Indexed OCR Text
Pages 441-460
- ٤٤١ - وقال إسماعيل بن عبد الملك: كان سعيد بن جبير يؤمنا فى شهررمضان، فيقرأ ليلة بقراءة عبد الله بن مسعود ، وليلة بقراءة زيد بن ثابت، وليلة بقراءة غيره هكذا أبداً . وسأله رجل أن يكتب له تفسير القرآن فغضب وقال: لأن يسقط شقى أحب إلى من ذلك . وقال خصيف ، كان من أعلم التابعين بالطلاق سعيد بن المسيب ، وبالحج عطاء ، وبالحلال والحرام طاوس، وبالتفسير أبو الحجاج مجاهد ابن جبر ، وأجمعهم لذلك كله سعيد بن جبير . وکان سعید فى أول أمره كاتباً لعبد الله بن عتبة بن مسعود، ثم كتب لأبى بردة بن أبى موسى الأشعرى . وذكره أبو نعيم الأصبهانى فى تاريخ أصبهان فقال : دخل أصبهان ، أقام بها مدة، ثم ار تحل منها إلى العراق وسكن قرية سنبلان. وروى محمد بن حبيب: أن سعيد بن جبير كان بأصبهان يسألونه عن الحديث فلا يحدث ، فلما رجع إلى الكوفة حدث ، فقيل له : ياأبا محمد كنت بأصبهان لا تحدث ، وأنت بالكوفة تحدث ، فقال: انْشُر بُّك حيث يُعرف. وكان سعيد بن جبير مع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس لما خرج على عبد الملك بن مروان ، فلما قتل عبد الرحمن وانهزم أصحابه من دير الجماجم ، هرب فاحق بمكة ، وكان واليها يومئذ خالد بن عبد الله القسرى، فأخذه وبعث به إلى الحجاج بن يوسف الثقفى مع إسماعيل بن واسط البجلى، فقال له الحجاج: ما اسمك ؟ قال سعيد ابن جبير . قال بل أنت شقى ابن كسير ، قال: بل كانت أمى أعلم باسمى منك. قال شقيت أمك وشقيت أنت ، قال الغيب يعلمه غيرك، قال لأبدلك بالدنيا ناراً تلظى، قال : لو علمت أن ذلك بيدك لا تخذتك إلها، قال فما قولك فى محمد ؟ قال نبى الرحمة وإمام الهدى . قال فما قولك فى على ، أهو فى الجنة . أو هو فى النار؟ قال: لو دخلتها وعرفت من فيها عرفت أهلها . قال فما قولك فى الخلفاء؟ قال: لست عليهم بوكيل. قال: فأيهم أعجب إليك. قال: أرضاهم الخالقى؟ قال: فأيهم أرضى للخالق ؟ قال: علم ذلك عند الذى يعلم سرهم ونجو هم ، قال: - ٤٤٢ - أحب أن تصدقنى . قال: إن لم أحبك لن أكذبك. قال فما بالك لم تضحك، قال: وكيف يضحك مخلوق خلق من طين والطين تأ كله النار . قال : فما بالنا نضحك؟ قال لم تستو القلوب ، ثم أمر الحجاج باللؤلؤ والزبرجد والياقوت فجمعه بين يديه ، فقال : سعيد إن كنت جمعت هذا لتتقى به فزع يوم القيامة فصالح، وإلا فزعة واحدة تذهل كل مرضعة عما أرضعت ولا خير فى شىء جمع الدنيا إلا ماطاب وزكا. ثم دعا الحجاج بالعود والناى فلما ضرب بالعود ونفخ فى الناى بكى سعيد ، فقال ما يبكيك هو اللعب ؟ قال سعيد: هو الحزن ، أما النفخ فذكرنى يوماً عظيماً يوم النفخ فى الصور ، وأما العود فشجرة قطعت فى غير حق ، وأما الأوتار: فمن الشاء تبعث معها يوم القيامة. قال الحجاج : ويلك ياسعيد. قال: لا ويل لمن زحزح عن النار وأدخل الجنة . قال الحجاج: اختر باسعيد أية قتلة أقتلك؟ قال: اختر لنفسك ياحجاج، والله لا تقتلنى قتلة إلا قتلك الله مثلها فى الآخرة . قال أفتريد أن أعفو عنك ؟ قال إن كان العفو فمن الله، وأما أنت فلا براءة لك ولا عذر. قال الحجاج: اذهبوا به فاقتلوه . فلما خرج ضحك، فأخبر الحجاج بذلك، فرده وقال: ما أضحكك ؟ قال : عجبت من جرأتك على الله وحلم الله عليك ، فأمر بانتطع فبسط وقال اقتلوه . فقال سعيد: وجهت وجهى الذى فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين. قال: وجهوا به لغير القبلة ؟ قال سعيد: فأينما تولوا فثم وجه الله . قال كبوه لوجهه. قال سعيد: منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى . قال الحجاج: اذبحوه ، قال سعيد: أما أنى أشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له وأن محمداً عبده ورسوله ، خذها منى حتى تلقانى يوم القيامة ، ثم دعا سعيد فقال : اللهم لا نسلطه على أحد يقتله بعدى . وكان قتله فى شعبان سنة خمس وتسعين للهجرة بواسط ، ومات الحجاج بعده فى شهر رمضان من السنة المذكورة، ولم يسلطه الله عز وجل بعده على قتل أحد إلى أن مات . - ٤٢ ٤- وكان سعيد يقول يوم أخذ وشى بى واش فى بلد الله الحرام أكِلهُ إلى الله: تعالى - يعنى خالد بن عبد الله القسرى . وقيل إن الحجاج قال له لما أحضر إليه . أما قدمت الكوفة وليس بها إلا عربى، جعلتك إماماً؟ فقال: بلى، قال أما وليتك القضاء ، فضج أهل الكوفة وقالوا لا يصلح للقضاء إلا عربى فاستقضيت أبا بردة بن أبى موسى الأشعرى وأمرته أن لا يقطع أمر دونك ؟ قال : بلى ، قال : أما جماتك فى سماری و کلهم رؤوس الالعرب ؟ قال : بلى، قال: أما أعطيتك مائة ألف درهم تفرقها فى أهل الحاجة فى أول ما رأيتك، ثم لم أسألك عن شىء منها؟ قال: بلى، قال: فما أخرجك علىَّ ؟ قال: بيعة . كانت فى عنقى لابن الأشعث، فغضب الحجاج ثم قال : أفما كانت بيعة أمير المؤمنين عبد الملك فى عنقك من قبل ، والله لأقتلنك ، ياحرسى أضرب عنقه. فضرب عنقه. وذلك فى شعبان سنة خمس وتسعين . وقيل سنة أربع وتسعين للهجرة بواسط، ودفن فى ظاهرها، وقبره يزار بها رضى عنه ، وله تسع وأربعون سنة . وقال أحمد بن حنبل : قتل الحجاج سعيد بن جبير وما على وجه الأرض أحد إلا وهو مفتقر إلى علمه، ثم مات الحجاج بعده فى شهر رمضان من السنة ، وقيل بل مات بعده بستة أشهر ولم يسلطه الله تعالى بعده على قتل أحد حتى مات. ولما قتله سال منه دم كثير ، فاستدعى الحجاج الأطباء وسألهم عنه ، وعمن كان قتله قبله، فإنه كان يسيل منهم دم قليل، فقالوا له : هذا قتلته ونفسه معه والدم تبع للنفس، ومن كنت تقتله قبله كانت نفسه تذهب من الخوف فلذلك قل دمهم ، كذا فى وفيات الأعيان . ومنهم : سعيد بن المسيب بن حزن بن أبى وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم أبو محمد القرشى المخزومى ، فقيه المدينة وأجل التابعين . ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر ، وسمع من عمر شيئاً وهو يخطب . وسمع من عثمان س - ٤٤٤ - وزيد بن ثابت وعائشة وسعد وأبى هريرة وخلق . وكان واسع العلم وافر الحرمة متين الديانة ، قوالا بالحق فقيه النفس ، روى أسامة بن يزيد عن نافع عن ابن عمر قال: سعيد بن المسيب أحد المفتين . وقال أحمد بن حنبل وغيره : مرسلات سعيد صحاح. وقال قتادة : ما رأيت أحداً أعلم من سعيد بن المسيب ، وكذا قال الزهرى ومكحول وغيره واحد وقال على بن المدينى. لا أعلم فى التابعين أوسع علماً من سعيد هو عندى أجل التابعين . وقال العجلى وغيره : كان لا يقبل جوائز السلطان، وله أربعمائة دينار يتجر فيها بالزيت وغيره . قال سعيد بن إبراهيم: سمعت سعيد بن المسيب يقول: ما أحد أعلم بقضاء قضاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر وعمر منى. وروَى معمر عن الزهرى : كان سعيد أعلم الناس بقضاء عمر وعثمان. وعن قتادة قال : كان الحسن إذا أشكل عليه شىء كتب إلى سعيد بن المسيب يسأله . قال حماد بن زيد عن يزيد بن حازم أن ابن المسيب كان يسرد الصوم . وقال عبد الرحمن بن حرملة: سمعت سعيداً يقول : حججت أربعين حجة . قال مالك: بلغنى أن سعيد بن المسيب قال: إن كنت لأسير الأيام والليالى فى طلب الحديث الواحد، قال مصعب بن عبد الله حدثنى مصعب بن عثمان أن الذى شهد لسعيد بن المسيب حين أراد مسلم بن عقبة قتله عمرو بن عثمان ومروان بن الحكم شهدا أنه مجنون فلا سبيله. قال أبو يونس القوى: دخلت المسجد فإذا سعيد بن المسيب جالس وحده، قلت ما شأنه؟ قالوا نهى أن يجالسه أحد. قله الذهبى: وقال قد أفردت سيرة سعيد فى مؤلف انتهى . وقال الحافظ قال ابن شهاب: قال لى عبد الله بن ثعلبة بن أبى صغير: إن كنت تريد هذا - يعنى الفقه، فعليك بهذا الشيخ سعيد بن المسيب . وقال قتادة: ما رأيت أحد قط أعلم بالحلال والحرام منه . وقال محمد بن إسحاق ، عن مكحول طفت الأرض كلها فى طلب العلم، فما لقيت أعلم منه . وقال -٤٤٠ - سليمان بن موسى. كان أفقه التابعين. وقال عثمان الحارثى عن أحمد : أضل التابعين سعيد بن المسيب. وقال الليث عن يحيى بن سعيد : كان ابن المسيب يسمى راوية عمر كان أحفظ الناس لأحكامه وأقضيته. وقال إبراهيم بن سعد عن أبيه عن سعيد: ما بقى أحد أعلم بكل قضاء قضاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكل قضاء قضاه أبو بكر ، وكل قضاء قضاء عمر ، قال إبراهيم: وأحسبه قال. وكل قضاء قضاه عثمان منى. وقال ابن حبان فى الثقات: كان من سادات التابعين فقها وديناً وورعاً وعبادة وفضلا . وكان أفقه أهل الحجاز وأعبر الناس الرؤيا ، ما نودى بالصلاة من أربعين سنة إلا وسعيد فى المسجد ، فلما بايع عبد الملك الوليد وسليمان وأبى سعيد ذلك ، فضربه هشام بن إسماعيل المخزومى ثلاثين سوطاً وألبسه ثياباً من شعر، وأمر به فطيف به ثم سجن . . قال الواقدى . مات سنة أربع وتسعين فى خلافة الوليد ، وهو ابن خمس وسبعين سنة . وقال أبو نعيم . مات سنة ثلاث وتسعين ، قال على تقدير ماذكروا عنه أن مولده لسنتين مضعا من خلافة عمر ، والإسناد إليه صحيح يكون مبلغ عمره ثمانين سنة إلا سنة لا كما قال الواقدى . ومما يؤيده ماذكره ابن أبى شيبة عنه: بلغت ثمانين سنة وإن أخوف ما أخاف على النساء. وحكى أبو بكر بن أبى خيثمة عن ابن معين: أنه مات سنة (١٠٠) انتهى. وقال ابن خلكان: المسيب بفتح الياء المثناة من تحتها المشددة، وروى عنه أنه كان يقول بكسر الياء ، ويقول سيب الله من يسيب ابی انتھی . ومنهم : سفيان الثورى: وهو سفيان بن سعيد بن مسروق ، الإمام شيخ الإسلام سيد الحفاظ أبو عبد الله الثورى ، ثور مضر لا ثور همدان ، الكوفى الفقيه حدث عن أبيه وزبيد بن الحارث وحبيب بن أبى ثابت -٤٤٦ - والأسود بن قيس وزياد بن علاقة ومحارب بن دثار وطبقتهم . وعنه ابن البارك ويحيى القطان وابن وهب ووكيع والفريابى وقبيصة وأبو نعيم ومحمد بن كثير وأحمد بن يونس اليربوعى وخلائق. وقال شعبة ويحيى بن معين وجماعة سفيان أمير المؤمنين فى الحديث . وقال ابن المبارك: كتبت عن ألف ومائة شيخ مافيهم أفضل من سفيان . وكان شعبة يقول: سفيان أحفظ منى . وقال ورقاء لم ير الثورى مثل نفسه. وقال أحمد: لم يتقدمه فى قلبى أحد. وقال القطان: مارأيت أحفظ منه كنت إذا سألته عن حديث ليس عنده اشتد عليه. وقال عبد الرزاق قال سفيان: ما استودعت قلبى شيئاً قط فاننى . وقال الأوزاعى: لم يبق من تجتمع عليه الأمة بالرضى والصحة إلا سفيان . وقال ابن المبارك: لاأعلم على وجه الأرض أعلم من سفيان . وقال وكيع كان سفيان بحراً. وقال القطان: سفيان فوق مالك فى كل شىء. قال الثورى : وددت أنى نجوت من العلم لا علىَّ ولالى ، وما من عمل أنا أخوف علىّ منه - یعنی الحديث . قال يحيى بن يمان: سمعت سفيان يقول: العالم طبيب الدين ، والدرهم داء الدين ، فإذا اجتر الطبيب الداء إليه متى يداوى غيره . قال الخرينى: سمعت النورى يقول : ليس شىء أنفع للناس من الحديث . وقال أبو أسامة : سمعت سفيان يقول : ليس طلب الحديث من عُدة الموت ، لكنه علة يتشاغل بها الرجل . قال الذهبي : صدق والله ، إن طلب الحديث شىء غير الحديث ، فطلب الحديث اسم عرفى الأمور زائدة على ما يحصل ماهية الحديث، وكثير منها مراق إلى العلم، وأكثرها أمور يشغف بها المحدث من تحصيل النسخ المليحة، وتطلب المعالى ، وتكثير الشيوخ، والفرح بالألقاب والثناء ، وتمنى العمر الطويل ليروى ، وحب التفرد إلى أمور لازمة للأغراض النفسانية لا الأعمال الربانية . فإذا كان طلبك للعلم الحديث النبوى محفوفً بهذه الآفات، فمتى خلاصك إلى الإخلاص. وإذا كان علم - ٤٤٧ - الآثار مدخولا، فما ظنك بعلم المنطق والجدل، وحكمة الأوائل التى تساب الإيمان، وتورث الشكوك ، والحيرة التى لم تكن والله من على الصحابة ولا التابعين ولا علم الأوزاعى والثورى ومالك وأبى حنيفة وابن أبى ذئب وشعبة ولا والله عرفها ابن المبارك ولا أبو يوسف القائل: من طلب الدين بالكلام تزندق ، ولا وكيع ولا ابن مهدى ولا ابن وهب ولا الشافعى ولا عفان ولا أبو عبيد ولا ابن المدينى وأحمد وأبو تور والمزنى والبخارى والأثرم ومسلم والنسائى وابن خزيمة وابن شريح وابن المنذر وأمثالهم ، بل كانت علومهم القرآن والحديث والفقه والنحو وشبه ذلك ، نعم . وقال سفيان أيضاً. فيما سمعه منه الفريابى : ما من عمل أفضل من الحديث إذا صحت النية فيه . وقال الفريابى : سمعت سفيان يقول : دخلت على المهدى فقلت : بلغنى أن عمر أنفق فى حجته اثنى عشر ديناراً ، وأنت فيما أنت فيه . فغضب وقال : تريد أن أكون فى مثل الذى أنت فيه ؟ قلت : فإن لم تكن فى مثل ما أنا فيه ، ففيه دون ما أنت فيه . قال ضمرة : سمعت مالكا يقول: إنما كانت العراق تجيش علينا بالدراهم والثياب ، ثم صارت تجيش علينا بسفيان الثورى . قال صالح: جزرة سفيان أحفظ وأكثر من مالك، لكن مالك ينتقى الرجال وسفيان أحفظ من شعبة، يبلغ حديثه ثلاثين ألفاً، وحديث شعبة نحو عشرة آلاف. وقد صح عن معدان عن الثورى فى قوله : وهو معكم قال : علمه. وهكذا جاء عن جماعة من المفسرين اللالكائى فى السنة ، حدثنا المخلص ، حدثنا أبو الفضل شعيب بن محمد ، حدثنا على بن حرب بن بسام ، سمعت شعيب بن جريريقول: قلت لسفيان الثورى حدث بحديث السنة ينفعنى الله به ، فإذا وقفت بين يديه قلت يارب حدثنى بهذا سفيان فأنجو أنا وتؤخذ. قال اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم القرآن كلام الله غير مخلوق ، منه بدأ وإليه يعود ، من قال غير هذا فهو كافر ، والإيمان قول وعمل ونية يزيدوينقص، وتقدمة الشيخين إلى أن قال: -٤٤٨ - ياشعيب لا ينفعك ما كتبت ، حتى ترى المسح على الخفين ، وحتى ترى أن إخفاء بسم الله الرحمن الرحيم أفضل من الجهر به ، وحتى تؤمن بالقدر ، وحتى ترى الصلاة خلف كل بر وفاجر ، والجهاد ماض إلى يوم القيامة ، والصبر تحت لواء السلطان جائر أو عدل ، فقلت: يا أبا عبدالله الصلاة كلها ؟ قال : لا ، ولكن صلاة الجمعة والعيدين، صلى خلف من أدركت ، وأما سائر ذلك فأنت مخير لا تصلى إلا خلف من تثق به ، وتعلم أنه من أهل السنة ، إذا وقفت بين يدى الله فسألك عن هذا فقل يارب حدثنى بهذاس فيان الثورى، ثم خل بينى وبين الله عز وجل . قال الذهبى : هذا ثابت عن سفيان وشيخ المخلص ثقة . مولد سفيان فى سنة سبع وتسعين، وطلب العلم وهو حدث فإن أباه كان من علماء الكوفة، مات فى البصرة فى الاختفاء من المهدى ، فإنه كان قوالا بالحق شديد الإنكار ، مات فى شعبان سنة إحدى وستين ومائة رضى الله عنه . قال مناقب : هذا الإمام فى مجلد لابن الجوزى، وقد اختصرته وسقت جملة حسنة من ذلك فى تاريخه انتهى. وقال ابن خلكان: كان سفيان إماماً فى على الحديث وغيره من العلوم، وأجمع الناس على دينه وورعه وزهده و ثقته ، وهو أحد الأئمة المجتهدين ، ويقال إن الشيخ أبا القاسم الجنيد كان على مذهبه . قال سفيان بن عيينة: ما رأيت رجلا أعلم بالحلال والحرام من سفيان الثورى، ويقال كان عمر بن الخطاب فى زمانه رأس الناس ، وبعده عبد الله بن عباس رضى الله عنهما، وبعده الشعبى ، وبعده سفيان الثورى . سمع سفيان الثورى الحديث من أبى إسحاق السبيعى والأعمش ومن فى طبقتهما ، وسمع منه الأوزاعى وابن جرير ومحمد بن إسحاق ومالك. وتلك الطبقة. وحكى عن أبى صالح شعيب بن حرب المدائنى، وكان أحد السادة الأئمة الأكابر فى الحفظ والدين أنه قال: إنى لأحسب يجاء بسفيان الثورى يوم القيامة حجة من الله - ٤٤٩ - على الخلق، يقال لهم لم تدركوا نبيكم عليه أفضل الصلاة والسلام، فلقد رأيتم سفيان الثوری ألا اقتديتم به، انتهى. ومنهم سفيان بن عيينة بن ميمون ، العلامة الحافظ شيخ الإسلام أبو محمد الهلالى الكوفى، محدث الحرم ، مولى محمد بن مزاحم . ولد سنة ١٠٧ سبع ومائة ، وطلب العلم فى صغره . سمع عمرو بن دينار والزهرى وزياد بن علاقة وأبا إسحاق والأسود بن قيس وزيد بن أسلم وعبد الله بن دينار ومنصور بن المعتمر وعبد الرحمن بن القاسم وأمما سواهم . حدث عنه الأعمش وابن جريج وشعبة وغيرهم ، ومن شيوخه ابن المبارك وابن مهدى والشافعى وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وإسحاق بن راهويه وأحمد بن صالح وابن نمير وأبو خيثمة والفلاس والزعفرانى وابن موسى وابن عبد الأعلى ، وخلق لا يحصرون . فقد كان خلق يحجون والباعث لهم لقاء ابن عيينة فيزدحمون عليه فى أيام الحج ، وكان إماماً حجة حافظاً واسع العلم كبير القدر. فال الشافعى: لولا مالك وسفيان لذهب على الحجاز . وعن الشافعى قال: وجدت أحاديث الأحكام كلها عند مالك، سوى ثلاثين حديثاً ، ووجدتها كلها عند ابن عيينة ، سوى ستة أحاديث . قال عبد الرحمن بن مهدى : كان ابن عيينة أحفظ من حماد بن زيد . قال حرملة سمعت الشافعى يقول: ما رأيت أحداً أعلم بالتفسير منه. وقال أحمد: مارأيت أعلم بالسنن منه . وقال ابن المدينى: ما فى أصحاب الزهرى أتقن من ابن عيينة. قال أحمد : دخل ابن عيينة اليمن على معن بن زائدة ووعظه ، ولم يكن سفيان تلطخ بعد بجوائزهم . قال العجلى : كان ابن عيينة ثبتاً فى الحديث وحديثه نحو من سبعة آلاف ، ولم يكن له كتب. وقال بهز بن أسد: مارأيت مثله ولا شعبة . قال يحيى بن معين: هو أثبت الناس فى عمرو بن دينار . وقال ابن مهدى: عند سفيان بن عيينة من المعرفة بالقرآن وتفسير الحديث ، ما لم (٢٩ - مقدمة تحفة الأحوذي ١) 1 - ٤٥٠ - يكن عند الثورى . اتفقت الأئمة على الاحتجاج بابن عيينة لحفظه وأمانته ، حج سبعين سنة ، وكان مداساً لكن عن الثقات . مات فى جمادى الآخرة سنة ٨٠٩ ٥ ثمان وتسعين ومائة ،. كذا فى التذكرة. ومنهم شريح القاضى: وهو شريح بن الحارث بن قيس أبو أمية الكندى الكوفى الفقيه ، ويقال شريح بن شرحبيل من المخضرمين ، استقضاء عمر على الكوفة، ثم على فمن بعده. وحدث عن عمر وعن على وابن مسعود ، وعنه الشعبى والنخعى وعبد العزيز بن رفيع ومحمد بن سيرين وطائفة . استعفى من القضاء قبل موته بسنة من الحجاج ، وعاش مائة وعشرين سنة ، وثقه يحيى ابن معين ، وكان فقيهاً شاعراً فائقاً فيه دعابة . مات سنة ثمان وسبعين ، وقيل فى سنة ثمانين كذا فى التذكرة. وقال ابن خلكان: كان من كبار التابعين وأدرك الجاهلية واستقضاه عمر بن الخطاب رضى الله عنه على الكوفة ، فأقام قاضياً خمساً وسبعين سنة لم يتعطل فيها إلا ثلاث سنين ، امتنع فيها من القضاء فى فتنة ابن الزبير، واستعفى الحجاج بن يوسف من القضاء فأعفاه ولم يقض بين اثنين حتى مات، وكان أعلم الناس بالقضاء ، ذا فطنة وذكاء ، ومعرفة وعقل وإصابة . قال ابن عبد البر: وكان شاعراً محسناً، وهو أحد السادات الطاس وهم أربعة : عبد الله بن الزبير ، وقيس بن سعد بن عبادة ، والأحنف بنقيس الذى يضرب به المثل فى الحلم، والقاضى شريح المذكور. والأطاس: الذى لاشعر فى وجهه ، وكان مزاحاً ، دخل عليه عدى بن أرطاة فقال له: أين أنت أصلحك الله ، فقال : بينك وبين الحائط ، قال: استمع منى ، قال: قل أسمع، قال: إنى رجل من أهل الشام ، قال: من مكان سحيق ، قال : تزوجت عندكم، قال: بالرفاء والبنين، قال: وأردت أن أرحلها، قال: الرجل أحق بأهله، قال: وشرطت لما دارها، قال: الشرط أملك، قال : فاحكم الآن بيننا ، قال : قد فعلت ، قال: فعلى من حكمت؟ قال: على ابن أمك ، قال: - ٤٥١- بشهادة من قال : بشهادة ابن أخت خالتك . وروى أن على بن أبى طالب رضى الله عنه دخل مع خصم له ذمى إلى القاضى شريح ، فقام له ، فقال : هذا أول جورك فأسند ظهره إلى الجدار ، وقال: أما إن خصمى لو كان مسلماً لجلست يجنبه. وروى أن علياً رضى الله عنه قال: اجمعوا إلىّ القراء، فاجتمعوا فى رحبة المسجد، فقال : إنى أوشك أن أفارقكم ، فجعل يسألهم ما تقولون فى كذا ؟ ما تقولون فى كذا؟ وشريح ساكت، ثم سأله، فلما فرغ منهم قال : اذهب فأنت من أفضل الناس أو من أفضل العرب . وتزوج شريح امرأة من بني تميم تسمى زينب فنقم عليها شيئاً فضربها ، ثم ندم، وقال : فشلّت يمينى يوم أضرب زينبا رأيت رجالا يضربون نساءهم فما العدل منى ضرب من ليس مذنبا أأضربها من غير ذنب أتت به فزينب شمس والنساء كواكب إذا طلعت لم تبق منهن كوكبا هكذا ذكر هذه الحكاية صاحب العقد . ویروی أن زياد بن أبيه کتب إلى معاوية: يا أمير المؤمنين ، قد ضبطت لك العراق بشمالى، وفرغت يمينى لطاعتك، فولنى الحجاز . فبلغ ذلك عبد الله بن عمر رضى الله عنهما ، وكان مقيماً بمكة ، فقال: اللهم اشغل عنا يمين زياد ، فأصابه الطاعون فى يمينه ، نجمع الأطباء واستشارهم فأشاروا عليه بقطعها ، فاستدعى القاضى شريحاً وعرض عليه ما أشار به الأطباء ، فقال لتلك رزق معلوم وأجل محتوم ، وإنى أكره إن كانت لك مدة أن تعيش فى الدنيا بلا يمين، وإن كان قد دنا أجلك أن تلقى ربك مقطوع اليد ، فإذا سألك لم قطعتها ، قلت بغضاً فى لقائك ، وفراراً من قضائك ، فمات زياد من يومه. فلام الناس شريحاً على منعه من القطع لبعضهم له ، فقال: إنه استشارنى والمستشار مؤتمن، ولولا الأمانة فى المشورة لوددت أنه قطع يده يوماً ورجله يوماً، وسائر جسده يوماً يوماً. وكانت وفاة القاضى شريح سنة سبع وثمانين للهجرة ، وهو ابن مائة سنة ، وقيل سنة اثنتين - ٤٥٢- وثمانين ، وقيل سنة ثمان وسبعين ، وقيل سنة ثمانين وسنة تسع وسبعين ، وقيل سنة ست وسبعين، وهو ابن مائة وعشرين ، وقيل مائة وثمان سنين انتهى . ومنهم : شعبة بن الحجاج بن الورد الحافظ ، شيخ الإسلام، أبو بسطام الأزدى العتلى مولاهم ، الواسطى نزيل البصرة ومحدثها، سمع من الحسن. مسائل، وسمع من معاوية بن قرة وعمرو بن مرة والحكم وسلمة بن كهيل وأنس بن سیرین ویحیی بن أبی کثیر وخلق کثیر. وعنه أيوب السختیانی وسفيان الثورى وابن المبارك وغندر وآدم وعفان وأبو داود وسليمان بن حرب وعلى بن الجعد وأمم لايحصون . قال ابن المدينى : له نحو ألفى حديث ، وكان الثورى يقول: شعبة أمير المؤمنين فى الحديث . وقال الشافعى : لولا شعبة لما عرف الحديث بالعراق . قال أبو بكر البكراوى(١): ما رأيت أحداً أعبد لله من شعبة ، لقد عبد الله حتى جف جلده على عظمه واسود. وقال عمر بن هرون : كان شعبة يصوم الدهر . وقال أبو قطن: ما رأيت شعبة قد ركع إلا ظننت أنه نسى ولا سجد إلا قلت نسى. قال يحيى بن القطان كان رقيقاً يعطى السائل ما أمكنه . قال أبو قطن : كانت ثيابه لونها كالتراب، وكان كثير الصلاة . قال الحاكم فى ترجمته: شعبة رأى أنس بن مالك وعمر بن سلمة ، وسمع من أربعمائة من التابعين، وحدث عنه من التابعين سعيد بن إبراهيم ومنصور ابن المعتمر والأعمش وأبوب وداود بن أبى هند. قال أبو زيد الهارونى: ولد شعبة سنة ثنتين وثمانين . قال أبو قتيبة : قدمت الكوفة فقال لى سفيان : مافعل أستاذنا شعبة ، قال أبو قلابة أنبأنا أبى أنبأنا حماد بن زيد : أنه كان إذا حدث عن شعبة قال: حدثنا الضخم عن الضخام شعبة الخير أبو بسطام . قال أبو الوليد ، قال لى حماد بن زيد: إذا خالفنى شعبة تبعته ، لأنه كان لا يرضى (١) وفى تهذيب التهذيب ص ٢٣٠ - ٢٣٣: أبو بحر البكراوى -٤٥٣ - أن يسمع الحديث عشرين مرة ، وأنا أرضى أن أسمعه مرة . قال أبو زيد الهروى : سمعت شعبة يقول: لأن أقع من السماء فأتقطع ، أحب إلى من أن أدلس. عبد الرحمن بن يونس المستملى، سمعت ابن عيينة يقول، سمعت شعبة يقول : من طلب الحديث أفلس ، بعت طست أمى بسبعة دنانير . قال: أحمد بن حنبل : كان شعبة أمة وحده فى هذا - يعنى فى الرجال وبصره بالحديث. قال أبو الوليد الطيالسى ، قلت ليحيى بن سعيد : رأيت أحداً أحسن حديثاً من شعبة؟ قال: لا ، قلت : كم محبته؟ قال : عشرين سنة. سلم بن قتيبة ، قال شعبة: ياقوم كلما تقدمتم فى الحديث تأخر تم فى القرآن. قال ابن المدينى : شعبة أحفظ للمشائخ ، وسفيان أحفظ للأبواب. روى عبدان بن عثمان، عن أبيه قال : قومنا حمار شعبة وسرجه ولجامه بضعة عشر درهماً . قال أبو داود الطيالسى: جاء سليمان بن المغيرة يبكى وقال لشعبة: مات حمارى، وذهبت منى الجمعة ، وذهبت حوائجى ، قال بكم أخذته ؟ قال بثلاثة دنانير ، فقال: عندى ثلاثة دنانير ما أملك غيرها، ثم قام ودفعها إلى سليمان . وروى سليمان بن أبى شيخ ، عن صالح بن سليمان قال : منشأ شعبة واسط، وعلمه كوفى ، وله ابن اسمه سعد، وله أخوان بشار وحماد ، يعالجان الصرف . وكان شعبة يقول لأصحابه : ويلكم الزموا السوق فإنما أنا عيال على أخوى ، قال : وما أ كل شعبة من كسبه در هماً قط . قال أبو العباس السراج: أنبانا محمد بن عمرو ، سمعت أصحابنا يقولون ، وهب المهدى شعبة ثلاثين ألف درهم، فقسمها ، وأقطعه ألف جريت بالصرة ، فقدم البصرة فلم يجد شيئاً يطيب له فتركها ، قال الأصمعى : لم ير أحد قط أعلم بالشعر من شعبة ، قال لى : كنت ألزم الطرماح أسأله عن الشعر كذا فى التذكرة. وقال الحافظ ، قال حماد بن زيد قال لنا أيوب: الآن يقدم عليكم رجل من أهل واسط هو فارس فى الحديث نفذوا عنه. وقال أبو الوليد - ٤٥٤ - الطيالسى ، قال لى حماد بن سلمة : إذا أردت الحديث فالزم شعبة . وقال حماد ابن زيد: ما أبالى من خالفنى إذا وافقنى شعبة ، فإذا خالفتى شعبة فى شىء تركته . وقال يزيد بن زريع: كان شعبة من أصدق الناس فى الحديث . وقال مسلم بن إبراهيم: ما زخلت على شعبة فى وقت صلاة قط إلا رأيته قائماً يصلى. وقال النضر بن شميل: مارأيت أرحم بمسكين منه . وقال قراد أبو نوح: رأى على شعبة قميصاً فقال: بكم أخذت هذا؟ قلت بثمانية دراهم ، قال لى: ويحك، أما تتقى الله تلبس قميصاً بثمانية، ألا اشتريت قميصاً بأربعة وتصدقت بأربعة، قلت : إنا مع قوم نتجمل لهم ، قال إيش تتجمل لهم . وقال وكيع: إنى لأرجو أن يرفع الله لشعبة فى الجنة درجات ، لذبه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وقال يحيى القطان: ما رأيت أحداً قط أحسن حديثاً من شعبة. وقال ابن المدينى: سألت يحيى بن سعيد، أيهما كان أحفظ للأحاديث الطوال ، سفيان أو شعبة، فقال كان شعبة أمر فيها ، قال وسمعت يحيى يقول: كان شعبة أعلم بالرجال فلان عن فلان ، وكان سفيان صاحب أبواب . وقال أبو داود: لامات شعبة . قال سفيان: مات الحديث . وقال ابن سعد: كان ثقة مأموناً ثبتاً حجة، صاحب حديث . وقال العجلى: ثقة ثبت فى الحديث ، وكان يخطىء فى أسماء الرجال قليلا . وقال صالح جزرة : أول من تكلم فى الرجال شعبة ، ثم تبعه القطان ثم أحمد ويحی . وقال ابن سعد : توفى أول سنة ١٧٠ بالبصرة . وقال أبو بكر بن منجويه: ولد سنة ٨٢ ومات سنة ١٦٠، وله ٢٢ سنة، وكان من سادات أهل زمانه حفظاً وإتقانً وورعاً وفضلا، وهو أول من فتش بالعراق عن أمر المحدثين ، وجانب الضعفاء والمتروكين ، وصار علماً يقتدى به ، وتبعه بعده أهل العراق . قال أما ما نقدم من أنه كان يخطىء فى الأسماء فقد قال الدارقطنى فى العلل: كان شعبة يخطىء فى أسماء الرجال كثيراً لتشاغله بحفظ المتون . وفى تاريخ ابن أبى خيثمة ، قال شعبة : مارويت عن : - ٤٥٥- رجل حديثاً إلا أتيته أكثر من مرة والذى رويت عنه عشرة أتيته أكثر من عشر مرار. وقيل لابن عوف : مالك لا تحدث عن فلان ؟ قال : لأن أبا بسطام تركه . وقال الحاكم: شعبة إمام الأئمة فى معرفة الحديث بالبصرة، رأى أنس بن مالك وعمر بن سلمة الصحابيين، وسمع من أربعمائة من التابعين . ومنهم: طاوس بن كيسان الخولاني ، أبو عبد الرحمن الهمدانى اليمانى من أبناء الفرس أحد الأعلام التابعين سمع ابن عباس وأباهريرة رضى الله عنهما، وروى عنه مجاهد وعمرو بن دينار ، وكان فقيها جليل القدر نبيه الذكر. قال ابن عيينة: قلت لعبد الله بن يزيد مع من تدخل على ابن عباس؟ قال مع عطاء وأصحابه، قلت : وطاوس قال أيهات ذلك يدخل مع الخواص. وقال عمرو بن دينار مارأيت أحداً قط مثل طاوس ، ولما ولى عمر بن عبد العزيز الخلافة کتب إلیهطاوس المذ کور : إن أردت أن یکون عملك خیراً كله ، فاستعمل أهل الخير ، فقال عمر : کفی بها موعظة . وتوفى حاجاً بمكة قبل يوم التروية بيوم ، وصلى عليه هشام بن عبد الملك ، وذلك فى سنة ست ومائة . وقيل سنة أربع ومائة رضى الله عنه . وقال بعض العلماء: مات طاوس بمكة ، فلم يتهيأ إخراج جنازته لكثرة الناس حتى وجه إبراهيم بن هشام المخزومى أمير مكة بالحارث ، فلقد رأيت عبد الله بن الحسن بن على بن أبى طالب رضى الله عنهم ، يحمل السرير على كاهله وقد سقطت قلنسوته، كانت على رأسه، ومزق رداءه من خلفه . ورأيت بمدينة بعلبك داخل البلد قبراً يزار و أهل البلديزعمون أنه لطاوس المذكور وهو غلط . قال الفرج بن الجوزى فى كتاب الألقاب: أن اسمه ذكوان وطاؤس ثقبه وإنما لقب به لأن كان طاوس القراء والمشهور أنه اسمه. وروى أن أمير المؤمنين أبا جعفر المنصور استدعى عبد الله بن طاؤس ومالك بن أنس رضى الله عنهما فلما دخلا عليه أطرق ساعة » ثم التفت إلى ابن طاؤس وقال له لتحدثنى - ٤٥٦ - عن أبيك ، فقال حدثنى أبى: أن أشد الناس عذابا يوم القيامة رجل أشركه الله تعالى فى سلطان فأدخل عليه الجور فى حكمه ، فأمسك أبو جعفرساعة . قال مالك فضممت ثيابى خوفاً أن يصيبنى دمه ، ثم قال له المنصور : ناولنى تلك الدواة ثلاث مرات ، فلم يفعل، فقال له: لم لا تناولنى ؟ فقال أخاف أن تكتب بها معصية فأكون قد شاركتك فيها ، فلما سمع ذلك قال : قوما عنى، قال ذلك ما كنا نبغى ، قال مالك : فما زلت أعرف لابن طاوس فضله من ذلك اليوم. كذا فى وفيات الأعيان . وقال الحافظ : قال عبد الملك بن ميسرة عنه: أدركت خمسين من الصحابة . وقال ابن جريج ، عن عطاء عن ابن عباس: إنى لأظن طاوساً من أهل الجنة . وقال ليث بن أبي سليم: كان طاوس يعد الحديث حرفاً حرفاً . وقال إسحاق ابن منصور، عن ابن معين: ثقة، وكذا قال أبو زرعة . وقال ابن حبان : كان من عباد أهل اليمن ومن سادات التابعين ، وكان قد حج أربعين حجة ، وكان مستجاب الدعوة . وقال ضمرة عن ابن شوذب: أشهدت جنازة طاوس بمكة سنة مائة ، فجعلوا يقولون: رحم الله أبا عبد الرحمن ، حج أربعين حجة. وقال عمرو بن دينار: ما رأيت أحداً أعف عما فى أيدى الناس من طاوس . وقال ابن عيينة متجنبو السلطان ثلاثة : أبو ذر فى زمانه ، وطاوس فى زمانه ، والثوریفی زمانه ، انتهى . ومنهم الشعبى: وهو عامر بن شراحيل بن عبد. وقيل عامر بن عبد الله ابن شراحيل الحميرى ، أبو عمرو الكوفى ، من شعب حمدان . قال ابن خلكان: هو تابعى جليل القدر ، وافر العلم . روى أن ابن عمر رضى الله عنه مر به يوماً وهو يحدث بالمغازى ، فقال : شهدت القوم وإنه لأعلم بها منى . وقال الزهرى: العلماء أربعة : ابن المسيب بالمدينة، والشعبى بالكوفة، والحسن البصرى بالبصرة، ومكحول - ٤٥٧ - بالشام ، ويقال إنه أدرك خمسمائة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وحكى الشعبى قال: أنفذنى عبد الملك بن مروان إلى ملك الروم ، فلما وصلت إليه جعل لا يسألنى عنشىء إلا أجبته، وكانت الرسل لا تعطيل الإقامة عنده، فحبسنى أياماً كثيرة حتى استحدثت خروجى. فلما أردت الانصراف قال لى : أمن أهل بيت المملكة أنت ؟ فقلت: لا، ولكنى رجل من العرب فى الجملة ، فهمس بشىء فدفعت إلىَّ رقعةٌ، وقال لى: إذا أديت الرسائل إلى صاحبك فأوصل إليه هذه الرقعة . قال: فأديت الرسائل عند وصولى إلى عبد الملك ، وأنسيت الرقعة ، فلما صرت فى بعض الدار أريد الخروج تذكرتها، فرجعت فأوصلتها إليه ، فلما قرأها قال لى: أقال لك شيئاً قبل أن يدفعها إليك؟ قلت : نعم، قال لى: أمن أهل بيت المملكة أنت ؟ قلت : لا ولكنى من العرب فى الجملة ، ثم خرجت من عنده، فلما بلغت الباب رددت ، فلما مثلت بين يديه قال لى : أندرى مافى الرقعة ، قلت : لا ، قال: اقرأها ، فقرأتها فإذا فيها : مجبت من قوم فيهم مثل هذا كيف ملكوا غيره، فقلت له : والله لو علمت مافيها ماحملتها، وإنما قال هذا لأنه لم يرك. قال: فتدرى لم كتبها؟ قلت : لا ، قال: حسدنى عليك وأراد أن يغريني بقتلك، قال فتأدى ذلك إلى ملك الروم فقال: ما أردت إلا ما قال . وكلم الشعبى عمرو بن هبيرة أمير العراق فى قوم حبسهم ليطلقهم فأبى ، فقال له : أيها الأمير إن حبستهم بالباطل فالحق يخرجهم ، وإن حبستهم بالحق فالعفو يسعهم ، فأطلقهم . وقال قتادة : ولد الشعبى لأربع سنين بقين من خلافة عمر رضى الله عنه . وقال خليفة بن خياط: ولد الشعبى والحسن البصرى فى سنة إحدى وعشرين . وقال الأصمعى : فى سنة سبع عشرة بالكوفة ، وكان ضئيلا نحيفاً ، قيل له يوماً مالنا نراك ضئيلا؟ فقال: زوحمت فى الرحم ، وكان قد ولد هو وأخ آخر فى بطن واحد، وأقام فى البطن سفتين، ذكره فى كتاب المعارف . ويقال - ٤٥٨ - إن الحجاج بن يوسف الثقفى قال له يوماً : كم عطاؤك فى السنة ؟ فقال ألفين. فقال : ويحك كم عطاؤك؟ فقال: ألفان . قال: كيف حتى لحنت أولا ؟ قال : لحن الأمير فلحنت . فلما أعرب. أعربت وما أمكن أن يلحن الأمير وأعرب أنا . فاستحسن ذلك منه وأجازه. وكان مزاحاً يحكى أن رجلا دخل عليه وهو مع امرأته فى البيت ، فقال: أيكما الشعبى؟ فقال هذه. وكانت ولادته لست سنين خلون من خلافة عثمان رضى الله عنه . وقيل سنة عشرين الهجرة . وقيل إحدى وثلاثين. وروى عنه أنه قال: ولدت سنة جلولاء، ومی سنة تسع عشرة، وتوفیبالكوفة سنة أربع، وقیل ثلاث، وقيل ست ، وقيل سبع ، وقيل خمس ومائة . وكانت وفاته فجأة ، وكانت أمه من سبى جاولاء. والشعبى بفتح الشين المعجمة وسكون العين المهملة وبعدها باء موحدة ، هذه النسبة إلى شعب، وهو بطن من همدان ، وقال الجوهرى: هذه النسبة إلى جبل باليمن نزله حسان بن عمرو الخیری هو وولده، ودفن به وهو ذو شعبين فمن كان بالكوفة منهم قيل لهم شعبيون ، ومن كان منهم بمصر والمغرب، قيل لهم الأشعوب، ومن كان منهم بالشام قيل لهم شعبانيون ، ومن كان باليمن قيل لهم آل ذى شعبين. وجلولاء: بفتح الجيم وضم اللام ومد آخره : قرية بناحية فارس ، كانت بها الوقعة المشهورة من الصحابة رضى الله عنهم، وكان كثيراً ما يتمثل بقول مسكين الدارمى : ليست الأحلام فى حال الرضا إنما الأحلام فى حال الغضب. انتهى وقال الحافظ : قال أشعث بن سوار: لقى الحسن الشعبى فقال: كان والله كثير العلم عظيم الحلم قديم السلم من الإسلام بمكان . وقال عبد الملك بن عمير : من ابن عمر على الشعبى وهو يحدث بالمغازى فقال : لقد شهدت القوم فلهو أحفظ لها وأعلم بها. وقال مكحول : مارأيت أفقه منه . وقال ابن عيينة: - - ٤٥٩- كانت الناس تقول : بعد الصحابة ابن عباس فى زمانه ، والشعبى فى زمانه ، والثورى فى زمانه . وقال ابن شبرمة ، سمعت الشعبى يقول: ما كتبت سوداء فى بيضاء ، ولا حدثنى رجل بحديث إلا حفظته، ولا حدثنى رجل بحديث فأحببت أن يعيده علىّ . وقال ابن معين: إذا حدث عن رجل فسماه فهو ثقة يحتج بحديثه انتهى . ومنهم الإمام الدارمى: وهو عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام ابن عبد الصمد التميمى، أبو محمد السمر قندى الحافظ، صاحب المسند العالى، الذى فى طبقة منتخب مسند عبد بن حميد ، مولده عام توفى ابن المبارك سنة إحدى وثمانين ومائة . سمع النضر بن شميل ويزيد بن هارون وسعيد بن عامر الضبعی و جعفر بن عون وزید بن يحيى بن عبيد الدمشقى ووهب بن جرير وطبقتهم بالحرمين وخراسان والشام والعراق ومصر حدث عنه مسلم وأبو داود والترمذى ومطين وجعفر الفريابى وعمر بن بحير والنسائى خارج سفنه، وحفص ابن أحمد بن فارس الأصبهانى وعبد الله بن أحمد بن حنبل وعيسى بن عمر السمر قندى وآخرون . قال الخطيب : كان أحد الحفاظ والرحالين، موصوفاًبالثقة والورع والزهد، استقضى على سمر قند فقضى قضية واحدة ، ثم استعفى فأعفى ، إلى أن قال : وكان على غاية العقل وفى نهاية الفضل، يضرب به المثل فى الديانة والحلم، والاجتهاد والعبادة والتقلل، صنف المسند والتفسير وكتاب الجامع. قال أبو حاتم: ثقة صدوق . وعن أحمد بن حنبل وذكر الدارمى فقال: عرضت عليه الدنيا فلم يقبل. وقال رجاء بن مرجى: رأيت الشاذ كونى وابن راهويه وسمى جماعة ، فما رأيت أحفظ من عبد الله الدارمى ، كذا فى التذكرة . وقال الحافظ ، قال الإمام أحمد بن حنبل: إمام . وقال الآخر : عليك بذاك السيد عبد الله بن عبد الرحمن يكررها . وقال محمد بن عبد الله بن نمير : غلبنا بالحفظ والورع . - ٤٦٠- وقال أبو سعيد الأشج: إمامنا. وقال عثمان بن أبى شيبة: أمره أظهر مما يقولون من الحفظ والبصر وصيانة النفس ، وعده بندار فى حفاظ الدنيا . وقال إسحاق بن أحمد بن زيرك، عن أبى حاتم الرازى سمعته يقول: محمد بن إسماعيل أعلم من دخل العراق، ومحمد بن يحيى أعلم من بخراسان اليوم، ومحمد بن أسلم أورعهم، وعبد الرحمن أثبتهم. وقال ابن أبى حاتم ، عن أبيه: إمام أهل زمانه. وقال ابن الشرقى: إنما أخرجت خراسان من أئمة الحديث خمة ، فذكره فيهم. وقال محمد بن إبراهيم بن منصور الشيرازى : كان على غاية من العقل والديانة ، ممن يضرب به المثل فى الحكم والدراية، والحفظ والعبادة والزهد ، أظهر علم الحديث والآثار بسمرقند، وذب عنها الكذب ، وكان مفسراً كاملا، وفقيها عالماً . وقال أحمد بن سيار: كان حسن المعرفة ، قد دوّن المسند والتفسير. مات سنة خمس وخمسين ومائتين يوم التروية ، ودفن يوم عرفة يوم الجمعة وهو ابن أربع وسبعين سنة ، وكذا أرخه غير واحد . وقيل مات سنة ٥٠ وهو وهم. وقال أبو حاتم بن حبان: كان من الحفاظ المتقنين، وأهل الورع فى الدين ، ممن حفظ وجمع ، وتفقه وصنف وحدث ، وأظهر السنة فى بلده، ودعا إليها ، وذب عن حريمها وقمع من خالفها انتهى . ومنهم عبد الله بن المبارك بن واضح . الإمام الحافظ العلامة شيخ الإسلام فر المجاهدين، قدوة الزاهدين ، أبو عبد الرحمن الحنبلى مولاهم ، المروزى التركى الأب الخوارزمى، الإمام التاجر السفار ، صاحب التصانيف النافعة، والرحلات الشاسعة . ولد سنة ثمانى عشرة ومائة أو بعدها بعام ، وأفنى عمره فى الأسفار حاجاً ومجاهداً وتاجراً. سمع سليمان التيمى وعاصماً الأحول وحميد الطويل والربيع بن أنس وهشام بن عروة والجريرى وإسماعيل بن أبى خالد وخالد الحذاء ويزيد بن عبد الله بن أبى بردة وأنما سواهم، حتى كتب عمن هو أصغر منه دون العلم فى الأبواب والفقه، وفى الغزو والزهد والرقائق وغير ذلك .