Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
حدثنا وَكِيعٌ ،
لم يكن فى السلف وحدث فى المتأخرين فاحتاج المحدثون إلى التصريح بالسماع. انتهى:
قلت قوله (( التدليس لم يكن فى السلف وحدث فى المتأخرين)) مبنى على غفلته عن
أسماء الرجال ، فقد كان التدليس فى السلف وكان كثير من التابعين وأتباعهم مدلسين ،
وهذا أمر جلى عند من طالع كتب أسماء الرجال والكتب المؤلفة فى المدلسين ، ومن
التابعين الذين كانوا موصوفين بالتدليس معروفين به : قتادة وأبو الزبير المكى وحميد
الطويل وعمرو بن عبد الله السبيعى والزهرى والحسن البصرى وحبيب بن أبى ثابت
الکوفی وابن جريح المکیوسلمان التیمیوسلیمان بن مهران الأعمشومحمد بن عجلان المدنى
وعبد الملك بن عمير القبطى الكوفى وعطية بن سعيد العوفى وغيرهم ، فهؤلاء كلهم من
التابعين موصفون بالتدليس . فقول هذا القائل: التدليس لم يكن فى السلف وحدث فى
المتأخرين باطل بلا مرية ، بل الأمر بالعكس : قال الفاضل اللكنوى فى ظفر الأمانى
ص٢١٣: قال الحلى فى التبيين: التدليس بعد سنة ثلاثمائة يقل جداً، قال الحاكم لا أعرف
فى المتأخرين يذكر به إلا أبا بكر محمد بن محمد بن سلمان الباغندى انتهى .
تنبيه آخر : وقال هذا القائل : قال شعبة إن التدليس حرام والمدلس ساقط العدالة
ومن ثم قالوا السند الذى فيه شعبة برىء من التدليس وإن كان بالعنعنة انتهى .
قلت : لم يقل أحد من أئمة الحديث أن السند الذى فيه شعبة برىء من التدليس ،
بل قالوا إن شعبة لا يروى عن شيوخه المدلسين إلا ما هو مسموع لهم ، صرح به الحافظ
فى الفتح ، وقال البيهقي فى المعرفة: روينا عن شعبة قال كنت أتفقد فم قتادة فإذا قال ثنا
. وسمعت حفظته ، وإذا قال حدث فلان تركته ، وقال: روينا عن شعبة أنه قال كفيتكم
تدليس ثلاثة الأعمش وأبى إسحاق وقتادة ، قال الحافظ فى كتابه تعريف أهل التقديس
بمراتب الموصوفين بالتدليس بعد ذكر كلام البيهقى هذا ما لفظه: فهذه قاعدة جيدة فى
أحاديث هؤلاء الثلاثة أنها إذا جاءت من طريق أشعبة دلت على السماع ، ولو كانت معنعنة
انتهى . وأما القول بأن السند الذى فيه شعبة برىء من التدليس فلم يقل بهذا الإطلاق
أحد . فتفكر ( نا وكيع) هو ابن الجراح بن مليح الرواسى الكوفى محدث العراق ولد
سنة تسع وعشرين ومائة ، سمع هشام بن عروة والأعمش وابن عون وابن جريج
وسفيان وخلائق ، وعنه ابن المبارك مع تقدمه وأحمد وابن المدنى ويحي وإسحاق وزهير

٢٢
عن إِسْرَائِيلَ ،
وأمم سواهم ، وكان أبوه على بيت المال وأراد الرشيد أن يولى وكيماً قضاء الكوفة فامتنع
وقل أحمد : ما رأيت أوعى للعلم ولا أحفظ من وكيع توفى سنة ١٩٧ سبع وتسعين
ومائة يوم عاشوراء، كذا فى تذكرة الحفاظ ، وقال الحافظ فى التقريب ثقة حافظ .
تنبيه : قال بعض الحنفية : إن وكيع بن الجراح كان يفتى بقول أبى حنيفة ، وكان قد.
سمع منه شيئا كثيرا انتهى . وزعم بعضهم أنه كان حنفيا يفتى بقول أبى حنيفة ويقلده .
قلت : القول بأن وكيما كان حنفيا يقلد أبا حنيفة باطل جدا , ألا ترى أن الترمذى
قال فى جامعه هذا فى باب إشعار البدن : سمعت يوسف بن عيسى يقول سمعت وكيما يقول
حين روى هذا الحديث ( يعنى حديث ابن عباس أن النبى صلى الله عليه وسلم قلد النعلين
وأشعر الهدى ) فقال : لا تنظروا إلى قول أهل الرأى فى الإشعار فإن الإشعار سنة ،
وقولهم بدعة ، وسمعت أبا السائب يقول : كنا عند وكيح فقال رجل ممن ينظر فى الرأى.
أشعر رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول أبو حنيفة هو مثلة ، قال الرجل فإنه قد روی
عن إبراهيم النخعى أنه قال الإشعار مثلة . قال فرأيت وكيما غضب غضبا شديدا وقال
أقول لك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول قال إبراهيم ، ما أحقك بأن تحبس
ثم لا تخرج حتى تنزع عن قولك هذا انتهى ، فقول و کیع هذا من أوله إلى آخره ینادی
بأعلى نداء أنه لم يكن مقلدالأبى حنيفة ، ولا لغيره بل كان متبعاً للسنة منكرا أشد.
الإنكار على من يخالف السنة وعلى من يذكر عنده قول رسول الله صلى الله عليه وسلم
فيذكر هو قول أحد من الناس مخالفا لقوله صلى الله عليه وسلم ، وأما من قال إن وكيما
كان يفتی بقول أبى حنيفة فليس مراده أنه كان يفتى بقوله فى جميع المسائل ، بل مراده أنه
کان یفت بقوله فى بعض المسائل ثم لم یکن إفتاؤه فی بعضها تقليداً لأبى حنيفة بل كان
اجتهادا منه فوافق قوله قوله فظن أنه کان یفتی بقوله ، والدليل على هذا كله قول وکیع
المذكور : ثم الظاهر أن المسألة التى يفتى فيها وكيع بقول أبى حنيفة هى شرب نبيذ
الكوفيين، قال الحافظ الذهبى فى تذكرة الحفاظ فى ترجمته : ما فيه إلا شربه النبيذ
الکوفیین وملازمته له ، جاء ذلك من غير وجه عنه انتهی ( عن إسرائيل ) هو ابن

