Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
فروضها وركن من أركانها، واستدلوا عليه بأحاديث الباب فإن حديث عبادة بلفظ: لاصلاة
لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، تنبيه بليغ على ركنية الفاتحة كما تقدم ورواه الدار قطنى وابن
خزيمة وابن حبان وغيرهم بإسناد صحيح بلفظ: لا تجزىء صلاة لا يقرأفيها بفاتحة الكتاب
كما ذكره الحافظ فى الفتح. فهذه الرواية نص صريح فى ركنية الفاتحة لا يحتمل تأويلا
وحديث أبى هريرة وغيره بلفظ: من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهى خداج أيضا
يدل على ركنية الفاتحة فى الصلاة . فإن معنى قوله خداج أى ناقصة نقص فساد وبطلان ..
قال الزعشرى فى أساس البلاغة: ومن المجاز خدج الرجل فهو خادج إذا نقص عضو منه
وأخدجه الله فهو مخدج وكان ذو الثدية مخدج اليد ، وأخدج صلاته نقص بعض أركانها
وصلاتى مخدجة وخادجة وخداج وصف بالمصدر انتهى .
وقال الخطابى فى معالم السنن : فهى خداج أى ناقصة نقص بطلان وفساد تقول العرب
أخدجت الناقة إذا ألقت ولدها وهو دم لم يستبن خلقه فهى مخدج، والخداج إسم مبنى منه .
وقال البخارى فى جزء القراءة : قال أبو عبيد أخدجت الناقة إذا أسقطت والسقط ميت
لا ينتفع به انتهى .
وقال الجزرى فى النهاية: الخداج النقصان يقال خدجت الناقة إذا ألقت ولدها قبل
أوانه وإن كان تام الخلق ، وأخدجته إذا ولدته ناقص الخلق، وإن كان لتمام الحمل انتهى .
وقال فى المصباح المنير : قال أبو زيد خدجت الناقة وكل ذات خف وظلف وحافر
إذا ألقت ولدها لغير تمام الحمل. وزاد ابن القوطية وإن تم خلقه وأخدجته بالألف ألقته
ناقص الخلق انتهى .
قلت والمراد من القاء الناقة ولدها لغير تمام الحمل وإن تم خلقه إسقاطها والسقط
میت لا ينتفع به کما عرفت، فظهر من هذا كله أن قوله فهی خداج معناه ناقصة نقص
فساد وبطلان، ويدل عليه مارواه البيهقى فى كتاب القراءة بإسناده عن أبى هريرة قال قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تجزىء صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب. قلت فإن كنت
خلف الامام قال فأخذ بیدی وقال إقرأ فى نفسك یافارسى، قال البيهقى رواه ابن خزيمة.
الامام عن محمد بن يحي محتجا به على أن قوله فى سائر الروايات فهى خداج المراد به
النقصان الذى لا يجزىء معه انهى .
فالحاصل أن استدلال أكثر أهل العلم وجمهورهم بأحاديث الباب على ركنية الفاتحة

٦٢
فى الصلاة صحيح لاغبار عليه وقولهم هو الراجح المنصور ، وقال الحنفية بأن قراءة الفاتحة
فى الصلاة ليست بفرض ، وأجابوا عن حديث عبادة بأن النفى فى قوله : لاصلاة للكمال.
ورد هذا الجواب بوجهين الأول أن رواية ابن خزيمة وغيره بلفظ: لا تجزى، صلاة لا يقرأ
فيها بفاتحة الكتاب تبطل تأويلهم هذا إبطالا صريحا وهذه الرواية صحيحة صرح بصحتها
أئمة الفن قال الحافظ فى التلخيص : ورواه يعنى حديث عبادة الدار قطنى بلفظ : لا تجزىء
صلاة إلا أن يقرأ الرجل فيها بأم القرآن ، وصححه ابن القطان أنهى. وقال القارى فى المرقاة
نقلا عن ابن حجر المكى . ومنها خبر ابن خزيمة وابن حبان والحاكم فى صحاحهم بإسناد
مححیح : لا تجزی, صلاة لا يقرأ فها بفاتحة الكتاب ورواه الدار قطنى بإسناد حسن
وقال النووی : رواتہ کلہم تقات اتهیو الثانیانالنفی فی قوله : لاصلاة إما أن يراد بهنفی
الحقيقة أو نفى الصحة أو نفى الكمال فالأول حقيقة والثانى والثالث مجاز والثانى أعنى نفى الصحة
أقرب المجازين إلى الحقيقة والثالث أعنى نفى الكمال أبعدهما فعل النفى على الحقيقة واجب
إن أمكن وإلا فمله على أقرب المجازين واجب ومتعين ، ومع إمكان الحقيقة أو أقرب
المجازين لا يجوز حمله على أبعد المجازين . قال الشوكانى فى النيل والحديث يعنى حديث عبادة
يدل على تعين الفاتحة فى الصلاة وأنه لا يجزىء غيرها وإليه ذهب مالك والشافعى وجمهور
العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم لأن النفى المذكور فى الحديث يتوجه إلى الذات إن
أمكن انتفاؤها وإلا توجه إلى ماهو أقرب إلى الذات وهو الصحة لا إلى الكمال ، لأن
الصحة أقرب المجازين والكمال أبعدهما والحمل على أقرب المجازين واجب . وتوجه النفى
ههنا إلى الذات ممكن كما قال الحافظ فى الفتح لأن المراد بالصلاة معناها الشرعى
لا اللغوى لما تقرر من أن ألفاظ الشارع محمولة على عرفه لكونه بعث لتعريف
الشرعيات لالتعريف الموضوعات اللغوية، وإذا كان المنفى الصلاة الشرعية استقام نفى الذات
لأن المركب كما ينتفى بانتفاء جميع أجزائه ينتفى بانتفاء بعضها فلا يحتاج إلى إضمار الصحة
ولا الإجزاء ولا الكمال كما روى عن جماعة لأنه إنما يحتاج إليه عند الضرورة وهى عدم
إمكان انتفاء الذات . ولو سلم أن المراد ههنا الصلاة اللغوية فلا يمكن توجه النفى إلى الذات
لأنها قد وجدت فى الخارج كما قاله البعض ، لكان المتعين توجيه النفي إلى الصحة
أو الإجزاء لا إلى الكمال ما أولا فلما ذكرنا من أن ذلك أقرب المجازين وأما ثانيا فلرواية
الدار قطنى المذكورة فى الحديث فإنها مصرحة بالإجزاء فتعين تقديره انتهى كلام الشوكانى

