Indexed OCR Text

Pages 21-40

- ٢١ -
أعرهم أذناً صماً إذا نطقوا وكن إذا سألوا تعزى إلى خرس
يجلو بنور هداه كل ملتبس
ما العلم إلا كتاب الله أو أثر
نور المقتبس خير لملتمس حى لمحترس نعمى لمبتئس
تمحو العمى بهما عن كل ملتمس
تغسل بماء الهدى مافيه من دنس
فاعكف ببابهما على طلابهما
ورد بقلبك عذباً من حياضهما
من هديهم أبداً تدنو إلى قبس
واقف النبى وأتباع النبى يكن
والزم مجالسهم واحفظ مجالسهم
واندب مدارسهم بالأربع الدرس
واسلك طريقهم والزم فريقهم تسكن رفيقهم فى حضرة القدس
تلك السعادة إن تلم بساحتها فحط رحلك قد عوفيت من تعس
وقال بعض الأعلام خمساً على هذه القصيدة :
إن كنت تطلب علماً جد ملتمس وحرت إذا غَمَّ عنك الرطبُ باليبس
فاسمع لنصح لبيب أى محترس
نور الحديث مبين فادن واقتبس واحد الركاب له نحو الرضى الندس
واقطع علائق منن تحصيله منعت تنظر شموس الهدى فى الأفق قد طلعت
وحُجْبَ غیّ ترى عن قلبك ارتفعت
فاطلبه بالصين فهو العلم إن رفعت أعلامه برُباها يا ابن أندلس
ولازم الدرس واغنم من فوائده لا تقنع الدهر من حلوى موائده
واشرب فديتُكُ عَلَاً من موارده
ولا تضع فى سوى تقييد شارده عمراً يفوتك بين اللحظ والنفس

- ٢٢ -.
دع الكلام فما فيه سوى الخطل واحذر مجالسه تُحفظ من العلل
فهو شر ابتداع جاء بالخلل
وخل سمعك عن بلوى أخى جدل شغل اللبيب بها ضرب من الهوس
*
*
الله يعلم كم قد سيق من ضرر للناس من أجله فى البدو والحضر
أقبِحْ بها بدعةً تدنى إلى الشرر
ما إن سمعت بأبى بكر ولا عمر ولا أتت عن أبى هى ولا أنس
وكم دماء غدت فى الناس مهرقة فهو الكلام بكسر ساء محرقة
فلا ترى فيه شمس الحق مشرقة
إلا هوَى وخصوماتٍ ملفقةً ليست برطب إذا عدت ولا يبس
*
وكتبه بين أهل العلم تستطر
داء كا جرب فى الناس منقشر
ذر بدعة عند أهل الحق تُحتقر
فلا يغرك من أربابها هذر أجدى وجدك منها نغمة الجرس
فأوا عن الحق بالأوهام وانطلقوا فى مهمهٍ بلقع ما فيه مرتفق
وجادلوا بأباطيل بها مرقوا
أُعِرْهم أذنا صماً إِذا نطقوا وكن إذا سألوا تُعزى إلى خرس
وابعد عن الرأى بُعداً يعدُك الخطر فهو السحابُ ولكن ما به مَطَر
الرأىُ أغصان سدر ما بها ثمر
ما العلم إلا كتاب الله أو أثر يجلو بنور سناه كل ملتبس

- ٢٣ -
إن الحديث زلال خير منبجس لم ينا عنه سوى ذى الفى والهوس
فاعمل به لا تكن عنه بمنحبس
نور لمقتبس خير لملتمس حتى لمحترس نُعمى لمبتئس
*
وإن الدين أصلين اعتنى بهما خير القرون وجِدُّوا فى الطَّلابهما
يا ويل من جرى على اجتنابهما
فاعكف بيابهما على طلابهما تمحو العمى بهما عن كل ملتمس
ولا تمكَّنَّ يوماً من عِراضهما
ودع فريقاً جروا على نقاضهما
وسَرِّح الطرف وارتع فی ریاضهما
ورِدْ بقلبك عذباً من حياضهما تغسل بماء الهدى ما فيه من دنس
لا تركننَّ لتقليدٍ بأىِّ زمن فذاك جهل عظيم فى الصدور كمن
إن المقلد بيت العنكبوت سكن
واقف النبى وأتباع النبى تكن من هديهم أبداً تدنو إلى قبس
*
شُدّ الرحال إليهم كى تجالسهم واحذر فديتك يوماً أن تعاكسهم
لا تحسُدَنْهم ولكن كن مُنافسهم
والزم مجالسهم واحفظ ◌ُجالسهم واندب مدارسهم بالأربع الدرس
وكن مجالسهم تشرب رحيقهم
واطلب مودتهم وكن صديقهم
وقرم كلهم واعرف حقوقهم
تكن رفيقهم فى حضرة القدس
واسلك طريقهم واتبع فريقهم

- ٢٤ -
هى الشريعة فانظر فى سماحتها كفيلة للنفوس باستراحتها
فى حظرها حكمة وفى إباحتها
تلك السعادة إن تلم بساحتها فحط رحلك قد عوفيت من تعس
وقال بعض علماء الهند :
وزال بفضل الله عنكم بلاؤكم
أيا علماء الهند طال بقاؤكم
رجوتم بعلم العقل فوز سعادة
فلا فى تصانيف الأثير هداية
ولا طلعت شمس الهدى من مطالع
ولا كان شرح الصدر للصدر شارحاً
وبازغة لاضوء فيها إذا بدت
وسلمكم مما يفيد تسفلا
فما علمكم يوم المعاد بنافع
أخذتم علوم الكفر شرعاً كأنما
من ختم فزدتم علة فوق علة.
مجاح حديث المصطفى وحسانه
وأخشى عليكم أن يخيب رجاؤكـ
ولا فى إشارات ابن سينا شفاؤك
فأوراقها ديجوركم لا ضياؤكم
بل ازداد منه فى الصدور صداؤكـ
وأظلم منها كالليالى ذكاؤكم
ليس به نحو العلى ارتقاؤكم
فيا ويلتى ماذا يكون جزاؤكم
فلاسفة اليونان هم أنبياؤكم
تداووا بعلم الشرع فهو دواؤكم
شفاء مجيب فليزل منه داؤكم
الفصل الثالث
فيما يتعلق بتدوين الحديث
اعلم علمنى الله وإياك أن أثار النبى صلى الله عليه وسلم لم تكن فى عصر
النبى صلى الله عليه وسلم وعصر أصحابه وتبعهم مدونة فى الجوامع ولا مرتبة لوجهين:
أحدهما : أنهم كانوا فى ابتداء الحال قد نهوا عن ذلك كما ثبت فى صحيح
مسلم خشية أن يختلط بعض ذلك بالقرآن العظيم .
والثانى: سعة حفظهم وسيلان أذهانهم ولأن أكثرهم كانوا لا يعرفون