٢٣
عن سِمَاكٍ، عن مُصْعَبِ بن سَعْدٍ، عن ابنِ عُمَرَ ، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم
قال: ((لاَ تُقْبَلُ صَلَةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ ،
يونس بن أبى إسحق السبيعى الكوفى ، قال أحمد ثبت وقال أبو حاتم صدوق من أتقن
أصحاب إسحق ، قال الحافظ فى التقريب : ثقة تكلم فيه بلا حجة ( عن مصعب بن سعد )
ابن أبى وقاص الزهری المدنی ثقة من أوساط التابعین ، أرسل عن عكرمة بن أبی جهل
مات سنة ١٠٣ ثلاث ومائة ( عن ابن عمر ) هو عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوى
أبو عبد الرحمن ولد بعد المبعث بيسير واستصغر يوم أحد وهو ابن أربع عشرة سنة،
وهو أحد المكثرين من الصحابة والعبادلة وكان من أشد الناس اتباعاً للأثر مات سنة٧٣
ثلاث وسبعين فى آخرها أو أول التى تليها . كذا فى التقريب .
قوله ( لا تقبل صلاة بغير طهور ) بضم الطاء ، والمرادبه ما هو أعم من الوضوء
والغسل ، قال النووى: قال جمهور أهل اللغة: يقال الطهور والوضوء بضم أولهما إذا
أريد به الفعل الذى هو المصدر ويقال الطهور والوضوء بفتح أولهما إذا أريد به الماء الذى
يتطهر به. هكذا نقله ابن الأنبارى وجماعات من أهل اللغة وغيرهم عن أكثر أهل اللغة،
وذهب الخليل والأصمعى وأبو حاتم السجستانى وجماعة إلى أنه بالفتح فيهما . انتهى .
والمراد بالقبول هنا ما يرادف الصحة وهو الإجزاء ، وحقيقة القبول ثمرة وقوع الطاعة
مجزئة رافعة لما فى الذمة ، ولما كان الإتيان بشروطها مظنة الإجزاء الذى القبول ثمرته
عبر عنه بالقبول مجازا ، وأما القبول المنفى فى مثل قوله صلى الله عليه وسلم: من أتى عرافاً
لم تقبل له صلاة. فهو الحقيقى لأنه قد يصح العمل ويتخلف القبول لمانع، ولهذا كان بعض
السلف يقول: لأن تقبل لى صلاة واحدة أحب إلى من جميع الدنيا ، قاله ابن عمر ، قال
لأن الله تعالى قال (( إنما يتقبل الله من المتقين )» کذا فى فتح البارى . والحديث نص فى
وجوب الطهارة للصلاة ، وقد أجمعت الأمة على أن الطهارة شرط فى صحة الصلاة وأجمعت
على تحريم الصلاة بغير طهارة من ماء أو تراب ، ولا فرق بين الصلاة المفروضة والنافلة،
والحديث دليل على وجوب الطهارة لصلاة الجنازة أيضا لأنها صلاة ، قال النبى صلى الله عليه

٢٤
وَلاَ صَدَقَةٌ مِنْ غُلُولٍ)) قال حَتَّاٌ فِى حَدِيثِهِ: (( إِلاَّ بِطُهور)).
قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا الْحَدِيثُ أَصَحُ شَىْءٍ فى هذا الباب وَأَحْسَنُ.
وسلم ((من صلى على الجنازة)) وقال (صلوا على صاحبكم)) وقال ((صلوا على النجاشى)) قال
الإمام البخارى : سماها صلاة وليس فيها ركوع ولا سجود ولا يتكلم فيها وفيها تكبير
وتسليم ، وكان ابن عمر لا يصلى عليها إلا طاهرا انتهى . قال الحافظ ونقل ابن عبد البر
الاتفاق على اشتراط الطهارة لها يعنى لصلاة الجنازة إلا عن الشعبى، قال ووافقه إبراهيم بن
علية، ونقل غيره أن ابن جرير الطبرى وافقها على ذلك وهو مذهب شاذ. انتهى كلام الحافظ.
قلت: والحق أن الطهارة شرط فى صحة صلاة الجنازة ولا التفات إلى ما نقل
عن الشعبى وغيره .
فائدة : قال البخارى فى صحيحه إذا أحدث يوم العيد أو عند الجنازة يطلب الماء ولا يقيمم
انتهى . قال الحافظ فى الفتح: وقد ذهب جمع من السلف إلى أنه يجزىء لها التيمم لمن
خاف فواتها يعنى فوات صلاة الجنازة لو تشاغل بالوضوء ،وحكاه ابن المنذر عن عطاء
وسالم والزهرى والنخعى وربيعة والليثوالكوفیین،وهی رواية عن أحمد، وفيه حديث
مرفوع عن ابن عباس رواه ابن عدى وإسناده ضعيف انتهى (ولا صدقة من غلول )
يضم الغين، والغلول الخيانة ، وأصله السرقة من مال الغنيمة قبل القسمة ، قاله النووى ،
وقال القاضى أبو بكر بن العربى : الغلول الخيانة خفيفة ، فالصدقة من مال حرام فى عدم
القبول واستحقاق العقاب كالصلاة بغير طهور فى ذلك انتهى .
قوله : ( قال هناد فى حديثه إلا بطهور ) أى مكان بغير طهور ، ومقصود الترمذى
بهذا إظهار الفرق بين حديث قتيبة وحديث هناد فيقال قتيبة فى حديثه لا تقبل صلاة بغير
طهور، وقال هناد فى حديثه لاتقبل صلاة إلا بطهور .
قوله : ( هذا الحديث أصح شىء فى هذا الباب وأحسن ) والحديث وأخرجه الجماعة
إلا البخارى كذافى المنتقى ، ورواه الطبرانى فى الأوسط بلفظ لاصلاة لمن لا طهور له

٢٥
وَفِ الباب عن أَبِ الَلِيحِ، عن أَبِهِ، وَأَبِ هُرَيْرَةَ، وَأَنَ. وَأَبُو المَلِيحِ
( وفى الباب عن أبى المليح عن أبيه وأبى هريرة وأنس ) أما حديث أبى المليح عن أبيه
فأخرجه أبو داود والنسائى وابن ماجه ولفظه (( لا يقبل الله صدقة من غلول ولا صلاة
بغير طهور)) والحديث سكت عند أبوداود ثم المنذرى ، وأما حديث أبى هريرة فأخرجه
الشيخان بلفظ ((لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ )) الحديث ، وأما حديث
أنس فأخرجه ابن ماجه بلفظ لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول . قال
الحافظ فى التلخيص: وفى الباب عن والد أبى المليح وأبى هريرة وأنس وأبى بكرة
وأبى بكر الصديق والزبير بن العوام وأبى سعيد الخدرى وغيرهم . وقد أوضحت طرقه
وألفاظه فى الكلام على أوائل الترمذى انتهى .
قلت: وفى الباب . أيضا عن عمران بن حصين وأبى سبرة وأبى الدرداء وعبدالله بن
.مسعود ورباح بن حويطب عن جدته وسعد بن عمارة ، ذكر حديث هؤلاء الصحابة
رضى الله عنهم الحافظ الهيشمى فى مجمع الزوائد فى باب فرض الوضوء مع الكلام عليها
فمن شاء الوقوف عليها فليرجع إليه .
تنبيهان: الأول: أن قول الترمذى هذا الحديث يعنى حديث ابن عمر أصح شىء فى هذا
الباب فيه نظر ، بل أصح شىء فى هذا الباب هو حديث أبى هريرة الذى أشار إليه
الترمذى وذكرنا لفظه ، فإنه متفق عليه .
الثانى: قد جرت عادة الترمذى فى هذا الجامع أنه يقول بعد ذكر أحاديث الأبواب :
وفى الباب عن فلان وفلان فإنه لا يريد ذلك الحديث بعينه بل يريد أحاديث أخر يصح
أن تكتب فى الباب ، قال الحافظ العراقى: وهو عمل صحيح إلا أن كثيرا من الناس يفهمون
من ذلك أن من سمی من الصحابة يروون ذلك الحديث بعينه وليس كذلك بل قد يكون
كذلك وقد يكون حديثا آخر يصح إيراده فى ذلك الباب، وقد تقدم ما يتعلق به فى المقدمة فتذكر
قوله ( وأبو المليح) بفتح الميم وكسر اللام (بن أسامة اسمه عامر) قال الحافظ فى
التقريب أبو المليح بن أسامة بن عمير أو عامر بن حنيف بن ناحية الهذلى ، اسمه عامر ،
وقيل زيد وقيل زياد ، ثقة من الثالثة .

