Indexed OCR Text
Pages 361-380
- ٣٦١ - القطان، وأبو حامد أحمد بن عبد الله التاجر ، وأبو الحسن الفزارى . قال : وأما ماذكره بعض الناس من أنه لا يصح سماع أحد فى هذا الصنف من أبی عیسی ولا روايته عنه ، وهو كلام يعزى إلى أبى محمد بن عتاب ، عن أبى عمرو السفاقسى، عن أبى عبد الله الفسوى ؛ فهو باطل ، قاله من قاله . فإن الروايات فى الكتاب منقشرة متتابعة عن جملة معروفين عن المصنف . ثم إن أبا عبد الله بن عتاب ، وابنه أبامحمد المذكور ، والحافظ أبا على الغسانى وغيرهم من أئمة هذا الشأن ، قد أسندوا الكتاب فى فهارسهم، وما تعرضوا لشىء مما ذكره من تقدم كلامه من جهل الكتاب وانقطاع الرواية ، ولا ذكروا ذلك عن أحد انتهى . الفصل الرابعْ فى بيان شرط الترمذى فى كتابه الجامع قال الحافظ أبو الفضل بن طاهر فى كتاب ((شروط الأئمة)): لم ينقل عن واحد من الأئمة الخمسة أنه قال : شرطت فى كتابى هذا أن أخرج على كذا ، لكن لما سبرت كتبهم ، علم بذلك شرط كل واحد منهم . فشرط البخارى ومسلم : أن يخرجا الحديث المجمع على ثقة نقلته إلى الصحابى المشهور . أما أبو داود والنسائى: فإن كتابيهما ينقسمان على ثلاثة أقسام: الأول - الصحيح المخرج فى الصحيحين . والقسم الثانى - صحيح على شرطهما . وقد حكى أبو عبد الله بن منده أن شرطهما إخراج أحاديث أقوام لم يجمع على تركهم إذا صح الحديث باتصال الإسناد من غير قطع ولا إرسال ، فيكون هذا القسم من الصحيح ، إلا أنه طريق لا يكون طريق ما أخرج البخارى ومسلم فى صحيحيهما، بل طريقه طريق 1 ٦ - ٣٦٢ - ما ترك البخارى ومسلم من الصحيح: لما بينا أنهما تركا كثيراً من الصحيح الذى حفظاه . والقسم الثالث - أحاديث أخرجاها من غير قطع منهما بصحتها ، وقد أبانا علتها بما بينه أهل المعرفة، وإنما أودعا هذا القسم فى كتابيهما لرواية قوم لها واحتجاجهم بها، فأورداها وبينا سقمها لتزول الشبهة، وذلك إذا لم يجدا لها طريقاً غيره، لأنه أقوى عندهما من رأى الرجال . وأما أبو عيسى الترمذى: فكتابه على أربعة أقسام : الأول - ما هو صحيح مقطوع به ، وهو ما وافق البخارى ومسلمًاً . والثانى - ما هو شرط أبى داود والنسائى كما بينا فى القسم الثانى لهما. وقسم ثالث - كالقسم الثالث لهما أخرجه وأبان علته . وقسم رابع - أبان هو عنه وقال: ما أخرجت فى كتابى إلا حديثاً قد عمل به بعض الفقهاء . فعلى هذا الأصل كل حديث احتج به محتج ، أو عمل بموجبه عامل أخرجه، سواء صح طريقه أو لم يصح، وقد أزاح عن نفسه ، فإنه تكلم على كل حديث بما فيه ، وكان من طريقه أن يترجم باباً فيه حديث مشهور عن صحابى قد صح الطريق إليه ، وأخرج حديثه فى الكتب الصحاح، فيورد فى الباب ذلك الحكم من حديث محابى آخر لم يخرجوه من حديثه، ولا يكون الطريق إليه كالطريق إلى الأول ، إلا أن الحكم صحيح ، ثم يتبعه بأن يقول : وفى الباب عن فلان وفلان ويعد جماعة ، منهم الصحابى الذى أخرج ذلك الحكم من حديثه ، وقلما يسلك هذه الطريق إلا فى أبواب معدودة انتهى . وقال الحافظ الحازمى فى ((شروط الأئمة)): مذهب من خرج الصحيح أن يعتبر حال الراوى العدل فى مشائخه ، وفيمن روى عنهم وهم ثقات أيضاً ، وحديثه عن بعضهم صحيح ثابت يلزمه إخراجه . وعن بعضهم مدخول لا يصلح - ٣٦٣ - إخراجه إلا فى الشواهد والمتابعات . قال : وهذا باب فيه غموض ، وطريق إيضاحه معرفة طبقات الرواة عن راوى الأصل ومراتب مداركهم ، فاموضح ذلك بمثال ، وهو أن تعلم أن أصحاب الزهرى مثلا على خمس طبقات، ولكل طبقة منها مزية على التى تليها . فالأولى : فى غاية الصحة ، نحو مالك وابن عيينة وعبد الله بن عمر ويونس وعقيل ونحوهم ، وهى مقصد البخارى . والثانية: شاركت الأولى فى الثبت ، غير أن الأولى جمعت بين الحفظ والإتقان، وبين طول الملازمة الزهرى؛ كان فيهم من يلازمه فى السفر ويلازمه فى الحضر ، والثانية لم تلازم الزهرى إلا مدة يسيرة فلم تمارس حديثه ، وكانوا فى الإتقان دون الطبقة الأولى ، وهذه شرط مسلم نحو الأوزاعى ، والليث بن سعد، والنعمان بن راشد ، وعبد الرحمن بن خالد بن مسافر ، وابن أبى ذئب . والثالثة: جماعة لزموا الزهرى كالطبقة الأولى ، غير أنهم لم يسلموا من غوائل الجرح، فهم بين الرد والقبول نحو : سفيان بن حسين ، وجعفر ابن برقان، وإسحاق بن يحيى الكلبى ، وهم شرط أبى داود والنسائى . والرابعة : قوم شاركوا أهل الثالثة فى الجرح