- ٢٥ -
الكتابة ثم حدث فى أواخر عصر التابعين تدوين الآثار وتبويب الأخبار لما انتشر
العلماء بالأمصار ، وكثر الابتداع من الخوارج والروافض ومنكرى الأقدار .
فأول من جمع ذلك الربيع بن صبيح وسعيد بن أبى عروبة وغيرهما فكانوا
يصنفون كل باب على حدة إلى أن قام كبار أهل الطبقة الثالثة فى منتصف القرن
الثانى فدونوا الأحكام .
فصنف الإمام مالك الموطأ وتوخى فيه القوىَّ من حديث أهل الحجاز ،
ومزجه بأقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم .
وصنف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج بمكة ، وأبو عمرو
عبد الرحمن الأوزاعى بالشام ، وأبو عبد الله سفيان الثورى بالكوفة، وحماد بن
سلمة بن دينار بالبصرة ، وهشيم بواسط ، ومعمر باليمن ، وابن مبارك بخراسان ،
وجرير بن عبد الحميد بالرى . وكان هؤلاء فى عصر واحد فلايدرى أيهم سبق .
ثم تلام كثير من أهل عصرهم فى النسج على منوالهم إلى أن رأى بعض
الأئمة منهم أن يفرد حديث النبى صلى الله عليه وسلم خاصة وذلك على رأس
المائتين فصنفوا المسانيد ، فصنف عبيد الله بن موسى العبسى مسنداً، ثم صنف
نعيم بن حماد الخزاعى نزيل مصر مسنداً، ثم اقتفى الأئمة أثرهم فى ذلك . فقلّ
إمام من الحفاظ إلا وصنف حديثه فى المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل وإسحاق
ابن راهويه وعثمان بن أبى شيبة وغيرهم .
ومنهم من صنف على الأبواب والمسانيد معاً، كأبى بكر بن شيبة ، كذا
فى مقدمة فتح البارى . وقال الحافظ ابن الأثير الجزرى فى مقدمة جامع الأصول
لما انتشر الإسلام واتسعت البلاد وتفرقت الصحابة فى الأقطار وكثرت الفتوح
ومات معظم الصحابة وتفرق أصحابهم وأتباعهم وقل الضبط ، احتاج العلماء إلى
تدوين الحديث وتقييده بالكتابة ولعمرى إنها الأصل، فإن الخاطر يغفل والذهن
يغيب، والذكر يهمل والقلم يحفظ ولا ينسى . فانتهى الأمر إلى زمان جماعة

- ٢٦ -
من الأئمة مثل عبد الملك بن جريج، ومالك بن أنس وغيرهما ممن كان فى عصرها .
فدونوا الحدیث حتی قیل إن أول كتاب صنف فى الإسلام کتاب ابن جريج،
وقيل موطأ مالك . وقيل أول من صنف وبوب الربيع بن صبيح بالبصرة ، ثم
انتشر جمع الحديث وتدوينه وسطره فى الأجزاء والكتب، وكثر ذلك وعظم
نفعه إلى زمن الإمامين أبى عبد الله محمد بن إسماعيل البخارى وأبى الحسين مسلم
ابن الحجاج النيسابورى . فدونا كتابيهما وأثبتا من الأحاديث ماقطعا بصحته ،
وثبت عندها نقله وسميا كتابيهما الصحيح من الحديث ، وأطلقا هذا الاسم
عليهما. وهما أول من سمى كتابه بذلك ولقدصدقا فيما قالا وبراً فيما زعما، ولذلك
رزقهما الله حسن القبول فى شرق الأرض وغربها ، وبرها وبحرها ، والتصديق
لقولهما، والانقياد بسماع كتابيهما، وهو ظاهر مستغن عن البيان ، ثم ازداد
انتشار هذا النوع من التصنيف والجمع والتأليف وتفرقت أغراض الناس
وتنوعت مقاصدهم إلى أن انقرض ذلك العصر الذى كانا فيه ، وجماعة من العلماء
قد جمعوا وألفوا مثل أبی عیسی محمد بن عيسى الترمذى ، وأبى داود سليمان بن
الأشعث السجستانى، وأبى عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائى ، وغيرهم من
العلماء الذين لا يحصون. وكان ذلك العصر خلاصة العصور فى تحصيل هذا العلم
وإليه المنتهى. ثم من بعده نقص هذا الطلب وقل ذلك الحرص وفترت تلك
الهمم. وكذلك كل نوع من العلوم والصنائع والدول وغيرها ؛ فإنه يبتدى. قليلا
قليلا ولا يزال ينمى ويزيد ويعظم إلى أن يصل غاية هى منتهاه ، ويبلغ إلى أمد
أقصاه. فكان غاية هذا العلم إلى زمان البخارى ومسلم ومن كان فى عصرهما .
ثم نزل وتقاصر إلى زمامنا هذا ، وسيزداد تقاصر الهمم قصوراً انتهى .
وقال الحافظ الذهبى فى تذكرة الحفاظ بعدذكرالطبقة الرابعة من الحفاظ :
وفى عصر هذه الطبقة تحولت دولة الإسلام من بنى أمية إلى بنى العباس فى عام
اثنين وثلاثين ومائة ، فجرى بسبب ذلك التحول سيول من الدماء ، وذهب

