Indexed OCR Text

Pages 41-60

- ٤١ -
واجب علينا امتثاله والعمل به ، وكذا كل مانهانا عنه من المنهيات والمنكرات
المبينة فى الكتاب أو السنة واجب علينا الاجتناب منه والانتهاء عنه .
فإن قلت: قال الله تعالى (وما آتاكم الرسول) ولم يقل وما آتاكم محمد
فلفظ الرسول يدل على أن ما آتاكم الرسول من حيث أنه رسول الله، فنحن
مأمورون بأخذ ما أناناه رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبل الله تعالى ، أى
مما أوحى الله إليه من الكتاب ، ولسنا مأمورين بأخذ ما آتانا من قبل نفسه أى
مما لم يوح إليه من الأحاديث. قلنا كل ما أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم من
قبل نفسه من أمر الدين فهو مما أوحى الله تعالى إليه كما قال تعالى: ( وما ينطق
عن الهوى إن هو إلا وحى يوحى ) وقال الله تعالى : ( قل إن كنتم تحبون الله
فاتبعونى يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم) أمر الله سبحانه وتعالى
فى هذه الآية كل من يدعى محبته أن يتبع محمداً صلى الله عليه وسلم ، وما معنى
اتباعه إلا اتباعه صلى الله عليه وسلم فى جميع أقواله وأفعاله وأحواله وهديه ومجموع
أقواله وأفعاله وأحواله وهديه هو المعنى بالأحاديث النبوية فثبت أن من لم يتبع
الأحاديث النبوية ولم ير العمل بها واجباً فهو فى دعوى محبته لله تعالى كاذب،
ومن كان فى هذه الدعوى كاذباً فهو فى دعوى إيمانه بالله تعالى كاذب بلامرية .
وقال الله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى
الأمر منكم فإن تنازعتم فى شىء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله
واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا).
قال الحافظ ابن جرير: اختلف أهل التأويل فى معنى قوله (أطيعوا الله وأطيعوا
الرسول) فقال بعضهم ذلك أمر من الله باتباع سنته . وقال آخرون: ذلك أمر من
الله بطاعة الرسول فى حياته . والصواب من القول فى ذلك أن يقال هو أمر من الله
بطاعة رسوله فى حياته فيما أمر ونهى، وبعد وفاته فى اتباع سنته . وذلك أن الله عم
بالأمر بطاعته ولم يخصص فى ذلك فى حال دون حال فهو على العموم حتى يخص

- ٤٢ -
ذلك ما يجب التسليم له . قال وقوله: (فإن تنازعتم فى شىء فردوه إلى الله
والرسول الخ) يعنى بذلك جل ثناؤه فإن اختلفتم أيها المؤمنون فى شىء من أمر
دينكم أنتم فيما بينكم أو أنتم وولاة أمركم فاشتجر تم فردوه إلى الله. يعنى بذلك
فارتادوا معرفة حكم ذلك الذى اشتجر تم أنتم بينكم أو أنتم وأولوا أمركم فيه
من عند الله . يعنى بذلك من كتاب الله فاتبعوا ماوجدتم وأما قوله (والرسول)
فإنه يقول فإن لم تجدوا إلى علم ذلك فى كتاب الله سبيلا فارتادوا معرفة ذلك
أيضاً من عند الرسول إن كان حياً ، وإن كان ميتاً فمن سنته انتهى .
وقال الحافظ فى الفتح: (( والنكتة فى إعادة العامل فى الرسول دون أولى
الأمر مع أن المطاع فى الحقيقة هو الله تعالى كون الذى يعرف به ما يقع به
التكليف هما القرآن والسنة ، فكان التقدير أطيعوا الله فيما نص عليكم فى
القرآن وأطيعوا الرسول فيما بين لكم من القرآن وما ينصه عليكم من السنة أو
المعنى أطيعوا الله فيما يأمركم به من الوحى المتعبد بتلاوته ، وأطيعوا الرسول
فيما يأمركم به من الوحى الذى ليس بقرآن انتهى)).
وقال الله تعالى: ( وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم
يتفكرون ) دلت هذه الآية على أنه صلى الله عليه وسلم كان مبيناً لجملات
القرآن ومفسراً لمشكلاته وليس بيانه وتفسيره صلى الله عليه وسلم إلا فى أحاديثه
فكل حديث ورد فى الصلاة فهو بيان وتفسير لقوله تعالى : (وأقيموا الصلاة)
وكل حديث جاء فى الزكاة فهو بيان وتفسير لقوله ( وآتوا الزكاة) وكل
حديث جاء فى الصوم فهو بيان وتفسير لقوله تعالى : (ثم أتموا الصيام إلى الليل)
وكل حديث ورد فى الحج فهو بيان وتفسير لقوله تعالى: (وأتموا الحج والعمرة
ثْه). وهكذا ومن المعلوم أن الأخذ ببيانه صلى الله عليه وسلم لمجملات القرآن
وتفسيره لمشكلاته والعمل بمقتضاه واجب علينا . فالأحاديث النبوية بأسرها
واجبة الأخذ والعمل فإنها كلها بيان وتفسير لكتاب الله تعالى .