٦٣
وقال الحافظ فى الفتح إن سلمنا تعذر الحمل على الحقيقة ، فالحمل على أقرب المجازين إلى
الحقيقة أولى من الحمل على أبعدهما ، ونفى الإجزاء أقرب إلى نفى الحقيقة وهو السابق
إلى الفهم ولأنه يستلزم نفى الكال من غير عكس فيكون أولى، ويؤيده رواية الاسماعيلى
من طريق العباس بن الوليد الترسى أحد شيوخ البخارى عن سفيان بهذا الاسناد بلفظ
لا تجزىء صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، وتابعه على ذلك زياد بن أيوب أحد الأثبات
أخرجه الدار قطنى وله شاهد من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبى هريرة
مرفوعا بهذا اللفظ أخرجه ابن خزيمة وابن حبان وغيرهما ولأحمد من طريق عبد الله
ابن سوادة القشيرى عن رجل عن أبيه مرفوعا: لا نقبل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن
انتهى كلام الحافظ وأجاب الحنفية عن حديث أبى هريرة المذكور بأن لفظ الخداج يدل
على النقصان لا على البطلان لأنه وقع مثل هذا فى ترك الدعاء بعد الصلاة فى حديث فضل
بن عباس ورد بأنه يدل على أن من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فصلاته ناقصة نقص
بطلان وفساد وقد عرفت بيانه ولم يقع لفظ الخداج فى حديث فضل بن عباس على ترك
الدعاء بعد الصلاة فقط بل على ترك مجموع ماذكر فى هذا الحديث ولفظه هكذا : الصلاة
مثنى مثنى تشهد في كل ركعتين وتخشع وتضرع وتمسكن تم تقنع يديك يقول ترفعهما
إلى ربك مستقبلا .
تنبيه : إعلم أن مذهب الحنفية ، أن قراءة الفاتحة ليست بفرض بل هى واجبة قالوا
الفرض عندنا مطلق القراءة لقوله تعالى: فاقرأوا ماتيسر من القرآن. وتقيدهبالحديث زيادة
على الكتاب وذا لا يجوز فعملنا بالكتاب والحديث. فقلنا إن مطلق القرآن فرض
وقراءة الفاتحة واجب .
قلت إثبات فرضية مطلق القرآن بهذه الآية مبنى على أن المراد من قوله تعالى: فاقرأوا
قراءة القرآن عينها وهو ليس بمتفقعليه بل فيه قولان قال الرازى فى تفسيره فيه قولان
الأول أن المراد من هذه القراءة الصلاة أى فصلوا ماتيسر عليكم. القول الثانى: أن المراد
من قوله (فاقرأوا ماتيسر من القرآن ) قراءة القرآن بعينها انتهى. وهكذا فى عامة كتب
التفسير والقول الثانى فيه بعد عن مقتضى السياق قال الشيخ الألوسى البغدادى فى تفسيره
المسمى بروح المعانى: أى فصلوا ماتيسر لكم من صلاة الليل. عبر عن الصلاة بالقراءة كماعبر

٦٤
عنها بسائر أركانها . وقيل الكلام على حقيقته من طلب قراءة القرآن بعينها . وفيه بعد عن
مقتضى السياق انتهى كلامه . فلما ظهر أن فى قوله تعالى (فاقرأوا) القولين المذكورين وأن
القول الثانى فيه بعد لاح لك أن الاستدلال به على فرضية مطلق القراءة غير صحيح ولو
سلمنا أن المراد هو القول الثانى: أعنى قراءة القرآن بعينها حديث الباب مشهور بل متواتر
قال الامام البخارى فى جزء القراءة تواتر الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لا صلاة
إلا بقراءة أم القرآن)) انتهى والزيادة بالحديث المشهور جائز عند الحنفية على أن قوله تعالى
((فاقرأوا ماتيسر من القرآن)) عام مخصوص منه البعض فهو ظنى فلا يدل على فرضية مطلق
القراءة ويجوز تخصيصه ولو بالاحاديث قال الملاجيون فى تفسيره ثم أقل القراءة فرضاعندنا
آية واحدة طويلة كآية الكرسى وغيرها، أو ثلاث آيات قصيرة كمدهامتان، وهذاهو الأصح
وقيل إنه واحدة طويلة كانت أو قصيرة ، وذلك مما لا يعتد به ينادى عليه كتب الفقه وعلى
كل تقدير يكون مادون الآية مخصوصا من هذا العام ، فيكون العام ظنيا فينبغى أن لايدل
على فرضية القراءة وأن يعارضه الحديث حجة للشافعى انتهى كلامه . وأما ماقيل من أن
.الآيه لا يسمى قراءة القرآن عرفا والعرف قاض على الحقيقة اللغوية فهذا دعوى لادليل
عليها ويلزم منها أن يكون ((مدهامتان)) التى هى كلمة واحدة قراءة القرآن ولا يكون
أكثر آية المداينة التى هى كلمات كثيرة قراءة القرآن وهذا كما ترى ، وأيضا يلزم منه أنه
لو قرأ أحد نصف آية المداينة فى الصلاة لا تجوز. وعامة الحنفية على جوازها. قال فى فتح
القدير . ولو قرأ نصف آية المداينة قيل لا يجوز لعدم تمام الآية وعامتهم على الجواز انتهى.
فإن قلت قوله صلى الله عليه وسلم حين تعليم المسىء صلاته: ((إذا قمت إلى الصلاة فكبر
ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن)) رواه البخارى يدل على عدم فرضية الفاتحة إذ لو كانت
فرضا لأمره لأن المقام مقام التعليم فلا يجوز تأخير البيان عنه .
قلت قد أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بقراءة الفاتحة فأخرج أبو داود فى سننه
من حديث رفاعة بن رافع مرفوعاً ((وإذا قمت فتوجهت فكبر ثم اقرأ بأم القرآن وبما شاء
الله أن تقرأ وأجاب الخطابى عن هذا بأن قوله ((ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن)) ظاهر
الإطلاق التخيير لكن المراد به فاتحة الكتاببدلیل حديث عبادة وهو کقوله تعالى (فما
استيسر من الهدى) ثم عينت السنه المراد . والحاصل أن قراءة الفاتحة فى الصلوات فرض
من فروضها ولم يقم دليل صحيح على ماذهب إليه الحنفية. هذا ما عندى والله تعالى أعلم .

٦٥
١٨٤ - بابُ
ما جاء فى التأمين-
٢٤٨ - حدثنا بُنْدَارٌ حدثنا يَحْى بنُ سعيدٍ وعبدُ الرحمنِ بنُ مَهدِىّ
قالا : حدثنا سفيانُ عن سَلَمَةَ بنِ كُهْلٍ عن حُجْرِ بنِ عَنْبَسٍ عن وائلٍ بِنِ
حُجْرِ قال: ((سمعتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قرأ (غَيْرِ المغضوبِ عليهِمْ
ولا الضالين )
( باب ما جاء فى التأمين )
التأمين مصدر أمن أى قال آمين وهى بالمد والتخفيف فى جميع الروايات وعن جميع
القراء وحكى الواحدى عن حمزة والكسائى الإمالة، وفيها ثلاث لغات أخرى شاذة:
القصر أى أمين ، والتشديد مع المد والقصر أى آمين وأمين وخطأ الأخريين جماعة
وأما الأولى منها فحكاها ثعلب وأنشد لها شاهداً . وأنكرها ابن درستويه وطعن فى
الشاهد بأنه لضرورة الشعر ومعنى آمين : اللهم استجب ، عند الجمهور وقيل غير ذلك مما
يرجع جميعه إلى هذا المعنى، وقيل هو اسم من أسماء الله تعالى رواه عبد الرزاق عن
أبى هريرة بإسناد ضعيف وعند أبى داود من حديث أبى زهير النميرى الصحابى أن آمين
مثل الطابع على الصحيفة ثم ذكر قوله صلى الله عليه وسلم إن ((ختم بآمين فقد أوجب)).
قوله (حدثنا بندار ) بضم الموحدة وسكون النون لفب محمد بن بشار بن عثمان العبدى
أحد أوعية السنة قال الذهبى انعقد الاجماع على الاحتجاج بيندارنا (يحيى بن سعيد) القطان
أحدأئمة الجرح والتعديل ( قالا نا سفيان ) هو الثورى ( عن سلمة بن كهيل ) الحضرمى
الكوفى ، قال الحافظ ثقة ، وقال الخزرجى وثقه أحمد والعجلى . واعلم أن سامة هذا
وكله بفتح اللام ، إلا عمرو بن سلمة إمام قومه وبنى سلامة القبيلة من الانصار فيكسرها
وفى عبد الخالق بن سلمة الوجهان (عن حجر ) بضم الحاء المهملة وسكون الجيم (بن
عنبس ) بفتح العين المهملة وسكون النون وفتح الموحدة ، الحضرمى صدوق من كبار
التابعين قاله الحافظ وقال الخزرجى وثقه ابن معين ( عن وائل بن حجر ) بضم الحساء
المهملة وسكون الجيم ، أبن سعد بن مسروق الحضرمى صحابي جليل وكان من ملوك اليمن
ثم سكن الكوفة ومات فى ولاية معاوية رضى الله عنه .
(٥ - تحفة الأحوذي ٢ )
:

٦٦
وقال آمين، ومَدَّ بها صَوْتَهَ)).
قوله(وقال آمين) فيه دليل على أن الإمام يقول آمين وهذا موضع اختلف فيه العلماء
فروى ابن القاسم عن مالك أن الإمام لا يقول آمين وإنما يقول ذلك من خلفه وهو قول
المصريين من أصحاب مالك وقال جمهور أهل العلم يقولها الامام كما يقول المنفردوهو قول مالك فى
رواية المدنيين ، وحجتهم أن ذلك ثابت عن النبى صلى الله عليه وسلم من حديث أبى هريرة
ووائل بن حجر وحديث بلال : لا تسبقنى بآمين. كذا فى الاستذكار قلت عن أبى
حنيفة أيضاً فى ذلك قولان: أحدهما أنه يؤمن من خلف الإمام ولا يؤمن الامام ذكره
محمد فى الموطأ والثانی کقول الجمهور ذكره محمد فى الآثار ولاشك فى أن قول الجمهور هو
الحق. ( ومد بها صوته) أی رفع بها صوته وجهر. ورواه أبو داود بإسناد صحيح بلفظ
جهر بآمين ورواه أيضاً بإسناد صحيح بلفظ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ
ولاالضالين قال آمين ورفع بها صوته فظهر أن المراد من قوله ومد بها صوته جهر بها
ورفع صوته بها فإِن الروايات يفسر بعضها بعضا . قال الحافظ فى التلخيص: احتج الرافعى
بحديث وائل الذى بلفظ مد بها صوته على استحباب الجهر بآمين وقال فى أماليه :
يجوز حمله على أنه تكلم على لغة المد ، دون القصر من جهة اللفظ ولكن رواية من
قال رفع بها صوته تبعد هذا الاحتمال ، ولهذا قال الترمذى عقبه : وبه يقول غير واحد
يرون أنه یرفع صوته انتهى . وقال الشيخ عبد الحق الدهلوی فی اللمعات قوله (( مد بها
صوته أى بكلمة آمين يحتمل الجهر بها ويحتمل مد الألف على اللغة الفصيحة والظاهر
هو الأول بقرينة الروايات الأخر، ففى بعضها بها يرفع صوته وهذا صريح فى معنى الجهر
وفى رواية ابن ماجة حتى يسمعها الصف الأول فيريج بها المسجد وفى بعضها يسمعها من
كان فى الصف الأول، رواه ابو داود ابن ماجة . انتهى كلام الشيخ .
قلت قول من قال أن قوله مد بها صوته يجوز حمله على أنه تكلم على لغة المد دون القصر
غير صحيح ولا يجوز حمله على هذا البتة لما عرفت ، ولأن هذا اللفظ لا يطلق إلا على
رفع الصوت والجهر كما لا يخفى على من تتبع مظان استعمال هذا اللفظ ونحن نذکر ههنا
بعضهاروى البخارى فى صحيحه عن البراء قال : لما كان يوم الأحزاب وخندق رسول الله
صلى اللهعليه وسلم الحديث ، وفيه يقول : اللهم لولا أنت ما اهتدنا . ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا ، وثبت الأقدام إن لاقينا . إن الألى قد بغوا علينا . وإن
أرادوا فتنة أبينا . قال يمد صوته بآخرها انتهى وروى الترمذى عن أبى بكرة أن
سول الله صلى الله عليه وسلم قال: أسلم وغفار ومزينة خير من تميم وأسد وغطفان

٦٧
وفى الباب عن علىّ وأبى هريرة .
وبنى عامر بن صعصعة يمد بها صوته فقال القوم قد خابوا وخسروا قال فهم خير منهم .
قال الترمذى : هذا حديث حسن. وروى أبو داود وغيره حديث أبى محذورة فى الترجيع
بلفظ (( ثم ارجع فمد من صوتك)) فلفظ يمد صوته بآخرها فى الأول ويمد بها صوته
فى الثانى ((وفمد من صوتك)) فى الثالث لم يطلق إلا على رفع الصوت وكذلك إذا
تتبعت هذا اللفظ أعنى لفظ المد مع الصوت فى مظان استعماله لا تجد إلا فى معنى رفع
الصوت ، فقول من قال إن قوله مد بها صوته فى حديث الباب يجوز حمله على أنه تكلم
على لغة المد ليس مما يلتفت إليه والحديث حجة قوية لمن قال بسبنية الجهر بالتأمين ورفع
الصوت به وهو القول الراجح المعول عليه .
قوله (وفي الباب عن على وأبى هريرة) وفى الباب أيضاً عن أم الحصين . أما حديث
على فأخرجه الحاكم بلفظ قال (( سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول آمين إذا قرأ
عير المغضوب عليهم ولا الضالين)) وأخرج أيضا عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا
قرأ ولا الضالين رفع صوته بآمين. كذا فى إعلام الموقعين . وأما حديث أبى هريرة
فأخرجه الدار قطنى والحاكم قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من قراءة أم القرآن
رفع صوته وقال آمين. قال الحافظ فى التلخيص بعد ذكر هذا الحديث ، قال الدار قطنى
إسناده حسن والحاكم صحيح على شرطهما والبيهقى حسن صحيح انتهى. وذكره الحافظ
الزيلعى فى نصب الراية وسكت عنه وقال الحافظ ابن القيم فى اعلام الموقعين رواه الحاكم
بإسناد صحيح انتهى . ولأبى هريرة حديث آخر فى الجهر بالتأمين رواه النسائي عن نعيم
الجمر ، قال صليت وراء أبى هريرة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ثم قرأ بأم القرآن
حتى إذا بلغ غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقال آمين ، فقال الناس آمين . الحديث
وفى آخره قال: والذى نفسى بيده إنى لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم وإسناده
صحيح وأما حديث أم الحصين فأخرجه إسحاق بن راهويه فى مسنده قال: أخبرنا النضر
بن شميل ثنا هارون بن الأعور عن إسماعيل بن مسلم عن أبى اسحاق عن ابن أم الحصين عن
أمه أنها صلت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قال ولا الضالين قال آمين ،
فسمعته وهى فى صف النساء ذكره الحافظ بن حجر والحافظ الزیلمی فی تخريجها للهداية وسکتا
عنه وذكر هذا الحديث الهيثمی فی مجمع الزوائد وقال بعد ذكرهرواه الطبرانى فى الكبير
وفيه إسماعيل بن مسلم المكى وهو ضعيف انتهى .

