Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
عِنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابن عبََّسٍ قال: ((اغْتَسَلَ بَعْضُ أزواجِ الَّبِيِّ صلى الله
عليه وسلم فى جَقْنَةٍ، فَأَرادَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أنْ يَتَوَضأَ
مِنْهُ، فقالتْ: يَارسولَ اللهِ، إنى كُنْتُ جُنُباً، فقال: إنَّ المَاء
لاَ يُجْنِبُ)).
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ .
متقن ( عن عكرمة) هو عكرمة بن عبد الله مولى ابن عباس أصله بربرى ثقة ثبت عالم
بالتفسير لم يثبت تكذيبه عن ابن عمر ولا يثيث عنه بدعة كذا فى التقريب .
قوله ( بعض أزواج النبي صلى الله عليه سلم) هى ميمونة رضى الله عنها لما أخرجه
الدار قطنى من حديث ابن عباس عن ميمونة قالت : أجنبت فاغتسلت من جفنة ففضلت
فيها فضلة فجاء النبي صلى الله عليه سلم يغتسل منه فقلت له فقال الماء ليس عليه جنابة
واغتسل منه (فى جفنة) بفتح الجيم وسكون الفاء أى قصعة كبيرة وجمعه جفان (إنى كنت
جنبا) يضم الجيم والنون والجنابة معروفة يقال منها أجنب بالألف وجنب على وزن
قرب فهو جنب ويطلق على الذكر والأنثى والمفرد والتثنية والجمع ( إن الماء لا يجنب )
يضم الياء وكسر النون ويجوز فتح الياء وضم النون . قال الزعفرانى أى لا يصير جنبا
كذا فى المرقاة ، وحديث ابن عباس هذا يدل على جواز التطهر بفضل المرأة وحديث
الحكم بن عمرو الغفارى الذى تقدم فى الباب المتقدم يدل على النهى عن ذلك ، وقد جمع
. بينهما بأن النهى محمول على ماتساقط من الأعضاء لكونه قد صار مستعملا والجواز على
.ما بقى من الماء وبذلك جمع الخطابى ، وبأن النهى محمول على التنزيه بقرينة أحاديث الجواز
قيل إن قول بعض أزوج النبى صلى الله عليه وسلم إنى كنت جنبا عند إرادته صلى الله
عليه وسلم التوضأ بفضلها يدل على أن النهى كان متقدما حديث الجواز ناسخ لحديث النهى
.والله تعالى أعلم .
قوله ( هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائى ، وقال
.فى الفتح وقد أعله قوم بسماك بن حرب راويه عن عكرمة لأنه كان يقبل التلقين لكن
وقد رواه عنه شعبة وهو لا يحمل عن مشايخه إلا صحيح حديثهم انتهى .

٢٠٢
وهُوَ قَوْلُ سفيانَ الثَوْرِىِّ ومَالِكٍ والشَّافِعِىِّ
وأخرج أحمد ومسلم عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغتسل
بفضل ميمونة ، وأخرج أحمد وابن ماجه عن ابن عباس عن ميمونة أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم توضأ بفضل غسلها من الجنابة .
قوله (وهو قول سفيان الثورى ومالك والشافعى ) قال الثورى فى شرح مسلم وأما
تطهير الرجل بفضلها فهو جائز عندنا وعند مالك وأبى حنيفة وجماهير العلماء سواء خلت
به أو لم تخل قال بعض أصحابنا ولا كراهة فى ذلك الأحاديث الصحيحة الواردة به ،
وذهب أحمد بن حنبل وداود إلى أنها إذا خلت بالماء واستعملته لا يجوز للرجل استعمال
فضلها ، وروى عن أحمد كمذهبنا وروى عن الحسن وسعيد بن المسيب كراهة فضلها
مطلقا والمختار ما قاله الجماهير لهذه الأحاديث الصحيحة فى تطهيره صلى الله عليه سلم مع
أزواجه وكل واحد منهما يستعمل فضل صاحبه ، ولا تأثير للخلوة انتهى .
قلت هذا الاختلاف فى تطهير الرجل بفضل المرأة وأما تطهير المرأة . بفضل الرجل
فقال النووى جائز بالإجماع ، وتعقبه الحافظ بأن الطحاوى قد أثبت فيه الخلاف ، وأعلم
أن الامام أحمد ومن تبعه حملوا حديث ميمونة على أنها لم تخل به قال ابن تيمية فى المنتقى
أكثر أهل العلم على الرخصة للرجل من فَضل طهور المرأة والإخبار بذلك أصح
وكرهه أحمد وإسحاق إذا خلت به وهو قول عبد الله بن سرجس ، وحملوا حديث
ميمونة على أنها لم تخل به جمعا بينه وبين حديث الحكم انتهى .
قلت: فى هذا الحمل نظر فإن الخلوة عند الإمام أحمد كما فى المغنى لابن قدامة استعمالها
للماء من غير مشاركة الرجل فى استعماله لأن أحمد قال إذا خلت به فلا يعجبنى أن يغتسل
به وإذا شرعا فيه جميعا فلا بأس به ، وظاهر أن ميمونة رضى الله عنها خلت به كيف
هو وقد قالت أجنبت فاغتسلت من جفنة ففضلت فيها فضلة فاء النبي صلى الله عليه وسلم
إلخ كما فى رواية الدار قطنى ، فكيف يصح حمل حديث ميمونة على أنها لم تخل به وأما
مانقل الميمونى عن أحمد من أنه قال الأحاديث من الطرفين مضطربة فأجاب عنه الحافظ.
بأنه إنما يصار إليه عند تعذر الجمع ، وهو ممكن بأن يحمل أحاديث النهى على ما تساقط
من الأعضاء والجواز على ما بقى من الماء أو يحمل النهى على التنزيه جمعا بين.
الأدلة انتهى .
قلت : حمل النهى على التنريه هو أولى والله تعالى أعلم .

٢٠٣
٤٩- بَابُ مَاجَاءَ أَنَّ الْمَاءَ لاَ يُنَجِّسُهُ شَىْءٌ
٦٦ - حدثَنَا هَنَّدٌ والحسَنُ بن علىّ الخَلاَّلُ وغَيْرُ واحِدٍ قالوا :
حدثنا أبو أُسامَةً عن الْوَليدِ بنِ كَثِيرِ عن مُحَمَّدٍ بِن كَعْبٍ عن عُبَيْدِ اللهِ
ابن عَبْدِ اللهِ بنِ رَافعِ بِن خَدِيجٍ عنْ أبى سعيدٍ الْدْرِىِّ قال: «قبلَ:
يارسول الله، أنَتَوَضَّأُ مِنْ بِثْرِ بُضَاعَةً، وهِىَ بِغْرٌ يُلَقَى فيها الْخِيَضُ
باب ماجاء أن الماء لا ينجسه شىء
٦٦ - قوله ( والحسن بن على الخلال ) الحلوانى الريحانى المكى روى عن
عبد الرزاق ووكيع وعبد الصمد وخلق وعنه الأمة الستة ، كان ثقة ثبتا متقنا توفى بمكة
سنة ٢٤٢ اثنتين وأربعين ومائتين ( نا أبو أسامة ) هو حماد بن أسامة القرشى مولاهم.
الكوفى ، مشهور بكنيته ، ثقة ثبت ربما دلس وكان بآخره يحدث من كتب غيره ، من
كبار التاسعة مات سنة ١٠١ إحدى ومائتين وهو ابن ثمانين ( عن الوليد بن كثير)
المدنى ثم الكوفى وثقه ابن معين وأبو داود (عن مد بن كعب) بن سليم بن أسد
الفرظى المدنى ، وكان قد نزل الكوفة مدة ، ثقة عالم من الثالثة ولد سنة ٤٠ أربعين على
الصحيح ، ووهم من قال ولد فى عهد النبي صلى الله عليه وسلم كذا فى التقريب .
(عن عبيد الله بن عبد الله بن رافع بن خديج ) قال الحافظ فى التقريب : عبيد الله
ابن عبد الله بن رافع بن خديج يأتى فى عبيد الله بن عبد الرحمن ، ثم قال فيه : عبيد الله
بن عبد الرحمن بن رافع الأنصارى ويقال ابن عبد الله هو راوى حديث بئر بضاعة ،
مستور من الرابعة انتهى.
قلت : فالحق أنه ليس بمستور كما ستعرف (عن أبى سعيد الخدرى ) بضم الخاء
المعجمة اسمه سعد بن مالك بن سنان بن عبيد الأنصارى له ولأبيه صحبة استصغر بأحد
ثم شهد ما بعدها، وروى الكثير مات بالمدينة سنة ثلاث أو أربع أو خمس وستين
كذا فى التقريب .
قوله ( قيل يا رسول الله أنتوضأ ) كذا فى النسخ الحاضرة بالنون والتاء بصيغة