- ٤٣ -
وقال الله تعالى: ( من يطع الرسول فقد أطاع الله) فيه أن طاعة الرسول
صلى الله عليه وسلم هى طاعة الله بعينها ، وفى هذا من النداء بشرف رسول الله
صلى الله عليه وسلم وعلو شأنه وارتفاع مرتبته ما لا يقدر قدره ولا يبلغ مداه .
ووجهه أن الرسول لا يأمر إلا بما أمر الله به ولا ينهى إلا ما نهى عنه، ولولا
بيانه صلى الله عليه وآله وسلم ماكنا نعرف كل فريضة فى كتاب الله كالحج
والصلاة والزكاة والصوم كيف نأتيها. وقال الحسن : جعل الله طاعة رسوله
طاعته وقامت به الحجة على المسلمين . ذكره صاحب فتح البيان . وقال الحافظ
ابن كثير يخبر تعالى عن عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم بأن من أطاعه
فقد أطاع الله ومن عصاه فقد عصى الله، وما ذاك إلا لأنه ما ينطق عن الهوى
إن هو إلا وحى يوحى انتهى . وفيه إشارة إلى العمل بالحديث لأن طاعة
الرسول لا تتحقق إلا إذا عمل بقوله واقتدى بفعله، وذلك لا يتأتى إلا باتباع
سنته والاعتصام بحديثه . فالقرآن داع إلى العمل بالسنة أى الحديث ، كما أن
السنة تدعو إلى العمل بالقرآن والاعتصام به .
وقال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم
لما يحييكم).
أمر المؤمنون باستجابة الله ورسوله والأمر للوجوب والاستجابة لهما ، هى
قبول ما أمروا به ونهيا عنه فى الكتاب والسنة والعمل بمقتضاها ، ولا ريب
أن الله ورسوله دعوا الأمة جميعها حاضرها وغائبها إلى التمسك بالثقلين ((أى
الكتاب والسنة)) والاعتصام بهذين الأصلين النيرين .
وقال الله تعالى: ( لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً، قد
يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذاً فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم
فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) فيه أن دعاء الرسول صلى الله عليهوسلم ليس كدعاء
آحاد الأمة بل هو أعظم خطراً وأجل قدراً من دعوات سائر الخلق . فإذا دعا

- ٤٤ -
أحداً تعين عليه الإجابة ولا ريب أنه صلى الله عليه وسلم قد دعا أمته إلى التمسك
بكتاب الله وسنته فى غير موضع منها، فتعين على جميع الأمة أن يجيبوه ولا يقعدوا
عن استجابته، ودعاؤه صلى الله عليه وآله وسلم إياهم باق إلى يوم بقاء الأحاديث
فى الأمهات الست وغيرها ، وبقاء القرآن فى الدنيا إلى قيام الساعة ، لا يبرأ ذمة
أحد من الأمة من إجابة دعوته فى أى عصر وقطر عند وجود هذه الكتب
بين ظهرانى العلماء من سائر أصنافهم على اختلاف مذاهبهم وتباين مشاربهم ،
فمن لم يجب داعى الله فهو الخاسر فى الدنيا والآخرة .
وقال الله تعالى : (يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدى الله ورسوله
واتقوا الله إن الله سميع عليم إلى قوله وأنتم لا تشعرون ) قال الحافظ ابن كثير
فى تفسيره : هذه آداب أدَّب الله تعالى بها عباده المؤمنين فيما يعاملون به الرسول
صلى الله عليه وسلم من التوقير والاحترام والتبجيل والإعظام ، فقال تبارك وتعالى:
( يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدى الله ورسوله) أى لا تسرعوا فى الأشياء.
بين يديه أى قبله، بل كونوا تبعاً له فى جميع الأمور حتى يدخل فى عموم هذا
الأدب الشرعى حديث معاذ رضى الله عنه حيث قال له النبى صلى الله عليه وسلم
حين بعثه إلى اليمن: (( بم تحكم؟ قال بكتاب الله تعالى. قال صلى الله عليه وسلم
فإن لم تجد ؟ قال بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال صلى الله عليه وسلم
فإن لم تجد ؟ قال رضى الله عنه أجتهد رأيي. فضرب فى صدره وقال: الحمد لله
الذی وفق رسول رسول الله لما یرضی رسول الله صلى الله عليه وسلم )). وقد
رواه أحمد وأبو داود والترمذى وابن ماجة. فالغرض منه أنه أخر رأيه ونظره
واجتهاده إلى ما بعد الكتاب والسنة ، ولو قدمه قبل البحث عنهما لكان من
باب التقديم بين يدى الله ورسوله . قال على بن طلحة عن ابن عباس رضى الله.
عنهما ( لا تقدموا بين يدى الله ورسوله ) لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة.
وقال العوفى عنه : نهوا أن يتكلموا بين يدى كلامه . وقال مجاهد: لا تفتاتوا

- ٤٥ -
على رسول الله صلى الله عليه وسلم بشىء حتى يقضى الله تعالى على لسانه ، وقال
الضحاك: لا تقضوا أمراً دون الله ورسوله من شرائع دينكم. وقال سفيان
الثورى : لا تقدموا بين يدى الله رسوله بقول ولا فعل ، انتهى .
وقال الله تعالى: ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن
يكون لهم الخيرة من أمرهم، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً)
قال الحفظ ابن كثير: هذه الآية عامة فى جميع الأمور، وذلك أنه إذا حكم الله
ورسوله بشىء فليس لأحد مخالفته ، ولا اختيار لأحد ههنا ولا رأى ولا قول،
كما قال تبارك وتعالى: ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم
لا يجدوا فى أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما). وفى الحديث: (( والذى
نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به ))، ولهذا شدد فى
خلاف ذلك فقال : (ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً) كقوله تعالى:
(فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم انتهى).
وقال الله تعالى: ( لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو
الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً) قال الحافظ ابن كثير : هذه الآية الكريمة
أصل كبير فى التأسى برسول الله صلى الله عليه وسلم فى أقواله وأفعاله وأحواله،
ولهذا أمر تبارك وتعالى: الناس بالتأسى بالنبى صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب
فى صبره ومصابرته ومرابطته ومجاهدته وانتظاره الفرج من ربه عز وجل صلوات
الله وسلامه عليه دائماً إلى يوم الدين . ولهذا قال تعالى الذين تقلقلوا ونضجروا
وتزلزلوا واضطربوا فى أمرهم يوم الأحزاب ( لقد كان لكم فى رسول الله أسوة
حسنة) أى هلا اتحديتم به وتأسيتم بشمائله صلى الله عليه وسلم، انتهى.
وقال الله تعالى: ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم
لا يجدوا فى أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما ) قال الحافظ ابن كثير
فى تفسيره : يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم

- ٤٦ -
الرسول صلى الله عليه وسلم فى جميع الأمور ، فما حكم به فهو الحق الذى يجب
الانقياد له باطناً وظاهراً ، ولهذا قال لا يجدوا فى أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا
تسلما . أى إذا حكموك يطيعونك فى بواطنهم فلا يجدوا فى أنفسهم حرجاً مما
حكمت به وينقادون له فى الظاهر والباطن فيسلموا لذلك تسايما كلياً من غير
ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة كما ورد فى الحديث: ((والذي نفسي بيده لا يؤمن
أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به )) انتهى . وقال الرازى فى تفسيره
الكبير : ظاهر الآية يدل على أنه لا يجوز تخصيص النص بالقياس لأنه يدل
على أنه يجب متابعة قوله وحكمه على الإطلاق ، وأنه لا يجوز العدول منه إلى
غيره، ومثل هذه المبالغة المذكورة فى هذه الآية قلما يوجد فى شىء من التكاليف
وذلك يوجد تقديم عموم القرآن والخبر على حكم القياس وقوله ( ثم لا يجدوا إلى
آخره) مشعر بذلك، لأنه متى خطر بباله قياس يفضى إلى نقيض مدلول النص
فهناك يحصل الحرج فى النفس، فبين تعالى أنه لا يكمل إيمانه إلا بعد أن لا يلتفت
إلى ذلك الحرج ويسلم النص تسليما كلياً انتهى . والآيات فى هذا المعنى كثيرة.
وفيما ذكرنا كفاية لمن له دراية .
الفضيْل السادسمن
فى أن حملة العلم فى الإسلام أكثرم العجم
وذلك من الغريب الواقع ، لأن علماء الملة الإسلامية فى العلوم الشرعية
والعقلية أكثرهم العجم إلا فى القليل النادر ، وإن كان منهم العربى فى نسبته
فهو أعجبى فى لغته. والسبب فى ذلك أن الملة فى أولها لم يكن فيها علم ولا صناعة
لمقتضى أحوال البداوة وإنما أحكام الشريعة كان الرجال ينقلونها فى صدورهم
وقد عرفوا مأخذها من الكتاب والسنة بما تلقوه من صاحب الشرع وأصحابه
والقوم يومئذ عرب لم يعرفوا أمر التعليم والتدوين ولا دعتهم إليه حاجة إلى

- ٤٧ -
آخر عصر التابعين كما سبق وكانوا يسمون المختصين بحمل ذلك ونقله القراء،
فهم قراء كتاب الله سبحانه وتعالى والسنة المأثورة التى هى فى غالب موارده
تفسير له وشرح .
فلما بعد النقل من لدن دولة الرشيد احتيج إلى وضع التفاسير القرآنية
وتقييد الحديث مخافة ضياعه، ثم احتيج إلى معرفة الأسانيد وتعديل الرواة .
ثم كثر استخراج أحكام الواقعات من الكتاب والسنة وفد مع ذلك اللسان،
فاحتيج إلى وضع القوانين النحوية ، وصارت العلوم الشرعية كلها ملكات
فى الاستنباط والتنظير والقياس واحتاجت إلى علوم أخرى هى وسائل لها،
كقوانين العربية وقوانين الاستنباط والقياس ، والذب عن العقائد بالأدلة ،
فصارت هذه الأمور كلها علوماً محتاجة إلى التعليم ، فاندرجت فى جملة الصنائع
والعرب أبعد الناس عنها. فصارت العلوم لذلك حضرية والحضر هم العجم أو من
فى معناهم ، لأن أهل الحواضر تبع للعجم فى الحضارة وأحوالها من الصنائع
والحرف لأنهم أقوم على ذلك للحضارة الراسخة فيهم منذ دولة الفرس .
فكان صاحب صناعة النحو سيبويه والفارسى والزجاج كلهم معحجم فى
أنسابهم ، اكتسبوا اللسان العربى بمخالطة العرب وصيروه قوانين لمن بعدهم.
وكذلك حملة الحديث وحفاظه أكثرهم معحجم أو مستعجمون باللغة . وكان علماء
أصول الفقه كلهم عجباً، وكذلك حملة أهل الكلام وأكثر المفسرين، ولم يقم
يحفظ العلم وتدوينه إلا الأعاجم.
وأما العرب الذين أدركوا هذه الحضارة وخرجوا إليها عن البداوة فشغلتهم
الرياسة فى الدولة العباسية ، وما دفعوا إليه من القيام بالملك عن القيام بالعلم ، مع
ما يلحقهم من الأنفة عن انتحال العلم لكونه من جملة الصنائع، والرؤساء
يستنكفون عن الصنائع، وأما العلوم العقلية فلم تظهر فى الملة إلا بعد أن تميز حملة

- ٤٨ -
العلم ومؤلفوه، واستقر العلم كله صناعة فاختصت بالعجم وتركها العرب فلم يحملها
إلا المستعربون من العجم كذا فى كشف الظنون .
وقال الحافظ ابن الصلاح فى مقدمته ص ١٩٩: روينا عن الزهرى قال :
قدمت على عبد الملك بن مروان فقال من أين قدمت يا زهرى ؟ قلت : من
مكة . قال فمن خلفت بها يسود أهلها ؟ قلت : عطاء بن أبي رباح . قال : فمن
العرب أم من الموالى ؟ قال قلت: من الموالى. قال وبم سادهم ؟ قلت بالديانة
والرواية . قال: إن أهل الديانة والرواية لينبغى أن يسودوا . قال فمن يسود
أهل اليمن ؟ قال قلت : طاؤس بن كيسان، قال : فمن العرب أم من الموالى!
قال قلت : من الموالى ، قال: وبم سادهم؟ قلت : بما سادهم به عطاء ، قال إنه
لینبغی ، قال فمن یسود أهل مصر ؟ قال قلت یزید بن أبى حبيب ؟ قال: فمن
العرب أم من الموالى؟ قال قلت: من الموالى ، قال فمن يسود أهل الشام ؟ قال
قلت : مكحول . قال : فمن العرب أم من الموالى ؟ قال قلت : من الموالى عبد
نوبى أعتقته امرأةً من هذيل، قال فمن يسود أهل الجزيرة ؟ قلت ميمون بن
مهران؟ قال : فمن العرب أم من الموالى ؟ قال قلت : من الموالى ، قال فمن يسود
أهل خراسان؟ قال قلت: الضحاك بن مزاحم . قال : فمن العرب أم من الموالى؟
قال قلت : من الموالى . قال فمن يسود أهل البصرة؟ قال قلت : الحسن بن
أبى الحسن . قال: فمن العرب أم من الموالى ؟ قال قلت من الموالى، قال : فمن
يسود أهل الكوفة؟ قال قلت إبراهيم النخعى . قال من العرب أم من الموالى
قال قلت : من العرب ، قال : ويلك يا زهرى فرجت عنى ؛ والله ليسودن
الموالى على العرب حتى يخطب لها على المنابر والعرب تحتها ، قال قلت : يا أمير
المؤمنين إذاً هو أمر الله ودينه ، من حفظه ساد ، ومن ضيعه سقط .
وفيما نرويه عن عبد الله بن زيد بن أسلم قال: لما مات العبادلة صار الفقه
فى جميع الموالى إلا المدينة فإن الله حصنها بقرشى، فكان فقيه أهل المدينة سعيد