٦٨
قال أبو عيسى حديثُ وائِلِ بن حُجْرٍ . حديثٌ حسنٌ وبه يقولُ غيرُ
واحدٍ مِنْ أهلِ العلم مِنْ أَصحابِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم والتابعين ومَن
بعدَمْ يَرَوْنَ أَن يرفَعَ الرجُلُ صوتَه بالتأمين ولا يُخْنِهاً .
قوله ( حديث وائل بن حجر حديث حسن ) وأخرجه أبو داود وابن ماجة قال
الحافظ فى التلخيص سنده صحيح وصححه الدار قطنى وأعله ابن القطان بحجر بن عنبس وأنه
لا يعرف وأخطأ فى ذلك بل هو ثقة معروف قيل له صحبة ووثقه يحيى ابن معين وغيره
انتهى قلت وسكت عنه أبو داود ونقل المنذرى تحسين الترمذى وأقره وقد أعترفغير
واحد من العلماء الحنفية بأن حديث وائل بن حجر هذا صحيح كالشيخ عبد الحق
الدهلوى فى ترجمة المشكاة وأبى الطيب المدنى فى شرح الترمذى وابن التركمانى فى
الجوهر النقي وغيرهم .
وقال الفاضل اللكنوى فى السعاية لقد طفنا كما طفتم سفينا بهذا البيت طرا جميعنا
فوجدنا بعد التأمل والإِمعان أن القول بالجهر بآمين هو الأصح لكونه مطابقا لما روى
عن سيد بنى عدنان ورواية الخفض عنه صلى الله عليه وسلم ضعيفة لاتوازى روايات الجهر
وأى ضرورة داعية إلى حمل روايات الجهر على بعض الأحيان أو الجهر للتعليم مع عدم
ورود شىء من ذلك فى رواية ، والقول بأنه كان فى ابتداء الأمر أضعف لأن الحاكم قد
محمحه من رواية وائل بن حجر وهو إنما أسلم فى أواخر الأمر كما ذكره ابن حجر فى
فتح البارى وقال فى التعليق الممجد : الإنصاف أن الجهر قوی من حیث الدلیل انتهى .
قوله ( وبه يقول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين
ومن بعدهم يرون أن يرفع الرجل صوته بالتأمين ولا يخفيها ) وقال البخارى فى صحيحه:
أمن ابن الزبير ومن معه حتى إن للمسجد للجة انتهى . قال العينى وصله عبد الرزاق عن
ابن جريج عن عطاء قلت له أ كان ابن الزبير يؤمن على أثر أم القرآن قال نعم ويؤمن
من وراءه حتى أن للمسجد للجة ، ثم قال إنما آمين دعاء. ورواه الشافعى عن مسلم
بن خالد عن ابن جريج عن عطاء قال: كنت أسمع الأمة ابن الزبير ومن بعدهم يقولون
آمين ويقول من خلفه آمين حتى إن للمسجد للجة . وفى المصنف حدثنا ابن عيينة قال لعله
ابن جريج عن عطاء عن ابن الزبير قال كان للمسجد رجة أو قال لجة إذا قال الإمام
ولا الضالين وروى البيهقى عن خالد بن أبى أيوب عن عطاء قال: أدركت مائتين من

٦٩
وبه يقول الشافعىُ وأَحمدُ وإِسحاقُ.
أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم فى هذا المسجد إذا قال الإمام غير المغضوب عليهم ولا الضالين
سمعت لهم رجة بآمين انتهى. وكذلك ذكر الحافظ فى الفتح رواية عبد الرزاق
ورواية البيهقى .
قلت : وكذلك قد ثبت جهر الصحابة والتابعين بالتأمين خلف أبى هريرة كما تقدم
ولم يثبت من أحد من الصحابة الإسرار بالتأمين بالسند الصحيح ، ولم يثبت عن أحد منهم
الإنكار على من جهر بالتأمين فقد ثبت إجماع الصحابة رضى الله عنهم على الجهر بالتأمين
على طريق الحنفية ، فإنهم قالوا إن ابن الزبير أفتى فى زنجى وقع فى بئر زمزم بنزح
مائها وذلك بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليه أحد فكان إجماعا فكذلك يقال إن ابن
الزبير أمن بالجهر فى المسجد بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليه أحد ، بل وافقوه
وجهروا معه بآمين حتى كان للمسجد للجة ، فكان إجماع الصحابة على الجهر بالتأمين
( وبه يقول الشافعى وأحمد وإسحاق ) قال الحافظ ابن القيم : سئل الشافعى عن الإمام
هل يرفع صوته بآمين قال نعم ويرفع بها من خلفه أصواتهم إلى أن قال : ولم يزل أهل
العلم عليه انتهى وهذا القول أعنى الجهر بالتأمين للأمام ولمن خلفه هو الراجح القوى
يدل عليه أحاديث الباب .
وقال الحنفية بالإسرار بالتأمين والإخفاء به ، واستدلوا على ذلك بحديث وائل
الذى ذكره الترمذى بعد هذا بلفظ : أن النبى صلى الله عليه وسلم قرأ غير المغضوب عليهم
ولا الضالين فقال آمين وخفض بها صوته. وهو حديث لا يصلح للاحتجاج كما ستعرف
واستدل بعضهم بحديث سمرة ابن جندب أنه حفظ عن رسول الله صلى اللهعليه وسلم سكتين
سكتة إذا كبر وسكتة إذا فرغ من قراءة غير المغضوب عليهم ولا الضالين قال الأظهر
أن السكتة الثانية كانت للتأمين سراً .
والجواب . أن السكنة الثانية لم تکن للتأمین سراً لأنه صلى الله عليه وسلم كان مجهر
صوته بالتأمين ، ولم يثبت عنه صلى الله عليه وسلم الإسرار بالتأمين فكيف يقال إنها كان
للتأمين سرا ، بل السكتة الثانية كانت لأن يتراد إليه نفسه كما صرح به قتادة فى
بعض رواياته .
واستدلوا أيضا بأثر عمر وعلى رضى الله عنهما: روى الطحاوى عن أبى وائل قال
كان عمر وعلى لا يجهران يبسم الله الرحمن الرحيم ولا بالتعوذ ولا بآمين .

٧٠
وَرَوَى شعبةُ هذا الحديثَ عن سلمةَ بنِ كُهَيْلٍ عن حُجْرِ أَبِىِ المُنْبَسِ عن
عَلْقَمَةَ بنِ وائلٍ عن أَبيه أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قرأ ( غيرِ المغضوبِ عليهِمْ
وَلاَ الضالين) فقال: آمين ، وَخَفَضَ بها صوتَه)).
قال أبو عيسى : سمعت محمداً يقول: حديثُ سفيانَ أَصخُ من حديثٍ شعبةً
فى هذا، وأَخطأ شعبةُ فى مواضعَ مِنْ هذا الحديثِ فقال عن حُجْرٍ أَبِىِ العَنْبَسِ
وَإِنما هو حُجْرُ بنُ العَقَْسِ وَيُكَّى أَبَ السَّكْنِ. وَزادَ فيه عن عَلَقَمَةَ بنِ وائلٍ،
والجواب : أن هذا الأثر ضعيف جدا فإن فى سنده سعيد بن المرزبان البقال قال
الذهب فى الميزان : تر که الفلاس وقال ابن معین لا یکتب حديثه وقال البخاری منکر
الحديث انتهى وقال الذهبى فى ترجمة أبان بن جبلة الكوفى : نقل ابن القطان أن البخارى
قال كل من قلت فيه منكر الحديث فلا تحل الرواية عنه انتهى .
واستدلوا أيضاً بقول ابراهيم النخعى: خمس يحفيهن الإمام سبحانك اللهم وبحمدك،
والتعوذ، وبسم الله الرحمن الرحيم ، وآمين ، واللهم ربنا لك الحمد رواه عبد الرزاق .
والجواب : أن قول ابراهيم النخعى هذا مخالف للأحاديث المرفوعة الصحيحة
فلا يلتفت إليه . قال الفاضل اللكنوى فى السعاية: أما أثر النخعى ونحوه فلا يوازى
الروايات المرفوعة انتهى .
قوله (وروى شعبة هذا الحديث عن سلمة بن كهيل عن حجر أبى العنبس عن علقمة بن
وائل عن أبيه أن النبى صلى الله عليه وسلم قرأ غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقال آمين
وخفض بها صوته) نخالف شعبة سفيان الثورى فى رواية هذا الحديث فى ثلاثة مواضع
کما بینه الترمذى بعد بقوله : وأخطأ شعبة فىمواضع الخ ( سمعت محمدا يقول حديث سفيان
أصح من حديث شعبة فى هذا) أراد بقوله أصح الصحيح ، والمعنى أن حديث سفيان
صحيح وحديث شعبة ليس بصحيح ، فإنه أخطأ فيه فى مواضع ( وأخطأ شعبة فى مواضع
من هذا الحديث ) أى فى ثلاثة مواضع منه ( فقال ) أى شعبة (عن حجر أبى العنبس
وإنما هو حجر بن العنبس ) كما فى رواية سفيان ( ويكنى) أى حجر بن العنبس (أبالسكن)
أى ليس كنيته أبا العنبس بل كنيته أبو السكن وهذا هو الموضع الأول من خطأ شعبة
( وزاد فيه عن علقمة بن وائل ) أى زاد بين حجر ووائل علقمة بن وائل (وليس فيه