ر
٢٠٤
وُومُ الْكِلاَبِ والنَّتْنُ ؟ فقالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنّ
المَاءَ طَّهُورٌ لايَنَجِّسُهُ شَىْءٌ)).
المتكلم مع الغير ، وقال الحافظ فى التلخيص : قوله أنتوضأ بتائين خطاب للنبي صلى الله
عليه وسلم انتهى .
1
قلت والظاهر هو ما قال الحافظ ، ففى رواية قاسم بن أصبغ فى مصنفه: قالوا
يا رسول الله إنك تتوضأ من بئر بضاعة . الحديث (من بئر بضاعة ) بضم الباء الموحدة
وأجيز كسرها وبالضاد المعجمة وحكى بالصاد المهملة وهى بئر معروفة بالمدينة قاله ابن الملك،
وقال الطيبى نقلا عن التور بشتى بضاعة دار بنى ساعدة بالمدينة وهم بطن من الخزرج؛
وأهل اللغة يضمون الباء ويكسرونها والمحفوظ فى الحديث الضم ( وهى بئر يلقى فيها
الحيض ) بكسر الحاء المهملة وفتح التحتية جمع حيضة بكسر الحاء وسكون التحتية وهى
الخرقة التى تستعمل فى دم الحيض ( ولحوم الكلاب والنتين ) بفتح النون وسكون التاء
وتكسر وهى الرائحة الكريهة ، والمراد ههنا الشىء المنتن كالعذرة والجيفة.
قال ابن رسلان فى شرح سنن أبى داود وينبغى أن يضبط بفتح النون وكسر التاء
وهو الشىء الذى له رائحة كريهة من قولهم نتن الشىء بكسر التاء ينتن بفتحها فهو
نتن انتهى .
هـ
قال الطيى معنى قوله يلقى فيها أن البئر كانت بمسيل من بعض الأودية التى يحتمل
أن ينزل فيها أهل البادية فتلقى تلك القاذورات بأفنية منازلهم فيكسحها السيل فيلقبها
فى البئر فعبر عنه القائل بوجه يوهم أن الإلقاء من الناس لقلة تدينهم ، وهذا مما لا يجوزه
مسلم ، فأنى يظن ذلك بالذين هم أفضل القرون وأز كاهم . انتهى .
قلت كذلك قال غير واحد من أهل العلم وهو الظاهر المتعين ( إن الماء طهور)
أى طاهر مطهر ، قال القارى فى المرقاة قيل الألف واللام للعهد الخارجى ، فتأويله إن
الماء الذى تسألون عنه وهو ماء بئر بضاعة فالجواب مطابق لا عموم كلى كما قاله الإمام
مالك . انتهى .
وإن كان الألف واللام للجنس فالحديث مخصوص بالاتفاق كما ستقف ( لا ينجسه
شىء ) لكثرته فإن بئر بضاعة كان بئراً كثير الماء يكون ماؤها أضعاف قلتين لا يتغير
يوقوع هذه الأشياء ، والماء الكثير لا ينجسه شىء ما لم يتغير . !

٢٠٥
قال أبو عيسَى: هذا حديثٌ حَسَنٌ، وَقَدْ جَوَّدَ أبو أُسامَةَ هذا
الْديثَ، فَلِمْ يَرْوِ أحَدٌ حديثَ أبى سعيدٍ فِى بِثْرَ بُضَاعَةَ أَحْسَنَ مَّا
رَوَى أبو أُسَامَةَ. وَقَدْ رُوِىَ هذا الحديثُ مِنْ غَيْرِ وَجْهِ عنْ
أبی سعیدٍ .
قال العلامة الشاه ولى الله الدهلوى فى حجة الله البالغة: قوله صلى الله عليه وسلم
الماء طهور لا ينجسه شىء معناه المعادن لا تنجس بملاقاة النجاسة إذا أخرجت ورميت
ولم يتغير أحد أوصافه ولم تفحش ، وهل يمكن أن يظن بئر بضاعة أنها كانت تستقر
فيها النجامنات كيف وقد جرت عادة بنى آدم بالاجتناب عما هذا شأنه فكيف يستقى بها
رسول الله صلى الله عليه وسلم بل كانت تقع فيها النجاسات من غير أن يقصد إلقاؤها
كما تشاهد من آبار زماننا ثم تخرج تلك النجاسات ، فلما جاء الإسلام سألوا عن الطهارة
الشرعية الزائدة على ما عندهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الماء طهور لا ينجسه.
شىء ، يعنى لا ينجس نجاسة غير ما عندكم انتهى .
قوله ( هذا حديث حسن وقد جود أبو أسامة هذا الحديث ) أی رواه بسند جيد
وصححه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وأبو محمد بن حزم قاله الحافظ فى التلخيص وزاد.
فى البدر المنير والحاكم وآخرون من الأمة الحفاظ .
فإن قلت : فی سند هذا الحديث عبيد الله بن عبد الله بن رافع بن خديج وهو مستور
كما قال الحافظ فى التقريب ، فكيف يكون هذا الحديث صحيحاً أو حسنا .
قلت : صحيح هذا الحديث أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وهما إماما الجرح والتعديل،.
وأيضاً صحح هذا الحديث الحاكم وغيره ، وذكر ابن حبان عبيد الله هذا فى الثقات ،
فثبت أنه لم يكن عند هؤلاء الأئمة مستورا والعبرة لقول من عرف لا بقول من جهل .
فإن قلت : قال ابن القطان فى كتابه الوهم والإيهام : إن فى إسناده اختلافا فقوم
يقولون عبيد الله بن عبد الله بن رافع وقوم يقولون عبد الله بن عبدالله بن رافع ، ومنهم من
يقول عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع ، ومنهم من يقول عبد الله ، ومنهم من يقول
عن عبد الرحمن بن رافع فيحصل فيه خمسة أقوال و کیف ما كان فهو لا يعرف له حال.
ولا عين كذا فى تخريج الهداية للزيلعى.