- ٤٩ -
ابن المسيب غير مدافع. قلت : وفى هذا بعض الميل ، فقد كان حينئذ من العرب
غير ابن المسيب فقهاء أئمة مشاهير ، منهم الشعبى والنخعى وجميع الفقهاء السبعة
الذين منهم ابن المسيب عرف إلا سليمان بن يسار والله أعلم، انتهى .
الفصل السيّابع
فى شيوع علم الحديث فى أرض الهند
قال صاحب الحطة ص ٧٠ اعلم أن الهند لم يكن بها علم الحديث منذ فتحها
أهل الإسلام ، بل كان غريباً كالكبريت الأحمر ، وعديماً كعنقاء مغرب فى
الخبر، وإنما صناعة أهلها من قديم العهد والزمان فنون الفلسفة وحكمة اليونان ،
والإضراب عن علوم السنة والقرآن إلا ما يذكر من الفقه على القلة. ولذلك
تراهم إلى الآن عارين عن ذلك متحلين بما هنالك . وعمدة بضاعتهم اليوم فى
الفقه الحنفى على طريق التقليد دون التحقيق إلا ماشاء الله تعالى فى أفراد منهم .
ولأجل هذا يتوارثه أولهم عن آخرهم ، ويتناقله كابرهم عن كابرهم، حتى كثرت
فيهم الفتاوى والروايات ، وعمت البلوى بتعامل هذه التقليدات ، وتركت
النصوص المحكمات ، وجرت سنن سيد البريات ، ورفض عرض الفقه على
الحديث وتطبيق المجتهدات بالسنن ، ودرج على ذلك زمان كثير حتى منّ الله
تعالى على الهند إفاضة هذا العلم على بعض علمائها ، كالشيخ عبد الحق بن سيف الدين
الترك الدهلوى المتوفى سنة اثنتين وخمسين وألف وأمثالهم وهو أول من جاء به
فى هذا الإقليم ، وأفاضه على سكانه فى أحسن تقويم ، ثم تصدى له ولده الشيخ
نور الحق المتوفى سنة ثلاث وسبعين وألف ، وكذلك بعض تلامذته على القلة
ومن سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها ، كما اتفق عليه أهل الملة .
وتحديث هؤلاء أهل الصلاح وإن كان على طريق الفقهاء المقلدة الصراح
(٤ - مقدمة تحفة الأحوذي - ١ )

- ٥٠ -
دون المحدثين المبرزين المتبعين الأقحاح ، ولكن مع ذلك لا يخلو عن كثير
فائدة فى الدين ، وعظيم عائدة بالمسلمين، جزاهم الله تعالى عن المسلمين خير الجزاء ،
وأفاض عليهم رحمته السحاء.
ثم جاء الله سبحانه وتعالى من بعدهم بالشيخ الأجل والمحدث الأكمل ناطق هذه.
الدورة وحكيمها ، وفائق تلك الطبقة وزعيمها ، الشيخ ولى الله بن عبد الرحيم
الدهلوى المتوفى سنة ست وسبعين ومائة وألف وكذا بأولاده الأمجاد، وأولاد
أولاده أولى الإرشاد ، المشمرين لنشر هذا العلم عن ساق الجد والاجتهاد، فعاد
بهم علم الحديث غضاً طرياً بعد ما كان شيئاً فريا. وقد نفع الله بهم وبعلومهم
كثيراً من عباده المؤمنين ، ونفى بسعيهم المشكور من فتن الإشراك والبدع
ومحدثات الأمور فى الدين ماليس بخاف على أحد من العالمين . فهؤلاء الكرام
قد رجَّحوا على السنة على غيرها من العلوم ، وجعلوا الفقه كالتابع له والمحكوم .
وجاء تحديثهم حيث يرتضيه أهل الرواية ، وببغيه أصحاب الدراية ، شهدت
بذلك کتبهم وفتاواهم، ونطقت به زبرهم ووصایاهم، ومن کان یرتاب فى ذلك
فليرجع إلى ما هنالك ، فعلى الهند وأهلها شكرهم ما دامت الهند وأهلها :
من زار بابك لم تبرح جوارحه تروى أحاديث ما أوليت من منن.
فالعين عن قرة والكف عن صلة والقلب عن جابر والسمع عن حسن.
انتهى . وجملة الكلام أن الشاه ولی الله المحدث الدهلوی رحمه الله تعالى ،.
غرس فى الهند شجرة علم الحديث، فاشتدت هذه الشجرة وتمكنت وطالت
أغصانها ، وعلت وتشعبت قضبانها ، وانتشرت حتى أحاطت البلاد والأمصار ،
وبلغت فروعها فى جميع النواحى والأقطار ، وتخرج بإفاضة علمه جماعة عظيمة
قاموا لنبشر علوم الدين وإشاعة السنة النبوية ، وظهر بسعيه طائفة كبيرة اجتهدوا
فى ترويج علوم الحديث وتبليغها ، منهم أبناؤه الكرام: الشيخ الأجل الشام