والتعديل، وتفردوا بقلة ممارستهم لحديث الزهرى لأنهم لم يصاحبوا الزهرى كثيراً، وهم شرط الترمذى . قال: وفى الحقيقة شرط الترمذى أبلغ من شرط أبى داود ، لأن الحديث إذا كان ضعيفاً أو من حديث أهل الطبقة الرابعة ، فإنه يبين ضعفه وينبه عليه ، فيصير الحديث عنده من باب الشواهد والمتابعات ، ويكون اعتماده على ماصح عند الجماعة. ومن هذه الطبقة زمعة بن صالح ، ومعاوية بن يحي الصدفى، والمثنى بن الصباح . والخامسة : قوم من الضعفاء والمجهولين لا يجوز أن يخرج لهم إلا على سبيل - ٣٦٤ - الاعتبار والاستشهاد عند أبى داود ، فمن دون ، فأما عند الشيخين فلا ، كبحر. ابن كنيز السقاء، والحكم بن عبد الله الأبلى ، وعبد القدوس بن حبيب ، ومحمد بن سعيد المصلوب . وقد يخرج البخارى أحياناً عن أعيان الطبقة الثانية، ومسلم عن أعيان الطبقة الثالثة ، وأبو داود عن مشاهير الرابعة ، وذلك لأسباب اقتضته . الفصل الخامس فى بيان أن رتبة جامع الترمذى هل هى بعد الصحيحين أو بعد سنن أبي داود أو بعد سنن النسائي؟ قال فى ((كشف الظنون)) جامع الصحيح للامام الحافظ أبى عيسى محمد ابن عيسى الترمذى ، وهو ثالث الكتب الستة فى الحديث ، يعنى أن رتبته بعد الصحيحين ، وقال السيوطى فى التدريب ص٥٦ قال الذهبي : انحطت رتبة جامع الترمذى عن سنن أبى داود والنسائى لإخراجه حديث المصلوب والكلبى وأمثالهما انتهى . ويفهم من رموز التقريب ، وتهذيب التهذيب، والخلاصة وتذكرة الحفاظ ، أن رتبة جامع الترمذى بعد سنن أبى داود ، وقبل سنن النسائي: فإن أصحاب هذه الكتب يكتبون ((د)) ((ت)) (( س)) مشيرين إلى سنن أبى داود وجامع الترمذى وسنن النسائى. وقال السيوطى فى كتابه الجامع الصغير فى بيان رموزه ( خ)) للبخارى (م)) لمسلم ((ق)) لهما (( د)) لأبى داود(ت)) الترمذى ((ن)) للنسائى انتهى. قال المناوى فى شرحه فيض القدير: صنيع المؤلف قاض بأن جامع الترمذى بين أبى داود والنسائى فى الرتبة انتهى . قلت : فيما قال الحافظ الذهبى من انحطاط رتبة جامع الترمذى عن سنن أبى داود والنسائى عندى نظر، والظاهر هو ما فى ((كشف الظنون)) من أنه - ٣٦٥ - ثالث الكتب الصحاح الستة ، فإن الترمذى وإن أخرج حديث المصلوب والكلبى وأمثالهما ، لكنه بين ضعفه، فيكون حديث المصلوب وأمثاله عنده من باب الشواهد والمتابعات . فقد عرفت أن الحافظ الحازمى قال: إن شرط الترمذى أبلغ من شرط أبى داود ، لأن الحديث إذا كان ضعيفاً أو من حديث أهل الطبقة الرابعة ، فإنه يبين وينبه عليه ، فيصير الحديث عنده من باب الشؤاهد، واعتماده على ماصح عن الجماعة انتهى . ومع هذا نجامع الترمذى أكثر نفعاً وأجمع فائدة من سنن أبى داود والنسائى. فالظاهر هو ما قال صاحب كشف الظنون والله تعالى أعلم . الفضيل السادمن فى بيان أنه ليس فى جامع الترمذى حديث موضوع اعلم زادك الله علماً نافعاً أن الحافظ ابن الجوزى قد ذكر فى موضوعاته ثلاثة وعشرين حديثاً مما أخرجه الترمذى فى جامعه، وحكم عليها بالوضع . والتحقيق أنها ليست بموضوعة كما حققه الحافظ السيوطى فى كتابه (( القول الحسن فى الذب عن السنن)) ولا تعجب من ابن الجوزى أنه كيف حكم عليها بالوضع وهى فى جامع الترمذى ، فإنه قد حكم على حديث بالوضع وهو فى صحيح مسلم، ولا شك أنه متساهل فى الحكم بالوضع ، كما أن الحاكم متساهل فى الحكم بالتصحيح ، وتساهلهما مشهور. قال الحافظ ابن حجر : غالب ما فى كتاب ابن الجوزى موضوع، والذى ينتقد عليه بالنسبة إلى ما لا ينتقد قليل جداً . قال : وفيه من الضرر أن يظن ما ليس بموضوع موضوعاً عكس الضرر بمستدرك الحاكم، فإنه يظن ماليس بصحيح صحيحاً. قال: ويتعين الاعتناء بانتقاد الكتابين، فإن الكلام فى تساهلهما أعدم الانتفاع بهما إلا لعالم بالفن - ٣٦٦ - لأنه ما من حديث إلا ويمكن أن يكون قد وقع فيه تساهل ، انتهى . قال السيوطى فى ((التدريب)) بعد ذكر كلام الحافظ هذا مالفظه: قد اختصرت هذا الكتاب - يعنى موضوعات ابن الجوزى - فعلقت أسانيده، وذكرت منها موضع الحاجة، وأنيت بالمتون ، وكلام ابن الجوزى عليها ، وتعقبت كثيراً منها، وتتبعت كلام الحفاظ فى تلك الأحاديث خصوصاً شيخ الإسلام يعنى الحافظ ابن حجر فى تصانيفه وأماليه، ثم أفردت الأحاديث المتعقبة فى تأليف، وذلك أن شيخ الإسلام ألف (( القول المسدد فى الذب عن المسند» أورد فيه أربعة وعشرين حديثاً فى المسند ، وهى فى الموضوعات ، وانتقدها حديثاً حديثاً. ومنها حديث فى صحيح مسلم ، وهو مارواه من طريق أبى عام العقدى ، عن أفلح بن سعيد ، عن عبد الله بن رافع عن أبى هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن طالت بك مدة أوشك أن ترى قوماً يغدون فى سخط اللهويروحون فى لعنته فى أيديهم مثل أذناب البقر» قال شيخ الإسلام : لم أقف فى كتاب الموضوعات على شىء حكم عليه بالوضع وهو فى أحد الصحيحين غير هذا الحديث ، وإنها لففلة شديدة . ثم تكلم عليه وعلى شواهده ؛ قال السيوطى : وذيلت على هذا الكتاب بذيل فى الأحاديث التى بقيت فى الموضوعات من المسند وهى أربعة عشر مع الكلام عليها، ثم ألفت ذيلا لهذين الكتابين سميته ((القول الحسن فى الذب عن السنن)) أوردت فيه مائة وبضعة وعشرين حديثاً ليست بموضوعة منها ما هو فى سنن أبى داود ، وهى أربعة أحاديث: منها حديث صلاة التسبيح ، ومنها ما هو فى جامع الترمذى، وهو ثلاثة وعشرون حديثاً ، ومنها ما هو فى سنن النسائى، وهو حديث واحد. ومنها ماهو فى ابن ماجه، وهو ستة عشر حديثاً . ومنها ماهو فى صحيح البخارى رواية حماد بن شاكر، وهو حديث ابن عمر. ((کیف بك يا ابن عمر إذا عمرت بين قوم يخبئون رزق سنتهم )) هذا الحديث أورده الدیلی - ٢٦٧- فى مسند الفردوس، وعزاه للبخارى وذكر سنده إلى ابن عمر. ورأيت بخط. العراقى أنه ليس فى الرواية المشهورة وأن المزى ذكر أنه فى رواية حماد بن شاكر فهذا حديث ثان من أحاديث الصحيحين . ومنها ماهو فى تأليف البخارى غير الصحيح ، أو فى مؤلف أطلق عليه اسم الصحيح إلى أن قال السيوطى : وقد حررت الكلام على ذلك حديثاً حديثاً فجاء كتاباً حافلا انتهى. قلت : الأحاديث الضعاف موجودة فى جامع الترمذى ، وقد بين الترمذى نفسه ضعفها، وأبان علتها ، وأما وجود الموضوع فيه فكلا ثم كلا والله أعلم. الفصِلْ السَّبُ فی بیان ان جمیع أحاديث جامع الترمذى کلها معمول بها أم بعضها غير معمول به اعلم بارك الله لك أن الترمذى قال فى ((كتاب العلل)» الذى فى آخر جامعه: جميع مافى هذا الكتاب ، يعنى جامعه من الحديث هو معمول به ، وبه أخذ بعض أهل العلم ماخلا حديثين: حديث ابن عباس رضى الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر بالمدينة، والمغرب والعشاء من غير خوف ولا مطر ولا سفر. وحديث النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد فى الرابعة فاقتلوه )) . قال وقد بينا علة الحديثين جميعاً فى الكتاب انتهى . قلت : قد تعقب الملامعين فى كتابه ((دراسات اللبيب)) على كلام الترمذى هذا وقد أثبت أن هذين الحديثين كليهما معمول بهما ، والحق مع الملا معين عندى والله تعالى أعلم. وقد استوفينا الكلام فى هذا فى شرح كتاب (( العلل الصغير )) الذى ألحقه الترمذى بآخر الجامع . (تنبيه) قال فى (( السعاية شرح الوقاية)) فى كتاب الرد على صلاة القفال - ٣٦٨ - لشرف الدين أبى القاسم بن عبد العليم القربتى : قال الترمذى كل ماذكرته فى كتابى هذا حجة إلا أربعة أحاديث انتهى. قلت : لم أجد قول الترمذى هذا فى جامعه ولا فى كتابه ((العلل الصغير)) الذى فى آخر الجامع، والظاهر أن هذا وهم من شرف الدين أبى القاسم المذكور والله تعالى أعلم . الفصل الثَّامِن فی بیان اسم كتاب الترمذى هذا قال صاحب كشف الظنون فى ذكر جامع الترمذى: قد اشتهر بالنسبة إلى مؤلفه ، فيقال جامع الترمذى ، ويقال له السنن أيضاً والأول أكثر انتهى. قلت : وقد أطلق الحاكم عليه الجامع الصحيح ، وأطلق الخطيب عليه وعلى النسائى اسم الصحيح كما فى التدريب . فإن قلت : كيف أطلق على جامع الترمذى اسم الجامع الصحيح واسم الصحيح وفيه الأحاديث الضعيفة أيضاً ؟ قلت: أكثر أحاديث جامع الترمذى صحيحة قابلة للاحتجاج ، وأحاديثه الضعيفة قليلة بالنسبة إليها ، فقيل له الجامع الصحيح على التغليب ، كما قيل للكتب السنة المشهورة، أعنى صحيح البخاوى ، وصحيح مسلم ، والجامع الترمذى ، والسنن لأبى داود، والنسائى ، وابن ماجه، الصحاح الست؛ مع أن فى السنن الأربعة أقساماً من الأحاديث من الصحاح والحسان والضعاف فتسميتها بالصحاح الست بطريق التغليب . وقد ذكر معنى الجامع والسنن فى الباب الأول فى بيان أنواع كتب الحديث . - ٣٦٩ - الفصل التّابع فى بيان شرح جامع الترمذى وتراجم مصنفيها اعلم أن الجامع الترمذى شروحاً وتعليقات ، وله مختصرات وعليه مستخرجات ، فاذكرههنا ماوقفت عليه من