٢٠٦
وفى البابِ عنِ ابن عبّاسٍ وعَائِشَةَ
وقال الحافظ فى التلخيص : وأعله ابن القطان بجهالة راويه عن أبى سعيد واختلاف
الرواة فى اسمه واسم أبيه .
قلت : أما إعلاله بجهالة الراوى عن أبى سعيد فليس بشىء فإنه إن جهله ابن القطان
فقد عرفه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهما ، وأما إعلاله باختلاف الرواة فى اسمه
واسم أبيه فهو أيضاً ليس بشىء لأن اختلاف الرواة فى السند أو المتن لا يوجب الضعف
إلا بشرط استواء وجوه الاختلاف ، فمتى رجح أحد الأقوال قدم ولا يعل الصحيح
بالمرجوح ، وههنا وجوه الاختلاف ليست بمستوية بل رواية الترمذى وغيره التى وقع
فيها عبيد الله بن عبد الله بن رافع بن خديج راجحة، وباقى الروايات مرجوحة ، فإن
مدار تلك الروايات على محمد بن إسحاق وهو مضطرب فيها ، وتلك الروايات مذكورة
فى سنن الدار قطنى ، فهذه الرواية الراجحة تقدم على تلك الروايات المرجوحة ولا تعل
.هذه بتلك .
(وفى الباب عن ابن عباس وعائشة) أما حديث ابن عباس فأخرجه أحمد وابن خزيمة
وابن حبان بلفظ: إن الماء لا ينجسه شىء ورواه أصحاب السنن بلفظ: إن الماء لا يجنب
وفيه قصة .
وقال الحازمى لا يعرف مجوداً إلا من حديث سماك بن حرب عن عكرمة ، وسماك
مختلف فيه وقد احتج به مسلم كذا فى التلخيص .
وأما حديث عائشة فأخرجه الطبرانى فى الأوسط وأبو يعلى والبزار وأبو على بن
السكن فى محاحه من حديث شريك بلفظ إن الماء لاينجسه شىء، ورواه أحمد من طريق
أخرى صحيحة لكنه موقوف كذا فى التلخيص .
قلت : وفى الباب أيضا عن جابر بلفظ إن الماء لا ينجسه شىء ، وفيه قصة أخرجه
ابن ماجه وفى إسناده أبو سفيان طريف بن شهاب وهو ضعيف متروك ، وقد اختلف
فيه على شريك الراوى عنه .
وههنا فوائد متعلقة بحديث الباب فلنا أن نذكرها .
الفائدة الأولى : اعلم أن بئر بضاعة كانت بكرا معروفة بالمدينة ولم تكن غديرا

٢٠٧
أو طريقا للماء إلى البساتين لم تسم بثرا قال فى القاموس. بئر بضاعة بالضم وقد يكسر
بالمدينة ، قطر رأسها ستة أذرع انتهى .
وقال فى النهاية : هى بئر معروفة بالمدينة انتهى .
وقال أبو داود فى سننه سمعت قتيبة بن سعيد قال سألت قيم بئر بضاعة عن عمقها
قال أكثر ما يكون الماء إلى العانة ، قلت فإذا نقصت قال دون العورة ، قال أبو داود
وقدرت أنا بئر بضاعة بردائى مددته عليها ثم ذرعته فإذا عرضها ستة أذرع وسألت الذى
فتح لى باب البستان فأدخلنى إليه هل غير بناؤها قال لا ورأيت فيها ماء متغير اللون انتهى
وأما قول صاحب الهداية إن ماء بئر بضاعة كان جاريا بين البساتين وكذا زعم
الطحاوى أن بئر بضاعة كانت طريقا للماء إلى البساتين فغلط لا دليل عليه.
قال الحافظ الزيلعى فى نصب الراية : وقول صاحب الكتاب إن ماءها كان جاريا
إلى البساتين هذا رواه الطحاوى فى شرح الآثار عن الواقدى ، فقال أخبرنا أبو جعفر
محمد بن أبى أحمد بن أبى عمران عن أبى عبد الله محمد بن شجاع الثلجى عن الواقدى
قال كانت بئر بضاعة طريقا للماء إلى البساتين انتهى .
وهذا سند ضعيف مرسل ومدلوله على جريانه غير ظاهر .
قال البيهقى فى المعرفة : وزعم الطحاوى أن بئر بضاعة كان ماؤها جاريا لا يستقر
وأنها كانت طريقا إلى البساتين ونقل ذلك عن الواقدى والواقدى لا يحتج بما يسند
فضلا عما يرسله ، وحال بئر بضاعة مشهور بين أهل الحجاز بخلاف ما حكاه انتهى ما فى
نصب الراية - وقال الحافظ ابن حجر فى الدراية . وأما قوله إن ماء بئر بضاعة كان
جاريا بين البساتين فهو كلام مردود على من قاله وقد سبق إلى دعوى ذلك وجزم
به الطحاوى ، فأخرج عن أبى جعفر بن أبى عمران عن محمد بن شجاع الثلجى عن
الواقدى قال: كانت بئر بضاعة طريقا للماء إلى البساتين وهذا إسنادواه جدا ، ولو صح
لم يثبت به المراد لاحتمال أن يكون المراد أن الماء كان ينقل منها بالسانية إلى البساتين
ولو كانت سيحاً جارياً لم تسم بئراً انتهى كلام الحافظ .
قلت : العجب من الطحاوى أنه أسنده من طريق محمد بن شجاع الثلجى عن الواقدى
وجزم به ، ومحمد بن شجاع الثلجى كذاب ، قال الذهبى فى الميزان : محمد بن شجاع

٢٠٨
الثلجى الفقيه البغدادى أبو عبد الله صاحب التصانيف ، قال ابن عدى كان يضع الحديث
فى التشبيه وينسبها إلى أهل الحديث يثلبهم بذلك ، قال الذهبى جاء من غير وجه أنه
کان ينال من أحمد وأصحابه يقول أيش قام به أحمد ، وقال زكريا الساجی محمد بن شجاع
كذاب احتال فى إبطال الحديث نصرة للرأى انتهى كلام الحافظ الذهبي .
والواقدى متروك قد استقر الإجماع على وهنه ، ومع هذا لم يدرك عهد النبي صلى الله
عليه وسلم ولا عصر الصحابة رضى الله عنهم فإنه مات سنة سبع ومائتين ولم يذكر من
أخذ هذا عنه فكيف يعبأ بقوله هذا .
ثم قول الواقدى هذا معارض بقوله الآخر فحكى البلاذرى فى تاريخه عن الواقدى
أنه قال تكون بئر بضاعة سبعا فى سبع وعيونها كثيرة فهى لا تنزح انتهى .
الفائدة الثانية : حديث الباب قد استدل به الظاهرية على ما ذهبوا إليه من أن الماء.
لا يتنجس مطلقا وأن تغير لونه أو طعمه أو ريحه بوقوع النجاسة فيه . وأما غيرهم فكلهم.
خصصوه أما المالكية فيحديث أبى أمامة مرفوعا: إن الماء لا ينجسه شىء إلا ما غلب على
ريحه وطعمه ولونه أخرجه ابن ماجه . ومذهبهم أن الماء لا يتنجس إلا ما تغير لونه
أو طعمه أو ريحه ، وأما الشافعية فبحديث القلتين وهو حديث صحيح كما ستعرف ،
ومذهبهم أن الماء إن كان قلتين لا يتنجس إلا أن تغير ريحه أو طعمه أو لونه وإن كان
دون القلتين يتنجس وإن لم يتغير أحد أوصافه ، وأما الحنفية فبالرأى ، ولهم فى هذا
الباب اثنا عشر مذهبا : الأول التحديد بالتحريك ، قال الإمام محمد فى موطئه ص ٦٦
إذا كان الحوض عظيما إن حركت منه ناحية لم تتحرك به الناحية الأخرى لم يفسد ذلك
الماء ما وقع فيه من قدر إلا أن يغلب على ريح أو طعم، فإذا كان حوضا صغيرا إن حركت
منه ناحية تحركت الناحية الأخرى فولغ فيه السباع أو وقع فيه القذر لا يتوضأ منه،
قال وهذا كله قول أبى حنيفة انتهى كلامه .
قلت : وهو مذهب أصحابه القدماء - والثانى التحديد بالكدرة - والثالث التحديد.
بالصبغ - والرابع التحديد بالسبع فى السبع - والخامس التحديد بالثمانية فى الثمانية -
والسادس عشرين فى عشرين - والسابع العشر فى العشر ، وهو مذهب جمهور الحنفية