٢٦
ابْنُ أُسَمَةَ أَسْمُهُ (عَامِرٌ))، ويقال ((زَيْدُ بْنُ أُسَامَةَ بنِ عُمَيْرِ الْمُذَّلِيُّ)» .
٢ - بابَ مَا جاء فِى فَضْل الطَّهُور
٢ - حدّثنا إِسحُقُ بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِىُّ،
قوله (باب ماجاء فى فضل الطهور) بضم الطاء ، وقد تقدم قول أكثر أهل اللغة أنه
يقال الطهور بالضم إذا أريد به الفعل ويقال بالفتح إذا أريد به الماء ، والمراد هنا الفعل
٢ - قوله ( حدثنا إسحاق بن موسى الأنصارى) الخطمى المدينى الفقيه الحافظ الثبت
أبو موسى قاضى نيسابور ، سمع سفيان بن عيينة وعبد السلام بن حرب ومعن بن عيسى.
وكان من أئمة الحديث صاحب سنة ، ذكره أبو حاتم فأطنب فى الثناء عليه ، وقال النسائى
ثقة ، حدث عنه مسلم والترمذى والنسائى وآخرون ، قيل إنه توفى بجوسية بليدة من
أعمال حمص فى سنة أربع وأربعين ومائتين . كذا فى تذكرة الحفاظ . وقال فى التقريب
ثقة متقن .
فائدة: قال الحافظ الذهبی فی الميزان،إذا قال الترمذى ابن الأنصاری فیعنی به إسحقبن
موسى الأنصارى. انتهى قلت: الأمر كما قال الذهبى، لكن يقول الترمذى. الأنصارى لا ابن
الأنصارى كما قال فى باب ماء البحر أنه طهور: حدثنا قتيبة عن مالك ح وحدثنا الأنصارى.
قال حدثنا معن إلخ . وكما قال فى باب التغليس بالفجر : حدثنا قتيبة عن مالك بن أنس ح
قال ونا الأنصارى نامعن إلخ ثم قال قال الأنصارى فمر النساء متلففات بمروطهن إلخ ،
فالحاصل أن الترمذى إذا قال فى شيوخه الأنصارى فيعنى به إسحاق بن موسى الأنصارى
لاغير ، فاحفظ هذا فإنه نافع .
تنبيه : قد غفل صاحب الطيب الشذى عما ذكرنا آنفا من أن الترمذى إذا يقول
الأنصارى فيعنى به إسحاق بن موسى الأنصارى فلذلك قد وقع فى مغلطة عظيمة ؛ وهى
أنه قال فى باب ماء البحر أنه طهور مالفظه: قوله الأنصارى هو يحيى بن سعيد الأنصارى
كما يظهر من تصريح الحافظ فى التخليص كما سيأتى فى تصحيح الحديث انتهى . قلت
العجب أنه من هذه الغفلة الشديدة كيف جوز أن الأنصارى هذا هو يحيى بن سعيد
الأنصارى ، والأنصارى هذا هو شيخ الترمذى فإنه قال : حدثنا الأنصارى ، ويحي
ابن سعيد الأنصارى من صغار التابعين ، فبين الترمذى وبينه مفاوز تنقطع فيها أعناق المطايا

٢٧
حَدَّثَنَا مَعْنُ بنُ عِيسَى القَزَّازُ حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسِ، حَ وَحَدَّثَنَا قُتَْبَةُ »
عَنْ مَالِكٍ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِ صَالِحٍ ،
فهل يمكن أن يقول الترمذى حدثنا يحيى بن سعيد الأنصارى ، كلا ثم كلا ثم العجب
على العجب أنه قل كما يظهر من تصريح الحافظ فى التلخيص، ولم يصرح الحافظ فى التلخيص
أن الأنصارى هذا هو يحيى بن سعيد الأنصارى ، ولا يظهر هذا من كلامه البتة ، وقد
وقع هو فى هذا فى مغلطة أخرى، والأصل أن الرجل إذا تكلم فى غير فنه يأتى بمثل هذه
العجائب . ( نامعن بن عيسى ) أبو يحيى المدنى القزاز الأشجعى مولاهم ، أخذ عن ابن.
أبى ذئب ومعاوية بن صالح ومالك وطبقتهم ، روى عنه ابن أبى خيثمة وهارون الجمال
وخلق ، قال أبو حاتم هو أحب إلى من ابن وهب وهو أثبت أصحاب مالك ، توفى فى
شوال سنة ١٩٨ ثمان وتسعين ومائة ، كذا فى تذكرة الحفاظ ، وقال فى التقريب ثقة.
ثبت (نا مالك بن أنس ) هو مالك بن أنس بن مالك الأصبحى المدنى إمام دار الهجرة
رأس المتقنين وكبير المثبتين ، تقدم ترجمته فى المقدمة (عن سهيل بن أبى صالح) المدنى صدوق
تغير حفظه بآخره ، روى له البخارى مقرونا وتعليقا ، من السادسة ، مات فى خلافة
المنصور ، كذا فى التقريب ، قلت قال الذهبى فى الميزان : وقال غيره : أى غير ابن معين:
إنما أخذ عنه مالك قبل التغير ، وقال الحاكم روى له مسلم الكثير وأكثرها فى الشواهد.
انتهى (عن أبيه ) أى أبى صالح ، واسمه ذكوان كما صرح به الترمذى فى هذا الباب ،
قال الحافظ فى التقريب؛ ذكوان أبو صالح السمان الزيات المدنى ثقة ثبت وكان يجلب.
الزيت إلى الكوفة، من الثالثة مات سنة ١٠١ إحدى ومائة .
تنبيه: اعلم أن أبا صالح والد سهيل هو أبو صالح السمان ، واسمه ذكوان ، وهذا ظاهر
لمن له أدنى مناسبة بفن الحديث ، وقد صرح به الترمذى فى هذا الباب ، وقد وقع صاحب
الطيب الشذى ههنا فى مغلطة عظيمة فظن أن أبا صالح والد سهيل هذا هو أبو صالح الذى
اسمه مينا ، حيث قال: قوله عن أبيه مولى ضباعة ، لين الحديث من الثالثة ، واسمه مينا
بكسر الميم انتهى
.
والعجب كل العجب أنه كيف وقع فى هذه المغلطة مع أن الترمذى قد صرح فى هذا
الباب بأن أبا صالح والد سهيل هو أبو صالح السمان واسمه ذكوان ،

٢٨
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهُ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلمٍ: ((إِذَا تَوَضَّأَ
الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ، أَوِ الْمُؤْمِنُ، فَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَتْ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ
إِلَيْهَاَ بِعَيْغَيْهِ مَعَ الماءِ، أَوْ مَعَ آخِرٍ قَطْرِ المَاءِ، أَوْ نَحْوِ هُذَا، وَ إِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ
خَرَ جَتْ مِنْ يَدَيْهِ كُلُّ خَطِئَةٍ بَطَشَتْهاَ
ثم قد حكم الترمذى بأن هذا الحديث حسن صحيح ، فكيف ظن أن أبا صالح والد
سهيل هو أبو صالح الذى اسمه مينا وهو لين الحديث
قوله ( إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن ) هذا شك من الراوى ، وكذا قوله
مع الماء أو مع قطر الماء ، قاله النووى وغيره ( فغسل وجهه ) عطف على توضأ عطف
تفسير ، أو المراد إذا أراد الوضوء وهو الأوجه ( خرجت من وجهه ) جواب إذا (كل
خطيئة نظر إليها ) أى إلى الخطيئة يعنى إلى سببها إطلاقا لاسم المسبب على السبب مبالغة
( بعينيه) قال الطيى تأكيد ( مع الماء) أى مع انفصاله ( أو مع آخر قطر الماء أو نحو
هذا) قيل أو لشك الراوى وقيل لأحد الأمرين والفطر إجراء الماء وإنزال قطره ، كذا
فى المرقاة ، قلت أو ههنا للشك لا لأحد الأمرين يدل عليه قوله أو نحو هذا ، قال القاضى
المراد بخر وجها مع الماء المجاز والاستعارة فى غفرانها لأنها ليست بأجسام فتخرج حقيقة
وقال ابن العربى فى عارضة الأحوذي : قوله خرجت الخطايا يعنى غفرت لأن الخطايا هى
أفعال وأعراض لا تبقى فكيف توصف بدخول أو بخروج ، ولكن البارىء لما أوقف
المغفرة على الطهارة الكاملة فى العضو ضرب لذلك مثلا بالخروج انتهى ، قال السيوطى
فى قوت المغتذى بعد نقل كلام ابن العربى هذا ما لفظه : بل الظاهر حمله على الحقيقة
وذلك أن الخطايا تورث فى الباطن والظاهر سواداً يطلع عليه أرباب الأحوال والمكاشفات
والطهارة تزيله ، وشاهد ذلك ما أخرجه المصنف والنسائى وابن ماجه والحاكم عن أبى
هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن العبد إذا أذنب ذنبا نكتت فى قلبه نكتة
فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه ، وإن عاد زادت حتى تعلو قلبه وذلك الران الذى
ذكره الله فى القرآن ((كلا بل ران على قلوبهم ما كانو يكسبون)) وأخرج أحمد وابن
خزيمة عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((الحجر الأسود ياقوتة بيضاء
من الجنة وكان أشد بياضاً من الثلج وإنما سودنه خطايا المشركين )) قال السيوطى: فإذا

