمامِ ؛ وأن لا يتْرُكَ الرجلُ فاتحة الكتابِ وإنْ كان خلف الإمامِ. فكان مكحول والأوزاعى والشافعى وأبو ثور يقولون لا بد من أن يقرأ خلف الامام فيما جهزُ به وفما لم يجهر من الصلاة، وقال الزهرى ومالك وابن المبارك وأحمد وإسحاق: يقرأ فيما أسر الإمام فيه ولا يقرأ فيما جهر به ، وقال سفيان الثورى وأصحاب الرأى لا يقرأ خلف الإمام جهر أو أسر انتهى كلام الخطاب . تنبيه : قال العينى فى شرح البخارى تحت حديث عبادة المذكور ما لفظه: استدل بهذا الحديث عبد الله بن المبارك والأوزاعى ومالك والشافعى وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود على وجوب قراءة الفاتحة خلف الإمام فى جميع الصلوات . انتهى . قلت : هذا وهم من العينى ، فإن عبد الله بن المبارك لم يكن من القائلين بوجوب القراءة خلف الإمام كما عرفت ، وكذلك الإمام مالك والإِمام أحمد لم يكونوا قائد ين بوجوب قراءة الفاتحة خلف الإمام فى جميع الصلوات . ( وأما أحمد بن حنبل فقال معنى قول النبى صلى الله عليه وسلم لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب إذا كان وحده) وكذا قال سفيان كما ذكره أبو داود فى سننه قلت: قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخص إلا بدليل من الكتاب والسنة ولا يجوز تخصيصه بقول أحمد ولا بقول سفيان واحتج بحديث جابر بن عبد الله حيث قال من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصل إلا أن يكون وراء الإمام هذا قول جابررضى الله عنه