- ٥١ -
عبد العزيز ، والشيخ العلامة الشاه عبد الغنى ، والشيخ العلامة الشاه عبد القادر
والشيخ العلامة الشاه رفيع الدين . ومنهم الشيخ العلامة محمد معين صاحب
دراسات اللبيب، والعلامة القاضى ثناء الله صاحب التفسير المظهرى ، وغيرهم
ممن لا يحصى عددهم ، وكان كل واحد منهم إمام زمانه فى غزارة العلم وملازمة
التقوى ونهاية فى الورع والزهد رأساً فى التحقيق والإنقان قد أشرب فى قلوبهم
حب الحديث وانباعه .
وامتاز من بينهم الشيخ الأجل مسند الوقت الفقيه المفسر المحدث الشاه
عبد العزيز بمزيد الاعتناء بعلوم الحديث والقرآن وسبقهم ، وحين كان عمره
سبع عشرة سنة توفى والده المعظم فانتقل إليه وظيفة التدريس والافتاء والإرشاد
والهداية ، فأكب الناس عليه وصار مرجعهم فى مهمات الدين والعلوم الشرعية ،
فلازم التدريس والإرشاد إلى آخر عمره ودرس من سائر العلوم سيما الحديث
والتفسير فإنه أقبل عليهما بشراشره ومجامع قلبه ، واعتنى بترويجها بما
لا يستطاع بيانه ، فنشأ بإفاضته العلمية كثير من العلماء العباد، والفضلاء النقاد،
والجهابذة أولى الإصلاح والإرشاد ؛ منهم المجاهد الكبير والبطل الجليل السيد
العلامة الشاه محمد إسماعيل الشهيد ابن الشاه عبد الغنى وابن بنته المحدث البارع
فى الآفاق ، الشاه محمد إسحاق الدهلوى المهاجر المكى ، والشاه مخصوص الله
ابن الشاه رفيع الدين، والشاء عبد الحى البدهانوى ، والشيخ حسن على الهاشمى
اللكنوى وغيرهم، واختص من بينهم بكثرة العبادة والرياضة ومزيد الورع
والتقوى، والتبحر فى العلم والفضل ، والسعى فى الإصلاح والإرشاد وحسن
الإفادة والإفاضة ابن بنته الكريمة الشيخ العلامة الشهير فى الآفاق الشاه محمد
إسحاق المذكور ، جلس بعده مجلسه ، وأفاد الناس بعلومه ، وانتهت إليه رياسة
الحديث فى عصره، وتخرجت عليه جماعة كبيرة منهم الشيخ الأجل مسند الوقت
السيد محمد نذير حسين الدهاوى ، والشيخ المحدث عبد الغنى بن أبى سعيد

- ٥٢ -
المجددى الدهلوى ثم المدنى ، والنواب قطب الدين مؤلف مظاهر حق ، والشاه
فضل رحمن المراد أبادى ، والشيخ العلامة المحقق محمد بن ناصر الحازمى وغيرهم،
ثم إنه هاجر إلى مكة المكرمة واستخلف مَنْ هو فرد زمانه وقطب أوانه رحلة
الآفاق ، شيخ العرب والعجم بالاتفاق ، المجدد على رأس المائة الثالثة عشر أعنى
المحدث المفسر الفقيه شيخنا الأجل السيد محمد نذير حسين الدهلوى فى إشاعة
العلوم الحديثية، فولى التدريس والإفادة والإفتاء والوعظ والتذكير ، ودرس
الكتب من جميع العلوم المتداولة ثنتي عشر سنة. ثم غلب عليه حب تدريس
القرآن والحديث ، فترك اشتغاله بما سواهما إلا الفقه ، فاشتغل بتدريس هذه العلوم
الثلاثة إلى آخر عمره أى من سنة سبعين بعد الألف والمائتين إلى سنة عشرين
بعد الألف وثلثمائة ، فجميع مدة اشتغاله بتدريس هذه العلوم الثلاثة اثنتان وستون
سنة، أفاد شيخنا بعلومه ونفع بإفاضاته خلقاً كثيراً لا يحصى عددهم ، فأنارت
بأنوار فيوضه البلاد ، وأضاءت بأضواء علومه الأمصار، انتشر تلامذته فى جميع
أقطاع الأرض من الهند والعرب وغيرها ، فليس من بلدة ولا قرية إلا وقد بلغ
بها نفحاته المسكية، ووصل إليها فوحاته العلمية ، سيقت إليه المطايا وشدت نحوه
الرحال ليقتبس من أنوار معرفته ، ويغترف من بخار علومه ، ويتلقى من مكارم
أخلاقه وشمائله، ويستمسك بمحاسن آدابه وفضائله . فله على رقاب الناس منن
عظيمة ، وأيادى جسيمة ، أفنى عمره العزيز فى إشاعة الدين ، وصرف متاعه وماله
فى نشر العلوم الدينية، وترويج السنن السنية، لم يوجد مثله فى زمانه، ولا بعده
فى علمه وفضله، وخلقه وحلمه ، وجوده وتواضعه، وكرمه وعفوه، كثرة عبادته
لربه ، وخشيته له واتقائه ، وورعه وزهده، وجميع الخصائل الحميدة ، والشيم
المرضية والصفات الجميلة والسمات الحسنة ، وصنف تصانيف مفيدة تشهد له بطول
الباع فى العلوم والاطلاع على الكتب ، وتدل على تبحره وسعة نظره وكثرة
مطالعته وجودة حفظه ، ودقة فهمه وإصابة فكره ، حصل له من الشرف

- ٥٣ -
والفضل مالم يحصل لأحد ممن عاصره ، وبلغ من العلى والرفعة مالم يبلغ غيره
من معاصريه .
وممن سعى فى نشر علوم الحديث فى الهند واجتهد فى إشاعة السنن النبوية
وإحياتها وبذل مجهوده لإعلاء الدين المستقيم، وأفرغ جهده لإمانة المحدثات
والمنكرات شيخنا المحدث المفسر الفقيه ، آية الله فى الأرض ، الشيخ حسين بن
محسن الأنصارى الخزرجى السعدى اليمانى ، فإنه لما فرغ من تحصيل العلوم فى
بلاد اليمن جلس مجلس الإفادة فدرس وأفاض بركانه على بلاد العرب، ثم ار تحل
فى حياة الرئيسة المكرمة النواب سكندربيكم إلى بوفال عند أخيه العلامة
زين العابدين قاضى بوفال، ولقى الرئيسة المذكورة ، فأكرمت نزله وفوضت
إليه دار الحديث وأمرته بتدريس علوم الحديث. فانتفع به جمع كثير من علماء
تلك البلدة وغيرها ، وانتشر صيته فى بلاد الهند ، وطار ذكره فى أقطارها ، ورحل
إليه طلبة الحديث من كل ناحية وتلمذ له جماعة من العلماء المشهورين بالفضل
والكمال من لا يمكن حصرهم ، ثم بعد سنة أو سنتين من قدومه استأذن الرئيسة
المذكورة فى الرجوع إلى بلدة الحديدة فأذنت له فرجع إلى وطنه ، ولما توفيت
الرئيسة وتولت الحكومة بنتها الرئيسة شامجهاربيكم، وتزوجت بالسيد العلامة
صديق حسن القنوجى ، استدعت من شيخنا أن يتحول بأهله ويتخذها
كالوطن ، فأجاب بدعوتها، ونزل بوفال واستوطنها ، ولم يزل محطً للطلاب
ومنهلا صافياً يرده الرواد، ويفتالون إليه من كل صوب وناحية ، إلى أن توفاه
الله تعالى سنة سبع وعشرين بعد الألف وثلثمائة ، رحمه الله تعالى.
٦