٢٩
يَدَاهُ مَعَ المَاءِ ، أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ المَاءِ، حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنَ الُّنُوب)).
أثرت الخطايا فى الحجر ففى جسد فاعلها أولى ، فإما أن يقدر خرج من وجهه أثر خطيئته
أو السواد الذى أحدثته . وإما أن يقال إن الخطيئة نفسها تتعلق بالبدن على أنها جسم
لا عرض بناء على إثبات عالم المثال ، وأن كل ما هو فى هذا العالم عرض له صورة فى عالم
المثال ، ولهذاصح عرض الأعراض على آدم عليه السلام ثم الملائكة وقيل لهم ((أنبئونى بأسماء
هؤلاء) وإلا فكيف يتصور عرض الأعراض لو لم يكن لها صورة تشخص بها، قال وقد
حققت ذلك فى تاليف مستقل وأشرت إليه فى حاشيتى التى علقتها على تفسير البيضاوى ،
ومن شواهده فى الخطايا ما أخرجه البيهقى فى سننه عن ابن عمر قال : سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم يقول: إن العبد إذا قام يصلى أتى بذنوبه جعلت على رأسه وعاتقه.
فكاما ركع وسجد تساقطت عنه ! وأخرج البزار والطبرانى عن سلمان قال قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : المسلم یصلى وخطاياه مرفوعة على رأسه كما سجد تحاتت عنه ، انتهى
كلام السيوطى .
قلت لاشك فى أن الظاهر هو حمله على الحقيقة وأما إثبات عالم المثال نعندى فيه.
نظر فتفكر .
قوله ( بطشتها ) أى أخذتها ( حتى يخرج نقيا من الذنوب ) قال ابن الملك : أىحتى.
يفرغ المتوضىء من وضوئه طاهرا من الذنوب ، أى التى اكتسبها بهذه الأعضاء أو من.
جميع الذنوب من الصغائر وقيل حتى يخرج المتوضئء إلى الصلاة طاهرا من الذنوب ،
قال أبو الطيب السندى فى شرح الترمذى : قوله حتى يخرج مترتب على تمام الوضوء لأن
تقديره وهكذا باقى أعضاء الوضوء ، كما يفيده رواية مسلم ، فإذا غسل رجليه الحديث
وروايات غيره انتهى. قلت الأمر كما قال السندى، فروى مالك والنسائى عن عبد الله.
الصنابحى مرفوعا: إذا توضأ العبد المؤمن فمضمض خرجت الخطايا من فيه وإذا استنثر
خرجت الخطايا من أنفه ، وإذا غسل وجهه خرجت الخطايامن وجهه حتى تخرج من تحت
أشفار عينيه فإذا غسل يديه خرجت الخطايا من يديه حتى تخرج من تحت أظفار يديه، فإذا
مسح برأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه فاذا غسل رجليه خرجت الخطايا
من رجليه ، حتى تخرج من أظفار رجليه ، ثم كان مشيه إلى المسجد وصلاته نافلةله؛ کذا فى

٣٠
قال أبو عيسى: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَهُوَ حَدِيثُ مَالِكٍ، عن سُهَيْلٍ،
عن أَبيه، عن أَبِى هُرَ يْرَةَ. وأَبُو صالح: والِدُ سُهَيْلٍ هُوَ ((أَبُو صالح الَّكَّانُ))
وَاسْمُهُ ((ذَ كْوَانُ)). وَأَبُو هُرَيَْةَ أُخْتُلِفَ فِىِ اسْمِهِ، فَقَالُوا: (عَبْدُ شْسٍ))
المشكاة قال الطيبي: فإن قيل ذكر لكل عضو ما يخص به من الذنوب وما يزيلها عن ذلك
والوجه مشتمل على العين والأنف والأذن فلم خصت العين بالذكر؟ أجيب بأن العين طليعة
القلب ورائده ، فإذا ذكرت أغنت عن سائرها انتهى . قال ابن حجر المكى معترضا على
الطيبى كون العين طليعة كماذكره لا ينتج الجواب عن تخصيص خطيئتها بالمغفرة كماهو جلى،
بل الذى يتجه فى الجواب عن ذلك أن سبب التخصيص هو أن كلا من الفم والأنف
والأذن له طهارة مخصوصة خارجة عن طهارة الوجه ، فكانت متكفلة بإخراج خطاياه ،
بخلاف العين ، فإنه ليس لها طهارة إلا فى غسل الوجه خصت خطيئتها بالخروج عند غسله
دون غيرها مما ذكر. ذكره القارى فى المرقاة ص ٦٤ ج ٢ انتهى. قلت الأمر كما قال
ابن حجر ، يدل عليه رواية مالك والنسائى المذكورة ، قال ابن العربى فى العارضة :
الخطايا المحكوم بمغفر تهاهى الصغائر دون الكبائر لقول النبي صلى الله عليه وسلم الصلوات
الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن ما أجتنبت الكبائر فإذا كانت الصلاة مقرونة
بالوضوء لا تكفر الكبائر فانفراد الوضوء بالتقصير عن ذلك أحرى، قال: وهذا التكفير
إنما هو للذنوب المتعلقة بحقوق الله سبحانه ، وأما المتعلقة بحقوق الآدميين فإنما يقع النظر
فيها بالمقاصة مع الحسنات والسيئات .
قوله ( وهذا حديث حسن صحيح ) وأخرجه مسلم فى صحيحه ، وتقدم فى المقدمة حد
الحسن والصحيح مفصلا .
قوله (وأبو صالح والدسهيل هو أبو صالح السمان) بشدة الميم أى بائع السمن وكان
يجلب الزيت والسمن إلى الكوفة ( واسمه ذكوان ) المدنى مولى جويرية الغطفانية ،
شهد الدار وحصار عثمان وسأل سعد بن أبى وقاص وسمع أبا هريرة وعائشة وعدة من
الصحابة ، وعند ابنه سهيل والأعمش وطائفة ، ذكره أحمد فقال ثقة من أجل الناس
وأوثقهم، قال الأعمش سمعت من أبى صالح ألف حديث توفى سنة إحدى ومائة .
قوله ( وأبو هريرة اختلفوا فى اسمه فقالوا عبد شمس وقالوا عبد الله بن عمرو وهكذا