- ٢٧ -
تحت السيف عالم لا يحصيهم إلا الله بخراسان والعراق والجزيرة والشام . وفعلت
العساكر الخراسانية الذين هم المسودة كل قبيح فلا حول ولاقوة إلا بالله. قال :
وفى هذا الزمان ظهر بالبصرة عمرو بن عبيد العابد ، وواصل بن عطاء الغزال
ودعوا الناس إلى الاعتزال والقول بالقدر . وظهر بخراسان الجهم بن صفوان
ودعا إلى تعطيل الرب عز وجل وخلق القرآن ، وظهر بخراسان فى قبالته مقاتل
ابن سليمان المفسر وبالغ فى إثبات الصفات حتى جسم . وقام على هؤلاء علماء
التابعين وأئمة السلف ، وحذروا من بدعهم وشرع ، الكبار فى تدوين السنن
وتأليف الفروع وتصنيف العربية ثم كثر ذلك فى أيام الرشيدوكثرت التصانيف
وأخذ حفظ العلماء ينقص ، فلما دونت الكتب اتكل عليها، وإنما كان قبل
ذلك على الصحابة والتابعين فى الصدور فهى كانت خزائن العلم لهم انتهى.
وقال صاحب الكشف : قال الحافظ ابن الأثير الجزرى فى جامع الأصول :
وأما مبدأ جمع الحديث وتأليفه وانتشاره ، فإنه لما كان من أصول الفروض
وجب الاعتناء به والاهتمام بضبطه وحفظه، ولذلك يسر الله سبحانه وتعالى للعلماء
الثقات الذين حفظوا قوانينه وأحاطوا فيه فتناقلوه كابراً عن كابر وأوصله كما سمعه
أول إلى آخر ، وحببه الله تعالى إليهم بمحكمة حفظ دينه وحراسة شريعته ؛ فما
زال هذا العلم من عهد الرسول عليه الصلاة والسلام أشرف العلوم وأجلها لدى
الصحابة والتابعين وتابعى التابعين خلفاً بعد سلف لا يشرف بينهم أحد بعد
حفظ كتاب الله سبحانه وتعالى إلا بقدر ما يحفظ منه ، ولا يعظم فى النفوس
إلا بحسب ما يسمع من الحديث عنه. فتوفرت الرغبات فيه ، فما زال لهم من
لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن انعطفت الهمم على تعلمه ، حتى لقد
كان أحدهم يرحل المراحل ، ويقطع الفيافى والمناوز ويجوب البلاد شرقاً وغرباً
فى طلب حديث واحد ليسمعه من راويه . فمنهم من يكون الباعث له على الرحلة
طلب ذلك الحديث لذاته ، ومنهم من يقرن بتلك الرغبة سماعه من ذلك الراوى

- ٢٨ -
بعينه ، إِما لثقته فى نفسه، وإما لعلو إسناده . فانبعثت العزائم إلى تحصيله ،
وكان اعتمادهم أولا على الحفظ والضبط فى القلوب غير ملتفتين إلى ما يكتبونه
محافظة على هذا العلم كفظهم كتاب الله سبحانه وتعالى .
فلما انتشر الإسلام واتسعت البلاد وتفرقت الصحابة فى الأقطار ، ومات
معظمهم ، وقل الضبط احتاج العلماء إلى تدوين الحديث وتقييده بالكتابة .
ولعمرى إنها الأصل فإن المخاطر يغفل والقلم يحفظ. فانتهى الأمر إلى زمن
جماعة من الأئمة مثل عبد الملك بن جريج، ومالك بن أنس وغيرها . فدونوا
الحدیث حتی قیل إن أول کتاب صنف فى الإسلام کتاب ابن جريج ، وقيل
موطأ مالك بن أنس ، وقيل إن أول من صنف وبوب الربيع بن صبيح بالبصرة
ثم انتشر جمع الحديث وتدوينه وتسطيره فى الأجزاء والكتب ، وكثر ذلك
وعظم نفعه إلى زمن الإمامين أبى عبد الله محمد بن إسماعيل البخارى وأبى الحسين
مسلم بن الحجاج النيسابورى ، فدونا فى كتابيهما من الأحاديث ماقطعا بصحته ،
وثبت عندهما نقله، وسميا الصحيحان من الحديث . ولقد صدقا فيما قالا والله
مجازيهما عليه ، ولذلك رزقهما الله تعالى حسن القبول شرقاً وغرباً .
ثم ازداد انتشار هذا النوع من التصنيف وكثر فى الأيدى ، وتفرقت
أغراض الناس وتنوعت مقاصدهم إلى أن انقرض ذلك العصر الذى قد اجتمعوا
واتفقوا فيه مثل أبى عيسى محمد بن عيسى الترمذى ، ومثل أبى داود سليمان
ابن الأشعث السجستانى، وأبى عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائى وغيرهم ،
فكان ذلك العصر خلاصة العصور فى تحصيل هذا العلم وإليه المنتهى .
ثم نقص ذلك الطلب وقل الحرص وفترت الهمم ، فكذلك كل نوع من
أنواع العلوم والصنايع والدول وغيرها فإنه يبتدئ* قليلا قليلا، ولايزال ينمو
ويزيد إلى أن يصل إلى غاية هى منتهاه ثم يعود.
وكانت غاية هذا العلم انتهت إلى البخارى ومسلم ومن كان فى عصرهما ،