٢٠٩
المتأخرين، والثامن خمسة عشر فى خمسة عشر ، والتاسع اثنا عشر فى اثنا عشر ، قال
صاحب التعليق الممجد بعد ذكر مذهب الظاهرية : ومذهب المالكية ومذهب الشافعية
وهذه المذاهب الأثنى عشر للحنفية ما لفظه : ولقد خضت فى محار هذه المباحث وطالعت
لتحقيقها كتب أصحابنا يعنى الحنفية وكتب غيرهم المعتمدة فوضح لنا ما هو الأرجح منها
وهو الثانى ، يعنى مذهب المالكية ، ثم الثالث يعنى مذهب الشافعية ، ثم الرابع وهو
مذهب قدماء أصحابنا وأئمتنا ، والباقية مذاهب ضعيفة انتهى كلامه .
قلت : والمذهب الرابع أعنى مذهب قدماء الحنفية أيضا ضعيف لم يقم عليه دليل صحيح
فإن قلت : قد احتج الإمام محمد على هذا المذهب بما رواه بإسناده أن عمر بن الخطاب
رضى الله عنه خرج فى ركب فيهم عمرو بن العاص حتى وردوا حوضا فقال عمرو بن
العاص يا صاحب الحوض هل ترد حوضك السباع فقال عمر بن الخطاب يا صاحب الحوض
لا تخبرنا فإنا نرد على السباع وترد علينا - قال الحنفية إن غرض عمر من قوله لا تخبرنا
أنك لو أخبرتنا لضاق الحال فلا تخبرنا فإنا نرد على السباع وترد علينا ولا يضرنا ورودها
عند عدم علمنا ولا يلزمنا الاستفسار من ذلك . ولو كان سؤر السباع طاهرا لما منع
صاحب الحوض عن الإخبار لأن إخباره لا يضر ، قالوا والحوض كان صغيرا يتنجس
بملاقاة النجاسة وإلا فلو كان كبيرا لما سأل فكيف قلتم إن المذهب الرابع عليه دليل صحيح
قلت : يحتمل أن يكون غرض عمر من قوله لا تخبرنا أن كل ذلك عندنا سواء
أخبرتنا أو لم تخبرنا فلا حاجة إلى إخبارك ، وعلى هذا حمل المالكية والشافعية قوله
لا تخبرنا لم يقم وإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال ثم هذا الاستدلال موقوف على نجاسة
ستور السباع وهى ليست بمتفق عليها بل المالكية والشافعية قائلون بطهارته . وقد ورد
بذلك بعض الأحاديث المرفوعة .
قال ابن الأثير فى جامع الأصول : زاد رزين فال زاد بعض الرواة فى قول عمر
إنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لها ما أخذت فى بطونها وما بقى فهو لنا
طهور وشراب انتهى .
وروى ابن ماجه عن أبى سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الحياض
(١٤ - تحفة الأحوذي - جزء ١)

٢١٠
التى بين مكة والمدينة تردها السباع والكلاب والحمر وعن الطهارة منها فقال : لها
ما حملت فى بطونها ولنا ما غبر طهور .
وروى الدار قطنى فى سننه عن جابر قيل يارسول الله أنتوضأ ما أفضلت الحمر ؟ قال:
نعم وبما أفضلت السباع ، وهذه الأحاديث تؤيد ما قال المالكية والشافعية من أن غرض
عمر من قوله لا تخبرنا أن كل ذلك عندنا سواء أخبرتنا أو لم تخبرنا فلا حاجة إلى
إخبارك فتفكر .
والحاصل : أن الاستدلال بقول عمر المذكور على المذهب الرابع ليس بمستقيم ،
على أنه ليس فيه ما يدل على ما فى المذهب الرابع من التحريك وتحديده .
فإن قلت : كيف قلتم إن المذهب الرابع أيضا ضعيف لم يقم عليه دليل صحيح ،
وقد أقام عليه الحنفية دلائل من الكتاب والسنة .
قال صاحب البحر الرائق استدل أبو حنيفة على ما ذكره الرازى فى أحكام القرآن
بقوله تعالى: (ويحرم عليهم الخبائث)) والنجاسات لا محالة من الخبائث خرمها الله تعالى
تحريما مبهما ولم يفرق بين حالة اختلاطها وانفرادها بالماء فوجب تحريم كل ما تيقنا فيه
جزءا من النجاسة ويكون جهة الحظر من النجاسة أولى من جهة الإباحة لأن الأصل أنه
إذا اجتمع المحرم والمبيح قدم المحرم ، ويدل عليه من السنة قوله صلى الله عليه وسلم
لا يبولن أحدكم فى الماء الدائم ثم يغتسل فيه من الجنابة وفى لفظ آخر ولا يغتسل
فيه من جنابة ومعلوم أن البول القليل فى الماء الكثير لا يغير لونه ولا طعمه ولا رائحته ،
ويدل أيضا قوله عليه الصلاة والسلام إذا استيقظ أحدكم من منامه فليغسل يده ثلاثا قبل
أن يدخلها فى الإناء فإنه لا يدرى أين باتت يده ، فأمر بغسل اليد احتياطا من نجاسة
أصابته من موضع الاستنجاء ، ومعلوم أنها لا تغير الماء ولولا أنها مفسدة عند
التحقيق لما كان للأمر بالاحتياط معنى، وحكم النبى صلى الله عليه وسلم ، بنجاسته بولوغ
الكلب بقوله طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسل سبعا وهو لا يغير وهذا
كلام الرازى
والحاصل أنه حيث غلب على الظن وجود نجاسة فى الماء لا يجوز استعماله لهذه
الدلائل لا فرق بين أن يكون قلتين أو أكثر أو أقل تغير أو لا وهذا هو مذهب
أبى حنيفة والتقدير بشىء دون شىء لا بد من نص ولم يوجد انتهى كلام صاحب البحر
الرائق :