٣١
وَقَالُوا: (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍ و)) وَهَكَذَا، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، وَهُوَ الْأَصَحُ.
قال محمد بن إسمعيل وهذا الأصح) قال الحافظ ابن حجر فى التقريب : أبو هريرة الدوسى
الصحابى الجليل حافظ الصحابة اختلف فى اسمه واسم أبيه قيل عبد الرحمن بن صخر
وقيل ابن غنم إلى أن ذكر تسعة عشر قولا ثم قال هذا الذى وقفنا عليه من الاختلاف ،
واختلف فى أيها أرجح فذهب الأكثرون إلى الأول أى عبد الرحمن بن صخرو ذهب
جمع من النسابين إلى عمرو بن عامر انتهى، وفى المرقاة شرح المشكاة: قال الحاكم أبو أحمد.
أصح شىء عندنا فى اسم أبى هريرة عبد الرحمن بن صخر وغلبت عليه كنيته فهو كمن
لا اسم له ، أسلم عام خبير وشهدها مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم لزمه وواظب عليه
راغبا فی العلم راضیا بشبع بطنه و کان یدور معه حيث مادار ، وقال البخارى روى عنه
أ کثر من ثمانمائةرجل فمنهم ابن عباس وابن عمرو وجابر وأنس ، قيل سبب تلقيبه بذلك
مارواه ابن عبد البرعنه أنه قال: كنت أحمل يوما هرة فی کمی فرآنى رسول الله صلى الله
عليه وسلم فقال: ماهذه ؟ فقلت هرة ، فقال يا أبا هريرة . انتهى ما فى المرقاة ، وذكر
الحافظ الذهبى فى تذكرة الحفاظ أنه قال : كنانى أبى بأبى هريرة لأنى كنت أرعى غنما
فوجدت أولاد هرة وحشية فلما أبصرهن وسمع أصواتهن أخبرته فقال أنت أبوهر ، وكان
اسمى عبد شمس . انتهى .
قلت : روى الترمذى فى هذا الكتاب فى مناقب أبى هريرة بسنده عن عبد الله بن
أبى رافع قال : قلت لأبى هريرة لم كنيت أبا هريرة قال أما تفرق منى قلت بلى والله إلى
لأهابك ، قال : كنت أرعى غنم أهلى وكانت لى هريرة صغيرة فكنت أضعها بالليل في
شجرة فإذا كان النهار ذهبت بها معى فلعبت بها فكنونى أبا هريرة ، هذا حديث
حسن غريب .
فائدة : اختلف فى صرف أبى هريرة ومنعه ، قال القارى فى المرقاة . جر هريرة
هو الأصل وصوبه جماعة لأنه جزء علم ، واختار آخرون منع صرفه كما هو الشائع على
ألسنة العلماء من المحدثين وغيرهم، لأن الكل صاركا لكلمة الواحدة انتهى ، قلت وقد
صرح غير واحد من أهل العلم أن منعه من الصرف هو الجارى على ألسنة أهل الحديث
فالراجح هو منعه من الصرف ، وكان هو الجارى على ألسنة جميع شيوخنا غفر الله لهم

٣٢
٠٠
وأدخلهم جنة الفردوس الأعلى ، ويؤيد منع صرفه منع صرف ابن داية علما للغراب »
قال قيس بن ملوح المجنون .
أقول وقد صاح ابن داية غدوة * يبعد النوى لا أخطأتك الشبائك.
قال القاضى البيضاوى فى تفسيره المسمى بأنوار التنزيل فى تفسير قوله تعالى (( شهر
رمضان الذى أنزل فيه القرآن ((رمضان مصدر رمض إذا احترق فأضيف إليه الشهر
وجعل علما ومنع من الصرف للعلمية والألف والنون كما منع داية فى ابن داية علماللغراب.
للعلمية والتانيت انتهى .
فائدة : قد تفوه بعض الفقهاء الحنفية بأن أبا هريرة لم يكن فقيها ، وقولهم هذا
باطل مردود عليهم ، وقد صرح أجلة العلماء الحنفية بأنه رضى الله عنه كان فقيها ، قال
صاحب السعاية شرح شرح الوقاية : وهو من العلماء الحنفية ردا على من قال منهم أن
أبا هريرة كان غير فقيه ، مالفظه : كون أبى هريرة غير فقيه غير صحيح ،
بل الصحيح أنه من الفقهاء الذى كانوا يفتون فى زمان النبى صلى الله عليه وسلم كما صرح
به ابن الهمام فى تحرير الأصول وابن حجر فى الإصابة فى أحوال الصحابة انتهى. وفى بعض
حواشى نور الأنوار أن أباهريرة كان فقيها صرح به ابن الهمام فى التحرير ، كيف وهو
لا يعمل بفتوى غيره وكان يفتى بزمن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم وكان يعارض
أجلة الصحابة كابن عباس فإنه قال إن عدة الحامل المتوفى عنها زوجها أبعد الأجلين فرده
أبو هريرة وأفتى بأن عدتها وضع الحمل ، كذا قيل . انتهى .
قلت : كان أبو هريرة رضى الله عنه من فقهاء الصحابة ومن كبار أئمة الفتوى ، قال
الحافظ الذهبى فى تذكرة الحفاظ: أبو هريرة الدوسى اليمانى الحافظ الفقيه صاحب رسول
الله صلى الله عليه وسلم كان من أوعية العلم ومن كبار أئمة الفتوى. مع الجلالة والعبادة
والتواضع. انتهى - وقال الحافظ ابن القيم فى إعلام الموقعين: ثم قام بالفتوى بعد رسول
الله صلى الله عليه وسلم برك الإسلام وعصابة الإيمان وعسكر القرآن وجند الرحمن أولئك
أصحابه صلى الله عليه وسلم وكانوا بين مكثر منها ومقل ومتوسط : وكان المكثرون منهم

٣٣
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَفِى الْبَابِ عَنْ عُثَنَ بْنِ عَفَّنَ، وتَوْبَانَ ، وَالصُّنَائِى،
وعَمْرو بْنِ عَبَةً ، وسَلْمَانَ ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو.
سبعة : عمر بن الخطاب وعلى بن أبى طالب وعبد الله بن مسعود وعائشة أم المؤمنين وزيد
بن ثابت وعبد الله بن عمر ، والمتوسطون منهم فيما روى عنهم من الفتيا، أبو بكر
الصديق وأم سلمة وأنس بن مالك وأبو سعيد الخدرى وأبو هريرة ... إلخ فلا شك
فى أن أبا هريرة رضى الله عنه كان فقيها من فقهاء الصحابة ومن كبار أئمة الفتوى .
فإن قيل : قال إبراهيم النخعى أيضا إن أبا هريرة لم يكن فقيها ، والنخعى من
فقهاء التابعين .
قلت : قد نقم على إبراهيم النخعى لقوله إن أبا هريرة لم يكن فقيها ، قال الحافظ
الذهبى فى الميزان فى ترجمته : وكان لا يحكم العربية ربما لحن ونقموا عليه قوله لم يكن
أبو هريرة فقيها . انتهى .
عبرة : قال القاضى أبو بكر بن العربى فى عارضة الأحوذى فى بحث حديث المصراة
المروى عن أبى هريرة وابن عمر رضى الله عنهما : قال بعضهم هذا الحديث لا يقبل لأنه
يرويه أبو هريرة وابن عمر ولم يكونا فقيهين ، وإنما كانا صالحين فروايتهما إنما تقبل فى
المواعظ لا فى الأحكام ، وهذه جرأة على الله واستهزاء فى الدين عند ذهاب حملته وفقد
نصرته ؛ ومن أفقه من أبى هريرة وابن عمر؟ ومن أحفظ منهما خصوصا من أبى هريرة
وقد بسط رداءه وجمعه النبى صلى الله عليه وسلم وضمه إلى صدره فما نسى شيئا أبدا
ونسأل الله المعافاة من مذهب لا يثبت إلا بالطعن على الصحابة رضى الله عنهم ، ولقد كنت
فى جامع المنصور من مدينة السلام فى مجلس على بن محمد الدامغانى قاضى القضاة ، فأخبرنى
به بعض أصحابنا وقد جرى ذكر هذه المسألة أنه تكلم فيها بعضهم يوما وذكر هذا الطعن
فى أبى هريرة فسقط من السقف حية عظيمة فى وسط المسجد فأخذت فى سمت المتكلم
بالطعن ونفر الناس وارتفعوا وأخذت الحية تحت السوای فلم يدر أين ذهبت ، فارعوى
من بعد ذلك من الترسل فى هذا القدح . انتهى .
قوله : (وفى الباب عن عثمان وثوبان والصنابحى وعمر وبن عبسة وسلمان وعبدالله بن
عمرو) أما حديث عثمان: فأخرجه الشيخان بلفظ: قال قال رسول الله عليه وسلم : من
(٣ - تحفة الأحوذي - جزء ١)

٣٤
والصُّنَ بِىُّ الَّذِىِ رَوَى عَنْ أَبِي بَكْرِ الصَّدِّيقِ: كَيْسَ لَهُ سَاعٌ مِنْ
رَسُولِ اللهِ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، وَأَسْمُهُ ((عَبْدُ الرَّْمنِ بْنُ عُسَيْلَةَ)) وَيُكْنَى
(( أَبا عبد الله )) رَحَلَ إِلَى النَّبِىِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمْ فَقُبِضَ النَّبِىُّ صَلّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّم
توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره . وأما
حديث ثوبان فأخرجه مالك وأحمدوابن ماجه والدارمى . وأما حديث الصنابحى فأخرجه
مالك والنسائى وابن ماجه والحاكم وقال صحيح على شرطهما ولاعلة له والصنامحى مشهور
كذا في الترغيب للمنذرى . وأما حديث عمرو بن عبسة فأخرجه مسلم ، وأما حديث
سلمان فأخرجه البيهقى فى شعب الإيمان بلفظ: إذا توضأ العبد تحاتت عنه ذنوبه كما تحات
ورق هذه الشجرة . وأما حديث عبد الله بن عمرو فلم أفف عليه - وفى الباب عن عدة
من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سوی المذ کورین ذ کر أحاديثهم المنذرى فى الترغيب
والهيثمى فى مجمع ازوائد .
قوله ( والصنابحى هذا الذى روى عن النبى صلى الله عليه وسلم فى فضل الطهور
هو عبد الله الصنابحى) هذه العبارة ليست فى النسخ المطبوعة ، إنما هى فى بعض النسخ
العلمية الصحيحة ، وحديث عبد الله الصنابحى هذا أخرجه مالك في الموطأ عن زيد بن
أسلم عن عطاء بن يسار عن عبد الله الصنابحى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال
إذا توضأ العبد المؤمن فمضمض خرجت خطاياه من فيه ، الحديث. قال الحافظ ابن
عبد البر: قد اختلف على عطاء فيه ، قال بعضهم عن عبد اللّه الصنابحى، وقال بعضهم عن
أبى عبد الله الصنابحى وهو الصحيح ، كذا فى المحلى ، وقال البخارى : وهم مالك فى قوله
عبد الله الصنابحى، وإنما هو أبو عبد الله، كذا فى إسعاف المبطأ (والصنابحى الذى روى
عن أبى بكر الصديق ليس له سماع من النبي صلى الله عليه وسلم واسمه عبد الرحمن بن
عسيلة ويكنى أبا عبد الله) قال الحافظ فى التقريب: عبد الرحمن بن عسيلة بمهملة مصغرا
المرادى أبو عبد الله الصنابحى ثقة من كبار التابعين قدم المدينة بعد موت النى صلى الله
عليه وسلم بخمسة أيام. مات فى خلافة عبد الملك، انتهى (رحل إلى النبى صلى الله عليه وسلم

٣٥
وَهُوَ فِى الطَّرِيقِ . وَقَدْ رَوَى عَنْ النَّبِىِ صَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَادِيثَ .
وَالصُّنَابِحُ بْنُ الْأَعْسَرِ الْأَحَسِىُّ صَاحِبُ النّبِيِّ صَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يُقَالَ لَهُ
((الُّنَابِيُّ)) أَيضاً. وَإِنَّا حَدِيثُه قَالَ: سَمِعْتُ النَِّيَّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
يقول: ((إِى مُكَارٌٍ بِكُمُ الْأُمَمَ فَلاَ تَقْتَتِلُنَّ بَعْدِى)) .
وهو فى الطريق ) روى البخارى فى صحيحه عن أبى الخير عن الصنابحى أنه قال : متى
هاجرت ؟ قال خرجنا من المن مهاجرين فقدمنا الجحفة فأقبل راكب فقلت له الخبر الخبر،
فقال دفنا النبى صلى الله عليه وسلم منذ خمس ، قلت : هل سمعت فى ليلة القدر شيئا قال :
أخبرنى بلال مؤذن النبى صلى الله عليه وسلم أنه فى السبع فى العشر الأواخر (والصنايع بن
الأعسر الأحمسى صاحب النبى صلى الله عليه وسلم يقال له الصنابحى أيضاً ) قال الحافظ
فى التقريب: الصنابح بضم أوله ثم نون وموحدة ومهملة ابن الأعسر الأحمن صحانى
سكن الكوفة ، ومن قال فيه الصنابحى فقد وهم. انتهى ( وإنما حديثه قال سمعت النبي
صلى الله عليه وسلم يقول إنى مكاثر بكم الأمم ) قال فى مجمع البحار : كائرته أى غلبته
وكنت أكثر منه، يعنى إنى أباهى بأكثرية أمتى على الأمم السالفة ( فلا تقتلن بعدى)
بصيغة النهى المؤكد بنون التأكيد من الافتال، قال أبو الطيب السندى فى شرح الترمذى:
فإن قلت ماوجه تترتب قوله لا تقتلن بعدى على المكاثرة ؟ قلت وجهه أن الاقتتال موجب
لقطع النسل إذا لا تناسل من الأموات فيؤدى إلى قلة الأمة فينافى المطلوب ، فلذلك نهى
النبى صلى الله عليه وسلم عنه ؛ فإن قلت : المقتول ميت بأجله فلا وجه لقطع النسل بسبب
الاقتتال قلت إما أن يقال إن الإقدام على الاقتتال مفض بقطع النسل فالنسل باعتبار
فعلهم الاختيارى أو يقال يكون لهم أجلان أجل على تقدير الاقتال وأجل بدونه ويكون
الثانى أطول من الأول وبالاقتتال يقصر الأجل فتقل الأمة ، وهذا يرد عليه أن عند الله
لا يكون إلا أجل واحد انتهى كلام أبى الطيب . وحديث الصنابحى هذا أخرجه أحمد فى
مسنده ص ٣٥١ ج ٤ بألفاظ .
تنبيه: أعلم أنه يفهم من كلام الترمذى الذكور أمران: أحدهما أن عبد الله الصناعيحى
3
الذى روى فى فضل الطهور صحابى، والثانى أن عبد الله الصنابحى هذا غير الصنابحى