- ٢٩ -
ثم نزل وتقاصر إلى ما شاء الله، ثم إن هذا العلم على شرفه وعلو منزلته كان
علماً عزيزاً مشكل اللفظ والمعنى . ولذلك كان الناس فى تصانيفهم مختلفى
الأغراض ، فمنهم من قصر همته على تدوين الحديث مطلقاً ليحفظ لفظه ويستنبط
منه الحكم كما فعله عبيد الله بن موسى الضبى وأبو داود الطيالسى وغيرهما أولا
وثانياً أحمد بن حنبل ومن بعده ، فإنهم أثبتوا الأحاديث من مسانيد رواتها
فيذكرون مسند أبى بكر الصديق رضى الله تعالى عنه ويثبتون فيه كل مارووه
عنه ، ثم يذكرون بعده الصحابة واحداً بعد واحد على هذا النسق . ومنهم من
يثبت الأحاديث فى الأماكن التى هى دليل عليها ، فيضعون لكل حديث باباً
يختص به ، فإن كان فى معنى الصلاة ذكروه فى باب الصلاة، وإن كان فى معنى
الزكاة ذكروه فيها كما فعل مالك فى الموطإ، إلا أنه لقلة ما فيه من الأحاديث قلت
أبوابه ، ثم اقتدى به من بعده ، فلما انتهى الأمر إلى زمن البخارى ومسلم وكثرت
الأحاديث المودعة فى كتابيهما كثرت أبوابهما واقتدى بهما من جاء بعدهما .
وهذا النوع أسهل مطلباً من الأول لأن الإنسان قد يعرف المعنى الذى يطلب
الحديث لأجله وإن لم يعرف راويه ، بل ربما لا يحتاج إلى معرفة راويه . فإذا
أراد حديثاً يتعلق بالصلاة طلبه من كتاب الصلاة ، لأن الحديث إذا أورد فى
كتاب الصلاة على الناظر أن ذلك الحديث هو دليل ذلك الحكم ، فلا يحتاج أن
يفكر فيه خلاف الأول . ومنهم من استخرج أحاديث تتضمن ألفاظاً لغوية
ومعانى مشكلة ، فوضع لها كتاباً قصره على ذكر متن الحديث وشرح غريبه
وإعرابه ومعناه، ولم يتعرض لذكر الأحكام كما فعل أبو عبيد القاسم بن سلام
وأبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة وغيرهما .
ومنهم من أضاف إلى هذا الاختيار ذكر الأحكام وآراء الفقهاء مثل
أبى سليمان أحمد بن محمد الخطابى فى معالم السنن وأعلام السنن وغيره من العلماء ،
ومنهم من قصد ذكر الغريب دون متن الحديث واستخراج الكلمات الغريبة

- ٢٠ -
ودونها ورتبها وشرحها كما فعل أبو عبيد أحمد بن محمد الهروى وغيره من العلماء
ومنهم من قصد إلى استخراج أحاديث تتضمن أحكاماً شرعية غير جامعة فدونها
وأخرج متونها وحدها كما فعله أبو محمد الحسين بن مسعود البغوى فى المصابيح
وغير هؤلاء . ولما كان أولئك الأعلام هم السابقون فيه لم يأت صنيعهم
على أكمل الأوضاع فإن غرضهم كان أولا حفظ الحديث مطاقاً وإثباته ودفع
الكذب عنه، والنظر فى طرقه وحفظ رجاله ،او تزكيتهم واعتبار أحوالهم
والتفتيش عن أمورهم ، حتى قدحوا وجرحوا وعدلوا وأخذوا وتركوا هذا بعد
الاحتياط والضبط والتدبر . فكان هذا مقصدهم الأكبر وغرضهم الأوفى .
ولم يتسع الزمان لهم والعمر لأكثر من هذا الغرض الأعم، والمهم الأعظم ،
ولا رأوا فى أيامهم أن يشتغلوا بغيره من لوازم هذا الفن التى هى كالتوابع ، بل
ولا يجوز لهم ذلك فإن الواجب أولا إثبات الذات ثم ترتيب الصفات . والأصل
إنما هو عين الحديث ثم ترتيبه وتحسين وضعه ، ففعلوا ما هو الغرض المتعين
واخترمتهم المنايا قبل الفراغ والتخلى لما فعله التابعون لهم والمقتدون بهم ؛ فتعبوا
لراحة من بعدهم . ثم جاء الخلف الصالح فأحبوا أن يظهروا تلك الفضيلة ويشيعوا
تلك العلوم التى أفنوا أعمارهم فى جمعها إما بإبداع ترتيب أو بزيادة تهذيب، أو
اختصار وتقريب أو استنباط حكم وشرح غريب . فمن هؤلاء المتأخرين من جمع
بين كتب الأولين بنوع من التصرف والاختصار ، كمن جمع بين كتابى البخارى
ومسلم مثل أبى بكر أحمد بن محمد الرمانى ، وأبى مسعود إبراهيم بن محمد بن
عبيد الدمشقى، وأبى عبد الله محمد الحميدى ، فإنهم رتبوا على المسانيد دون
الأبواب كما سبق ذكره وتلاهم أبو الحسن رزين بن معاوية العبدرى نجمع بين
كتب البخارى ومسلم والموطأ لمالك وجامع الترمذى وسنن أبى داود والنسائى.
ورتب على الأبواب؛ إلا أن هؤلاء أودعوا متون الحديث عارية من الشرح
وكان كتاب رزين أكبرها وأعمها حيث حوى هذه الكتب الستة التى هى أم