وليس فيه عَنْ علقمةَ .
عن علقمة ) كما فى رواية سفيان ، وهذا هو الموضع الثانى من خطأ شعبة .
فإن قيل : سفيان وشعبة كلاهما ثقتان حافظان ، فلم نسب الخطأ فى هذين الموضعين
إلى شعبة ولم ينسب إلى سفيان ؟
قلنا : نسب الخطأ إلى شعبة دون سفيان لأربعة وجوه الأول : أن شعبة كان يخطىء
فى الرجال كثيرا ، وأما سفيان فلم يكن يخطىء قال الحافظ فى تهذيب التهذيب فى ترجمة
شعبة : ثقة ثبت فى الحديث ، وكان يخطىء فى أسماء الرجال قليلا ، وكذلك نقل الحافظ
عن أبى داود ثم قال بعد عدة أسطر : وأما ما تقدم من أنه كان يخطىء فى الأسماء فقد
قال الدار قطنى فى العلل : كان شعبة يخطىء فى أسماء الرجال كثيرا لتشاغله بحفظ المتون
انتهى كلام الحافظ . وقد ذكر الترمذى خطأ شعبة فى مواضع من جامعه فمنها فى باب
وضوء النبي صلى الله عليه وسلم كيف كان. قال الترمذى : وروى شعبة هذا الحديث يعنى
حديث على عن خالد بن علقمة فأخطأ فى اسمه واسم أبيه فقال مالك بن عرفطة قال
والصحيح خالد بن علقمة . ومنها فى باب ماجاء فى التخشع فى الصلاة ، قال الترمذى :
سمعت محمد بن إسماعيل يقول : روى شعبة هذا الحديث يعنى حديث الفضل بن عباس عن
عبد ربه بن سعيد فأخطأ فى مواضع ، فقال عن أنس بن أبى أنيس وهو عمران بن أبى
أنس ، وقال عن عبد الله بن الحارث وإنما هو عبد الله بن نافع بن العميا عن ربيعة بن
الحارث ، وقال شعبة عن عبد الله بن الحارث عن المطلب عن النبى صلى الله عليه وسلم
وإنما هو عن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب عن الفضل بن عباس عن النبى صلى الله
علیه وسلم قال أحمد : وحديث الليث بن سعد أصح من حديث شعبة انتهى. ومنها فى باب
كراهية الطواف عريانا حدثنا ابن عمر ونصر بن على قالانا سفيان عن أبى إسحاق نحوه
یعنی نحو الحديث المذ کور وقالا زيد بن شع وهذا أصح وشعبة وهم فيه فقال زيد بن
أثیل انتهى .
والوجه الثانى أن شعبة كان شاكا يشك كثيرا فى الأسانيد والمتون ، وأما شعبة فلم
يكن شاكا ،

٧٢
والوجه الثالث أن شعبة وسفيان لاشك فى أنهما ثقتان حافظان ، لكن سفيان أحفظ
من شعبة كما ستقف على هذا .
والوجه الرابع أن شعبة قد تفرد بما قال فى روايته فى هذين الموضعين ، ولم يتابعه
على ذلك أحد ، وأما سفيان فلم يتفرد بما قال فى روايته فيهما ، بل تابعه على ذلك العلاء
بن صالح، وعلى بن صالح، ومحمد بن سلمة فبهذه الوجوه قد نسب الخطأ إلى شعبة ولم
ينسب إلى سفيان .
فإن قيل : قد أجاب العينى فى شرح البخارى عما نسب إليه الترمذى من الخطأ الأول
حیث قال قوله هو حجر بن العنبس وليس بأبى العنبس ، ليس كما قاله ، بل هو أبو
العنبس حجر بن العنبس وجزم به ابن حبان فى الثقات فقال كنيته كاسم أبيه ، وقول
محمد : يكنى أبا السكن لا ينافى أن تكون كنيته أيضا أبا العنبس لأنه لا مانع أن يكون
لشخص کنیتان انتهى .
قلنا لم يثبت من كتب الرجال والتراجم أن كنية حجر بن العنبس أبو العنبس أيضا
وأن له كنيتان ، ولم يصرح به أحد من أئمة الفن غير ابن حبان مع أنه يحتمل أن يكون
مبنى قوله هو رواية شعبة فالظاهر أنه خطأ شعبة كما نص عليه الإمام البخارى والحافظ
أبو زرعة والله أعلم .
فإن قيل : قد تابع سفيان شعبة فى أبى العنبس . أخرج أبو داود حدثنا محمد بن كثير
انا سفيان عن سلمة بن كهيل عن حجر أبى العنبس الحضرمى الحديث وأخرج الدار قطنى
فى سننه حدثنا عبد الله بن أبى داود السجستانى حدثنا عبد الله بن سعيد الكندى حدثنا
وكع والمحاربى قالا حدثنا سفيان عن سلمة بن كهيل عن حجر أبى العنبس وهو ابن
العنبس الحديث فثبت أن شعبة ليس متفردا بأبى العنبس ، بل ذكره محمدبن کثیر وو کیع
والمحاربى عن سفيان الثورى أيضاً .
قلنا : كل من قال فى روايته عن سفيان عن سلمة بن كهيل عن الحجر أبى العنبس
فروايته غير محفوظة أما رواية محمد بن كثير فإنه قد خالف فى ذكر حجر أبى العنبس
يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدى فإنهما قالا فى روايتهما حجر بن العبس
كما فى رواية الترمذى المذكورة، وهما أحفظ وأتقن من محمد بن كثير وأما رواية وكيع
والمحاربى فقد تفرد بها عبد الله بن سعيد الكندى. وقد خالف فى ذكر حجر أبى العنبس

٧٣
وَ إِنَّ هُوَ حُجْرُ بنُ عَنْبَسٍ عَنَ وَائِلِ بنِ حُجْرٍ وَقَالَ : وَخَفضَ بِهَاَ صوتَ
وَإِنما هُوَ مَذَّ بِهِا صَوْتَهُ.
أحمد بن حنبل وأحمد بن سنان ويعقوب الدورقى ، فإن هؤلاء الثقات الحفاظ قالوا فى
رواياتهم : حجر بن العنبس قال أحمد بن حنبل فى مسنده حدثنا وكيع ثنا سفيان عن سلمة
بن كهيل عن حجر بن عنبس عن وائل بن حجر قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قرأ
ولا الضالين فقال آمین یمد بها صوته . وقال الدار قطنى فى سننه حدثنا على بنعبد الله بن
مبشر ثنا أحمد بن سنان ح وحدثنا أبو محمد بن صاعد ثنا يعقوب الدور قی قالا: ناعبدالرحمن
عن سفيان عن سلمة عن حجر بن عنبس قال سمعت وائل بن حجر قال سمعت النى صلى الله
عليه وسلم قرأ غير المغضوب عليهم ولاالضالين قال آمين ، ومد بها صوته. قلت : الظاهر
أن عبد الرحمن هذا هو المحاربى ففى كون لفظ أبى العنبس فى رواية سفيان محفوظا كلام .
فإن قيل : قد أجاب العينى أيضا عما نسب الترمذى إلى شعبة من خطئه الثانى حيث
قال : وقوله وزاد فيه علقمة لايضر ، لأن زيادة الثقة مقبولة لاسيما من مثل شعبة انتهى
قلنا قد عرفت آنفا أن شعبة كان يخطىء كثيرا فى الرجال وأنه قد تفرد بهذه الزيادة
ولم يتابعه عليها أحد لاثقة ولا ضعيف وقد خالف فى ذكر هذه الزيادة سفيان والعلاء
بن صالح وعلى بن الصالح ومحمد بن مسلمة ، فإن هؤلاء لم یذ کروا فىرواياتهم هذهالزيادة
وستعرف أن سفيان أحفظ من شعبة وأنه قد تقرر أن شعبة إذا خالف سفيان فالقول
قول سفيان ومع هذا كله قد نص الإمام البخارى رحمه الله تعالى على أن شعبة أخطأ فى هذه
الزيادة فالظاهر أن شعبة أخطأ فى هذه الزيادة والله تعالى أعلم (وقال خفض بها صوته.
وأنما هو مد بها صوته) هذا هو الموضع الثالث من المواضع التى أخطأ فيها شعبة فقول
شعبة فيه : وخفض بها صوته خطأ والصواب مد بها صوته كما رواه سفيان .
فان قيل إن سفيان وشعبة كليها ثقتان ثبتان أمير المؤمنين فى الحديث وليس أحد
منهما أحق بالخطأ من الآخر ، فلقائل أن يقول إن سفيان هو الذى أخطأ فى قوله ((ومد
بها صوته)) فأى دليل على أن المخطىء هو شعبة .
قلنا إن هنا أدلة عديدة على أن المخطىء هو شعبة فمنها أن سفيان وشعبة وإن كانا
ثقتين حافظين لكنهما ليسا بمتساويين فى الحفظ ، بل سفيان أحفظ من شعبة وقد نص

٧٤
على هذه شعبة نفسه . قال الحافظ الذهبى فى تذكرة الحفاظ كان شعبة يقول سفيان أحفظ
منى إنتهى . وقال الترمذى فى باب ماجاء ص٤٢٤ فى تعليم القرآن قال على بن عبد الله قال
يحيى بن سعيد : ما أحد يعدل عندى شعبة وإذا خالفه سفيان أخذت بقول سفيان
سمعت أبا عمار يذكر عن وكيع قال شعبة : سفيان أحفظ منى وما حدثنى سفيان عن أحد
بشىء فسألته إلا وجدته كما حدثنى إنتهى وبطل بهذا قول من قال إن شعبة جعل سفيان
أحفظ من نفسه هضما لنفسه وقد صرح أئمة الحديث بأن سفيان أحفظ من شعبة قال
الحافظ الذهبى فى تذكرة الحفاظ : قال صالح جزرة سفيان أحفظ من شعبة يبلغ حديثه
ثلاثين ألف وحديث شعبة نحو عشرة آلاف إنتهى . وقال الحافظ بن حجر فى تهذيب
التهذيب فى ترجمة سفيان : قال أبو حاتم وأبو زرعة وابن معين هو أحفظ من
شعبة انتهى .
ومنها أنه قد تقرر أن شعبة إذا خالف سفيان فالقول قول سفيان. قال الزيلعى
فى نصب الراية نقلا عن البيهقى : قال يحيى القطان ويحيى بن معين : إذا خالف شعبة
سفيان فالقول قول سفيان انتهى. ولذلك رجح الترمذى حديث سفيان على حديث شعبة
لما اختلفا فى سند حديث: خيركم من تعلم القرآن وعلمه . حيث زاد شعبة فيه رجلا ولم يزده
سفيان قال الترمذى فى جامعه : كان حديث سفيان أشبه . قال على بن عبد الله قال يحى
بن سعيد : ماعندى أحد يعدل شعبة وإذا خالفه سفيان أخذت بقول سفيان إلى آخر ما
نقلت عن الترمذى آنفا ولذلك رجح أبو داود حديث سفيان على حديث شعبة لما اختلفا
فى حديث اشتراء سراويل حيث قال سفيان فيه وثم رجل يزن بالأجر ولم يقل شعبة يزن
بالأجر قال أبو داود فى سننه رواه قیس کما قال سفيان والقول قول سفيان حدثنا أحمد
بن حنبل ثنا و کیح عن شعبة قال کان سفیان أحفظ منی انتهى كلام أبى داود .
تنبيه : كلام الترمذى وكلام أبى داود هذان يدلان على أن المراد بالمخالفة فى قول
يحمى القطان ويحى بن معين إذا خالف شعبة سفيان فالقول قول سفيان -المخالفة فى الرواية،
فبطل قول من قال إن المراد بالمخالفه المخالفه فى الفقة والدراية .
ومنها أن شعبة لم يتابعه أحد فى قوله: وخفض بها صوته لا ثقة ولا ضعيف . وأما
سفيان فقد تابعه فى قوله مدبها صوته ثلاثة: أحدهم العلاء بن صالح ، فإنه قد روى هذا
الحديث عن سلمة بن كهيل نحو حديث سفيان كما ذكره الترمذى فى هذا الباب والعلاء

٧٥
ابن صالح ثقة والثانى على بن صالح قال أبو داود فى سننه حدثنا مخلد بن خالد الشعير
حدثنا ابن نميرنا على بن صالح عن سلمة بن كهيل عن حجر بن عنبس عن وائل بن حجر أنه
صلى خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم جهر بآمين الحديث ، وعلى بن صالح أيضاً ثقة .
والثالث محمد بن سلمة قال الدار قطنى بعد رواية حديث شعبة ما لفظه : هكذا قال شعبة
وأخفى بها صوته ويقال إنه وهم لأن سفيان الثورى ومحمد بن سلمة وغيرهما رووه عن
سلمة بن كهيل فقالوا ورفع بها صوته انتهى . ومحمد بن سلمة ضعيف فتابع سفيان ثقتان
وضعيف ولم يتابع شعبة أحد لا ثقة ولا ضعيف .
ومنها أن سفيان لم يرو عند خلاف المد بالصوت والرفع والجهر لا بسند صحيح ولا بسند
ضعيف وأما شعبة فروى عنه خلاف الخفض والإخفاء ، فروى عنه موافقا لحديث
سفيان فى السند والمتن قال الزيلعى فى نصب الراية : وطعن صاحب التنقيح فى حديث
شعبة هذا بأنه قد روى عنه خلافه كما أخرجه البيهقى فى سننه عن ابن الوليد الطيالسى
ثنا شعبة عن سلمة بن كهيل سمعت حجرا أبا عنبس يحدث عن وائل الحضرمى أنه صلى
خلف النبي صلى الله عليه وسلم فلما قال ولا الضالين قال آمين رافعا بها صوته قال فهذه
ار-اية توافق رواية سفيان وقال البيهقى فى المعرفة: إسناد هذه الرواية محميح انتهى .
قلت : وقال البيهقي فيحتمل أن يكون تنبه لذلك فعاد إلى الصواب فى متنه وترك ذكر
علقمة فى إسناده: انتهى كلام البيهقى فهذه الأدلة بمجموعها تدل على أن المخطىء هو شعبة ،
ولذلك جزم الإمام البخارى والحافظ أبو زرعة الرازى بخطأ شعبة وقال البيهقى قد أجمع
البخارى وغيره من الحفاظ على أن شعبة أخطأ فى هذا الحديث ، فقد روى من أوجه
فهربها انتهى . وقال الحافظ فى التلخيص : وقد رجحت رواية سفيان بمتابعة اثنين له
بخلاف شعبة ، ولذلك جزم النقاد بأن حديث سفيان أصح وأرجح من حديث شعبة انتهى.
قلت: فإذا ثبت أن حديث سفيان بلفظ : مد بها صوته هو الصواب وأن حديث شعبة
بلفظ : وخفض بها صوته خطأ . ظهر لك أن القول برفعالصوت بالتأمين والجهر به هو
الراجح القوى المعول عليه .
وأجاب الحنفية عن أحاديث الجهر بالتأمين واعتذروا عن العمل بها ، بما لا ينبغى
الالتفات إليها .

