Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
وكان الزهرى يرى أن الأمر بالوضوء مما مست النار ناسخ لأحاديث الإباحة لأن
الإباحة سابقة .
واعترض عليه بحديث جابر قال : كان آخر الآمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم
ترك الوضوء مما مست النار، رواه أبو داود والنسائى وغيرهما. لكن قال أبو داود
وغيره إن المراد بالأمر هنا الشأن والقصة لامقابل النهى ، وأن هذ اللفظ مختصر من
حديث جابر المشهور فى قصة المرأة التى صنعت للنبي صلى الله عليه وسلم شاة فأكل منها
ثم توضأ وصلى الظهر ثم أكل منها وصلى العصر ولم يتوضأ. فيحتمل أن تكون هذه
القصة وقعت قبل الأمر بالوضوء ممامست النار وأن وضوءه لصلاة الظهر كان عن حدث
لا بسبب الأكل من الشاة ،
وحكى البيهقى عن عثمان الدارمى أنه قال لما اختلفت أحاديث الباب ولم يتبين الراجح
منها نظرنا إلى ما عمل به الخلفاء الراشدون بعد النبي صلى الله عليه وسلم فرجحنا به أحد
الجانبين ، وارتضى النووى بهذا فى شرح المهذب ، وبهذا تظهر حكمة تصدير البخارى
حديث الباب ، يعنى حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل كتف شاة
ثم صلى ولم يتوضأ، بالأثر المنقول عن الخلفاء الثلاثة . قال النووي: كان الخلاف فيه معروفا
بين الصحابة والتابعين ثم استقر الإجماع على أنه لا وضوء مما مست النار إلا ما تقدم
استثناؤه من لحوم ! بل .
وجمع الخطابى بوجه آخر وهو أن أحاديث الأمر محمولة على الاستحباب لا على
الوجوب كذا فى الفتح .
قلت: واختاره صاحب المنتقى فقال : هذه النصوص يعنى التى فيها ترك الوضوء ممامست
النار إنما تنفى الإيجاب لا الاستحباب، ولهذا قال الذى سأله أنتوضأ من لحوم الغنم قال إن
شئت فتوضأ وإن شئت فلاتتوضأ . ولولا أن الوضوء من ذلك مستحبا لما أذن فيه لأنه
إسراف وتضييع للماء بغير فائدة انتهى. واختار الشوكانى أن حديث الأمر بالوضوء
مما مست النار ليس بمنسوخ فقال فى النيل : وأجاب الأولون يعنى الذين قالوا بترك
الوضوء مما مست النار عن ذلك يعنى عن حديث الأمر بالوضوء مما مست النار بجوابين .
الأول أنه منسوخ بحديث جابر

٢٦٢
٦٠ - بابُ .
مَ جَاءٍ فِى الْوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ
٨١ - حدّثنا هَنَّدٌ حَدثنا أبو مُعَاوِيَةَ عنِ الأعْمَشِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ
عَبْدِ اللهِ الرَّازِى عَنْ عَبْدِ الرََّمَنِ بنِ أَبِى لَيْلَى عَنِ الْبَرَاءِ بِن ◌َازِبِ قَلِ
الثانى أن المراد بالوضوء غسل الفم والكفين
قال : ولا يخفاك أن الجواب الأول إنما يتم بعد تسليم أن فعله صلى الله عليه وسلم
يعارض القول الخاص بنا وينسخه ، والمتقرر فى الأصول خلافه .
وأما الجواب الثانى فقد تقرر أن الحقائق الشرعية مقدمة على غيرها وحقيقة الوضوء
الشرعية هى غسل جميع الأعضاء التى تغسل للوضوء فلا تخالف هذه الحقيقة إلا لدليل .
وأما دعوى الإجماع فهى من الدعاوى التى لا يهابها طالب الحق ولا يحول بينه وبين
مراده منه ، نعم الأحاديث الواردة فى ترك الوضوء من لحوم الغنم مخصصة لعموم الأمر
بالوضوء ممامست النار ، وماعدا لحوم الغنم داخل تحت ذلك العموم. انتهى كلام الشوكانى
( باب الوضوء من الجوم الإِبل )
٨١ - قوله ( نا أبو معاوية) هو محمد بن خازم الضرير أحد الأمة ثقة ( عن عبد الله
بن عبد الله) الهاشمى مولاهم الرازى الكوفى القاضى، عن جابر بن سمرة وعبد الرحمن بن
أبى ليلى. وعنه الأعمش وحجاج بن أرطاة ، وثقه أحمد بن حنبل ( عن عبد الرحمن بن
أبى ليلى) الأنصارى المدنى ثم الكوفى ثقة من الثانية ، اختلف فى سماعه من عمر قاله
الحافظ فى التقريب ،
وقال الخزرجى فى الخلاصة : روى عن عمرو معاذ وبلال وأبى ذر وأدرك مائة
وعشرين من الصحابة الأنصاريين .
وعنه ابنه عيسى ومجاهد وعمرو بن ميمون أكبر منه والمنهال بن عمرو وخلق ، وثقه
ابن معين مات سنة ٨٣ ثلاث وثمانين انتهى .

٢٦٣
((سُئِلَ رَسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَمَّ عَنِ الْوُضُوء مِنْ لُحُومِ الْإِلِ؟
فَقَالَ: تَوَضَّوْا مِنْهَ . وَسُئِلَ عَنِ الْوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الْغَمِ؟ فَقَالَ:
لاَ تَتَوَضوْا مِنْهَاَ)).
قوله ( فقال توضؤا منها) فيه دليل على أن أكل لحوم الإبل ناقض للوضوء
قال النووى : اختلف العلماء فى أكل لحوم الجزور فذهب الأكثرون إلى أنه لاينقض
الوضوء وممن ذهب إليه الخلفاء الأربعة الراشدون أبو بكر وعمر وعثمان وعلى وابن
مسعود وأبى بن كعب وابن عباس وأبو الدرداء وأبو طلحة وعامر بن ربيعة وأبو أمامة
وجماهير التابعين ومالك وأبو حنيفة والشافعى وأصحابهم. وذهب إلى انتقاض الوضوء
به أحمد بن حنبل وإسحق بن راهويه ويحيى بن يحيى وأبو بكر بن المنذر وابن خزيمة
واختاره الحافظ أبو بكر البيهقى .
يحكى عن أصحاب الحديث مطلقاً وحكى عن جماعة من الصحابة .
براحتج هؤلاء بحديث جابر بن سمرة الذى رواه مسلم : قال أحمد بن حنبل وإسحق
بن راهويه صح عن النبى صلى الله عليه وسلم فى هذا حديثان حديث جابر وحديث البراء
وهذا المذهب أقوی دلیلا وإن كان الجمهور على خلافه .
وقد أجاب الجمهور عن هذا الحديث بحديث جابر: كان آخر الأمرين من رسوله
الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار، ولكن هذا الحديث عام وحديث
الوضوء من لحوم الإبل خالص والخاص مقدم على العام . انتهى .
قال الحافظ فى التلخيص : قال البيهقى حكى بعض أصحابنا عن الشافعى قال: إن الحديث
فى لحوم الإبل قلت به .
قال البيهقى قد صح فيه حديثان حديث جابر بن سمرة وحديث البراء ، قاله أحمد بن
حنبل وإسحاق بن راهويه انتهى . وقال الدميرى وأنه المختار المنصور من جهة الدليل
انتهى .
وقال بعض علماء الحنفية فى تعليقه على المؤطأ للامام محمد : ولاختلاف الأخبار فى هذا
الباب أى الوضوء مما مست النار. اختلف العلماء فيه فمنهم من جعله ناقضا بل جعله
الزهرى ناسخا لعدم النقض