- ٣١ -
كتب الحديث وأشهرها بأحاديثها أخذ العلماء واستدل الفقهاء وأثبتوا الأحكام
ومصنفوها أشهر علماء الحديث وأكثرهم حفظً وإليهم المنتهى . وتلاه الإمام
أبو السعادات مبارك بن محمد بن الأثير الجزرى ، فجمع بین کتاب رزین وبین
الأصول الستة بتهذيبه وترتيب أبوابه وتسهيل مطلبه، وشرح غريبه فى جامع
الأصول ، فكان أجمع ما جمع فيه .
ثم جاء الحافظ جلال الدين عبد الرحمن بن أبى بكر السيوطى تجمع بين
الكتب الستة والمسانيد العشرة وغيرها فى جمع الجوامع، فكان أعظم بكثير
من جامع الأصول من جهة المتون ؛ إلا أنه لم يبال بما صنع فيه من جمع الأحاديث
الضعيفة بل الموضوعة ، وكان أول ما بدأ به هؤلاء المتأخرون أنهم حذفوا الأسانيد
ا کتفاء بذ کر من روی الحدیث من الصحابى إن كان خبراً ، وبذ کر من يرويه
عن الصحابى إن كان أثراً، والرمن إلى المخرج، لأن الغرض من ذكر الأسانيد
كان أولا لإثبات الحديث وتصحيحه، وهذه كانت وظيفة الأولين ، وقد كفوا
تلك المؤنة فلا حاجة بهم إلى ذكر ما فرغوا منه ، ووضعوا لأصحاب الكتب
الستة علامة ورمزاً بالحروف .
فجعلوا للبخارى (خ) لأن نسبته إلى بلده أشهر من اسمه وكنيته ، وليس
فى حروف باقى الأسماء خاء . ولمسلم (م) لأن اسمه أشهر من نسبه وكنيته .
ولمالك (ط) لأن اشتهار كتابه بالموطأ أكثر، ولأن الميم أول حروف اسمه،
وقد أعطوها مسلماً وباقى حروفه مشبهة بغيرها، والترمذى (ت) لأن اشتهار.
بنسبه أ کثر ، ولأبی داود(د)لأن کنیتهأشهر من اسمه ونسبه، والدال أشهر
حروفها، وأبعدها من الاشتباه . والنسائى (س) لأن نسبه أشهر من اسمه
و کنیته والسین أشهر حروف نسبه .
وكذلك وضعوا لأصحاب المسانيد بالإفراد والتركيب ، كماهو مسطور فى
الجوامع. ثم إن أحوال نقلة الحديث فى عصر الصحابة والتابعين معروفة عند

- ٣٢ -
كل أهل بلدة ؛ فمنهم بالحجاز ، ومنهم بالبصرة والكوفة من العراق ، ومنهم
بالشام ومصر.
وكانت طريقة أهل الحجاز فى الأسانيد أعلى ممن سواهم وأمتن فى الصحة ،
لاشتدادهم فى شروط النقل من العدالة والضبط . وسيد الطريقة الحجازية بعد
السلف الإمام مالك عالم المدينة ، ثم أصحابه مثل الشافعى والعتبى وابن وهب،
ومن بعدهم الإمام أحمد بن حنبل ، وكتاب مالك رحمة الله تعالى عليه الموطأ
أودعه أصول الأحكام من الصحيح، ثم أعنى الحفاظ لمعرفة طرق الأحاديث
وأسانيدها المختلفة؛ وربما يقع إسناد الحديث من طرق متعددة عن رواة مختلفين
وقد يقع الحديث أيضًا فى أبواب متعددة باختلاف المعانى التى اشتمل عليها .
وجاء البخارى خرج الأحاديث على أبوابها بجميع الطرق التى للحجازيين
والعراقيين والشاميين، واعتمد منها ماأجمعوا عليه، وكرر الأحاديث وفرق
الطرق والأسانيد فى الأبواب . ثم جاء مسلم فألف مسنده وحذا فيه حذو
البخارى وجمع الطرق والأسانيد وبوبه ، ومع ذلك فلم يستوعبا الصحيح كله .
وقد استدرك الناس عليهما فى ذلك ، ثم كتب أبو داود والترمذى والنسائى
فى السنن فتوسعوا من الصحيح والحسن وغيرهما . انتهى ما فى الكشف.
وقال الجزائرى فى توجيه النظر: ولما توفى النبى صلى الله عليه وسلم بادر
الصحابة إلى جمع ما كتب (أى من القرآن ) فى عهده فى موضع واحد وسموا
ذلك المصحف ، واقتصروا على ذلك ولم يتجاوزوه إلى كتابة الحديث وجمعه فى
موضع واحد كما فعلوا بالقرآن ، لكن صرفوا هم.هم إلى نشره بطريق الرواية،
إما بنفس الألفاظ التى سمعوها منه عليه الصلاة والسلام إن بقيت فى أذهانهم،
أو بما يؤدى معناها إن غابت عنهم ؛ فإن المقصود بالحديث هو المعنى ولايتعلق
فى الغالب حكم بالمبنى، بخلاف القرآن ، فإن لألفاظه مدخلاً فى الإعجاز،
فلا يجوز إبدال لفظ منه بلفظ آخر ولو كان مرادفًا له ، خشية النسيان مع طول