٧٦
فقال بعضهم قال عطاء آمين دعاء ، وقد قال الله تعالى ( أدعوا ربكم تضرعا
وخفية ) انتهى .
قلت : تقرير استدلال هذا البعض على الشكل الأول هكذا آمين دعاء ، وكل دعاء
لابد أن يخفى به لقوله تعالى (أدعوا ربكم تضرعا وخفية) فآمين لابد أن يخفىبها ولا شك
فى أنه لو ثبت صحة الصغرى وكلية الكبرى صحت هذه النتيجة ، لكن فى صحة الصغرى
نظرا فإنا لا نسلم أن آمين دعاء بل نقول إنها كالطابع والخاتم للدعاء كما عند أبى داود
من حديث أبى زهير النميرى الصحابى أن آمين مثل الطابع على الصحيفة ، ثم ذكر قوله
صلى الله عليه وسلم إن ختم بآمين فقد أوجب. ولو سلمنا أن آمين دعاء فنقول إنها ليست
بدعاء مستقل بالاصالة بل هى من توابع الدعاء ، ولذلك لا يدعى بآمين وحدها ، بل
يدعى بدعاء أولا ثم تقال هى عقيبه فالظاهر أن يكون الجهر بها والاخفاءبها تابعا لأصل
الدعاء إن جهرا جهرا، وإن سرا فسرا ولو سلمنا أن آمين دعاء بالأصالة فلا نسلم
كلية الكبرى، ألا ترى أن اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم إلخ دعاء
ويقرأ فى الصلاة الجهرية بالجهر ، وكذلك كثير من الأدعية قد ثبت الجهر بها فهذا
الاستدلال مما لا يصغى إليه .
وقال بعضهم : إن الجهر كان أحيانا للتعليم ، كما جهر عمر بن الخطاب بالثناء عمر
الافتاح كذلك كان الجهر بالتأمين تعليما .
قلت : القول بأن جهره صلى الله عليه وسلم بالتأمين كان للتعليم ، سخيف جداً فإنه
ادعاء محض لا دليل عليه ، ويدل على سخافته أن الصحابة رضى الله عنهم كانوا يجهرون
خلف الإمام حتى كان للمسجد رجة ، فلو كان جهره صلى الله عليه وسلم بالتأمين للتعليم لم
يجهروا بالتأمين خلف إمامهم وأيضا لو كان جهره به للتعليم كان أحيانا لا على الدوام
وقد روى أبو داود وغيره بلفظ (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأولا الضالين
قال آمین ورفع بها موته فهذا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان يداوم على الجهر .
فإن قلت أخرج الدولابى فى كتاب الأسماء والكنى : حدثنا الحسن بن على بن عفان
قال حدثنا الحسن بن عطيه قال أنبأنا يحيى بن سلمة بن كهيل عن أبيه عن أبى سكن
حجر بن عنبس الثقفى قال سمعت وائل بن حجر الحضرمى يقول رأيت رسول الله صلى الله
عليه وسلم فذكر الحديث وفيه ((وقرأ غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقال آمين يمد بها

قَالَ أَبُو عِيسَى: وَسَأَلْتُ أَبَاَ زُرْعَةَ عن هذا الحديثِ فَقَالَ: حَدِيثُ سُفْيَانَ
فِى هَذَا أَصَحُّ. قالَ رَوَى العَلَاَءِ بنُ صالحِ الأَسَدِىُّ عَنْ سَلَمَةَ بنِ كُهْلِ نَحَوَ
رِوَايةٍ سُفْيَانَ .
صوته ما أراد إلا يعلمنا )) فقوله ما أراد إلا يعلمنا فى هذه الرواية يدل على أن جهره
صلى الله عليه وسلم بالتأمين كان للتعليم .
قلت : قد تفرد بزيادة قوله ما أراد إلا يعلمنا يحيى بن سلمة بن كهيل عن أبيه وهو
متروك ، قال الحافظ فى التقريب فى ترجمته متروك و کان شیعیا انتهى . وقد روی حدیث
وائل بن حجر هذا من طرق كثيرة وليس فى واحد منها هذه الزيادة فهذه الزياده منكرة
مردوده فالاستدلال بهذه الزيادة المنكرة على أن الجهر بالتأمين كان أحياناً للتعليم باطل جداً .
قوله (وسألت أبا زرعة) الرازى اسمه عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فروخ
المخزومى أحدثقة الحفاظ تقدم ترجمته فى المقدمة قال ابن وارة سمعت إسحاق بن راهويه
يقول كل حديث لا يعرفه أبو زرعة ليس له أصل كذا فى تهذيب التهذيب (قال) أى أبو زرعة
(روى العلاء بن صالح الأسدى ) قال الحافظ فى تهذيب التهذيب: العلاء بن صالح التيمى
ويقال الأسدى الکوفی وسماه أبو داود فىروايته على بنصالح وهو وهم روی عنالمنهال
بن عمرو ، وعدی بن ثابت ، وسلمة بن کھیل وروى عنه أبو أحمد الزبيرى ، وعبد الله
بن نمير . قال بن معين وأبو داود ثقة وقال ابن معين أيضاً: وأبو حاتم لا بأس به قال الحافظ :
له عند الترمدیحدیثوائل فى الصلاة انتهى . قلت : روى أبو داود فىسننه حديث وائل
من طريق ابن نمير عن على بن صالح عن سلمة بن كهيل وذكر الحافظ فى هذا الكتاب
فى ترجمة على بن صالح : روى عن أبيه وأبى إسحاق السبيعى وسلمة بن كهيل وعنه أخوه
وابن عيينة ووكيع وأبو أحمد الزبيرى وابن نمير انتهى فإذا ثبت أن العلاء بن صالح
الأسدې وعلى بن صالح رجلان وكلاهما یرویان عن سلمة بن کھیل ویروی عن كلیها
ابن نمير فالظاهر أن العلاء بن صالح وعلى بن صالح كليهما يرويان حديث وائل عن سلمة بن
كھیل ، ويروى عن كليهما ابن مير فلا أدري لم جزم الحافظ بأنه سماه أبو داود فى روايته
على بن صالح وهو وهم فتفكر .