٢٦٤
ومنهم من لم يجعله ناقضا وعليه الأكثر
ومنهم من قال من أكل لحم الإبل خاصة وجب عليه الوضوء وليس عليه الوضوء
فى غيره أخذا من حديث البراء وغيره ، وبه قال أحمد وإسحاق وطائفة من أهل الحديث
وهو مذهب قوى من حيث الدليل قد رجحه النووى وغيره انتهى .
وأما قول من قال إن المراد من قوله توضؤا منها غسل اليدين والفم لما فى لحم الإِبل
من رائحة كريهة ودسومة غليظة بخلاف لحم الغنم فهو بعيد، لأن الظاهر منه هو الوضوء
الشرعى لا اللغوى ، وحمل الألفاظ الشرعية على معانيها الشرعية واجب .
وأما قول من قال إن حديث البراء وما فى معناه منسوخ فهو أيضا بعيد فإِن النسخ
لا يثبت بالاحتمال وقد ذكر العلامة الموفق ابن قدامة فى المغنی فی هذا البحث كاملا حسنا
مفيدا قال : إن أكل لحم الإبل ينقض الوضوء على كل حال نيئاً ومطبوخا عالما
كان أو جاهلا .
وبهذا قال جابر بن سمرة ومحمد بن إسحاق وإسحاق وأبو خيثمة ويحيى بن يحي
وابن المنذر وهو أحد قولى الشافعى .
قال الخطابي : ذهب إلى هذا عامة أصحاب الحديث .
وقال الثورى ومالك والشافعى وأصحاب الرأى لاينقض الوضوء بحال لأنه روى
عن ابن عباس عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال الوضوء مما يخرج لا مما يدخل .
وروى عن جابر قال كان آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار رواه أبو داود .
ولنا ماروى البراء بن عازب قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لحوم الإبل
فقال توضؤا منها ، وسئل عن لحوم الغنم فقال لا يتوضأ منها . رواه مسلم وأبو داود .
وروى جابر بن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله أخرجه مسلم .
وروى الإمام أحمد بإسناده عن أسيد بن حضير قال قال رسول الله صلى عليه وسلم
توضؤا من لحوم الإبل ولا تتوضؤا من لحوم الغنم .
وروى ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو عن النبى صلى الله عليه وسلم مثل ذلك .
قال أحمد وإسحاق بن راهويه فيه حديثان صحيحان عن النبى صلى الله عليه وسلم

٢٦٥
حديث البراء وحديث جابر بن سمرة ، وحديثهم عن ابن عباس لا أصل له وإنما هو من
قول ابن عباس موقوف عليه، ولو صح لوجب تقديم حديثنا عليه لكونه أصح منه وأخص
والخاص يقدم على العام . وحديث جابر يعارض حديثنا أيضا لصحته وخصوصه .
فإن قيل : حديث جابر متأخر فيكون ناسخا. قلنا: لا يصح النسخ بهلوجوه أربعة :
أحدها أن الأمر بالوضوء من لحوم الإبل متأخر عن نسخ الوضوء مما مست النار أو
مقارن له بدليل أنه قرن الأمر بالوضوء من لحوم الإبل بالنهى عن الوضوء من لحوم
الغنم وهى مما مست النار.
فإما أن يكون النسخ حصل بهذا النهى وإما أن يكون بشىء قبله، فإن كان به فالأمر
بالوضوء من لحوم الإبل مقارن لنسخ الوضوء مما غيرت النار فكيف يجوز أن يكون
منسوخا به . ومن شرط الناسخ تأخره، وإن كان النسخ قبله لم يجز أن ينسخ بما قبله .
الثانى أن أكل لحوم الإبل إنما نقض لكونه من لحوم الإبل لا لكونه مما
مست النار .
ولهذا ينقض وإن كان نيئا فنسخ إحدى الجهتين لا يثبت به نسخ الجهة الأخرى كما
لو حرمت المرأة للرضاع ولكونها ربيبة فنسخ التحريم بالرضاع لم يكن نسخا لتحريم
الربية .
الثالث : أن خبرهم عام وخبرنا خاص والعام لا ينسخ به الخاص لأن من شرط النسخ
تعذر الجمع والجمع بين العام والخاص ممكن بتنزيل العام على ما عدا محل التخصيص .
الرابع: أن خبرنا صحيح مستفيض ثبتت له قوة الصحة والاستفاضة والخصوص وخبرهم
ضعيف لعدم هذه الوجوه الثلاثة فيه لا يجوز أن يكون ناسخا له .
فإن قيل: الأمر بالوضوء فى خبركم يحتمل الاستحباب فنحمله عليه ويحتمل أنه أراد
بالوضوء غسل اليدين لأن الوضوء إذا أضيف إلى الطعام اقتضى غسل اليد كما كان عليه
السلام يأمر بالوضوء قبل الطعام وبعده ، وخص ذلك بلحم الإبل لأن فيه من الحرارة
والزهومة ماليس فى غيره .