٢١١٠
٠
وقال أيضا وما صرنا إليه يشهد له الشرع والعقل ، أما الشرع فقد قدمنا الأحاديث
الواردة فى ذلك .
وأما العقل فإنه إذا لم يتيقن بعدم النجاسة إلى الجانب الآخر أو يغلب على ظننا
والظن كاليقين فقد استعملت الماء الذى فيه نجاسة يقينا ، وأبو حنيفة لم يقدر ذلك بشىء
بل اعتبر غلبة ظن المكلف فهذا دليل عقلى مؤيد بالأحاديث الصحيحة المتقدمة ، فكان
العمل به متعينا انتهى.
قلت : هذه الدلائل كلها غير مفيدة: أما الاستدلال بآية ((ويحرم عليهم الخبائث))
فلأن هذه الآية تفيد تحريم أكل الخبائث لا مطلق استعمالها ، بقرينة ما قبله ، وهو
قوله تعالى ((ويحل لهم الطيبات)) فإن الحل والحرمة غالبا يستعملان فى المأكولات
ولذا فسر المفسرون الخبائث بالميتة والدم والخنزير وأمثال ذلك . فالمعنى يحل لهم أكل
الطيبات ويحرم أكل الخبائث فإذن لا تفيد الآية إلا حرمة النجاسة المخلوطة بالماء أكلا
لا حرمة مطلق استعمالها ، ولئن سلمنا أن المراد تحريم استعمال مطلق النجاسة فلا يفيد
أيضا إذا الماء سيال بالطبع مغير لما اختلط به إلى نفه إذا غلب عليه فإذا وقعت النجاسة
فى ماء ولم يغلب ريحه أو لونه أو طعمه عليه حصل العلم بأن تلك النجاسة فيه قد تغيرت
إلى طبيعة الماء الغالب ولم تبق نجاسة وخبيثة فينبغى الوضوء حينئذ سواء تحرك جانب منه
بتحريك جانب منه أو لم يتحرك بخلاف ما إذا غلب ريحه أو طعمه أو لونه فإنه ح يعلم
مغلوبية الماء وبقاء النجاسة على حالها فلا يجوز الوضوء ح وأما الاستدلال بحديث
لا يبولن فلأنه بعد تسليم دلالته على التحريم والتنجس إنما يفيد تنجس الماء الدائم فى الجملة
لا على تنجس كل ماء ، ولو حمل على الكلية للزم تنجس الحوض الكبير أيضا بالبول
ولا قائل به ، وكذا الاستدلال بحديث الاستيقاظ فإنه لا يدل إلا على تنجس الماء فى الجملة
لا على الكلية ، فلا ينتهض هذا وأمثاله إلا إزاما على من قال بالطهارة مطلقا لا تحقيقا
لمذهب أبى حنيفة ، وكذا حديث ولوغ الكلب وأمثاله .
وأما شهادة العقل فتعارضه شهادة أخرى وهى ما مر من كون الماء مغيرا إلى نفسه ،
وبالجملة فهذه الدل ئل لا تثبت التحديد بالتحريك ، وأما التحديد بالقلتين فقد ثبت من
كلام الشارع بنفسه ، وكذا التحديد بالنغير وعدمه ثابث من كلام الشارع ومؤيد بشهادة
العقل أيضا ، والقياسات العقلية والاستنباطات الفقهية من الآيات المبهمة والأحاديث
المطلقة لا تعارض هذه التحديدات المصرحة ، كذا أجاب صاحب السعاية حاشية شرح
الوقاية وهو من العلماء الحنفية . وقد أجاد وأصاب ثم قال : والذى أظن أن هذه

٢١٢
٠
الأخبار لم تصل إلى الإمام أبى حنيفة أو وصلته وحملها على معنى لاح له وإلا لقال بها حتما
ولم يحتج إلى الاستنباط قطعاً ، ولقوة دليل الشافعية والمالكية فى هذا الباب جوز
أصحابنا تقليدهم فى ذلك ، بل قلدهم أبو يوسف فى بعض الوقائع مع كونه مجتهدا ، وقد
صرحوا بأن المجتهد يحرم عليه التقليد كما فى الطريقة المحمدية وشرحها الحديقة الندية ،
وقد جوز أئمتنا الحنفية الأخذ فى باب الطهارة بمذهب الغير ولو كان الأخذ بعد صدور
الفعل فاسدا فى مذهبه ، كما حكى أن أبا يوسف اغتسل ليوم الجمعة وصلى بالناس إماما
ببغداد فوجدوا فى البئر الذى اغتسل من مائه فأرة ميتة فأخبر بذلك فقال: نأخذ بقول
إخواننا من أهل المدينة تمسكا بالحديث المروى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا
بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا . كذا فى التاتار خانية وغيرها ، ولعل حرمة التقليد للمجتهد
مقيدة بما إذا لم يكن ماقلده حكما قويا موافقا للقياس داخلا فى ظاهر النص ، فإذا كان
حكما ضعيفا مخالفا للقياس غير داخل فى ظاهر النص يحرم تقليد المجتهد فيه لمجتهد آخر وهذه
المسألة الحكم فيها قوى لأن عدم التغير بوقوع النجاسة دليل على بقاء الطهارة موافق للقياس
داخل فى ظاهر النص وهو حديث القلتين انتهى كلامهما ملخصا انتهى كلام صاحب السعاية .
الفائدة الثالثة : تمسك الظاهرية بحديث الباب على أن البئر لا تتنجس بوقوع النجاسة فيها
قليلا كان الماء فيها أو كثيرا تغير لونه أوطعمه أوريحه أو لم يتغير ، وقد عرفت أن حديث.
الباب وما فى معناه ليس على إطلاقه وعمومه بل هو مخصوص بأحاديث أخرى صحيحة.
ولنا أن نذكر هنها مذاهب أخرى فى طهارة البئر ونجاستها : فاعلم أنهم اختلفوا
فيما إذا وقعت نجاسة فى البر هل تتنجس أم لا على مذاهب .
الأول : مذهب الظاهرية وقد ذكرناه آنفا .
والثانى: أنه إن تغير لونه أو طعمه أوريحه يتنجس وإلا لا، وهو مذهب المالكية وتمسكوا
بحديث: الماء طهور لا ينجسه شىء إلا ما تغير لونه أو طعمه أو ريحه وقد تقدم تخريجه .
والثالث : أن الماء فى البئر إن كان دون القلتين يتنجس وإن كان قدر القلتين فصاعدا
لايتنجس إلا إذا تغيرلونه أو طعمه أو ريحه وهو مذهب الشافعية، وتمسكوا بحديث القلتين.
وهو المذهب الراجح وبه عمل الإمام أبو يوسف فى بغداد كما عرفت أن أبا يوسف اغتسل
يوم الجمعة وصلى بالناس إماما ببغداد فوجدوا فى البئر الذى اغتسل من مائه فأرة ميتة فأخبر
بذلك فقال نأخذ بقول إخواننا من أهل المدينة تمسكا بالحديث المروى عن النبى صلى الله
عليه وسلم أنه قال : إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا . كذا فى التتارخانية وغيرها .
1

٢١٣
والرابع : إن كان غديرا عظيما بحيث لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الآخر لم يتنجس
وإلا نجس، وهو مذهب المتقدمين من الحنفية .
الخامس : إن كان عشرا فى عشر لايتنجس وإلا يتنجس وهو مسلك أكثر
المتأخرين من احنفية ، وقد مر فى الفائدة الثانية أن للحنفية فى الماء أربعة عشر مذهبا
فكلها تجرى هها. وها هنا مذهب آخر زائد على مامر خاص بالآبار وهو : ماروى
عن محمد أنه قال اجتمع رأيى ورأى أبى يوسف على أن ماء البُر فى حكم الماء الجارى
لأنه ينبع من أسفله ويؤخذ من أعلاه فهو كحوض الحمام يصب من جانب ويخرج من
جانب آخر فلا يتنجس ، كذا نقله فى الغنية وفتح القدير وغيرهما .
ثم إذا تنجس ماء البئر هل يطهر بنزح الماء أم لا؟ فقال بشر المريسى إنه لا يطهر
أبدا لأنه وإن نزح جميع ما فيها يبقى الطين والحجارة نجسا فيتنجس الماء الجديد فلا سبيل
إلى طهارته . كذا حكاه ابن الهمام والعينى وغيرهما عنه ، وقال غير بشر المريسى من
أهل العلم يطهر البر بنزح الماء .
واستدل الحنفية على تنجس ماء البئر وإن كان زائدا على قدر القلتين وطهارته بنزح
الماء : بما رواه الطحاوى وابن أبى شيبة عن عطاء أن حبشيا وقع فى زمزم فمات فأمر
ابن الزبير فنزح ماءها فعل الماء لا ينقطع فنظر فإذا عين تجرى من قبل الحجر الأسود
فقال ابن الزبير حسبكم ، قالوا إسناد هذا الأثر صحيح ويردون به حديث القلتين .
قلت : سلمنا أن إسناده صحيح لكن قد تقرر أن صحة الإسناد لا تستلزم صحة المتن ،
ولوسلم صحة المتن فيحتمل أن يكون نزح لنجاسة ظهرت على وجه الماء أو تطييبا للقلوب
وتنظيفا للماء ، فإن زمزم للشرب لامن جهة الوجوب الشرعى ، وقد اعترف به صاحب
السعاية من الحنفية حيث قال فيها : ص٤٢٢ وماروى عنهم من النزح لا يدل على النجاسة بل
يحمل التنظيف والتنزه انتهى ، وأماماقال صاحب الجوهر النقي من أن الراوى جعل علة
تزحها موته دون غلبة دمه لقوله مات فأمر أن تنزح كقوله زنى ماعز فرجم انتهى .
ففيه نظر ، فإنه ليس فيه دليل على أن الموت كان علة للنزح ، إنما فيه أن الزمجى مات فى
زمزم فأمر بعد ذلك أن تنزح ، وأما أن علة النزح هل هى الموت أو أمر آخر فلا يدل
عليه لفظ مات فأمرأن تنزح كماقال الطحاوى فى شرح الآثار ليس فى حديث أبى الدرداء
وثوبان : قاء فأفطر، دليل على أن القيء كان مفطرا له إنما فيه أنه قام فأفطر بعد ذلك انتهى

٢١٤
٠
وقال الشيخ العلامة محدث الهندالشاه ولىالله فی کتابه حجة الله البالغة ص ١٤٢ ج ١ وقد
أطال القوم فى فروع موت الحيوان فى البئر والعشر فى العشر والماء الجارى وليس فى كل
ذلك حديث عن النبى صلى الله عليه وسلم ألبتة ، وأما الآثار المنقولة عن الصحابة والتابعين.
كأثر ابن الزبير في الزنجى وعلى فى الفأرة والنخعى والشعبى فى نحو السنور فليست مما
يشهد له المحدثون بالصحة ولا مما اتفق عليه جمهور أهل القرون الأولى ، وعلى تقدير
صحتها يمكن أن يكون ذلك تطيبا للقلوب وتنظيفا للماء لا من جهة الوجوب الشرعى.
كما ذكر فى كتب المالكية ؛ ودون نفى هذا الاحتمال خرط القتاد . وبالجملة فليس فى هذا
الباب شىء يعتدبه ويجب العمل عليه ، وحديث القلتين أثبت من ذلك كله بغير شبهة ،
ومن المحال أن يكون الله تعالى شرع فى هذه المسائل لعباده شيئا زيادة على مالا ينفكون
عنه من الارتفاقات وهى مما يكثر وقوعه وتعم به البلوى ثم لا ينص عليه النبي
صلى الله عليه وسلم نصاجليا ولا يستفيض فى الصحابة ومن بعدهم ولا حديث واحد فيه
انتهى كلامه. وقال الحافظ ابن حجر فى الدراية : روى البيهقى من طريق ابن عيينة :
كنت أنا بمكة منذ سبعين سنة لم أر صغيرا ولا كبيرا يعرف حديث الزنجى ولا سمعت.
أحدا يقول نزحت زمزم ، وقال الشافعى إنثبت هذا عن ابن عباس فلعل نجاسته ظهرت
على وجه الماء أو نزحها للتنظيف انتهى . قال البيهقى فى السنن الكبرى بعد ذكر قول
الشافعى وابن عيينة: وعن أبى عبيد قال: وكذلك لا ينبغى لأن الآثار جاءت فى نعتها
أنها لاترح ولا تذم انتهى . قلت فهذه الآثار أیضا تخدش فی صحة واقعة نزح زمزم فإن
صحتها تخالف قوله لاتنزح وكذلك تخالف قوله لا تذم ، فأى لمذمة لزمزم تكون أقبح
من أن يكون ماؤها نجسا خبيثاً . فإن قلت أجاب عن ذلك صاحب الجوهر النق حيث
قال : ليس فيه أن ابن عباس وابن از بير قدرا على استئصال الماء بالنضح حتى يكون مخالفه
للآثار التى ذكرها أبو عبيد بل صرح فى رواية ابن أبى شيبة بأن الماء لم ينقطع ، وفى
رواية البيهقى بأن العين غلبتهم حتى دست بالقباطى والمطارف انتهى . قلت ظن صاحب.
الجوهر النقي أن نزح البئر لا يكون إلا باستئصال مائها وليس كذلك ، ففى القاموس
تزح البئر استقى ماءها حتى ينفد أو يقل انتهى .
وأما قول بعضهم عدم علمهما لا يصح دليلا فإنهما لم يدركا ذلك الوقت وبينه وبينهما
قريب من مائة وخمسين سنة .

٢١٥
٥٠- بَابٌ مِنْهُ آخَرُ
٦٧ - حدثنا هَنَّدٌ حدثنا عَبْدَةُ عن محمّدٍ بن إسْحُقَ عن محمّدٍ بن
جَعْفَرٍ بِنِ الزُّبَيْرِ عن عَبَيْدِ اللهِ بن عبدِ اللهِ بن ◌ُمَرَ عن ابن ◌ُمَرَ قال:
(( سَمِعْتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهُوَ يُشْأَلُ عنِ المَاءِ يَكونُ فى
الْفَلَاةِ مِنَ الأرْضِ وَمَا يُنُوبُهُ مِنَ السِّبَاعِ وَالدَّوَابِّ ؟ قال: فقال :
رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذَا كَانَ المَاءِ فُلَّتَيْنِ لمَ يَحْيِلِ الْبَثَ)).
ففيه : أن وقوع الزنجى فى زمزم وموته فيهاثم نزحها من الوقائع العظام والحوادث
الجسام فلو كان هذا صحيحا لم يكن فى ذلك الوقت نسيا منسيا بحيث لا يعرفه أحد من
أهل مكة لاصغير ولا كبير إذ بعيد كل البعد أن يحدث مثل هذه الحادثة بمكة فى زمن
ابن عباس وابن الزبير وهما من صغار الصحابة ثم لا يعرفه أحد من أهل مكة فى زمن
سفيان بن عيينة وهو من أوساط التابعين ، ولو سلم ثبوت واقعة نزح زمزم فلا تدل على
أن نزحها كان لنجاسة كما قد عرفت .
باب منه آخر
٦٧ - قوله (عن محمد بن إسحاق) هو إمام المغازى صدوق يدلس كذا فى التقريب ،
وقال ابن الهمام فى فتح القدير أما ابن إسحاق فثقة لاشبهة عندنا ولا عند محققى المحدثين
انتهى وقال العينى فى عمدة القارى : ابن إسحاق من الثقات الكبار عند الجمهور انتهى ،
وتقدم ترجمته فى باب الرخصة فى استقبال القبلة بغائط أو بول بأبسط من هذا (عن محمد بن
جعفر بن الزبير ) بن العوام الأسدى ثقة (عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر ) بن الخطاب
شقيق سالم ثقة :
قوله ( وهو يسأل) بصيغة المجهول جملة حالية ( عن الماء يكون فى الفلاة من
الأرض ) قال فى القاموس : الفلاة القفر أو المفازة لاماء فيها أو الصحراء الواسعة ج فلا
وفلوات وفلى وفلى ( وماينوبه من السباع والدواب ) عطف على الماء ، يقال ناب المكان
وأنابه إذا تردد إليه مرة بعد أخرى ( قال) صلى الله عليه وسلم ( إذا كان الماء قلتين)
تشفية القلة وسيأتى بيان معنى القلة ( لم يحمل الخبث ) بفتحتين النجس ، أى لم ينجس
-

٢١٦
١
قال عَبْدَةُ: قال ◌ُمَّدُ بنُ إسْحُقَ ؟ القُلّةُ مِىَ الْجِلِرُ، والعُلَةُ التِى
يُسْتَقَى فِيها .
قال أبو عيسَى: وهُوَ قَوْلُ الشافِيِّ وأحَدَ وإسْحْقَ، قالوا: إذَا
كَانَ الْمَاءِ قُلَّتَيْنِ لَمَ يُنَجِّسْهُ شيءٍ، ما لم ◌َتَغَيَّرْ رِيحُهُ أَوْ طَعْمُهُ ، وقالوا :
بوقوع النجاسة فيه، وفى رواية لأبى داود إذا كان الماء قلتين فإنه لا ينجس ، ولفظ الحاكم
فقال إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شىء . قال القاضى: الحديث بمنطوقه يدل على أن الماء إذا
بلغ قلتيز لم ينجس بملاقاة النجاسة ، فإن معنى لم يحمل لم يقبل النجاسة . كما يقال فلان لا يقبل
ضيما إذا امتنع عن قبوله . وذلك إذا لم يتغير فإن تغير نجس ، ويدل بمفهومه على أنه إذا كان
أقل ينجس بالملاقاة وهذا المفهوم يخصص حديث ((خلق الماء طهورا)) عند من قال بالمفهوم
ومن لم يقل به أجراه على عمومه كما لك، فإن الماء قل أو كثر لا ينجس عنده إلا بالتغير ،
وقال الحافظ فى التلخيص : قوله لم يحمل الخبث معناه لم ينجس بوقوع النجاسة فيه كما
فسره فى الرواية الأخرى التى رواها أبو داود وابن حبان وغيرهما ((إذا بلغ الماء فلتين
لم ينجس)) والتقدير لا يقبل النجاسة بل يدفعها عن نفسه، ولوكان المعنى يضعف عن حمله
لم يكن للتقييد معنى ، فإن مادونها أولى بذلك ، وقيل معناه لا يقبل حكم النجاسة ، كما فى
قوله تعالى (( مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا)) أى لم
لم يقبلوا حكمها . انتهى كلام الحافظ .
قوله (قال محمد بن إسحاق القلة هى الجرار) جمع جرة بفتح الجيم بالفارسية سبوى.
وقال فى القاموس : القلة بالضم الحب العظيم والجرة العظيمة أو عامة أو من الفخار
والكوز الصغار ضدج كصرد وجبال انتهى. والحب بضم الجاء المهملة بالفارسة خم
وقال الجزرى فى النهاية القلة الحب العظيم والجمع قلال وهى معروفة بالحجاز انتهى.
قوله (وهو قول الشافعى وأحمد وإسحاق قالوا إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شىء مالم
يتغير ريحه أو طعمه) أى أو لونه، واستدلوا بحديث الباب وهو حديث صحيح قابل
للاحتجاج، وضعفه جماعة لكن الحق أنه صحيح ، قال الحافظ أبو الفضل العراقى فى
أماليه قد صحح هذا الحديث الجم الغفير من أئمة الحفاظ الشافعى وأبو عبيد وأحمد وإسحاق
مے
٠

٢١٧
ويحيى بن معين وابن خزيمة والطحاوى وابن حبان والدار قطنى وابن منده والحاكم
والخطابى والبيهقى وابن حزم وآخرون كذا فى قوت المغتذى ، وقال الحافظ فى فتح
البارى: رواته ثقات وصححه جماعة من أهل العلم أنتهى ، وقال فيه أيضا : الفصل
بالقلتين أقوى لصحة الحديث فيه ، وقد اعترف الطحاوى من الحنفية بذلك ، وقال فى
بلوغ المرام : صححه ابن خزيمة وابن حبان انتهى .
وقال فى التلخيص : قال الحاكم صحيح على شرطهما وقد احتجابجميع رواته ، وقال
ابن منده إسناده على شرط مسلم، وقال ابن معين الحديث جيد الإسناد، وقال ابن دقيق العيد
هذا الحديث قد صححه بعضهم وهو صحيح على طريق الفقهاء . لأنه وإن كان مضطرب
.الإسناد مختلفا فى بعض ألفاظه فإنه يجاب عنه بجواب صحيح بأن يمكن الجمع بين
الروايات انتهى ما فى التلخيص . والذين لم يقولوا بحديث القلتين فمنهم من اعتذر من
من العمل به بالإجمال فى معنى القلة . قال الحافظ فى الفتح: قول من لا يعتبر إلا التغير
وعدمه قوى لكن الفصل بالقلتين أقوى لصحة الحديث فيه وقد اعترف الطحاوى من
الحنفية بذلك لكنه اعتذر من القول به فإن القلة فى العرف تطلق على الكبيرة والصغيرة
كالجرة ولم يثبت من الحديث تقديرهما فيكون مجملا فلايعمل به . وقواه ابن دقيق العيد ،
لكن استدل له غيرهما فقال أبو عبيد القاسم بن سلام المراد القلة الكبيرة إذ لو أراد
الصغيرة لم يحتج لذكر العدد فإن الصغير بين قدر واحدة كبيرة ويرجع فى الكبيرة إلى
العرف عند أهل الحجاز .
والظاهر أن الشاع عليه السلام ترك تحديدهما على سبيل التوسعة والعلم محيط بأنه
ما خاطب الصحابة إلا بما يفهمون فانتهى الإجمال ، انتهى كلام الحافظ .
وقال الزيلعى فى نصب الراية : قال البيهقى فى كتاب المعرفة : وقلال هجر كانت
مشهورة عند أهل الحجاز ولشهرتها عندهم شبه رسول الله صلى الله عليه وسلم مارأى
ليلة المعراج من نبق سدرة المنتهى بقلال هجر فقال فى حديث مالك بن صعصعة ((رفعت
إلى سدرة المنتهى فإذا ورقها مثل آذان الفيلة وإذا نبقها مثل قلال هجر)) قال واعتذار
الطحاوى فى ترك الحديث أصلا بأنه لا يعلم مقدار القلتين لا يكون عذرا عند
من علمه انتهى .

٢١٨
وقال الحافظ فى الفتح بعد ذكر كلام البيهقى هذا : فإن قيل أى ملازمة بين هذا
التشبيه وبين ذكر القلة فى حد الماء ؟ فالجواب أن التقييد بها فى حديث المعراج دال على
أنها كانت معلومة عندهم بحيث يضرب بها المثل فى الكبر كما أن التقييد المطلق إنما ينصرف
إلى التقييد المعهود . وقال الأزهرى : القلال مختلفة فى قرى العرب وقلال هجر أكبرها
وقلال هجر مشهورة الصنعة معلومة المقدار والقلة لفظ مشترك وبعد صرفها إلى أحد
معلوماتها وهى الأوانى تبقى مترددة بين الكبار والصغار ، والدليل على أنها من الكبار
جعل الشارع الحد مقدارا بعدد فدل على أنه أشار إلى أكبرها لأنه لافائدة فى تقديره
بقلتين صغيرتين مع القدرة على تقديره بواحدة كبيرة انتهى .
قلت : وقد جاء فى حديث ضعيف تقييد القلتين بقلال هجر ، وهو ما روى ابن
عدى من حديث ابن عمر ((إذا بلغ الماء قلتين من قلال هجر لم ينجسه شىء )) قال
الحافظ فى التلخيص : فى إسناده المغيرة بن صقلاب وهو منكر الحديث ، قال النفيلى
لم يكن مؤتمنا على الحديث . وقال ابن عدى لا يتابع على عامة حديثه انتهى.
قلت : قال الذهبى فى الميزان فى ترجمة المغيرة بن صقلاب. قال أبو حاتم صالح الحديث
وقال أبو زرعة لا بأس به انتهى .
فالاعتذار من القول بحديث القلتين بزعم الإجمال فى معنى القلة اعتذار بارد ، وَمن
الذين لم يقولو! به اعتذروا بأن الحديث ضعيف مضطرب الإسناد، قالوا إن محمد بن إسحاق
يروى تارة عن محمد بن جعفر عن عبيد الله عن ابن عمر كما رواه الترمذي وغيره ،
وتارة عن الزهرى عن سالم عن ابن عمر ، وتارة عنه عن عبيد الله عن أبى هريرة ،
ثم وقع الاختلاف فى شيخ مر بن جعفر. فقال مرة عن عبد الله بن عبد الله المكبر
ومرة عن عبيد الله بن عبد الله المصغر .
قلت : هذا الاعتذار أيضاً بارد ، فإن هذا الاختلاف ليس قادحا مورثًا لضعف
الحديث ، فإن وجوه الاختلاف ليست مستوية فإن الرواية الصحيحة المحفوظة هى رواية
ابن إسحاق عن محمد بن جعفر عن عبيد الله عن ابن عمر كما رواها الترمذى وغيره .
كذلك رواها جماعة كثيرة عن ابن إسحاق قال الدارقطنى فى سننه: رواه إبراهيم
1

٢١٩
ابن سعد وحماد بن سلمة ويزيد بن زريع وعبد الله بن المبارك وعبد الله بن نمير وعبد الرحيم
ابن سلمان وأبو معاوية الضرير ويزيد بن هارون وإسماعيل بن عياش وأحمد بن خالد
الوهی وسفيان الثوری وسعيد بن زيد أخو حماد بن زيد وزائدة بن قدامة عن محمد
ابن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن.
النی صلى الله عليه وسلم انتهى .
وقال الدارقطنى فيه : ورواه عاصم بن المنذر بن الزبير بن العوام عن عبد الله.
بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن النبى صلى الله عليه وسلم فكان فى هذه الرواية قوة
لرواية محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر
عن أبيه انتهى .
وأما رواية ابن إسحاق عن الزهرى عن سالم عن ابن عمر فمدارها على عبد الوهاب.
ابن عطاء وهو مدلس ورواها عن ابن إسحاق بالعنعنة فهى ضعيفة لمظنة التدليس ،
على أنه قد خالف جميع أصحاب ابن إسحاق .
وأما روايته عن الزهرى عن عبيد الله عن أبى هريرة فليست بمحفوظة ،
قال الدار قطنى نا أبو سهل أحمد بن محمد بن زياد وعمر بن عبد العزيز بن دينار قالا
حدثنا أبو إسمعيل الترمذى نا محمد بن وهب المسلمى نا ابن عياش عن محمد بن إسحاق
عن الزهرى عن عبيد الله بن عبد الله بن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه
سئل عن القليب ، الحديث .
قال الدار قطنى كذا رواه محمد بن وهب عن إسماعيل بن عياش بهذا الإسناد
والمحفوظ عن ابن عياش عن محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيد الله
بن عبد الله بن عمر عن أبيه انتهى .
وقد اعتذروا أيضاً بأن الحديث مضطرب المتن ففى بعضها قلتين ، وفى بعضها
قلتين أو ثلاثا .
وفى رواية موقوفة أربعين قلة ، وكذلك فى رواية مرفوعة أربعين قلة .
قلت : هذا الاعتذار أيضاً بارد فإن هذا الاختلاف أيضاً ليس قادحا مورها للضعف.
فإن رواية أربعين قلة التى هى مرفوعة ضعيفة جداً ، فإن فى سندها القاسم بن عبد الله

٢٢٠
العمرى ، قال ابن التركمانى فى الجوهر النقي حكى البيهقى عن القاسم بن عبد الله العمرى
كان ضعيفاً كثير الخطأ .
وفى كتاب ابن الجوزى : قال أحمد ليس هو عندى بشيء كان يكذب ويضع الحديث
ترك الناس حديثه ، وقال يحي ليس بشىء وقال مرة كذاب خبيث، وقال الرازى
والنسائى والأزدى متروك الحديث ، وقال أبو زرعة لا يساوى شيئاً متروك
الحديث انتهى .
وقال الزيلعى فى نصب الراية . روى الدارقطنى فى سننه وابن عدى فى الكامل
والعقيلى فى كتابه عن القاسم بن عبد الله العمرى عن محمد بن المنكدر عن جابر بن
عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه: إذا بلغ الماء أربعين قلة فإنه لا يحمل
الخبث انتهى .
قال الدار قطنى كذا رواه القاسم العمرى عن ابن المنكدر عن جابر ووهم فى إسناده
و كان ضعيفا كثير الخطأ ، وخالفه روحبن القاسم وسفيان الثوریومعمر بنراشد رووه
عن ابن المنكدر عن عبد الله بن عمرو موقوفا، ورواه أيوب السختيانى عن محمد بن
المنكدر من قوله لم يجاوزه، ثم روى بإسناد صحيح من جهة روح بن القاسم عن محمد
بن المنكدر عن عبد الله بن عمرو قال إذا بلغ الماء أربعين قلة لم ينجس انتهى .
فرواية أربعين قلة التى هى مرفوعة لشدة ضعفها لا تساوى رواية قلتين .
وأما رواية أربعين قلة التى هى موقوفة فهى قول عبد الله بن عمرو وقوله هذا
وإن كان صحيحا من جهة السند فهو لا يساوی رواية قلتین التی هی قول رسول الله
صلى الله عليه وسلم .
وأما رواية قلتين أو ثلاثا فقد قال البيهقي فى المعرفة : قوله أو ثلاث شك وقع لبعض
الرواة انتهى .
فرواية قلتين أو ثلاثا بالشك ترجع إلى رواية قلتين التى هى خالية عن الشك .
والظاهر أن الشك من حماد بن سلمة فإن بعض أصحابه يروون عنه قلتين وبعضهم
قلتین أو ثلاثا .