- ٣٣ -
الزمان؛ فوجب أن يقيد بالكتابة ولا يكتفى فيه بالحفظ . قال ولم يزل أمر
الحديث فى عصر الصحابة وأول عصر التابعين على ماذكرنا، ولما أفضت الخلافة
إلى من قام بحقها عمر بن عبد العزيز أمر بكتابة الحديث .
وكانت مبايعته بالخلافة فى صفر سنة تسع وتسعين ووفاته لخمس بقين من
رجب سنة إحدى ومائة وعاش أربعين سنة وأشهراً، وكان موته بالسم ، فإن
مبنى أمية ظهر لهم أنه إن امتدت أيامه خرج الأمر من أيديهم ولم يعهد به إلا
لمن يصاح له فعاجلوه .
قال البخارى فى صحيحه فى كتاب العلم ، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى
أبى بكر بن حزم : انظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم
فا كتبه ، فإنى خفت دروس العلم وذهاب العلماء . وأبو بكر هذا كان نائب
عمر بن عبد العزيز فى الإمرة والقضاء على المدينة . روى عن السائب بن يزيد
وعباد بن تميم وعمرو بن سليم الزرقى ، وروى عن خالته عمرة وعن خالدة ابنة
أنس ولها صحبة .
قال مالك : لم يكن أحد بالمدينة عنده من على القضاء ما كان عند أبى بكر
ابن حزم . وكتب إليه عمر بن عبد العزيز أن يكتب له من العلم ما عند عمرة
والقاسم فكتبه له . وأخذ عنه معمر والأوزاعى والليث ومالك وابن أبى ذئب
وابن إسحاق وغيرهم ، وكانت وفاته فيما قاله الواقدى وابن سعد وجماعة سنة
عشرين ومائة .
وأول من دون الحديث بأمر عمر بن عبد العزيز محمد بن مسلم بن عبيد الله
ابن عبد الله بن شهاب الزهرى المدنى ، أحد الأئمة الأعلام، وعالم أهل الحجاز
والشام . قال عبد الرزاق سمعت معمراً يقول: كنا نرى أنا قد أكثرنا عن
الزهرى حتى قتل الوليد بن يزيد ، فإذا الدفاتر قد حملت على الدواب من خزائنه
يقول من على الزهرى .
(٣ - مقدمة تحفة الأحوزى - ١)

- ٣٤ -
ثم شاع التدوين فى الطبقة التى تلى طبقة الزهرى ولوقوع ذلك فى كثير من
البلاد وشيوعه بين الناس اعتبروه الأول ، فقالوا : كانت الأحاديث فى عصر
الصحابة وكبار التابعين غير مدونة ، فلما انتشرت العلماء فى الأمصار وشاع
الابتداع دونت ممزوجة بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين . قال : ولم يزل
التأليف فى الحديث متابعاً إلى أن ظهر الإمام البخارى وبرع فى علم الحديث ،
فأراد أن يجرد الصحيح ويجعله فى كتاب على حدة ليخلص طالب الحديث من
عناء البحث والسؤال، فألف كتابه المشهور وأورد فيه ماتبين له صحته . واقتفى
أثر الإمام البخارى فى ذلك الإمام مسلم بن الحجاج، ولقب هذان الكتابان
بالصحيحين ، فعظم انتفاع الناس بهما ورجعوا عند الاضطراب إليهما؛ وألفت
بعدها كتب لا تحصى ، فمن أراد البحث عنهما فليرجع إلى مظان ذكرها .
انتهى ماخصاً .
الفصل الرابعَ
فيما يتعلق بكتابة الحديث
قد ظنّ بعض الجهلة فى هذا الزمان أن الأحاديث النبوية لم تكن مكتوبة
فى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا فى عهد الصحابة رضى الله عنهم ،
وإنما كتبت وجمعت فى عهد التابعين.
قلت : ظَنّ بعض الجهلة هذا فاسد مبنى على عدم وقوفه على حقيقة الحال ،
فاعلم أن الأحاديث النبوية قد كانت تكتب على عهد رسول الله صلى الله عليه
وسلم وعلى عهد الصحابة رضى الله عنهم أيضاً ، ويدل على ما قلنا أحاديث
كثيرة ، منها ما رواه أحمد فى مسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال :
(( قلت: يارسول الله، إنّ نسمع منك أحاديث لا نحفظها ، أفلا نكتبها ؟ قال:
بلى فاكتبوها)). وفى رواية له: ((قلت: يارسول الله، إنى أسمع منك أشياء

- ٣٥ -
أفأ كتبها؟ قال: نعم. قلت: فى الغضب والرضا . قال: نعم فإنى لا أقول فيهما
إلا حقاً)) . وفى رواية أخرى له ولأبى داود والدارمى: كنت أكتب كل
شىء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهتنى قريش ، الحديث . وفيه:
((اكتب، فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا الحق)).
ومنها مارواه البخارى ومسلم وغيرهما عن أبى هريرة أن خزاعة قتلوا رجلا
من بنى ليث عام فتح مكة بقتيل منهم قتلوه ، فأخبر بذلك النبى صلى الله عليه
وسلم فركب راحلته خطب فقال: إن الله حبس عن مكة القتل أو الفيل .
الحديث . وفى آخره : فجاء رجل من أهل اليمن فقال اكتب لى يارسول الله،
فقال: ((اكتبوا لأبى فلان)) إلخ. قال الحافظ قوله: فجاء رجل من أهل اليمن
هو أبو شاه بهاء منونة ، وسيأتى فى اللقطة مسمى ، وهناك من الزيادة عن الوليد
ابن مسلم ، قلت للأوزاعى : ما قوله اكتبوا لى، قال : هذه الخطبة التى سمعها
من رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ومنها مارواه البخارى عن وهب بن منبه عن أخيه قال : سمعت أباهريرة
يقول: ما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحدأكثر حديثاً عنه منى
إلا ما كان من عبد الله بن عمرو ، فإنه كان يكتب ولا أكتب. قال الحافظ
فى الفتح: هذا استدلال من أبى هريرة على ماذكره من أكثرية ماعند عبدالله
ابن عمرو - أى ابن العاص - على ما عنده. ويستفاد من ذلك أن أبا هريرة
كان جازماً بأنه ليس فى الصحابة أكثر حديثاً عن النبى صلى الله عليه وسلم منه
إلا عبد الله ، مع أن الموجود المروى عن عبد الله بن عمرو أقل من الموجود
المروى عن أبى هريرة بأضعاف مضاعفة .
فإن قلنا الاستثناء منقطع ، فلا إشكال ، إذ التقدير: لكن الذى كان من
من عبد الله ، وهو الكتابة ، لم يكن منى ، سواء لزم منه كونه أكثر حديثاً
لما تقتضيه العادة أم لا . وإن قلنا الاستثناء متصل فالسبب فيه من جهات :