٢٦٦
قلنا : أما الأول فمخالف للظاهر من ثلاثة أوجه : أحدها أن مقتضى الأمر
الوجوب .
الثانى أن النبى صلى الله عليه وسلم سئل عن حكم هذا اللحم فأجاب بالأمر بالوضوء .
منه فلا يجوز حمله على غير الوجوب لأنه يكون تلبيسا على السائل لا جوابا .
الثالث أنه عليه السلام قرنه بالنهى عن الوضوء من لحوم الغنم والمراد بالنهي ههنا
نفى الإيجاب لا التحريم فيتعين حمل الأمر على الإيجاب ليحصل الفرق .
وأما الثانى فلا يصح لوجوه أربعة: أحدها أنه يلزم منه حمل الأمر على الاستحباب
فإن غسل اليد بمفرده غير واجب وقد بينا فساده .
الثانى أن الوضوء إذا جاء فى لسان الشارع وجب حمله على الوضوء الشرعى دون
اللغوى لأن الظاهر منه أنه إنما يتكلم بموضوعاته .
الثالث أنه يخرج جوابا لسؤال السائل عن حكم الوضوء من لحومها والصلاة فى
فى مباركها فلا يفهم من ذلك سوى الوضوء المراد للصلاة .
الرابع أنه لو أراد غسل اليد لما فرق بينه وبين لحم الغنم فإن غسل اليد منها مستحب
ولهذا قال من بات وفى يده ريح غمر فأصابه شىء فلا يلومن إلا نفسه ، وما ذكروه من
زيادة الزهومة فأمر يسير لا يقتضى التفريق والله أعلم .
ثم لا بد من دليل نصرف به اللفظ عن ظاهره ويجب أن يكون الدليل له من القوة
بقدر قوة الظواهر المتروكة وأقوى منها وليس لهم دليل انتهى كلام ابن قدامة .
تنبيه : قال صاحب بذل المجهود : أخرج ابن ماجه عن أسيد بن حضير وعبد الله
ابن عمرو يرفعانه : توضئوا من ألبان الإبل ، وهذا محمول عند جميع الأمة على شربها بأن
يستحب له أن يمضمض ويزيل الدسومة عن فمه كذلك يستحب له إذا أكل لحم الجزور
أن يغسل يده وفمه وينفى السومة والزهومة انتهى كلامه .
قلت : قوله هذا محمول عند جميع الأمة على شربها بأن يستحب له إلخ مبنى على غفلته
عن مذاهب الأمة .
قال ابن قدامة: وفى شرب لبن الإبل روايتان: إحداهما ينقض الوضوء لما روى أسيد
ابن حضير .

٢٦٧
الثانية لا وضوء فيه لأن الحديث إنما ورد فى اللحم ، وقولهم فيه حديثان صحيحان
يدل على أن لا صحيح فيه سواهما والحكم ههنا غير معقول فيجب الاقتصار على مورد النص
انتهى كلام ابن قدامة .
على أن استجاب المضمضة من شرب لبن الإبل ليس لحديث أسيد وعبد الله بن عمرو
بل لحديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شرب لبنا فمضمض وقال إن له
رسماً.
قال الحافظ فى الفتح : فيه بيان لعلة المضمضة من اللبن فيدل على استحبابها من كل
شىء دسم ويستنبط منه استحباب غسل اليدين للتنظيف انتهى .
وأما حديث أسيد بن حضير وحديث عبد الله بن عمرو فضعيفان لا يصلحا للاحتجاج
قال صاحب الشرح الكبير المسمى بالشافى شرح المقنع . حديث أسيد بن حضير فى طريقه
الحجاج بن أرطاة ، قال الإمام أحمد والدار قطنى لا يحتج به وحديث عبد الله بن عمرو
رواه ابن ماجه من رواية عطاء بن السائب وقد قيل عطاء اختلط فى آخر عمره ، قال
أحمد من سمع منه قديما فهو صحيح ومن سمع منه حديثا لم يكن بشىء انتهى .
قلت : روى هذا الحديث عن عطاء بن السائب خالد بن يزيد بن عمر الفزارى
وهو ممن رووا عنه بعد اختلاطه .
١١٠٠
قال الحافظ فى مقدمة الفتح : يحصل لى من مجموع كلام الأمة أن رواية شعبة
وسفيان الثورى وزهير بن معاوية وزائدة وأيوب وحماد بن زيد عنه قبل الاختلاط
وأن جميع من روی عنه غیر هؤلاء حديثه ضعيف لأنه بعد اختلاطه إلا حماد بن سلمة
فاختلف قولهم فيه انتهى .
قلت : وأيضا فى سند حديث عبد الله بن عمرو بقية المدلس وهو رواه عن خالد بن
يزيد بالعنعنة، فقول صاحب بذل المجهود كذلك يستحب له إذا أكل لحم الجزور أن يغسل
يده وفمه إلخ ليس مما يصغى إليه .
تنبيه آخر : قال صاحب بذل المجهود : ولما كان لحوم الإبل داخلة فيما مست النار
وكان فردا من أفراده ونسخ وجوب الوضوء عنه بجميع أفرادها يعنى بحديث جابر أنه

٢٦٨
قَالَ: وَفِ الْبَابِ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَحُرَةَ، وَأُسَهْدِ بْنِ حُضَّيْر.
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَقَدْ رَوَى الْجَّجُ بُنُ أَرْطَةَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ
عَبْدِ اللهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِ لَيْلَى عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَزِبٍ وَهُوَ قَوْلُ أَحَدَوَ إِسْحُقَ
قال كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار
استلزم نسخ الوجوب عن هذا الفرد أيضا انتهى .
قلت : من قال بانتقاض الوضوء من أكل لحوم الإبل قال الموجب للوضوء إنما هو
أكل لحوم الإبل من جهة كونها لحوم الإبل لا من جهة كونها مما مست النار ولذلك
يقولون بوجوب الوضوء من أكل لحم الإبل مطلقا مطبوخا كان أو نيئاً أو قديدا
فنسخ وجوب الوضوء مما مست النار بحديث جابر المذكور لا يستلزم نسخ وجوب من
أكل لحوم الإبل فإن لحوم الإبل من جهة كونها لحوم الإبل ليست فردا من أفراد مما
مست النار البتة وقد أوضحه ابن قدامة كما عرفت .
قال الحافظ ابن القيم : وأما من يجعل لحوم الإبل هو الموجب للوضوء سواء مسته
النار أو لم تمسه فيوجب الوضوء من نيئه ومطبوخه وقديده فكيف يحتج عليه بهذا
الحديث انتهى .
فقول صاحب بذل المجهود ولما كان لحوم الإبل داخلة فيما مست النار وكان فردا من
أفراده إلخ مبنى على عدم تدبره .
قوله ( وفى الباب عن جابر بن سمرة وأسيد بن حضير ) أما حديث جابر بن سمرة
فأخرجه مسلم فى صحيحه عنه بلفظ : أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أنتوضأ
من لحوم الغنم قال إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ ، قال أنتوضأ من لحوم الإبل
قال نعم فتوضأ من لحوم الإبل ، الحديث .
وأما حديث أسيد بن حضير فأخرجه ابن ماجه عنه مرفوعا بلفظ لا توضؤا من ألبان
الغنم وتوضئوا من ألبان الإبل .
وفى الباب أيضا عن ذى الغرة أخرجه عبد الله بن أحمد فى مسند أبيه وعن عبد الله
ابن عمرو أخرجه ابن ماجه .
وقوله ( وقد روى الحجاج بن أرطاة عن عبد الله بن عبد الله عن عبد الرحمن بن
فى ليلى عن أسيدبن حضير) خالف الحجاج بن أرطاة الأعمش فإنهقال عن البراء بن عازب
٢٠
:

٢٦٩
وَرَوَى عُبَيْدَةُ الضّىُّ عن عبد الله بن عبد الله الرازِيِّ عن عبد الرحمن
ابن أَبِى لَيْلَى عن ذِى الْغُرَّةِ الَْنِّ.
وَرَوَى حَمَّدُ بْ سَلَةَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ الْجَّاجِ بْنِ أَرْطَةَ، فَأَخْطَأَ
فِيهِ ، وَقَلَ فِيهِ: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحمن بنِ أَبِى لَعْلَى عَنْ أَبِيهِ
عَنْ أُسْدِ بنِ حُضَّيْرٍ :
وَالصَّحِيحُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عَبْدِ اللهِ الرَّازِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّْنِ بنِ
أَبِي لَيْلَى عَنِ الْبَرَاءِ بنِ عَزِبٍ .
وقال الحجاج عن أسيد بن حضير وحديث الحجاج بن أرطاة أخرجه ابن ماجه
( والصحيح حديث عبد الرحمن ابن أبى ليلى عن البراء بن عازب ) فإن الأعمش الراوى
عن عبد الله بن عبد الله أوثق وأحفظ من الحجاج .
قال الحافظ فى التلخيص : قال ابن خزيمة فى صحيحه لم أر خلافا بين علماء الحديث
أن هذا الخبر أى حديث البراء صحيح من جهة النقل العدالة ناقليه وذكر الترمذى
الخلاف فيه على ابن أبى ليلى هل هو عن البراء أو عن ذى الغرة ، أو عن أسيد بن
حضير وصحح أنه عن البراء . وكذا ذكره ابن أبى حاتم فى العلل عن أبيه انتهى .
( وروى عبيدة) بضم العين وفتح الموحدة ابن المعتب بكسر المثناة الثقيلة بعدها
موحدة ( الضى ) أبو عبد الرحيم الكوفى الضرير ضعيف واختلط بآخره ماله فى
البخارى سوى موضع واحد فى الأضاحى كذا فى التقريب ، وقال فى الخلاصة قال ابن
عدى مع ضعفه يكتب حديثه علق له البخارى فرد حديث ( عن عبد الله بن عبد الله
الرازى عن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن ذى الغرة ) أخرج حديث عبيدة هذا عبد الله
ابن أحمد فى مسند أبيه ومداره على عبيدة الضى وهو ضعيف كما عرفت .
( وروى حماد بن سلمة هذا الحديث عن الحجاج بن أرطاة فأخطأ فيه ) وخطؤه
فى مقامين ( وقال عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن أبيه ) هذا هو خطؤه
الأول والصحيح عن عبد الله بن عبد الله عن عبد الرحمن بن أبى ليلى (عن أسيد
ابن حضير ) هذا هو خطؤه الثانى ، والصحيح عن البراء بن عازب ( قال إسحاق أصح

٢٧٠
قَالَ إِسْحُقُ: صَحَّ فِى هَذَا الْبَابِ حَدِيثَنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلّمَ: حَدِيثُ اْبَرَاءِ، وَحَدِيثُ بَابِرِ بْنِ سَمْرَةَ .
وَهُوَ قَوْلُ أَحَدَ وَإِسْخُقَ. وَقَدْ رُوِىَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ
النَّ بِعِينَ وَغَيْرِهِمْ: أَنْهُمْ لَمْ يَرَوُا الْوُضُوءَ مِنْ أُحُومِ الْإِبِلِ. وَهُوَ قَوْلُ
سَفْيَنَ الثَّوْرِيِّ وَأَهْلِ الْكُوْفَةِ .
٦١ - بَابُ الْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الدَّكَرِ
٨٢ - حَدَّثَنَ إسْحُقُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْتَى بْنُ سِعِيدٍ الْقَطََّنُ
عَنْ هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ قالَ أَخْتَرَبِى أَبِى عَنْ بُسْرَةَ بِذْتِ صَفْوَانَ أَنَّ النَّسِيَّ
صَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَّمَ قَالَ: ((مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلاَ يُصَلِّ حَتَّى يَتَوَضَّأ)).
ما فى هذا الباب ) أى فى باب الوضوء من لحوم الإبل ( حديثان عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم حديث البراء ) أى الذى أخرجه الترمذى فى هذا الباب وأخرجه أيضا
أبو داود وابن ماجه وابن حبان وابن الجارود وابن خزيمة ( وجابر بن سمرة ) أخرجه
مسلم وتقدم لفظه .
( باب الوضوء من مس الذكر )
٨٢ - قوله ( عن بسرة بنت صفوان ) بضم الموحدة وسكون السين صحابية لها
سابقة وهجرة عاشت إلى ولاية معاوية .
قوله ( ومن مس ذكره فلا يصلى حتى يتوضأ) فيه دليل على أن مس الذكر ينقض
الوضوء ، والمراد مسه من غير حائل لما أخرج ابن حبان فى صحيحه من حديث أبى
هريرة إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه ليس دونها حجاب ولا ستر فقد وجب عليه
الوضوء وصححه الحاكم وابن عبد البر وقال ابن السكن هو أجود ما روى فى
هذا الباب .