- ٥٤ -
الفصل الثامن
الناس فى تصانيفهم التى جمعوها مختلفو الأغراض ، فمنهم من قصر همته
على تدوين الحديث مطلقاً ليحفظ لفظه وليستنبط له الحكم كما فعله عبيد الله بن
موسى العبسى ، وأبو داود الطيالسى، وغيرهما من أئمة الحديث أولاً. وثانياً
الإمام أحمد بن حنبل ومن بعده ، فإنهم أثبتوا الأحاديث فى مسانيد رواتها ،
فيذ كرون مسند أبى بكر الصديق مثلاً ، ويثبتون فيه كل ماروى عنه ، ثم
يذكرون بعده الصحابة واحداً بعد واحد على هذا النسق .
ومنهم من يثبت الأحاديث فى الأماكن التى هى دليل عليها ، فيضعون
لكل حديث باباً يختص به ، فإن كان فى معنى الصلاة ذكروا فى باب الصلاة،
وإن كان فى معنى الزكاة ذكروه فى باب الزكاة ، كما فعله مالك بن أنس فى الموطأ
إلا أنه لقلة ما فيه من الأحاديث قلت أبوابه ، ثم اقتدى به من بعده. فلما انتهى
الأمر إلى زمن البخارى ومسلم ، وكثرت الأحاديث المودعة فى كتابيهما ،
كثرت أبوابهما ، واقتدى بهما من جاء بعدهما.
وهذا النوع أسهل مطلباً من الأول لوجهين :
الأول : أن الإنسان قد يعرف المعنى الذى يطلب الحديث لأجله، وإن لم
يعرف راويه ولا فى مسند من هو ، بل ربما لا يحتاج إلى معرفة راويه .
والوجه الثانى: أن الحديث ...... إذا ورد فى كتاب الصلاة على الناظر
فيه أن هذا الحديث ، هو دليل هذا الحكم من أحكام الصلاة ، فلا يحتاج
أن يتفكر فيه .
ومنهم من استخرج أحاديث تتضمن ألفاظاً لغوية ومعانى مشكلة فوضع
لما كتاباً على حدة على شرح الحديث وشرح غريبه، وإعرابه ومعناه، ولم

1
- ٥٥ -
يتعرض لذكر الأحكام ، كما فعله أبو عبيد القاسم بن سلام ، وعبد الله بن مسلم
ابن قتيبة وغيرهما .
ومنهم من أضاف إلى هذا ذكر الأحكام وآراء الفقهاء ، مثل أبى سلمان
أحمد بن محمد الخطابى وغيرهم .
ومنهم من قصد ذكر الغريب دون متن الحديث واستخرج الكلمات الغريبة
ودونها، كما فعله أبو عبيد أحمد بن محمد الهروى وغيره.
ومنهم من قصد إلى استخراج أحاديث تتضمن ترغيباً وترهيباً ، وأحاديث
تتضمن أحكاماً شرعية ، فدونها وأخرج متونها وحدها، كما فعله أبو محمد الحسين
ابن مسعود البغوى فى كتاب المصابيح .
وغير هؤلاء المذكورين من أئمة الحديث لو رمنا أن نستقصى ذكر كتبهم
واختلاف أغراضهم ومقاصدهم فى تصانيفهم ، طال الخطب ولم ينته إلى حد .
الفصل التاسع
فى بيان طبقات كتب الحديث
اعلم أنه لاسبيل لنا إلى معرفة الشرائع والأحكام إلا خبر النبى صلى الله عليه
وسلم بخلاف المصالح فإنها قد تدرك بالتجربة والنظر الصادق والحدس ونحوذلك،
ولاسبيل لنا إلى معرفة أخباره صلى الله عليه وسلم إلا تلقى الروايات المنتهية إليه
بالاتصال والعنعنة ، سواء كانت من لفظه صلى الله عليه وسلم ، أو كانت أحاديث
موقوفة قد محت الرواية بها عن جماعة من الصحابة والتابعين ، بحيث يبعد
إقدامهم على الجزم بمثله لولا النص أو الإشارة من الشارع ؛ فمثل ذلك رواية
-عنه صلى الله عليه وسلم دلالة ، وتلقى تلك الروايات لاسبيل إليه فى يومنا هذا
إلا تتبع الكتب المدونة فى علم الحديث ، فإنه لايوجد اليوم رواية يعتمد عليها
غير مدونة .