٣٦
٣ - بابُ مَا جَاءَ أنَّ مِفْتَحَ الصَّلاَة الطُّهُورُ
٣ - حدّثنا قُتَيْبَةُ، وَهَنَّدٌ، ومحمودُ بنُ غَيْلَانَ، قَالُوا: حدثناَ وَكِيعٌ ،
عَنْ سُفْيَانَ ،
الذى اسمه عبد الرحمن بن عسيلة وكنيته أبو عبد الله، لكنه ليس هذان الأمران متفقا
عليها ، بل فى كل منهما اختلاف ، قال الحافظ فى التقريب : عبد الله الصنابحى مختلف فى
وجوده ، فيقل صحابى مدنى ،"وقيل هو أبو عبد الله الصنابحى عبد الرحمن بن عسيلة،
وقال ابن أبى حاتم فى مراسيله عبد الله الصنابحى هم ثلاثة فالذى يروى عنه عطاء بن
يسار هو عبد الله الصنابحى ولم تصح صحبته انتهى ، وقال السيوطى فى إسعاف المبطأ :
عبد الله الصنابحى ويقال أبو عبد الله مختلف فى صحبته ، روى عن النبى صلى اللهعليه وسلم
وعن أبى بكر وعبادة بن الصامت ، وعنه عطاء بن يسار ، وقال البخارى وهم مالك
فى قوله عبد الله الصنابحى وإنما هو أبو عبد الله واسمه عبد الرحمن بن عسيلة، ولم يسمع من
النبى صلى الله عليه وسلم ، وكذا قال غيروا حد ، وقال يحيى بن معين : عبد الله الصنائحى
یروی عنه المدنیون یشبه أن تكون له صحبة. انتهى :
قوله ( باب : ما جاء أن مفتاح الصلاة الطهور ) بضم الطاء المهملة .
٣ - قوله (حدثنا هناد وقتيبة) تقدم ترجمتهما (ومحمود بن غيلان) العدوى مولاهم
المروزى، أبو أحمد أحد أئمة الأثر ، حدث عن سفيان بن عيينة والفضل بن موسى
السینانی والوليد بن مسلم وأبی عوانة وو کیع وخلق ، وعنه الجماعة سوی أبى داود ، قال
أحمد بن حنبل: أعرف بالحديث صاحب سنة ، وقال النسائى ثقة ، كذا فى تذكرة الحفاظ
توفى سنة ٢٣٩ تسع وثلاثين ومائتين ( قالوا نا وكيع ) تقدم ( عن سفيان ) هو الثورى
وهو سفيان بن سعيد بن مسروق الثورى أبو عبد الله الكوفى ثقة حافظ فقيه عابد إمام
حجة من رؤوس الطبقة السابعة وكان ربما دلس مات سنة ١٦١ إحدى وستين ومائة ،
ومولده سنة ٧٧ سبع وسبعين كذا فى التقريب والخلاصة ، قلت : قال الحافظ فى طبقات
المدلسين: وهم أى المدلسون على مراتب: الأولى من لم يوصف بذلك إلا نادرا كيحيى

٣٧
ح وَحَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ مَهْدِيٍ، حَدَّثَنَاَ
سُقْيَنُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَدِ بْنِ عَقِيلٍ، عَنْ مُحَدِ بْنِ الْنَفِيَّةِ، عَنْ عَلِيٍّ عَنْ النَّبِّ
بين سعيد الأنصارى، الثانية من احتمل الأئمة تدليسه وأخرجوا له فى الصحيح لإمامته وقلة
تدليسه فی جنب ماروی کالثوری ، أو کان لا يدلس إلا عن ثقة کابن عيينة انتهى . (وثنا
محمد بن بشار ) لقبه بندار بضم الموحدة وسكون النون ، قال الذهى فى تذكرة الحفاظ
بندار الحافظ الكبير الإمام محمد بن عثمان العبدى البصرى النساج كان عالماً بحديث
البصرة متقنا مجودا لم يرحل برا بأمه ثم ارتحل بعدها ، سمع معتمر بن سليمان
وغندرا ويحيى بن سعيد وطبقتهم ، حدث عنه الجماعة وخلق كثير ، قال أبو حاتم
صدوق ، وقال العجلى ثقة كثير الحديث حائك ، قال ابن خزيمة في كتاب التوحيد له
حدثنا إمام أهل زمانه فى العلم والأخبار محمد بن بشار، قال الذهبي. لاعبرة بقول من ضعفه
توفى سنة ٢٥٢ اثنتين وخمسين ومائتين انتهى ، وقال الخزرجى فى الخلاصة . قال النسائى
لا بأس به، وقال الذهبى انعقد الإجماع بعد على الاحتجاج ببندار ، انتهى ما فى الخلاصة
( ناعبد الرحمن ) بن مهدى بن حسان الأزدى مولاهم ، أبو سعيد البصرى اللؤلؤى
الحافظ العلم عن عمر بن ذر وعكرمة بن عمار وشعبة والثورى ومالك وخلق ، وعنه
ابن المبارك، وابن وهبأ كبر منه، وأحمد وابن معين، قال ابن المدينى: أعلم الناس بالحديث
ابن مهدى ، وقال أبو حاتم إمام ثقة أثبت من القطان وأنقن من وكيع ، وقال أحمد إذا
حدث ابن مهدى عن رجل فهو حجة ، وقال القواريرى أملى علينا ابن مهدى عشرين
ألفاً من حفظه ، قال ابن سعد مات سنة ١٩٨ ثمان وتسعين ومائة بالبصرة عن ثلاث
وستين سنة ، وكان يحج كل سنة كذا فى الخلاصة ( عن عبد الله بن محمد بن عقيل ) بفتح
العين ابن أبى طالب الهاشمى أبى محمد المدنى عن أبيه وخاله محمد بن الحنفية وعنه ابنعجلان
والسفيانان، وسيجىء كلام أئمة الحديث فيه (عن محمد بن الحنفية ) هو محمد بن على
ابن أبى طالب الهاشمى أبو محمد الإمام المعروف بابن الحنفية ، أمه خولة بنت جعفر الحنفية
نسب إليها ، روى عن أبيه وعثمان وغيرهما، وعنه بنوه إبراهيم وعبد الله والحسن وعمرو
ابن دينار وخلق ، قال إبراهيم بن الجنيد: لا نعلم أحدا أسند عن على أكثر ولا أصح مما
أسند محمد بن الحنيفة ، مات سنة ثمانين كذا فى الخلاصة ، وقال فى التقريب ثقة عالم
من الثانية مات بعد الثمانين .