٢٧١
قَالَ: وَفِى الْبَابِ عَنْ أُمِّ حَدِيبَةَ، وَأَبِ أَثِّربَ وَأَبِ هُرَيْرَةَ، وَأَرْوَىْ
ابْنَةِ أُنَيْسِ، وَعَائِشَةَ، وَجَابِرٍ، وَزَيْدِ بنِ خَالِدٍ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ عَدْرِو .
قوله ( وفى الباب عن أم حبيبة وأبى هريرة وأروى ابنة أنيس وعائشة وجابر
ويزيد بن خالد وعبد الله بن عمرو ) وأيضا فى الباب عن سعد بن أبى وقاص وأم سلمة
وابن عباس وابن عمر وطلق بن على والنعمان بن بشير وأنس وأبى بن كعب ومعاوية بن
حيدة وقبيصة .
فأما حديث أم حبيبة فأخرجه ابن ماجه والأثرم وصححه أحمد وأبو زرعة كذا
فى المنتقى .
وقال الخلال فى العلل: صمح أحمد حديث أم حبيبة وقال ابن السكن لا أعلم به علة
كذا فى التلخيص .
وأما حديث أبى أيوب فأخرجه ابن ماجه . وأما حديث أبى هريرة فتقدم تخريجه .
وأما حديث أروى ابنة أنيس بضم الهمزة وفتح النون مصغرا فأخرجه البيهقي ، قال
الحافظ فى التلخيص : وسأل الترمذى البخارى عنه فقال ما تصنع بهذا لا تشتغل به .
وأما حديث عائشة فأخرجه الدار قطنى وضعفه ، قال الحافظ وله شاهد من حديث
عبد الله بن عمرو .
وأما حديث جابر فأخرجه ابن ماجه والأثرم وقال ابن عبد البر إسناده صالح وقال
الضياء لا أعلم بإسناده بأسا وقال الشافعى سمعت جماعة من الحفاظ غير ابن نافع
برسلونه .
وأما حديث زيد بن خالد فأخرجه أحمد والبزار .
وأما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه أحمد والبيهقى من طريق بقية حدثنى محمد بن
الوليد الزبيدى حدثنى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رفعه : أيما رجل مس فرجه
فليتوضأ وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ قال الترمذى فى العلل عن البخارى هو عندى
صحيح.
وأما حديث سعد بن أبى وقاص فأخرجه الحاكم . وأما حديث أم سلمة فذكره
الحاكم.

٢٧٢
١
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ .
قَالَ: هَكَذَا رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِثْلَ هَذَا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ
عَنْ أَبِيهِ عَنْ بُشْرَةَ .
٨٣ - وَرَوَى أَبُو أُسَامَةَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ هِشَامِ بنِ
عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَرْوَانَ عَنْ بُسْرَةَ عَنِ الَّسِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهٍ وَسَلَمَ
نَحْوَهُ . حَذَّثَنَا بِذَلِكَ إِسْحُقُ بْنُ مَنْصُورٍ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ بِهَذَا .
٨٤ - وَرَوَى هَذَا الْدِيثَ أَبُو الزَّنَادِ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ بُشْرَةَ عَنِ الِّّ
صَلّى اللهُ عليهِ وسلّم. حَدَّثَنَا بِذلِكَ عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ قَالَ حدَّثَنَ عَبْدُ الرَّحْنِ
ابْنُ أَبِ الزَّنَادِ عَنْ أَبِهِ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ بُْرَةَ عَنِ النِّيِّ صَلّى اللهُ
عليهِ وسلّ نَحْوَهُ.
وأما حديث ابن عباس فأخرجه البيهقى وفى إسناده الضحاك بن حمزة وهو منكر
الحديث . وأما حديث ابن عمرو فأخرجه الدار قطنى والبيهقى . وأما حديث على بن
طلق فأخرجه الطبرانى وصححه . وأما حديث النعمان بن بشير فذكره ابن منده وكذا
حديث أنس وأبى بن كعب ومعاوية بن حيدة وقبيصة . كذا فى التلخيص ص ٤٦ .
قوله ( هذا) أى حديث بسرة ( حديث حسن صحيح ) وأخرجه الخمسة كذا فى
المنتقى ، وقال فى النيل وأخرجه أيضا مالك والشافعى وابن خزيمة وابن الجارود ، وقال
أبو داود قلت لأحمد حديث بسرة ليس بصحيح قال بل هو صحيح وقال الدار قطنى صحيح
ثابت وصححه أيضا يحي بن معين فيما حكاه ابن عبد البر وأبو حامد بن الشرقى والبيهقى
والحازمى قاله الحافظ .
قلت : وكل ما طعنوا به فى صحة حديث بسرة هذا فهو مدفوع والحق أنه صحيح .
قوله ( وهكذا روى غير واحد مثل هذا عن هشام بن عروة عن أبيه عن بسرة إلخ)
:

٢٧٣
وهُوَ قَوْلْ غَيْرٍ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النِّيِّ صَلّى اللهُ عليهِ وسلمٍ وَالنَّا بِعِينَ.
وَبِهِ يَقُولُ الْأُوْزَاعِىُّ وَالشَّافِىُّ وَأَحمدٌ وَ إِسْحُقُ .
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَأَصَحُّ شَىْءٍ فِىِ هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ بُشْرَةَ .
وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ: حَدِيثُ أُمِّ حَبِيِّبَةَ فِى هَذَا الْبَابِ صَحِيحٌ ، وَهُوَ
حَدِيثُ العَلَاءِ بنِ الْحِرِثِ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ عَنْبَةَ بنِ أَبِ سَفْيَانَ عَنْ
أُمِّ حَبِيبَةَ .
حاصلة: أن غير واحد من أصحاب هشام رووا هذا الحديث عن هشام بن عروة عن أبيه
عن بسرة بلا ذكر واسطة بين عروة وبسرة ، وهكذا روى أبو الزناد عن عروة عن
بسرة ورواه غير واحد من أصحاب هشام عن هشام بن عروة عن أبيه عن مروان عن
بسرة بذكر واسطة مروان بن عروة وبسرة، وليست رواية من روى بلا ذكر واسطة
بين عروة وبسرة بمنقطعة ، قال الحافظ فى التلخيص: وقد جزم ابن خزيمة وغير واحد
من الأمة بأن عروة سمعه من بسرة وفى صحيح ابن خزيمة وابن حبان: قال عروة فذهبت
إلى بسرة فسألتها أصدقته واستدل على ذلك برواية جماعة من الأئمة له عن هشام بن عروة
عن أبيه عن مروان عن بسرة . قل عروة ثم لقيت بسرة فصدقته انتهى .
قوله ( وهو قول غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين وبه يقول
الأوزاعى والشافعى وأحمد وإسحاق ) وقل الحافظ الحازمى فى كتاب الاعتبار ص ٤٠
وممن روى عنه الإيجاب يعنى إيجاب الوضوء من مس الذكر من الصحابة عمر بن الخطاب
وابنه عبد الله وأبو أيوب الأنصارى وزيد بن خالد وأبو هريرة وعبد الله بن عمرو بن
العاص وجابر وعائشة وأم حبيبة وبسرة بنت صفوان وسعد بن أبى وقاص فى إحدى
الروايتين وابن عباس فى إحدى الروايتين رضوان الله عليهم أجمعين ومن التابعين عروة
ابن الر بیر وسلیمان بن یسار وعطاء بن أبى رباح وأبان بنعثمان وجابر بنزيد والزهرى
ومصعب بن سعد ويحي بن أبى كثير عن رجال من الأنصار وسعيد بن المسيب فى أصح
الروايتين وهشام بن عروة والأوزاعى وأكثر أهل الشام والشافعى وأحمد وإسحاق
والمشهور من قول مالك أنه كان يوجب منه الوضوء انتهى .
قوله ( قل أبو زرعة حديث أم حبيبة فى هذا الباب أصح ) تقدم تخريج حديث
(١٨ - تحفة الأحوذي - جزء ١)