- ٥٦ -
وكتب الحديث على طبقات مختلفة ومنازل متباينة، فوجب الاعتناء بمعرفة
طبقات كتب الحديث ؛ فنقول هى باعتبار الصحة والشهرة على أربع طبقات ،
وذلك لأن أعلى أقسام الحديث ما ثبت بالتواتر ، وأجمعت الأمة على قبوله
والعمل به ، ثم ما استفاض من طرق متعددة لا يبقى معها شبهة يعتد بها ، واتفق
على العمل به جمهور فقهاء الأمصار، أو لم يختلف فيه علماء الحرمين خاصة ، فإن
الحرمين محل الخلفاء الراشدين فى القرون الأولى ، ومحط رحال العلماء طبقة بعد
طبقة ، يبعد أن يسلموا منهم الخطأ الظاهر، أو كان قولا مشهوراً معمولاً به
فى قطر عظيم مروياً عن جماعة عظيمة من الصحابة والتابعين ، ثم ماصح أو حسن
سنده وشهد به علماء الحديث ولم يكن قولا متروكا لم يذهب إليه أحد من الأمة.
أما ما كان ضعيفاً موضوعاً أو منقطعاً أو مقلوباً فى سنده أو متنه، أو من
رواية المجاهيل، أو مخالفاً لم أجمع عليه السلف طبقة بعد طبقة، فلا سبيل إلى
القول به . فالصحة أن يشترط مؤلف الكتاب على نفسه إيراد ماصح أو حسن
غير مقلوب ولا شاذ ولا ضعيف إلا مع بيان حاله ، فإن إيراد الضعيف مع بيان
حاله لا يقدح فى الكتاب، والشهرة أن تكون الأحاديث المذكورة فيها دائرة
على ألسنة المحدثين قبل تدوينها وبعد تدوينها ، فيكون أئمة الحديث قبل المؤلف
رووها بطرق شتى، وأوردوها فى مسانيدهم ومجاميعهم، وبعد المؤلف اشتغلوا
برواية الكتاب وحفظه وكشف مشكله، وشرح غريبه وبيان إعرابه، وتخريج
طرق أحاديثه واستنباط فقهها، والفحص عن أحوال رواتها طبقة بعد طبقة إلى
يومنا هذا، حتى لا يبقى شىء مما يتعاق به غير مبحوث عنه إلا ماشاء الله.
ويكون نقاد الحديث قبل المصنف وبعده وافقوه فى القول بها وحكموا بصحتها ،
وارتضوا رأى المصنف فيها، وتلقوا كتابه بالمدح والثناء. ويكون أئمة الفقه
لا يزالون يستنبطون عنها ، ويعتمدون عليها ويعتنون بها . ويكون العامة لا يخلون
عن اعتقادها وتعظيمها .

- ٥٧ -
وبالجملة فإذا اجتمعت هاتان الخصلتان كملا فى كتاب كان من الطبقة الأولى
ثم وثم ، وإن فقدنا رأساً لم يكن له اعتبار، وما كان أعلى حد فى الطبقة الأولى
فإنه يصل إلى حد التواتر، ومادون ذلك يصل إلى الاستفاضة، ثم إلى الصحة
القطعية ، أعنى القطع المأخوذ فى علم الحديث المفيد للعمل . والطبقة الثانية إلى
الاستفاضة أو الصحة القطعية أو الظنية. وهكذا ينزل الأمر . فالطبقة الأولى
منحصرة بالاستقراء فى ثلاثة كتب : الموطأ وصحيح البخارى ومصحيح مسلم .
قال الشافعى: أصح الكتب بعد كتاب الله موطأ مالك . واتفق أهل الحديث
على أن جميع مافيه صحيح على رأى مالك ومن وافقه، وأما على رأى غيره فليس
فيه مرسل ولا منقطع إلا قد اتصل السند به من طرق أخرى ، فلا جرم أنها
صحيحة من هذا الوجه .
وقد صنف فى زمان مالك موطآت كثيرة فى تخريج أحاديثه ووصل منقطعه
مثل كتاب ابن أبى ذئب وابن عيينة والثورى ومعمر وغيرهم ممن شارك مالكاً
فى الشيوخ، وقد رواه عن مالك بغير واسطة أكثر من ألف رجل ، وقد
ضرب الناس فیه أ کباد الإبل إلى مالك من أقاصى البلاد کما كان النبى صلى الله
عليه وسلم ذكره فى حديثه . فمنهم المبرزون من الفقهاء كالشافعى ومحمد بن الحسن
وابن وهب وابن القاسم . ومنهم تحارير المحدثين، كيحيى بن سعيد القطان
وعبد الرحمن بن مهدى وعبد الرزاق . ومنهم الملوك والأمراء ، کالرشيد وابنيه،
وقد اشتهر فى عصره حتى بلغ على جميع ديار الإسلام. ثم لم يأت زمان إلا هو
أكثرله شهرة وأقوى به عناية ، وعليه بنى فقهاء الأمصار مذاهبهم حتى أهل
العراق فى بعض أمرهم.
ولم يزل العلماء يخرجون أحاديثه ويذكرون مقاماته وشواهده، ويشرحون
غريبه ، ويضبطون مشكله، ويبحثون عن فقهه، ويفتشون عن رجاله ، إلى
غاية ليس بعدها غاية ، وإن شئت الحق الصراح ، فقس كتاب الموطأ بكتاب
1

- ٥٨ -
الآثار لمحمد ، والأمالى لأبى یوسف ، تجد بينه وبينهما بعد المشرقين ، فهل
سمعت أحداً من المحدثين والفقهاء تعرض لهما واعتنى بهما .
أما الصحيحان : فقد اتفق المحدثون على أن جميع ما فيها من المتصل المرفوع
صحيح بالقطع، وأنهما متواتران إلى مصنفيهما ، وأنه كل من يهون أمرهما فهو
مبتدع متبع غير سبيل المؤمن ، وإن شئت الحق الصراح فقسهما بكتاب ابن
أبى شيبه، وكتاب الطحاوى ومسند الخوارزمى وغيرهما ، نجد بينها وبينهما
بعد المشرقين .
وقد استدرك الحاكم عليهما أحاديث هى على شرطهما ولم يذكراها ، وقد
تتبعت ما استدركه فوجدته قد أصاب من وجه ولم يصب من وجه ، وذلك
لأنه وجد أحاديث مروية عن رجال الشيخين بشرطهما فى الصحة والاتصال ،
فاتجه استدراكه عليهما من هذا الوجه؛ ولكن الشيخين لا يذكران إلا حديثاً
قد تناظر فيه مشائخهما، وأجمعوا على القول به والنصحيح له ، كما أشار مسلم حيث
قال : لم أذكرههنا إلا ما أجمعوا عليه .
وجل ما تفرد به المستدرك كالموكأ عليه ، المخفى مكانه فى زمن مشائخهما ،
وإن اشتهر أمره من بعد أو ما اختلف المحدثون فی رجاله ، فالشيخان أساتذتها
كانا يعتنيان بالبحث عن خصوص الأحاديث فى الوصل والانقطاع وغير ذلك،
حتى يتضح الحال . والحاكم يعتمد فى الأكثر على قواعد مخرجة من صنائعهم
كقوله زيادة الثقات مقبولة، وإذا اختلف الناس فى الوصل والإرسال والوقف
والرفع وغير ذلك ، فالذى حفظ الزيادة حجة على من لم يحفظ ، والحق أنه
كثيراً ما يدخل الخلل فى الحفاظ من قبل الموقوف ووصل المنقطع لاسيما عند
رغبتهم فى المتصل المرفوع وتنويههم به . فالشيخان لا يقولان بكثير مما يقوله
الحاكم، والله أعلم. وهذه الكتب الثلاثة التى اعتنى القاضى عياض فى المشارق
بضبط مشكلها ورد تصحيفها .