ذلك . فمن شروحه: شرح للقاضى أبى بكر بن العربى المالكى سماه ((عارضة الأحوذي)) أوله: الحمد لله مبلغ الحمد ، إذ لا يستطيع العبد أن يبلغ كنه الحمد الخ. قال السيوطى فى ((قوت المغتذى)): لا نعلم أنه شرحه أحد كاملا إلا القاضى أبو بكر بن العربى فى كتابه ((عارضة الأحوذي)) انتهى. قلت : عارضه الأحوذى هذا من أشهر شروح الترمذى ، قد نقل منه الحافظ ابن حجر وغيره من الأعلام فى تصانيفهم كلمات مفيدة ، وفوائد عديدة ، والقاضى أبو بكر بن العربى هذا ذكر ترجمته القاضى بن خلكان فى ((وفيات الأعلام)» فقال: هو أبو بكر محمد بن عبد الله بن أحمد المعروف بابن العربى المعافرى الأندلسى الأشبيلى، الحافظ المشهور، ذكره ابن بشكوال فى كتاب ((الصلة)) فقال: هو الحافظ المستبحر ، ختام علماء الأندلس وآخر أمتها وحفاظها ، لقيته بمدينة أشبيلية ضحوة يوم الاثنين لليلتين خلتا من جمادى الآخرة سنة ست عشرة وخمس مائة، فأخبر نى أنه رحل إلى المشرق مع أبيه يوم الأحد مستهل شهر ربيع الأول سنة خمس وثمانين وأربعمائة؛ وأنه دخل الشام واقى بها أبا بكر محمد بن الوليد الطرطوشى ، وتفقه عنده، ودخل بغداد وسمع بها من جماعة من أعيان مشائخها ، ثم دخل الحجاز منفحج فى موسم سنة تسع وثمانين ثم عاد إلى بغداد سحب بها أبا بكر الشاشى ، وأبا حامد الغزالى وغيرهما من العلماء والأدباء ثم صدر عنهم ولقى بمصر والإسكندرية جماعة من المحدثين ، فكتب عنهم (٢٤ - مقدمة الأحوذي ١) - ٣٧٠ - واستفاد منهم وأفادهم . ثم عاد إلى الأندلس سنة ثلاث وتسعين ، وقدم إلى أشبيلية بعلم كثير ، لم يدخل أحد قبله بمثله ممن كانت له رحلة إلى المشرق . وكان من أهل التفنن فى العلوم والاستبحار فيها والجمع لها مقدماً فى المعارف كلها، متكلماً فى أنواعها، نافذاً فى جميعها، حريصاً على أدائها ونشرها، ثاقب الذهن فى تمييز الصواب منها . ويجمع إلى ذلك كله آداب الأخلاق مع حسن المعاشرة ، ولين الكنف وكثرة الاحتمال ، وكرم النفس وحسن العهد وثبات الود، واستقضى ببلده ، فنفع الله به أهلها لصرامته وشدته ، ونفوذ أحكامه . وكانت له فى الظالمين سورة مرهوبة. ثم صرف عن القضاء وأقبل على نشر العلم وسألته عن مولده فقال: ولدت ليلة الخميس لثمان بقين من شعبان سنة ثمان وستين وأربعمائة ، وتوفى بالغداة ، ودفن بمدينة فاس فى شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة ، رحمه الله تعالى انتهى كلام ابن بشكوال . قال ابن خلكان : وهذا الحافظ له مصنفات منها كتاب عارضة الأحوذى فى شرح الترمذى ، وغيره من الكتب وكانت ولادته بأشبيلية ، وقيل إن ولادته كانت سنة تسع وستين ، وقيل إن وفاته كانت فى جمادى الأولى على مرحلة من فاس عند رجوعه من مراكش ، ونقل إلى فاس ودفن بمقبرة الجيانى. وتوفى والده بمصر منصرفً عن المشرق فى السفرة التى كان والده المذكور فى صحبته ، وذلك فى المحرم سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة ، ومولده سنة خمس وثلاثين وأربعمائة . وكان من أهل الآداب الواسعة ، والبراعة والكتابة ، رحمه الله تعالى وأما معنى ((عارضة الأحوذي)) فالعارضة القدرة على الكلام ، يقال فلان شديد العارضة إذا كان ذا قدرة على الكلام . والأحوذى : الخفيف على الشىء لحذقه . وقال الأصمعى: الأحوذي المشمر فى الأمور القاهر لها لا يشذ عليه منها شىء ، وهو بفتح الهمزة وسكون الحاء المهملة وفتح الواو وكسر الذال - ٣٧١ - المعجمة وفى آخره ياء مشددة انتهى كلام ابن خلكان . قلت: ذكر الحافظ الذهبى ترجمة ابن العربى هذا فى ((تذكرة الحفاظ)» وقال فيه: وكان أبو بكر أحد من بلغ رتبة الاجتهاد فيما قيل . قال ابن النجار: حدث ببغداد بيسير ، وصنف فى الحديث والفقه والأصول ، وعلوم القرآن والأدب والنحو، والتواريخ، واتسع حاله وكثرت أفضاله انتهى. قلت: نسخة قلمية من كتاب ((عارضة الأحوذي)) موجودة فى خزانة الكتب فى بلدة محمد آباد المعروف بنونك . وقد طبع جزء من هذا الشرح مع شروح أخرى لجامع الترمذى فى المطبعة النظامية فى الهند ، وأيضاً قد طبع هذا الشرح كاملا بمصر. ومنها : شرح للحافظ ابن سيد الناس ، قال صاحب كشف الظنون : باغ فيه إلى دون ثلثى الجامع فى نحو عشرة مجلدات ولم يتم . ولو اقتصر على فن الحديث لكان تماماً ، ثم كمله الحافظ زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقى انتهى . قلت : قد صرح الحافظ السيوطى