٧٨
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدَّثَنَا أَبُو بكرٍ مُحَمَّدُ بنُ أَبَانَ حدَّثَنَاَ عَبْدُ اللهِ بنُ نُمَير
عن العَلاَءِ بنِ صَالِحِ الْأَسدىِّ عن سَلَةَ بنِ كُهْلٍ عَنْ حُجْرٍ بِنٍ عَنْبَسٍ عن
وَائِلٍ بِنِ حُجْرٍ عَنْ النبيِّ صلى اللهُ عليهِ وَسَم نَحْوَ حَدِيثٍ سُفْيَنَ عَنْ سَمَّةً بِنٍ
◌ُهْلٍ .
١٨٥ - بابُ
ما جاء فى فَضْلِ الْتَأْمِيْنِ
٢٥٠ - حدثنا أبو كرَيْبٍ مُحَّدُ بنُ الغَلاَءِ حَدَّثْنَ زَيْدُ بنُ حُبَابٍ قالَ:
حَدَّث ◌َنِى مالكُ بنُ أَنسٍ حَدَّثناَ الزُّهْرِىُّ عَنْ سعيدِ بنِ المسيَّبِ وَأَبِى سَلَّمَّةَ عَنْ أَبِى
هُرَيْرَةَ عَنْ النّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قال: إِذَا أَمْنَ الإِمَمُ فَأَمِّنُوا، فَإِنَّهُ مَنْ
مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ المَلائِكَةِ، غُفِرَ لَهُ ما تقدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ)).
قوله ( ثنا أبو بكر محمد بن أبان ) بن وزير البلغى المستملى يلقب حمدويه وكان
مستعلى وكيع ثقة حافظ، قاله الحافظ روى عن ابن عيينة وغندر وطبقتهما وعنه البخارى
وأصحاب السنن الأربع مات سنة ١٤٤ أربع وأربعين ومائة ( ناعبد الله بن نمير ) بضم
النون مصغراً الهمدانى أبو هشام الكوفى ثقة صاحب حديث من أهل السنة من رجال
الكتب الستة .
( باب ما جاء فى فضل التأمين )
قوله ( إذا أمن الإمام فأمنوا ) أى إذا قال الإمام آمين فقولوا آمين وهذا يدل على
أن الإمام يجهر بالتأمين وجه الدلالة أنه لو لم يكن تأمين الإمام مسموعا للمأموم لم يعلم به
وقد علق تأمينه بتأمينه وأجيب بأن موضعه معلوم فلا يستلزم الجهربه وفيه نظر لاحتمال
أن يخل به فلايستلزم علم المأموم به وقد روى روح بن عبادة عن مالك فى هذا الحديث
قال ابن شهاب وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال ولا الضالين جهر بآمين .
أخرجه السراج ، ولا بن حبان من رواية الزيدى فى هذا الحديث عن ابن شهاب : كان
إذا فرغ من قراءة أم القرآن رفع صوته وقال آمين كذا فى الفتح (فإنه من وافق تأمينه

٧٩
قَالَ أَبُو عِيسَى: حَدِيثُ أَبِى هُرَيْرَةَ. حَديثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
١٨٦ - بابُ ما جاء فِ السَّكْنَتَيْنِ
٢٥١ - حَدَّثَنَا محمّدُ بنُ الْمَفَّ حدثنا عَبدُ الاعْلَى عَنْ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ
عن الحَسَنِ عَنْ سَمُرَةً قَالَ: ((سَكْتَتَنِ حَفِظْتُهُمَاَ عن رسول الله صلى اللهِ
تأمين الملائكة ) زاد يونس عن ابن شهاب عند مسلم فإن الملائكة تؤمن قبل قوله ،
فمن وافق وهو دال على أن المراد الموافقة فى القول والزمان خلافا لمن قال المراد الموافقة
فى الإخلاص والخشوع كابن حبان ثم ظاهره أن المراد بالملائكة جميعهم واختاره بن
بزيزة ، وقيل الحفظة منهم وقيل الذين يتعاقبون منهم إذا قلنا أنهم غير الحفظة . والذى يظهر
أن المراد بهم من يشهد تلك الصلاة من الملائكة ممن فى الأرض أو فى السماء ففي رواية
للبخارى : إذا قال أحدكم آمين وقالت الملائكة فىالسماء آمین . وروی عبد الرزاق عن
عكرمة قال صفوف أهل الأرض على صفوف أهل السماء فإذا وافق آمين فى الأرض
آمين فى السماء غفر للعبد، ومثله لا يقال بالرأى فالمصير إليه أولى قاله الحافظ ( غفر له
ما تقدم من ذنبه ) ظاهره غفران جميع الذنوب الماضيه وهو محمول عند العلماء على الصغائر
لورود الاستثناء فى غيرهذه الرواية .
قوله ( حديث أبى هريرة حديث حسن صحيح) وأخرجه البخارى ومسلم وغيرهما .
( باب ماجاء فى السكتين )
قوله ( عن الحسن) البصری ثقة فقيه فاضلمشهور و کان یرسل کثیرا ویدلس وقال
البزار: کان یرویعن جماعة لم يسمع منهم فيتجوز ویقول حدثنا وخطبنا ، یعنی قومه الذين
حدثوا وخطبوا بالبصرة من أوساط التابعين ( عن سمرة) بفتح أول وضم ثانيه ابن
جندب بن هلال الفزاری حلیف الأنصار صحابی مشهور ( سکتان حفظتها عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم) وفى رواية لأبى داود حفظت سكتين فى الصلاة سكتة إذا

٨٠
عليه وسلم ، فَأَنكَرَ ذَلِكَ عُمْرانُ بنُ حُصَيْنِ قالَ: حَفِظْنَا سَكْتَّةً، فَكَتَبْنَا إِلى
أُبِىِّ بنِ كَعْبٍ بالمدِينَةِ، فَكَتَبَ أُبَىُّ أَنْ ((حَفِظَ سَمْرَةُ)). قَل سَعِيدٌ: فَقُلْنَا
لِقَّدَةَ: مَا هَتَنِ السَّكْتَن؟ قال: إِذَا دَخَلَ فِىِ صَلاَتِهِ . وإذا فَرَغَ من
القِراءةِ، ثمّ قالَ بعدَ ذلك: وإذا قرأ ﴿ ولا الضَّالين) قال: وكان يُعْجِبُهُ إذا
فرغَ من القراءةِ أن يَسْكُتَ حتى يَتَرَادَّ إِلَيْهِ نَفْسُهُ.
كبر الإمام حتى يقرأ وسكتة إذا فرغ من فاتحة الكتاب وسورة عند الركوع وفى رواية
أخرى له سكتة إذا كبر وسكتة إذا فرغ من قراءة غير المغضوب عليهم ولا الضالين
فأنكر ذلك) أى ماحفظه سمرة من السكنتين (عمران بن حصين ) بالتصغير كان من علماء
الصحابة وكانت الملائكة تسلم عليه وهو ممن اعتزل الفتنة ( قال ) أى عمران ( حفظنا
سكتة ) أى واحدة ( فكتبنا) قائلة سمرة ( إلى أبي بن كعب) الأنصارى الخزرجى
سيد القراء كتب الوحى وشهد بدراً وما بعدها وقد أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن
يقرأ عليه رضى الله عنه وكان ممن جمع القرآن ( فكتب أبى) بن كعب ( أن ) بفتح
الهمزة وسكون النون (حفظ سمرة) وفى رواية أبى داود فصدق سمرة (إذا دخل فى
صلاة) هذه السكتة لدعاء الاستفتاح وقد وقع بيانها فى حديث أبى هريرة أنه صلى الله
عليه وسلم كان يسكت بين التكبير والقراءة يقول (( اللهم باعد بينى وبين خطاياى))
الحديث (وإذا فرغ من القراءة ) أى كلها كما فى رواية لأبى داود وهذه السكتة ليتراد
إليه نفسه كما يأتى بيانها فى قول قتادة ( ثم قال ) أى قتادة (بعد ذلك وإذا قرأ ولا الضالين
قال النووى عن أصحاب الشافعى يسكت قدر قراءة المأمومين الفاتحة قال ويختار الذكر
والدعاء والقراءة سراً لأن الصلاة ليس فيها سكوت فى حق الإمام انتهى .
قلت تعيين هذه السكتة بهذا المقدار واختيار الذكر والدعاء والقراءة سرا فى هذه
السكنة للامام محتاج إلى الدليل قال الشوكانى حصل: من مجموع الروايات ثلاث سكتات
الأولى بعد تكبير الإحرام ، والتانية إذا قرأ ولا الضالين والثالثة إذا فرغ من القراءة
كلها. قيل وهى أخف من الأولى والثانية وذلك بقدر ما تنفصل القراءة عن التكبير ،
فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصل فيه انتهى .