- ٥٩ -
الطبقة الثانية : كتب لم تبلغ مبلغ الموطأ والصحيحين ، ولكنها تتلوها .
كان مصنفوها معروفين بالوثوق والعدالة والحفظ والتبحر فى فنون الحديث ولم
يرضوا فى كتبهم هذه بالتساهل فيما اشترطوا على أنفسهم ، فتلقاها من بعدهم
بالقبول ، واعتنى بها المحدثون والفقهاء طبقة بعد طبقة ، واشتهرت فيما بين
الناس، وتعلق بها القوم، شرحاً لغريبها، وفحصاً عن رجالها، واستقباطاً
لفقهها ؛ وعلى تلك الأحاديث بناء عامة العلوم كسنن أبي داود وجامع الترمذى
ومحتى النسائى .
وهذه الكتب مع الطبقة الأولى اعتنى بأحاديثها رزین فی مجريد الصحاح،
وابن الأثير فى جامع الأصول وكاد مسند أحمد يكون من جملة هذه الطبقة ، فإن
الإمام أحمد جعله أصلا يعرف به الصحيح والسقيم ، قال: ماليس فيه فلا تقبلوه.
والطبقة الثالثة : مسانيد وجوامع ومصنفات صنفت قبل البخارى ومسلم ،
وفى زمانهما وبعدها ، جمعت بين الصحيح والحسن والضعيف ، والمعروف
والغريب، والشاذ والمنكر، والخطأ والصواب، والثابت والمقلوب. ولم تشتهر
فى العلماء ذلك الاشتهار وإن زال عنها اسم النكارة المطلقة ، ولم يتداول ما تفردت
به الفقهاء كثير تداول ، ولم يفحص عن صحتها وسقمها المحدثون كثير خص.
ومنه مالم يخدمه لغوى لشرح غريب ولافقيه بتطبيقه بمذاهب السلف، ولامحدث
بيبان مشكله ، ولا مؤرخ بذكر أسماء رجاله ، ولا أريد المتأخرين المتعمقين وإنما
کل می فى الأمة المتقدمين من أهل الحديث، فهى باقية على استتارها واختفائها
وخمولها ، كمسند أبى على، ومصنف عبد الرزاق ، ومصنف أبى بكر بن أبى شيبة ،
ومسند عبد بن حميد ، والطيالسى ، وكتب البيهقى والطحاوى والطبرانى، وكان
قصده جمع ماوجدوه لا تلخيصه وتهذيبه وتقريبه من العمل .
والطبقة الرابعة : كتب قصد مصنفوها بعد قرون متطاولة جمع ما لم يوجد
فى الطبقتين الأوليين وكانت فى المجاميع والمسانيد المختفية فنوهوا بأمرها وكانت
على ألسنة من لم يكتب حديثه المحدثون ، ككثير من الوعاظ المتشدقين ، وأهل

- ٦٠ -
الأهواء والضعفاء أو كانت من آثار الصحابة والتابعين أو من أخبار بنى إسرائيل
أو من كلام الحكماء والوعاظ ، خلطها الرواة بحديث النبي صلى الله عليه وسلم
سهواً أو عمداً ، أو كانت من محتملات القرآن والحديث الصحيح فرواها بالمعنى
قوم صالحون لا يعرفون غوامض الرواية فجعلوا المعالى أحاديث مرفوعة أو كانت
معانى مفهومة من إشارات الكتاب والسنة جعلوها أحاديث مستبدة برأسها
عمداً أو كانت جملا شتى فى أحاديث مختلفة جعلوها حديثاً واحداً نسق واحد.
ومظنة هذه الأحاديث كتاب الضعفاء لابن حبان ، وكامل ابن عدى ، وكتب
الخطيب وأبى نعيم والجوزقانى وابن عساكر وابن النجار ولديلى، وكاد مسند
الخوارزمى يكون من هذه الطبقة. وأصاح هذه الطبقة ما كان ضعيفاً محتملا،
وأسوؤها ما كان موضوعاً أو مقلوباً شديد الفكارة . وهذه الطبقة مادة كتاب
الموضوعات لابن الجوزى.
ههنا طبقة خامسة : منها ما اشتهر على ألسنة الفقهاء والصوفية والمؤرخين
ونحوهم وليس له أصل فى هذه الطبقات الأربع ، ومنها ما دسه الماجن فى دينه،
العالم بلسانه . فأتى بإسناد قوى لا يمكن الجرح فيه، وكلام بليغ لا يبعد صدوره
عنه صلى الله عليه وسلم. فأثار فى الإسلام مصيبة عظيمة ، لكن الجهابذة من أهل
الحديث يوردون مثل ذلك على المتابعات والشواهد، فنهتك الأستار، ويظهر
العوار . أما الطبقة الأولى والثانية فعليهما اعتماد المحدثين وحوم حماهما من تفعهم
ومسرحهم . وأما الثالثة فلا يباشرها للعمل عليها والقول بها إلا النحارير والجهابذة
الذين يحفظون أسماء الرجال وعلل الأحاديث . نعم ربما يؤخذ منها المتابعات
والشواهد، وقد جعل الله لكل شىء قدراً . وأما الرابعة فالاشتغال بجمعها
أو الاستنباط منها نوع تعمق من المتأخرين ، وإن شئت الحق فطوائف المبتدعين
من الرافضة والمعتزلة وغيرهم ، يتمكنون بأدنى عناية أن يلخصوا منها شواهد
مذاهبهم. فالانتصار بها غير صحيح فى معارك العلماء بالحديث ، والله أعلى كذا
في جحة الله البالغة ص ١٠٥ للعلامة الشاء، لى الله.