٣٨
صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَمَ قَالَ: ((مِفْتَحُ الصَّلاَةِ الطُّهُورُ، وَتَحْرِيُهَاَ النَّكْبِيرُ،
قوله ( مفتاح الصلاة الطهور ) بالضم ويفتح ، والمراد به المصدر ، وسمى النبى صلى
الله عليه وسلم الطهور مفتاحا مجازا لأن الحدث مانع من الصلاة فالحدث كالقفل موضوع
على المحدث حتى إذا توضأ انحل الغلق، وهذه استعارة بديعة لا يقدر عليها إلا النبوة، وكذلك
مفتاح الجنة الصلاة لأن أبواب الجنة مغلقة يفتحها الطاعات، وركن الطاعات الصلاة ، قاله
ابن العربى ( وتحريمها التكبير) قال المظهرى سمى الدخول فى الصلاة تحريما لأنه يحرم
الأكل والشرب وغيرهما على المصلى ، فلا يجوز الدخول فى الصلاة إلا بالتكبير مقارنا به
النية انتهى . قال القارى: وهو ركن عند الشافعى ، وشرط عندنا، ثم المراد بالتكبير
المذكور فى الحديث وفى قوله تعالى ((وربك فكبر)) هو التعظيم ، وهو أعم من خصوص
الله أكبر وغيره مما أفاده التعظيم، والثابت ببعض الأخبار اللفظ المخصوص فيجب العمل به
حتى يكره لمن يحسنه تركه ، كما قلنا فى القراءة مع الفاتحة وفى الركوع والسجود مع التعديل
كذا فى الكافى، قال ابن الهمام وهذا يفيد وجوبه ظاهرا وهو مقتضى المواظبة التى لم تقترن
بترك ، فينبغى أن يعول على هذا انتهى ما فى المرقاة . قال ابن العربى: قوله تحريمها التكبير
يقتضى أن تكبيرة الإحرام جزء من أجزائها كالقيام والركوع والسجود ، خلافا لسعيد
والزهرى فإنهما يقولان إن الإحرام يكون بالنية . وقوله التكبير يقتضى اختصاص إحرام.
الصلاة بالتكبير دون غيره من صفات تعظيم الله تعالى وجلاله ، وهو تخصيص لعموم قوله.
((وذكر اسم ربه فصلى)) شخص التكبير بالسنة من الذكر المطلق فى القرآن لا سما وقد.
اتصل فى ذلك فعله بقوله ، فكان يكبر صلى الله عليه وسلم ويقول الله أكبر ، وقال
أبو حنيفة يجوز بكل لفظ فيه تعظيم الله تعالى لعموم القرآن ، وقد بينا أنه متعلق ضعيف ،
وقال الشافعى يجوز بقولك الله الأكبر وقال أبو يوسف يجوز بقولك الله أكبر أما الشافعى.
فأشار إلى أن الألف واللام زيادة لم تخل باللفظ ولا بالمعنى ، وأما أبو يوسف فتعلق بأنه
لم يخرج من اللفظ الذى هو التكبير ، قلنا لأبى يوسف إن كان لم يخرج عن اللفظ الذى.
هو فى الحديث فقد خرج عن اللفظ الذى جاء به الفعل ففسر المطلق فى القول ، وذلك .
لا يجوز فى العبارات التى يتطرق إليها التعليل ، وبهذا يرد على الشافعى أيضا: فإن العبادات.

٣٩
وَتَحْلِيلُهاَ التَسْلِيمُ)).
إنما تفعل على الرسم الوارد دون نظر إلى شىء من المعنى ، قال : قال علماؤنا قوله تحريمها
التكبير يقتضى اختصاص التكبير بالصلاة دون غيره من اللفظ لأنه ذكره بالألف واللام
الذى هو باب شأنه التعريف كالإضافة ، وحقيقة الألف واللام إيجاب الحكم لما ذكر
ونفيه عما لم يذكر وسلبه عنه ، وعبر عنه بعضهم بأنه الحصر ، قال وقوله تحليلها التسليم
مثله فى حصر الخروج عن الصلاة على التسليم دون غيره من سائر الأفعال المناقضة للصلاة
خلافا لأبى حنيفة حيث يرى الخروج منها بكل فعل وقول يضاد كالحدث ونحوه حملا على
السلام وقياسا عليه وهذا يقتضى إبطال الحصر انتهى كلام ابن العربى ملخصا . قال الحافظ
ابن القيم فى إعلام الموقعين : المثال الخامس عشر رد الحكم الصريح من تعيين التكبير
للدخول فى الصلاة بقوله إذا أقيمت الصلاة فكبر ، وقوله تحريمها التكبير ، وقوله
لا يقبل الله صلاة أحدكم حتى يضع الوضوء مواضعه ثم يستقبل القبلة ، ويقول الله أكبر
وهى نصوص فى غاية الصحة ، فردت بالمنشابه من قوله تعالى (( وذكر اسم ربه فصلى))
انتهى ( وتحليلها التسليم ) التحليل جعل الشىء المحرم حلالا ، وسمى التسليم به لتحليل
ما كان حراما على المصلى لخروجه عن الصلاة وهو واجب ، قال ابن الملك : إضافة
التحريم والتحليل إلى الصلاة لملابسة بينهما ، وقال بعضهم أى سبب كون الصلاة محرمة
ما ليس منها التكبير ومحللة التسليم أى إنها صارت بها كذلك، فهما مصدران مضافان إلى
الفاعل ، كذا فى المرقة وقال الحافظ ابن الأثير فى النهاية: كأن المصلى بالتكبير والدخول
فى الصلاة صار ممنوعا من الكلام والأفعال الخارجة عن كلام الصلاة وأفعالها فقيل للتكبير
تحريم لمنعه المصلى من ذلك ، ولهذا سميت تكبيرة الإحرام أى الإحرام بالصلاة وقال
قوله تحليلها التسليم أى صار المصلى بالتسليم يحل له ما حرم عليه بالتكبير من الكلام
والأفعال الخارجة عن كلام الصلاة وأفعالها كما يحل للمحرم بالحج عند الفراغ منه ما كان
حراما عليه انتهى. قال الرافعى : وقد روى مد بن أسلم فى مسنده هذا الحديث بلفظ
(( وإحرامها التكبير وإحلالها التسليم)).

٤٠
قَالَ أَبُو عِيسَىَ : هَذَا الْحَدِيثُ أَصَحُ شَىْءٍ فِى هَذَا الْبَابِ وَأَحْسَنُ.
!
وَعَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ: هُوَ صَدُوقٌ، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُ أَهْلِ
الْعِلْمِ مِنْ قِبَلَ حِفْظِهِ.
١
قَالَ أَبُو عِيسَى: وَسَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ يَقُولُ: كَانَ أَحْمدُ بْنُ حَنْبَلٍ ،
وَ إِسْحُقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَالْمَيْدِيُ: يَحَتَجُونَ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ نِ
عَقِيلٍ . قَالَ مُحَمَّدٌ: وَهُوَ مُقَارَبُ الْحَدِيثِ.
قوله ( هذا الحديث أصح شىء فى هذا الباب وأحسن ) هذا الحديث أخرجه أيضا
الشافعى وأحمد والبزار وأصحاب السنن إلا النسائى وصححه الحاكم وابن السكن من حديث
عبد الله بن محمد بن عقيلة عن ابن الحنفية عن على، قال البزار. لا يعلم عن على إلا من هذا
الوجه، وقال أبو نعيم تفرد به ابن عقيل عن ابن الحنفية عن على ، وقال العقيلى فى إسناده
لين وهو أصلح من حديث جابر كذا فى التلخيص . وقال الزيامى فى نصب الراية : قال
النووی فی الخلاصة هو حديث حسن . انتهى (وعبد الله بن محمد بن عقيل هو صدوق وقد
تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه) قال أبو حاتم وغيره : لين الحديث ، وقال ابن
خزيمة لا يحتج به ، وقال ابن حبان ردىء الحفظ يجىء بالحديث على غير سننه فوجبت
مجانبة أخباره ، وقال أبو أحمد الحاكم ليس بالمتين عندهم ، وقال أبو زرعة يختلف عنه
فى الأسانيد ، وقال الفسوى فى حديثه ضعف، وهو صدوق ، كذا فى الميزان (وسمعت محمد
ابن إسماعيل) يعنى البخارى ( يقول كان أحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم والحميدى
يحتجون بحديث عبد الله بن محمد بن عقيل قال محمد وهو مقارب الحديث ) هذا من ألفاظ
التعديل ، وتقدم تحقيقه فى المقدمة ، قال الحافظ الذهبى فى الميزان فى ترجمة عبد الله بن محمد
ابن عقيل بعد ذكر أقوال الجارحين والمعدلين: حدثه فى مرتبة الحسن انتهى ، فالراجح
المعول عليه هو أن حديث على المذكور حسن يصلح للاحتجاج ، وفى الباب أحاديث أخرى
كلها يشهد له .