- ٣٦ -
(أحدها) أن عبد الله كان مشتغلاً بالعبادة أكثر من اشتغاله بالتعليم
فقلّت الرواية عنه .
( ثانيها) أنه كان أكثر مقامه بعد فتوح الأمصار بمصر أو بالطائف،
ولم تكن الرحلة إليهما ممن يطلب العلم كالرحلة إلى المدينة ، وكان أبو هريرة
متصدياً فيها للفتوى والتحديث إلى أن مات ؛ ويظهر هذا من كثرة من حمل
عن أبى هريرة ، فقد ذكر البخارى أنه روى عنه ثمانمائة نفس من التا بعين ،
ولم يقع هذا لغيره .
( ثالثها) ما اختص به أبو هريرة من دعوة النبي صلى الله عليه وسلم له ،
بأن لا ينسى مايحدثه به .
(رابعها) أن عبد الله كان قد ظفر فى الشام بحمل جمل من كتب أهل
الكتاب ، فكان ينظر فيها ويحدث منها ، فتجنب الأخذ عنه لذلك كثير
من التابعين .
ومنها ما أخرجه ابن وهب من طريق الحسن بن عمرو بن أمية قال :
تحدث عند أبى هريرة بحديث ، فأخذ بيدى إلى بيته فأرانا كتباً من حديث
النبى صلى الله عليه وسلم ، وقال هذا هو مكتوب عندى .
وروى الحاكم فى المستدرك عن حسن بن عمرو قال : حدثت عن أبى هريرة
بحديث فأنكره ، فقلت إنى سمعته منك ، قال: إن كنت سمعته فإنه مكتوب
عندی ، فأخذ بیدی إلى بيته فأرانی کتاباً من کتبه من حديث رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، فوجد ذلك الحديث ، فقال : قد أخبرتك أنى إن كنت
حدثتك فهو مكتوب عندى .
فإن قلت قول أبى هريرة هو مكتوب عندى فى هذا الحديث مخالف لقوله
لا أ كتب فى حديث البخارى المذكور ، فكيف التوفيق ؟
قلت : قال الحافظ : لا يلزم من وجود الحديث مكتوباً عنده أن يكون

- ٣٧ -
بخطه، وقد ثبت أنه لم يكن يكتب ، فتعين أن المكتوب عنده بغير خطه .
وقال ابن عبد البر: حديث البخارى أصح ، ويمكن الجمع بأنه لم يكن يكتب
في العهد النبوی تم کتب بعده .
ومنها مارواه البخارى والترمذى والنسائى وابن ماجه عن أبى جحيفة قال
قلت لعلى رضى الله عنه: هل عندكم كتاب ؟ قال: لا ، إلا كتاب الله ، أو فهم
أعطيه رجل مسلم ، أو ما فى هذه الصحيفة. قال قلت : وما فى هذه الصحيفة ؟
قال : العقل وفكاك الأسير ولا يقتل مسلم بكافر. قال الحافظ: قوله الصحيفة
أى الورقة المكتوبة . وللنسائى من طريق الأشتر: فأخرج كتاباً من قراب
سيفه. وقوله العقل أى الدية . قال ووقع المصنف ومسلم من طريق يزيد التيمى
عن على قال: ماعندنا شىء نقرأه إلا كتاب الله وهذه الصحيفة ، فإذا فيها
المدينة حرم الحديث . ولمسلم عن أبى الطفيل عن على: ما خصنا رسول الله
صلى الله عليه وسلم بشىء لم يعم به الناس كافة إلا ما فى قراب سيفى هذا. وأخرج
صحيفة مكتوبة فيها: ((لعن الله من ذيح لغير الله)) الحديث. وللنسائى من طريق
الأشتر وغيره عن على فإذا فيها : ((المؤمنون تتكافأ دماؤهم يسعى بذمتهم أدناه)»
الحديث. ولأحمد من طريق طارق بن شهاب فيها: (( فرائض الصدقة)).
والجمع بين هذه الأحاديث أن الصحيفة كانت واحدة ، وكان جميع ذلك
مكتوباً فيها ، فنقل كل واحد من الرواة عنه ما حفظه . انتهى .
ومنها ما رواه النسائي والدارمى عن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن
أبيه عن جده: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن، وكان
فى كتابه أن من اعتبط مؤمناً قتلاً فإنه قود يده إلا أن يرضى أولياء المقتول)).
وفيه : أن الرجل يقتل بالمرأة . وفيه : فى النفس الدية مائة من الإبل، وعلى
أهل الذهب ألف دينار ، وفى الأنف إذا أوعب جدعه الدية مائة من الإبل.
الحديث .

- ٣٨ -
ومنها مارواه البخارى عن أنس أن أبا بكر كتب له هذا الكتاب لما وجهه
إلى البحرين : بسم الله الرحمن الرحيم . هذه فريضة الصدقة التى فرض رسول الله
صلى الله عليه وسلم على المسلمين ، والتى أمر الله بها رسوله. فمن سُئلها من المسلمين
على وجهها فليعطها، ومن سئل فوقها فلايعط فى أربع وعشرين من الإبل
فما دونها من الغنم من كل خمس شاة ، فإذا بلغت خمساً وعشرين إلى خمس
وثلاثين ففيها بنت مخاض أنثى . الحديث .
ومنها ما رواه أحمد عن عبد الله بن عمر قال : كان رسول الله صلى الله عليه
وسلم قد كتب الصدقة ولم يخرجها إلى عماله حتى توفى . قال فأخرجها أبو بكر
من بعده فعمل بها حتى توفى ، ثم أخرجها عمر من بعده فعمل بها . قال : فلقد
هلك عمر يوم هلك وإن ذلك لمقرون بوصيته ، فقال : كان فيها فى الإبل فی کل
خمس شاة حتى تنتهى إلى أربع وعشرين ، فإذا بلغت إلى خمس وعشرين ففيها
بنت مخاض إلى خمس وثلاثين ، الحديث .
ومنها مارواه الدارمى عن أبى قابيل عن عبد الله بن عمرو قال : بينما نحن
حول رسول الله صلى الله عليه وسلم نكتب إذا سئل رسول الله صلى الله عليه
وسلم: أى المدينتين تفتح أولاً ، قسطنطينية أو رومية .
ومنها مارواه الترمذى عن أبى راشد الخبرانى قال : أتيت عبد الله بن عمرو
ابن العاص فقلت له: حدثنا مما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فألقى
إلى صحيفة فقال هذا ما كتب لى رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال فنظرت فيها
فإذا فيها: (( أن أبا بكر الصديق قال: يارسول الله، علمنى ما أقول إذا أصبحت
وإذا أمسيت، قال: يا أبا بكر، قل اللهم فاطر السموات والأرض)) الحديث.
ومنها ما أخرجه الدارمى عن بشير بن نهيك قال: كنت أكتب ما أسمع
من أبى هريرة ، فلما أردت أن أفارقه أتيته بكتابه فقرأته عليه وقلت له : هذا
ماسمعت منك ، قال نعم .