٢٧٤
وَقَالَ نُحَمَّدٌ: لمَّ يَسْمَعْ مَكْحُولٌ مِنْ عَنْبَةَ بِن أَبِى سَفْيَنَ،
وَرَوَى مَكْحولٌ عَنْ رَجُلِ عَنْ عَنَْسَةَ غَيْرَ هَذَا الْحَديثِ .
وَكَأَنَّهُ لَّ يَرَ هذَا الْحديثَ صَحِيحًا .
٦٢ - بابُ
مَّا ◌َاءٍ فِى تَرْكِ الْوُضُوءِ مِنْ مَسِ الذَّكَرِ
٨٥ - حدّثنا هَنَّدٌ، حَدَّثَنَا مُلاَزِمُ بنُ عَمْرِوِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ
بَدْرٍ عَنْ فَيْسِ بنِ طَلْقِ بنِ عَلِىّ هُوَ الخَنِىُّ عَنْ أَبِهِ عَنْ النَّبِىِّ صَلّى اللهُ
عَلْهِ وَسَلَّمَّ قال: ((وَهَلْ هُوَ إِلَّ مِضْغَةٌ مِنْهُ؟ أَوْ بَضْعَةٌ مِنْهُ؟)).
أم حبيبة (وقال محمد ) يعنى البخارى ( لم يسمع مكحول من عنبسة بن أبى سفيان ) وكذا
قال يحيى بن معين وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائى أنه لم يسمع منه وخالفهم دحيم وهو
أعرف بحديث الشاميين فأثبت سماع مكحول من عنبسة قاله الحافظ .
( باب ترك الوضوء من مس الذكر )
قوله ( نا ملازم بن عمرو ) بن عبد الله بن بدر السحيمى بالمهملتين مصغراً أبو عمرو
السامى وثقه ابن معين والنسائى وغيرهما ( عن عبد الله بن بدر ) السحيمى اليمامى روى
عن ابن عباس وطلق بن علىوعنه سبطهملازم بن عمرو وعكرمة بن عمار وثقه ابن معین
وأبو زرعة ( عن قيس بن طلق بن على الحنفى ) اليمامى وثقه العجلى وابن معين وابن حبان
والحنفى بفتح الحاء والنون منسوب إلى حنيفة قبيلة من اليمامة ( عن أبيه ) أى طلق بن
على صحابى وفد قديما وبنى المسجد كذا فى الخلاصة ، وقال الطيبي إن طلقا قدم على النبى
صلى الله عليه وسلم وهو يبنى مسجد المدينة وذلك فى السنة الأولى .
قوله ( وهل هو إلا مضغة ) بضم الميم وسكون الضاد وفتح الغين المعجمتين أى قطعة
لحم أى ليس الذكر إلا قطعة لحم ( منه ) أى من الرجل ( أو بضعة ) بفتح الباء الموحدة
وسكون الضاد المعجمة بمعنى المضغة ، وهما لفظان مترادفان معناهما القطعة من اللحم وأو
للشك من الراوى .

٢٧٥
قالَ : وَفِى الْبَابِ: عنْ أبى أُمَامَةً .
قَالَ أبو عِيسى: وَقَدْ رُوِى عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النّبِّ
صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَمْ وَبَعْضِ النَّابعينَ: أَنَّهُمْ لَمَّ يَرَوُا الْوُضوء مِنْ مَلِّ
الذّكَرِ . وهو قَوْلُ أهْلِ الْكوفَةِ وَأَبْنِ الْمُبَرَكِ.
وفى رواية أبى داود قال : قدمنا على النبى صلى الله عليه وسلم فاء رجل كأنه بدوی
فقال يانى الله ما ترى فى مس الرجل ذكره بعد ما يتوضأ ، فقال صلى الله عليه وسلم هل
هو إلا مضغة منه أو بضعة منه .
. قوله ( وفى الباب عن أبى أمامة ) أخرجه ابن ماجه وفى سنده جعفر بن الزبير وهو
متروك والقاسم وهو ضعيف .
قال الحافظ الزيلعى هو حديث ضعيف ، قال البخارى والنسائى والدار قطنى فى جعفر
ابن الزبير متروك والقاسم أيضا ضعيف .
وفى الباب أيضا عن عصمة بن مالك قال الحافظ الزيلعى هو حديث ضعيف أيضاً .
قوله ( وقد روى عن غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وبعض التابعين
أنهم لم يروا الوضوء من مس الذكر وهو قول أهل الكوفة وابن المبارك) قال الحازمى
فى كتاب الاعتبار ص ٤٠. قد اختلف أهل العلم فى هذا الباب فدهب بعضهم إلى حديث
طلق بن على ورأوا ترك الوضوء من مس الذكر روى ذلك عن على بن أبى طالب وعمار
ابن ياسر وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وحذيفة بن اليمان وعمران بن حصين
وأبى الدرداء وسعد بن أبى وقاص فى إحدى الروايتين وسعيد بن المسيب فى إحدى
الروايتين وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعى وربيعة بن عبد الرحمن وسفيان بن الثورى
وأبى حنيفة وأصحابه ويحيى بن معين وأهل الكوفة انتهى .
واستدل هؤلاء بحديث طلق بن على المذكور فى هذا الباب .
وأجاب ابن الهمام عن حديث بسرة بنت صفوان المذكور فى الباب المتقدم بأن حديث
طلق بن على يترجح عليه بأن حديث الرجال أقوى لأنهم أحفظ للعلم وأضبط ولهذا جعلت
شهادة امرأتين بمنزلة رجل .

٢٧٦
وفيه أن بسرة بنت صفوان لم تنفرد بحديث إيجاب الوضوء من مس الذكر بل رواه
عدة رجال من الصحابة منهم أبو هريرة وحديثه كما عرفت ومنهم عبد الله بن عمرو وحديثه
أيضا صحيح كما عرفت ، ومنهم جابر وإسناد حديثه صالح كما عرفت ، ومنهم زيد بن خالد
وسعد بن أبى وقاص وابن عباس وابن عمرو وغيرهم وتقدم تخريج أحاديثهم.
وأجاب بعضهم بأن حديث طلق أثبت من حديث بسرة وقد أسند الطحاوى إلى
ابن المدينى أنه قال حديث ملازم بن عمرو أحسن من حديث بسرة وعن عمرو بن على
الفلاس أنه قال حديث طلق عندنا أثبت من حديث بسرة .
وفيه أن الظاهر أن حديث بسرة هو الأثبت والأقوى والأرجح. قال البيهقى یکفى
فى ترجيح حديث بسرة على حديث طلق أن حديث طلق لم يخرجه الشيخان ولم يحتجاه
بأحد رواته وحديث بسرة قد احتجا بجميع رواته كذا فى التلخيص .
قال العلامة محمد بن إسماعيل الأمير فى سبل السلام: حديث بسرة أرجح لكثرة من
صححه ولكثرة شواهده وقد اعترف بذلك بعض العلماء الحنفية حيث قال فى تعليقه على
موطأ الإمام محمد : الإنصاف فى هذا البحث أنه إن اختير طريق الترجيح ففى أحاديث
النقض كثرة وقوة انتهى .
وقال فى حاشيته على شرح الوقاية إن أحاديث النقض أكثر وأفوى من أحاديث
الرخصة انتهى . وأجاب بعضهم بأن حديث بسرة منسوخ بحديث طلق .
وفيه أن هذا دعوى من غير دليل بل الدليل يقتضى حلافه كما ستعرف عن قريب .
وأجاب بعضهم بأن المراد بالوضوء فى حديث بسرة الوضوء اللغوى أو غسل اليد .
وفيه أن الواجب أن تحمل الألفاظ الشرعية على معانيها الشرعية . على أنه قد وقع
فى حديث ابن عمر عند الدار قطنى فليتوضأ وضوءه للصلاة .
وقال بعضهم إن حديث بسرة وحديث طلق تعارضا فتساقطا والأصل عدم النقض .
وفيه أن حديث بسرة هو أثبت وأقوى وأرجح من حديث طلق كما عرفت فيقدم
عليه ، ثم الظاهر أن حديث برة متأخر وحديث طلق متقدم فيجعل المتأخر ناسخا
والمتقدم منسوخا كما ستعرف عن قريب .

٢٧٧
واحتج من قال بنقض الوضوء من مس الذكر بحديث بسرة المذكور فى الباب
كثيرة كما عرفت .
المتقدم وله شواهد
وأجابوا عن حديث طلق: أولا بأنه ضعيف ، وثانياً بأنه منسوخ . قال الحازمى
فى كتاب الاعتبار : قالوا أما حديث طلق فلا يقاوم هذا الحديث يعنى حديث بسرة
لأسباب منها نكارة سنده ورکا که روايته .
قال الشافعى فى القديم وزعم يعنى من خالفه أن قاضى اليمامة ومحمد بن جابر ذكرا
عن قيس بن طلق عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على أن لا وضوء منه .
قال الشافعى: قد سألنا عن قيس فلم نجد من يعرفه بما يكون لنا فيه قبول خبره وقد
عارضه من وصفنا نعته ورجاحته فى الحديث وثبته .
وأشار الشافعى إلى حديث أيوب بن عتبة قاضى اليمامة ، ومحمد بن جابر السحيمى
عن قيس بن طلق وقد مر حديثهما وأيوب بن عتبة وبحمد بن جابر ضعيفان عند أهل العلم
بالحديث وقد روی حدیث طلق أيضاً ملازم بن عمرو عن عبد الله بن بدر عن قيس
إلا أن صاحبى الصحيح لم يحتجا بنىء من روايتهما .
ورواه أيضاً عكرمة بن عمارة عن النبى صلى الله عليه وسلم مرسلا وعكرمة أقوى
من رواه عن قيس إلا أنه رواه منقطعا .
قالوا : وقد روينا عن يحيى بن معين أنه قال لقد أكثر الناس فى قيس بن طلق
وأنه لا يحتج بحديثه .
روينا عن أبى حاتم أنه قال سألت أبى زرعة عن هذا الحديث فقالا قيس بن طلق
ليس ممن تقوم به حجة ووهناه ولم يثبتاه .
قالوا وحديث قيس بن طلق كما لم يخرجه صاحبا الصحيح لم يحتجا أيضا بشىء من
رواياته ولا بروايات أكثر رواة حديثه فى غير هذا الحديث .
وحديث بسرة وإن لم يخرجاه لاختلاف وقع فى سماع عروة من مروان عن بسرة
فقد احتجا بسائر رواة حديثها مروان فمن دونه .
قالوا فهذا وجه رجحان حديثها على حديث قيس من طريق الإسناد كما أشار إليه

٢٧٨
٠
الشافعى لأن الرجحان إنما يقع بوجود شرائط الصحة والعدالة فى حق هؤلاء الرواة
دون من خالفهم . انتهى كلام الحازمى .
قلت : الراجح المعول عليه هو أن حديث بسرة وحديث طلق كلاهما صحيحان لكن
حديثها أصح وأثبت وأرجح من حديثه كما عرفت فيما تقدم .
وأما القول بأن حديث طلق منسوخ فاستدلوا عليه بأن حديث طلق متقدم وحديث.
بسرة متأخر . قال الحازمى فى كتاب الاعتبار ص ٤٥ و ٤٦ الدليل على ذلك يعنى
النسخ من جهة التاريخ أن حديث طلق كان فى أول الهجرة زمن كان النبى
صلى الله عليه وسلم يبنى المسجد وحديث بسرة وأبى هريرة وعبد الله بن عمرو كان
بعد ذلك لتأخرهم فى الإسلام .
ثم روى الحازمى بإسناده عن طلق بن على قال : قدمت على النبى صلى الله عليه وسلم
وهم يبنون المسجد فقال يايمامى أنت أرفق بتخليط الطين ولدغتنى عقرب فرقانى
رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال : كذا روى من هذا الوجه مختصرا وقد روى من وجه أخر أتم من هذا .
وفيه ذكر الرخصة فى مس الذكر، قالوا : إذا ثبت أن حديث طلق متقدم وأحاديث
المنع متأخرة وجب المصير إليها وصح ادعاء النسخ فى ذلك ثم نظرنا هل نجد أمراً يؤكد
ما صرنا إليه فوجدنا طلقا روى حديثا فى المنع فدلنا ذلك على صحة النقل فى إثبات النسخ
وأن طلقا قد شاهد الحالتين وروى الناسخ والمنسوخ .
ثم ذكر الحازمى بإسناده عن قيس بن طلق عن أبيه طلق بن على عن النبى صلى الله
عليه وسلم قال من مس فرجه فليتوضأ .
قال الطبرانى لم يرو هذا الحديث عن أيوب بن عتبة إلا حماد بن محمد وهما عندى
صحيحان يشبه أن يكون سمع الحديث الأول من النبى صلى الله عليه وسلم قبل هذا ثم سمع
هذا بعد فوافق حديث بسرة وأم حبيبة وأبى هريرة وزيد بن خالد الجهنى وغيرهم ممن روى
عن النبي صلى الله عليه وسلم الأمر بالوضوء من مس الذكر فسمع الناسخ والمنسوخ .
ثم روى الحازمى بإسناده عن إسمعيل بن سعيد الكسائى الفقيه أنه قال : المذهب.
فى ذلك عند من يرى الوضوء من ذلك يقولون قد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

٢٧٩
٠
الوضوء من مس الذكر من وجوه شتى فلا يرد ذلك بحديث ملازم بن عمرو وأيوب
ابن عتبة ولو كانت روايتهما مثبة لکان فى ذلك مقال لكثرة من روی بخلاف روايتهما
ومع ذلك الاحتياط فى ذلك أبلغ .
ويروى عن النبى صلى الله علية وسلم بإسناده صحيح أنه نهى أن يمس الرجل ذكره
بيمينه أفلا ترون أن الذكر لا يشبه سائر الجسد ولو كان ذلك بمنزلة الإبهام والأنف
والأذن وما هو منا كان لا بأس علينا أن نمسه بأيماننا ، وكيف يشبه الذكر بما وصفوه
من الإبهام وغيره ذلك ولو كان ذلك شرعا سواءا لكان سبيله فى المس ما سميناه ولكن
ههنا علة قد غابت عنا معرفتها ولعل ذلك أن تكون عقوبة لكى يترك الناس مس الذكر
فنصير من ذلك إلى الاحتياط . انتهى كلام الحازمى .
قال ابن حبان فى صحيحه : إن حديث طلق أوهم عالما من الناس أنه معارض لحديث
بسرة وليس كذلك لأنه منسوخ فإن طلق بن على كان قدومه على النبى صلى الله عليه وسلم
أول سنة من سنى الهجرة حيث كان المسلمون يبنون مسجد رسول الله صلى الله
عليه وسلم بالمدينة .
ثم أخرجه بسنده إلى طلق بن على قال: وأبو هريرة إسلامه سنة سبع من الهجرة
فكان خبر أبى هريرة بعد خبر طلق لسبع سنين وطلق بن على رجع إلى بلده ، ثم أخرج
عن طلق بن على قال خرجنا وفدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة نفر خمسة من
بنى حنيفة ورجلا من بنى ابن ربيعة حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعناه
وصلينا معه وأخبرنا أن بأرضنا بيعة لنا واستوهبناه من فضل طهوره فقال اذهبوا بهذا
الماء فإذا قدمتم بلدكم فاكسروا بيعتكم ثم انضحوا مكانها من هذا الماء واتخذوا
مكانها مسجدا . وفيه حتى قدمنا بلدنا فعملنا الذى أمرنا : قال ابن حبان فهذا بيانواضح
أن طلق بن على رجع إلى بلده بعد قدومه ثم لا يعلم له رجوع إلى المدينة بعد ذلك ، فمن
ادعى ذلك فليثبته بسنة مصرحة ولا سبيل له إلى ذلك . انتهى كلام ابن حبان .
قال بعض العلماء الحنفية فى شرحه لشرح الوقاية المسمى بالسعاية بعد ذكر كلام
الحازمى المذكور ما لفظه : هذا تحقيق حقيق بالقبول فإنه بعد إدارة النظر من الجانبين

٢٨٠
وَهذَا الْحَدِيثُ أَحْسَنُ شَىْءُ رُوِى فِ هذَا الْبَابِ .
وقَدْ رَوَى هَذَا الْدِيثَ أيُّبُ بنُ عْبَةً وَتُحَمَّدُ بِنُ جَابِرٍ عَنْ قَيْسٍ
ابْنِ ◌َلْقٍ عَنْ أَبِهِ .
وَقَدْ تَكَّ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ فِى مُحَمَّدٍ بِن جَابِرٍ وَأَيُّوبَ بن عْبَةَ.
وَحَدِيثُ مُلاَزِ بْنِ عَمْرِوِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ بَدْرٍ أَصَخُ وَأَحْسَنُ .
يتحقق أن أحاديث النقض أكثر وأقوى من أحاديث الرخصة وأن أحاديث الرخصة
متقدمة وهو وإن لم يكن متيقنا لجواز أن يكون حديث أبى هريرة وغيره من مراسيل
الصحابة لكنه هو الظاهر فالأخذ بالنقض أحوط وهو وإن كان مما يخالفه القياس من
كل وجه لكن لا مجال بعد ورود الحديث .
وأما كون أجل الصحابة كابن مسعود وابن عباس وعلى ونحوهم قائلين بالرخصة
فلا يقدح بعد ثبوت الآثار المرفوعة والعذر من قبلهم أنه قد بلغهم حديث طلق وأمثاله
ولم يبلغهم ما ينسخه ولو وصل لقالوا به وهذا ليس بمستبعد فقد ثبت انتساخ التطبيق
فى الركوع عند جمع ولم يبلغ ابن مسعود وحتى دام على ذلك مع كونه ملازما للرسول
عليه الصلاة والسلام . انتهى كلامه .
قلت : الأمر عندى كما قال صاحب السعاية والله تعالى أعلم .
قوله: ( وهذا الحديث أحسن شىء روى فى هذا الباب ) وأخرجه أبو داود
والنسائى وابن ماجه وصححه ابن حبان والطبرانى وابن حزم ، وقال ابن المدينى هو أحسن
من حديث بسرة وضعفه الشافعى وأبو حاتم وأبو زرعة والدارقطنى والبيهقى وابن
الجوزى ، وادعى فيه النسخ ابن حبان والطبرانى وابن العربى والحازمى وآخرون
كذا فى التلخيص ، قلت : تقدم كلام الحازمى وابن حبان .
قوله: ( وقد تكلم بعض أهل الحديث فى محمد بن جابر وأيوب بن عتبة ) قال
الخزرجى فى الخلاصة فى ترجمة محمد بن جابر : ضعفه ابن معين وقال الفلاس صدوق
متروك الحديث وقال الحافظ فى التقريب صدوق ذهبت كتبه فساء حفظه وخلط كثيرا
وعمى فصار يلقن ، ورحجه أبو حاتم على ابن لهيعة انتهى .