أن الحافظ زين الدين العراقى أيضاً لم لم يتم انتهى. وقال القاضى الشوكانى فى ((البدر الطالع))، فى ترجمة ابن سيد الناس ما لفظه: وشرع بشرح الترمذى كتب منه مجلداً إلى أوائل الصلاة وقفت . عليه بخطه الحسن . ولعل تلك النسخة التى وقفت عليها هى المسودة ، فإنها كثيرة الضرب والتصحيح ، وهو متمتع فى جميع ما تكلم عليه من فن الحديث وغيره، مع التزامه لإخراج الأحاديث التى يشير إليها الترمذى بقوله : وفى الباب عن فلان وفلان الخ. ولما وقفت على الجزء الذى من شرح الترمذى الذى على هذا الجزءلزين العراقى ، بهرنى ذلك ، ورأيته فوق ما شرحه صاحب الترجمة بدرجات انتهى . وقال الحافظ ابن حجر فى ((الدرر الكامنة)) فى ترجمته: وشرع لشرح الترمذى ، ولو اختصر فيه على فن الحديث من الكلام على الأسانيد لكمل ، - ٣٧٢ - لكنه قصد أن يتبع شيخه ابن دقيق العيد ، فوقف دون ما یرید . وابن سيد الناس: هذا هو محمد بن محمد بن محمد المعروف بابن سيد الناس، الإمام الحافظ المحدث فتح الدين أبو الفتح اليسرى ، سمع وقرأ وارتحل وكتب وحدث فأجاز. قال فى ((آثار الأدهار)): وكان إماماً محدثاً حافظاً فصيحاً وهو من بيت علم، أجاز له جماعة من الشيوخ له كتاب (( المنقح الشذى فى شرح الترمذى)) وكان ينظم الشعر وله فيه حسنات انتهى. قال البرزالى: كان أحد الأعيان إنقاناً وحفظاً للحديث ، وتفهماً فى علمه وأسانيده، عالما بصحيحه وسقيمه، مستحضراً للسيرة، له الشعر الرائق والنثر الفائق. وكان محباً لطلبة الحديث، له تصانيف ، منها: السيرة النبوية، وشرح الترمذى. قال الصفدى: أقت عنده بالظاهرية قريباً من سنتين فكنت أراه يصلى كل صلاة مرات كثيرة فسألته عن ذلك فقال : خطر لى أن أصلى كل صلاة مرتين ففعلت ، ثم ثلاثاً ففعلت ، وسهل علىّ ، ثم أربعاً ففعلت قال: وأشك هل قال خمساً انتهى . قال الشوكانى: وهذا وإن كان فيه الاستكثار من الصلاة التى هى خير موضوع وأجر مرفوع ، ولكن الأولى أن يتعود النوافل بعد الفرائض على غير صفة الفريضة ، فإن حديث النهى عن أن تصلى صلاة فى يوم مرتين ربما كان شاملا لمثل صورة صلاة صاحب الترجمة ، ولعله يجعله خاصاً بتكرير الفريضة بنية الافتراض انتهى . ومنها: شرح للحافظ زين الدين العراقى، وهو تكملة شرح ابن سيد الناس . والحافظ زين الدين العراقى هذاهو عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحيم بن أبى بكر بن إبراهيم بن الزين أبو الفضل ، الكردى الأصل الشافعى ، الحافظ الكبير، ولد فى حادى وعشرين جمادى الأولى سنة خمس وعشرين وسبعمائة بمصر بعد أن تحول والده إليها ، وسمع من القاضى سنجر، والقاضى تقى الدين - ٣٧٣ - الأحبائى المالكى، وسمع من آخرين وحفظ الحاوى والإلمام لابن دقيق العيد، وكان ربما حفظ فى اليوم أربعمائة سطر، ولازم الشيوخ فى الدراية فقراً القراءات السبع ونظر فى الفقه وأصوله على جماعة كابن عدلان ، والإسنوى . وفى أثناء ذلك أقبل على علم الحديث ، فأخذ عن جماعة منهم العلاء التركانى وبه انتفع، ورحل إلى بيت المقدس ومكة والشام ، فأخذ عن شيوخ هذه الجهات، وحبب الله إليه هذا الشأن ، فأكب عليه من سنة (٧٥٢) حتى غلب عليه وتوغل فيه ، وصار لا يعرف إلا به ، وتفرد مع وجود شيوخه . وقال العزبن جماعة : وهو من شيوخه : كل من يدعى الحديث بالديار المصرية سواه فهو مدفوع. وتصدى للتصنيف والتدريس ، ومن جملة مصنفاته تخاريج أحاديث الإحياء، والألفية فى علم الحديث وشرحها ، ونظم منظومة فى السيرة النبوية وأخرى فى غرائب القرآن ، ونظم الاقتراح لابن دقيق العيد ، وشرح الترمذى لابن سيد الناس ، فكتب منه تسعة مجلدات ولم يكمل ، وشرع فيه من أوائل كتاب الصلاة من حيث بلغ الحافظ ابن سيد الناس ، لأنه قد كان شرع فى شرح الترمذى ، فكتب مجلداً بلغ فيه إلى أوائل كتاب الصلاة، ووقفت عليه بخطه رحمه الله . ووقفت على المجلد الأول من شرح صاحب الترجمة وهو إلى أواخر كتاب الصلاة ؛ وهذا المجلد الذى وقفت عليه بخط الحافظ ابن حجر، وفيه بخط مصنفه، وهو شرح حافل ممتع فيه فوائد لا توجد فى غيره ، ولا سيما فى الكلام على أحاديث الترمذى ، وجميع ما يشير إليه فى الباب ، وفى نقل المذاهب على نمط غريب وأسلوب عجيب. ومن مصنفاته (( الاستعاذة بالواحد من إقامة جمعتين فى مقام واحد )» وتكملة شرح المهذب للنووى، واستدرك على المهمات للإستوى، ونظم المنهاج للبيضاوى ، وغير ذلك . وولى تدريس الحديث بدار الحديث الكاملية والظاهرية وجامع ابن طولون، وحج مراراً وجاور وأملى هنالك. وولى - ٣٧٤ - قضاء المدينة النبوية، وخطابتها وإمامتها فى ثانى عشر جمادى الأولى سنة (٧٨٨)، ثم صرف بعد مضى ثلاث سنين وخمسة أشهر، وعاد إلى القاهرة فشرع فى الإملاء من سنة (٧٩٥) فأعلى أربع مائة مجلس وستة عشر مجلساً. وكان منور الشيبة جميل الصورة ، كثير الوقار نذير الكلام ، طارحاً للتكلف ضيق العيش شديد التوقى فى الطهارة لا يعتمد إلا على نفسه أو على رفيقه الهيثمى . وكان كثير الحياء منجمعاً عن الناس ، حسن النادرة والفكاهة . قال تلميذه الحافظ ابن حجر : وقد لازمته مدة فلم أره رك قيام الليل بل صار كالمألوف ، ويتطوع بصيام ثلاثة أيام فى كل شهر ، وقد رزق السعادة فى ولده الولى، فإِنه كان إماماً، وفى رفيقه الهيشمى ، فإنه كان حافظاً كبيراً. ورزق أيضاً السعادة فى تلامذته ، فإن منهم الحافظ ابن حجر وطبقته . وكان عالماً بالنحو واللغة، والغريب والقراءات ، والفقه وأصوله ، غير أنه غلب عليه الحديث فاشتهر به وانفرد بمعرفته، وقد ترجمه جماعة من معاصريه . ومن تلامذته ومن بعدهم ، وأثنوا عليه جميعاً وبالغوا فى تعظيمه ، ورناه ابن الجزرى فقال: حافظ الأرض حبرها باتفاق رحمة الله للعراقى تترى لم يكن فى البلاد مثل العراق إننى منقسم إليه صدق مات عقيب خروجه من الحمام فى ليلة الأربعاء ثامن شعبان سنة ست وثمانمائة بالقاهرة ، ودفن بها ؛ كذا فى البدر الطالع . ومنها شرح للحافظ ابن الملقن: وهو شرح زوائده على الصحيحين وأبى داود . والحافظ ابن الملقن هذا هو عمر بن على بن أحمد بن محمد بن عبد الله السراج، الأنصارى الأندلسى التكرورى الأصل ، المصرى الشافعى. ولد فى ربيع الأول سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة بالقاهرة ، وكان أصل أبيه من - ٣٧٥ - الأندلس ، فتحول منها إلى التكرور ، ثم قدم القاهرة، ثم مات بعد أن رلد له صاحب الترجمة بسنة ، فأوصى به إلى الشيخ عيسى المغربى ، وكان يلقن القرآن فنسب إليه. وكان يغضب من ذلك ولم يكتبه بخطه ، إنما كان يكتب ابن النحوى، وبها اشتهر فى بعض البلاد كاليمن ، ونشأ فى كفالة زوج أمه وصيه، وتفقه بالتقى السبكى والعز بن جماعة وغيرهما ، وأخذ فى العربية عن أبى حيان والجمال بن هشام وغيرهما ، وفى القراءات عن البرهان الرشيدى . قال البرهان الحلبى: إنه اشتغل فى كل فن حتى قرأ فى كل مذهب كتاباً، وسمع على الحفاظ كابن سيد الناس والقطب الحلبى وغيرهما ، وأجاز له جماعة كللزى، ورحل إلى الشام وبيت المقدس، وله مصنفات كثيرة منها: ((تخريج أحاديث الرافعى)) فى سبع مجلدات، و((مختصر الخلاصة)) فى مجلد، ومختصره للمنتقى فى جزء و((تخريج أحاديث الوسيط)) للغزالى المسمى ((بتذكرة الأحبار بما فى الوسيط من الأخبار)) فى مجلد، وتخريج أحاديث المهذب المسمى (( بالمحرر الذهب فى تخريج أحاديث المهذب)) فى مجلدين و ((تخريج أحاديث المنهاج الأصلى)) فى جزء و ((تخريج أحاديث مختصر المنتهى لابن الحاجب)) فى جزء وشرح العمدة المسمى ((بأعلام)) فى ثلاثة مجلدات، وأسماء رجالها فى مجلد، وقطعة من شرح ((المنتقى فى الأحكام )) للمجد بن تيمية ولكنه قال صاحب الترجمة فى تخريج الرافعى إنه إنما كتب شيئاً من ذلك على هوامش نسخة كالتخريج لأحاديث المنتقى، ثم رغب من يأتى بعده فى شرح هذا الكتاب حسبما نقلته من كلامه فى أوائل شرحى للمنتفى . ومن مصنفاته ((طبقات الفقهاء الشافعية)) و((طبقات المحدثين))، وفى الفقه ((شرح المنهاج)) وقال ابن حجر: إن صاحب الترجمة شرح المنهاج عدة شروح، أكبرها فى ثمانية مجلدات وأصغرها فى مجلد . والتنبيه كذلك والبخارى فى عشرين مجلداً، وشرح زوائد مسلم على البخارى فى أربعة أجزاء - ٣٧٦ - وزوائد أبى داود على الصحيحين فى مجلدين ، وزوائد الترمذى على الثلاثة كتب منه قطعة ، وزوائد النسائى على الأربعة كتب منه جزءاً، وزوائد بن ماجه على الخمسة فى ثلاث مجلدات ، وإكمال تهذيب الكمال . قال ابن حجر: إنه لم يقف عليه . وقال السخاوى: إنه وقف منه على مجلد، وله مصنفات غير هذه . وقد اشتهر صيته وطار ذكره وسارت مؤلفاته فى الدنيا . وحكى السخاوى أنه طلب الاستقلال بالقضاء وخدعه بعض الناس حتى كتب بخطه بمال على ذلك ، فغضب برقوق عليه بمزيد اختصاصه به كونه لم يعلمه بذلك ، ولو أعلمه لكان يأخذه له بلا بذل، وأراد الإيقاع به فسلمه الله من ذلك . ثم استقر فى التدريس بأماكن . وقد ترجمه جماعة من أقرانه الذين ماتوا قبله ، كالعثمانى قاضى صفد فإنه قال فى طبقات الفقهاء: إنه أحد مشأخ الإسلام ، صاحب التصانيف التى ما فتح على غيره بمثلها فى هذه الأوقات . وقال البرهان الحلبى : كان فريد وقته فى كثرة التصنيف ، وعبارته فيها جلية جيدة، وغرائبه كثيرة . وقال ابن حجر فى أنبائه : إنه كان موسعاً عليه فى الدنيا، مشهوراً بكثرة التصانيف حتى كان يقال إنها بلغت ثلاثمائة مجلدة ما بين كبير وصغير . وعنده من الكتب مالا يدخل تحت الحصر ، منها ماهو ملكه، ومنها ماهو من أوقاف المدارس، ثم إنها احترقت مع أكثر مسوداته فى آخر عمره ففقد أكثرها، وتغير حاله بعدها فحجبه ولده إلى أن مات . قال: إن العراقى والبلقينى وصاحب الترجمة كانوا أعجوبة ذلك العصر . الأول - فى معرفة الحديث وفنونه . والثانى - فى التوسع فى معرفة مذهب الشافعى . والثالث - فى كثرة تصانيفه، وكل واحد من الثلاثة ولد قبل الآخر بسعة ، ومات قبله بسنة، فأولهم ابن الملقن ، ثم البلقيني، ثم العراقى. ومات فى ليلة الجمعة سادس عشر ربيع الأول سنة أربع وثمانمائة ، ذكره فى البدر الطالع . - ٣٧٧ - ومنها: شرح للشيخ الإمام الحافظ أبى الفرج زين الدين عبد الرحمن بن شهاب الدين أحمد بن حسن بن رجب البغدادى الحنبلى . قال الحافظ ابن حجر فى الدرر الكامنة فى أعيان المائة الثامنة: ولد ابن رجب ببغداد فى ربيع الأول سنة ٧٠٦ ست وسبعمائة ، وقدم دمشق مع والده فسمع معه من محمد بن إسماعيل ابن إبراهيم بن الخباز، وإبراهيم بن داود العطار وغيرهما . وبمصر من أبى الفتح المندومى ، ومن أبى الحزم الفلانسى وغيرهما ، وأكثر من المسموع، وأكثر الاشتغال حتى مهر ، وصنف شرح الترمذى، وقطعة من البخارى . وذيل الطبقات للحنابلة، واللطائف فى وظائف الأيام بطريق الوعظ وفيه فوائد . والقواعد الفقهية أجاد فيه، وقرأ القرآن بالروايات، وأكثر عن الشيوخ ، وخرج لنفسه مشيخة مفيدة. ومات فى شهر رجب سنة خمس وتسعين وسبعمائة ، ويقال إنه جاء إلى شخص حفار وقال له احفر لى هنا حداً وأشار إلى بقعة ، قال الحفار : ففرت له فنزل فيه وأعجبه واضطجع وقال هذا جيد ، فمات بعد أيام فدفن فيه انتهى. وفى ((الروضة الغناء فى تاريخ دمشق الفيحاء)) هو الإمام الأصولى المحدث الفقيه الواعظ الشهير، كان إماماً عالماً فى العلوم، له مصنفات كثيرة: منها شرح البخارى ، وشرح الأربعين النووية، وطبقات الحنابلة والقواعد ، ورياض الأنس ، وغيرها . مات بدمشق ودفن بباب الصغير عند قبر معاوية رضى الله عنه انتهى . قلت : ذكر الحافظ ابن رجب شرح الترمذى له فى شرح حديث : ماذئبان جائعان الخ، حيث قال: خرج الإمام أحمد والنسائى والترمذى وابن حبان فى صحيحه ، من حديث كعب بن مالك الأنصارى رضى الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «ماذئبان جائعان أرسلا فى غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه)) قال الترمذى: حسن صحيح . وروى من وجه آخر عن النبى صلى الله عليه وآله وسلم من حديث ابن عمر - ٣٧٨ - وابن عباس وأبى هريرة وأسامة بن زيد وجابر وأبى سعيد الخدرى وعاصم ابن عدى الأنصارى رضى الله عنهم أجمعين. وقد ذكرتها كلها مع الكلام عليها فى كتاب شرح الترمذى انتهى . ومنها: شرح الحافظ ابن حجر العسقلانى، قال فى ((فتح البارى)) فى شرح حديث حذيفة أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم سباطة قوم فبال قائماً، ما لفظه: ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فى النهى عنه أى عن البول قائماً شىء كما بينته فى أوائل شرح الترمذى انتهى . وله شرح نفيس لقول الترمذى وفى الباب سماه (« اللباب)). والحافظ ابن حجر هذا هو إمام الحفاظ فى زمانه قاضى القضاة شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن على بن محمد بن محمد بن الكنانى العسقلانى ثم المصرى . ولد سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة ، وعانى أولا الأدب وتعلم الشعر فبلغ فيه الغابة، ثم طلب الحديث فسمع الكثير، ورحل وتخرج بالحافظ أبى الفضل العراقى وبرع فيه، وتقدم فى جميع فنونه، وانتهت إليه الرحلة والرياسة فى الحديث فى الدنيا بأسرها فلم يكن فى عصره حافظ سواه. وألف كتباً كثيرة كشرح البخارى ، وتعليق التعليق، وتهذيب التهذيب ، وتقريب التهذيب، ولسان الميزان، والإصابة فى الصحابة ، ونكت ابن الصلاح، ورجال الأربعة والنخبة وشرحها والألقاب، وتبصير المنتبه بتحرير المشتبه، وتقريب المنهج بترتيب المدرج ، وأملى أكثر من ألف مجلس . توفى فى ذى الحجة سنة اثنتين وخمسين وثمان مائة. قاله الجلال السيوطى فى ((حسن المحاضرة فى أخبار مصر والقاهرة . وقال فى طبقات الحفاظ : ولد سنة ٧٧٣. وحكى أنه شرب ماء زمزم ليصل إلى رتبة الذهبى فبلغها وزاد. ولما حضرت العراقى الوفاة قيل له من تخلف بعدك ؟ قال : ابن حجر ثم ابنى أبا زرعة ثم الهيشمى . وصنف التصانيف التى - ٣٧٩ - عم النفع بها: كشرح البخارى الذى لم يصنف أحد فى الأولين ولا فى الآخرين مثله، والتشويق إلى وصل التعليق ، والتوفيق فيه أيضاً وأسباب النزول ، وتعجيل المنفعة، والمدرج والمقترب فى المضطرب ، وأشياء كثيرة جداً تزيد على المائة . وولى القضاء بالديار المصرية والتدريس بعدة أماكن ، وخرج أحاديث الرافعى والهداية والكشاف والفردوس ، وعمل أطراف الكتب العشرة والمسند الحنبلى ، وعمل زوائد المسانيد الثمانية انتهى. وقال فى (( نظم العقيان فى أعيان الأعيان)): حبب إليه فن الحديث، فأقبل عليه سماعاً وكتابة وتخريجاً وتعليقاً وتصنيفاً، ولازم حافظ عهده زين الدين العراقى حتى تخرج به، وأكب عليه إكباباً لامزيد عليه حتى رأس فيه فى حياة شيوخه حتى شهدوا له بالحفظ. تفقه على الشيخ سراج الدين البلقينى، والشيخ سراج الدين بن الملقن ، والشيخ برهان الدين الأبناسى وأخذ الأصول وغيره عن عن الدين بن جماعة ولازمه طويلا ، ورحل إلى الشام والحجاز، ودخل باليمن فاجتمع بالعلامة مجد الدين الشيرازى صاحب القاموس، ثم رجع فأقبل بكليته على الحديث وصنف فيه التصانيف الباهرة ، وولى وظائف سنية لتدريس الحديث بالشيخونية، ومجامع القلعة بالجمالية ، وبالبيبرسية ، وتدريس الفقه بالمؤيدية ، وبالشيخونية ، وولى مسجد الشيوخ بالبيبرسية ، ومسجد الصلاحية بجوار مشهد الإمام الشافعى رضى الله عنه ، وولى قضاء القضاة بالديار المصرية ، وأول ماوليه سنة سبع وعشرين انتهى . وقال الشوكانى فى ((بدر الطالع)»: أحمد بن على بن محمد بن محمد بن على ابن أحمد الشهاب أبو الفضل ، الكنانى العسقلانى القاهرى الشافعى، المعروف بابن حجر، وهو لقب لبعض آبائه - الحافظ الكبير الشهير، الإمام المنفرد بمعرفة الحديث وعلله فى الأزمنة المتأخرة . ولد فى ثانى عشر شعبان سنة ٧٧٣ ثلاث وسبعين وسبعمائة بمصر ، ونشأبها يتيما فى كنف أحد أوصيائه ، - ٣٨٠ - فحفظ القرآن وهو ابن تسع ، ثم حفظ العمدة وألفية الحديث للعراقى والحاوى الصغير ، ومختصر ابن الحاجب فى الأصول والملحة وبحث فى ذلك على الشيوخ وتفقه بالبلقينى والبرماوى وابن الملقن والعزين جماعة ، وعليه أخذ غالب علوم الآلية والأصولية، كالمنهاج وجمع الجوامع وشرح المختصر والمطول، ثم حيب الله إليه فن الحديث فأقبل عليه بكليته وطلبه من سنة ٧٩٣ وما بعدها فعكف على الزين العراقى، وحمل عنه جملة نافعة من علم الحديث ، سنداً ومتناً وعللا واصطلاحاً . وارتحل إلى بلاد الشام والحجاز واليمن ومكة وما بين هذه النواحى وأكثر جداً من المسموع والشيوخ، وسمع العالى والنازل ، واجتمع له من ذلك ما لم يجتمع لغيره ، وأدرك من الشيوخ جماعة كل واحد رأس فی فته الذى اشتهر به . فالتنوخى فى معرفة القراءات ، والعراقى فى الحديث ، والبلقينى فى سعة الحفظ وكثرة الاطلاع ، وابن الملقن فى كثرة التصانيف ، والمجد صاحب القاموس فى حفظ اللغة ، والعز بن جماعة فى تفتنه فى علوم كثيرة بحيث كان يقول: أنا أقرأ فى خمسة عشر علماً لا يعرف علماء عصرى أسماءها . ثم تصدى لنشر الحديث وقصر نفسه عليه مطالعة وإقراء وتصنيفًاً وإفتاء وتفرد بذلك. وشهد له بالحفظ والإتقان القريب والبعيد والعدو والصديق حتى صار إطلاق لفظ الحافظ عليه كلمة إجماع ، ورحل الطلبة إليه من الأقطار، وطارت مؤلفاته فى حياته وانتشرت فى البلاد، وتكاتبت الملوك من قطر إلى قطر فى شأنها، وهى كثيرة جداً. منها ما كمل ومنها ما لم يكمل ، وقد عددها السخاوى فى (( الضوء اللامع)) وكذلك عدد مصنفاته فى الأربعينيات والمعاجم، وتخريج الشيوخ والأطراف والطرق والشروح ، وعلوم الحديث وفنونه ورجاله فى أوراق من ترجمته. ونقل عنه أنه قال : لست راضياً عن شىء من تصانيفى لأنى عملتها فى ابتداء الأمر، ثم لم يتهيأ لى من يحررها معى سوى شرح ٠٠ ١