- ٣٩ -
ومنها مارواه الدارمى أيضاً عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو قال : ما يرغّبنى
فى الحياة إلا الصادقة والوهظ ، فأما الصادقة فصحيفة كتبتها من رسول الله صلى
الله عليه وسلم ، وأما الوهظ فأرض تصدق بها عمرو بن العاص كان يقوم عليها.
ومنها مارواه الدارمى أيضاً عن سعيد بن جبير يقول : كنت أسير مع ابن
عباس فى طريق مكة ليلاً ، وكان يحدثنى بالحديث فأ كتبه فى واسطة الرحل
حتى أصبح فأ كتبه .
ومنها مارواه أبو داود فى الدعوات عن مسلم بن الحارث بن مسلم التميمى
عن أبيه ((أن النبى صلى الله عليه وسلم بعثنا فى سرية، فلما بلغنا المغار استحثدت
فرسى فسبقت أصحابى ، وتلقائى الحى بالرنين ، فقلت لهم : قولوا لا إله إلا الله
تحرزوها ، فقالونها ، فلامنى أصر بى فقالوا أحرمتنا الغنيمة ؟ فلما قدموا على رسول
الله صلى الله عليه وسلم أخبروه بالذى صنعت ، فدعانى فحسّن لى ما صنعت ،
وقال : أما إن الله قد كتب لك من كل إنسان منهم كذا وكذا. قال
عبدالرحمن : فأنا نسيت الثواب، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما إنى
سأ كتب لك بالوصاة بعدی ، قال ففعل ، وختم علیه ودفعه إلىّ.
فإذا عرفت هذه الأحاديث والآثار ظهر لك أن الأحاديث النبوية كانت
تكتب فى عهد النبى صلى الله عليه وسلم وفى عهد الصحابة رضى الله عنهم أجمعين
وبطل قول من زعم أنها لم تكن مكتوبة فى العهد النبوى وعهد الصحابة .
فإن قلت ماوجه الجمع بين هذه الأحاديث المرفوعة والآثار ، وبين مارواه
مسلم فى صحيحه عن أبى سعيد الخدرى (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
لا تكتبوا عنى ومن كتب عنى غير القرآن فليمحه)).
قلت : وجه الجمع بينهما أن النهى خاص بوقت نزول القرآن خشية التباسه
بغيره، والإذن فى غير ذلك ؛ أو أن النعى خاص بكتابة غير القرآن مع القرآن
فى شىء واحد والإذن فى تفريقها؛ أو النهى متقدم والإذن ناسخ له عند الأمن
بے

- ٤٠ -
من الالتباس ، وهو أقربها ، مع أنه لا ينافيها . وقيل النهى خاص بمن خشى منه
الاتكال على الكتابة دون الحفظ والإذن لمن أمن منه ذلك. ومنهم من أعل
حديث أبى سعيد وقال الصواب وقفه على أبى سعيد قاله البخاري وغيره . قال
العلماء : كره جماعة من الصحابة والتابعين كتابة الحديث واستحبوا أن يؤخذ
عنهم حفظاً كما أخذوا حفظاً. لكن لما قصرت الهمم وخشى الأئمة ضياع العلم
دونوه . وأول من دون الحديث ابن شهاب الزهرى على رأس المائة بأمر عمر
ابن عبد العزيز، ثم كثر التدوين ثم التصنيف ، وحصل بذلك خير كثير ، فلله
الحمد . ذكره الحافظ فى الفتح .
الفصل الخامِسُ
فى إثبات حجية الأحاديث النبوية ووجوب العمل بها بكتاب الله تعالى
قال الله تعالى: ( وما آتاكم الرسول فخذوه ومانها كم عنه فانتهوا واتقوا
الله إن الله شديد العقاب ) قال الرازى : يعنى ما أعطاكم الرسول من الفىء
تخذوه فهو لكم حلال ، وما نهاكم عن أخذه فانتهوا، واتقوا الله فى أمر
الفيء إن الله شديد العقاب على ما نهاكم عنه الرسول. والأجود أن تكون هذه
الآية عامة فى كل ما آتى رسول الله ونهى عنه، وأمر الفيء داخل فى عمومه،
انتهى كلامه .
قلت : بل الحق والصواب أن الآية عامة فى كل شىء یأتی به رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، من أمر أو نهى أو قول أو فعل وإن كان السبب خاصاً
فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وكل شىء أنانا به من الشرع فقد
أعطانا إياه وأوصله إلينا. فهذه الآية الكريمة نص صريح فى أن كل ما أتانا به
رسول الله صلى الله عليه وبلغه إلينا من الأوامر وغيرها، سواء كانت مذكورة
فى الكتاب أى القرآن المجيد، أو السنة أى الأحاديث النبوية الثابتة المحكمة
: