Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
الجزء الثامن : كتاب الزكاة
فكتب لهما ) أى عامله ( بما سألا) أن يعطيهما (فأما الأقرع فأخذ كتابه فلفه)
أى الكتاب (فى عمامته وانطلق، وأما عيينة فأخذ كتابه، وأتى النبى صلى الله
عليه وسلم مكانه ، فقال يا محمد ) ناداه ياسمه المبارك معه أنه متع منه لأنه كان
من جفاة الأعراب ( أترانى حاملا إلى قومى كتابا لا أدرى ما فيه كصحيفة
المتلمس ) لها قصة مشهورة عند العرب، وهو المتلمس الشاعر كان هجا عمرو
أبن هند الملك ، فكتب له كتابا إلى عامله يوهمه أنه أمر له فيه بعطية ، وقد كان
كتب إليه أن يقتله ، فارتاب المتلس ففكه وقرأ فلما علم ما فيه رمى به ونجا
فضربت العرب مثلا بصحيفته ( فأخبر معاوية بقوله رسول الله صلى الله عليه
وسلم) أى أفهم معاوية رسول الله صلى الله عليه وسلم بمعنى قوله كصحيفة
المتلبس (فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سأل وعنده) أى والحال أنه
عنده ( ما يغنيه) عن السؤال (فإنما يستكثر) أى يطلب الكثير (من النار
وقال النفيفى فى موضع آخر من جمر جهنم ) بدل قوله من النار(فقالوا يارسول
الله: وما يغنيه؟ وقال النفيلى فى فوضع آخر وما الغنى الذى لا ينبغى معه المسألة؟
قال) رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم (قدر ما يغديه) أى ما يكفى غدائه (ويعشيه)
أى عشائه ( وقال النفيلى فى موضع آخر أن يكون له شبع يوم وليلة أو ) قال
(ليلة ويوم وكان حدثنا به مختصراً على هذه الألفاظ التى ذكرت) وقد أخرج
الإمام أحمد هذا الحديث فى مسنده ، وفيه نوع مخالفة وزيادة على حديث
أبى داود، قال: ثنا على بن عبد الله حدثنى الوليدبن مسلم حدثنى عبد الرحمن
بن يزيد بن جابر قال حدثنى ربيعة بن يزيد حدثنى أبو كبشة السلولى أنه سمع
سهل بن الحنظلية الأنصارى صاحب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن عينة
والأقرع سألا رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً فأمر معاوية أن يكتب به
لهما ففعل وختمها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بدفعه إليهما، أما عينة
فقال ما فيه قال فيه الذى أمرت بهفقبله وعقده فىعمامته، وكان أحكم الرجلين،
وأما الأقرع فقال أحمل صحيفة لا أدرى ما فيها كصحيفة المتلمس ، فأخبر معاوية
(١١ - بذل المجهود ٨)

١٦٢
بذل المجهود فی حل أبى داود
حدثنا عبد الله بن مسلمة ، ناعبد الله يعنى ابن عمر
ابن غانم ، عن عبد الرحمن بن زياد أنه سمع زياد بن نعيم
الحضر مى أنه سمع زياد بن الحارث الصدائی قال، أتيت رسول
رسول الله صلى الله عليه وسلم بقولهما، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم
لحاجة فمر بيعير مناخ على باب المسجد من أول النهار ، ثم مر به آخر النهار
وهو على حاله، فقال أين صاحب هذا البعير فابتغى فلم يوجد ، فقال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: اتقوا الله فى هذه البهائم ثم اركبوها صحاحاً واركبوها
سماناً كالمتسخط أننا ؟ إنه من سأل وعنده ما يغنيه ، فإنما يستكثر من نار جهنم،
قالوا يا رسول الله: وما يغنيه ، قال ما يغديه أو يعشيه اهــ قال البيهقى فى سننه،
ليس شىء من هذه الأحاديث مختلفا وكان النبى صلى الله عليه وسلم علم ما يغنى
كلا منهم فجعل غنائه به لأن الناس مختلفون فى قدر كفاياتهم ، فمنهم من يغنيه
خمسون درهما لا أقل ، ومنهم من يغنيه أربعون لا أقل ، ومنهم من له كسب
يدر عليه كل يوم ما يغديه ويعشيه ولا عيال له فهو مستغنى به - أه كذا
فى الدرجات .
٠
(حدثنا عبد الله بن مسلمة، نا عبد الله يعنى ابن عمر بن غانم، عن عبد الرحمن
ابن زياد) بن أنعم الإفريقى ( أنه سمع زياد) بن ربيعة (بن نعيم الحضرمى
أنه) أى زياد بن نعيم (سمع زياد بن الحارث الصدائى ) بضم الصاد المهملة
نسبة إلى صدا ، وهى قبيلة من اليمن ، ( قال أتيت رسول الله صلى الله عليه
وسلم فبايعته وذكر حديثاً طويلا) ذكره فى حاشية تهذيب التهذيب فقال:
روى المزى بسنده عن زياد بن نعيم الحضرى قال سمعت زياد بن الحارث
الصدائى صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث قال: أتيت رسول الله
صلى الله عليه وسلم فبايعته على الإسلام وأخبرت أنه بعث جيشا إلى قومى
فقلت يا رسول الله اردد الجيش وأنا لك بإسلام قومى فقال لى اذهب فردهم،

١٦٣
الجزمن الثامن : كتاب الزكاة
الله صلى الله عليه وسلم فبايعته، وذكر(١) حديثاً طويلا(٢)،
فاتاه رجل فقال أعطنى من الصدقة ، فقال له رسول الله صلى
الله عليه وسلم: إن الله لم يرض بحكم فى ولا غيره فى الصدقات
حتى حكم فيها هو، جزأها ثمانية أجزاء، فإن كنت من تلك
الأجزاء أعطيتك حقك .
فقلت: يا رسول الله، إن راحلتى قد كلت ، فبعث رسول اللّه صلى اللّه عليه
وسلم رجلا فردهم ، قال الصدائى: وكتبت إليهم كتابا فقدم وفدهم ياسلامهم،
فقال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أخاصداء إنك لمطاع فى قومك،
فقلت بل الله هو هداهم للإسلام ، فقال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم :
أفلا أؤمرك عليهم؟ فقلت بلى يا رسول الله ، قال فكتب لى كتابا ، فقلت:
يا رسول الله مر لى بشىء من صدقاتهم ، قال نعم فكتب لى كتابا آخر ،
قال الصدائى: وكان ذلك فى بعض أسفاره ، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم
منزلا فأتاه أهل ذلك المنزل يشكون عاملهم يقولون أخذنا بشىء كان بيننا
وبين قومه فى الجاهلية ، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: أو فعل ، فقالوا نعم،
فالتفت النبى صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه وأنا فيهم ، فقال: لا خير فى الإمارة
لرجل مؤمن ، قال الصدائى: فدخل قوله فى نفسى ثم أتاه آخر ، فقال يا فى الله ،
أعطنى فقال فى اللّه صلى الله عليه وسلم: من سأل الناس عن ظهر غنى. فصداع
فى الرأس وداء فى البطن ، فقال السائل : فأعطنى من الصدقة ، فقال له رسول
الله صلى الله عليه وسلم إن الله لم يرض بحكم فى ولا غيره فى الصدقات حتى حكم
فيها، جزأها ثمانية أجزاء ، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك أو أعطيناك
حقك، قال الصدائى فدخل ذلك فى نفسى إنى سألته من الصدقات وأنا غنى ،
(١) فى نسخة : فذكر
(٢) فى نسخة : قال

١٦٤
بذل المجهود فى حل أبو داود
ثم إن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم اعتشى من أول الليل فلزمته وكنت قوياً،
وكان أصحابه ينقطعون عنه ويستآخرون حتى لم يبق معه أحد غيرى ، فلما كان
أو ان أذان الصبح أمرنى فأذنت ، جعلت أقول : أقيم يا رسول الله، جعل
رسول الله صلى عليه وسلم ينظر ناحية المشرق إلى الفجر ، فيقول لا حتى إذا
طلع الفجر نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فتبرز ثم انصرف إلى ، وقد
تلاحق أصحابه ، فقال هل من ماء يا أخاصداء ، فقلت: لا إلا شىء قليل
لا يكفيك، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: اجعله فى إناء ثم ائتنى به، ففعلت
فوضع كفه فى الماء ، قال الصدائى : فرأيت بين كل إصبعين من أصابعه عينا
تفور ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لولا أنى استحيى من ربى لسقينا
واستقينا ، ناد فى أصحابى من له حاجة فى الماء : فناديت فيهم فأخذ من أراد
منهم، ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأراد بلال أن يقيم ، فقال
رسول الله صلى عليه وسلم إن أخا صداء أذن ، ومن أذن فهو يقيم ، قال
الصدائى؛ فأقمت الصلاة ، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة،
أتيته بالكتابين ، فقلت : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ((اعفنى من هذين )
فقال نبى الله صلى الله عليه وسلم: ما بدالك ، فقلت ، سمعتك يا نبى الله
تقول : لا خير فى الإمارة لرجل مؤمن وأنا أؤمن بالله ورسوله، وسمعتك
تقول للسائل من سأل الناس عن ظهر غنى فهو صداع فى الرأس وداء
فى البطن، وسألتك وأنا غنى ، فقال النبى صلى الله عليه وسلم، هو ذاك،
فإن شئت فاقبل وإن شئت فدع ، فقلت أدع فقال لى رسول الله صلى عليه
وسلم : فدلنى على رجل أؤمره عليكم، فدللته على رجل من الوفد الذين قدموا
عليه ، فأمره عليهم ، ثم قلنا يا نبى الله إن لنا بئراً إذا كان الشتاء وسعنا ماءها،
واجتمعناً ، وإذا كان الصيف قل ماؤها تفرقنا على مياه حولنا ، وقد أسلمنا
وكل من حولنا عدو لنا ، فادع الله لنا فى بئرنا أن يسعنا ماؤها فنجتمع عليها
ولا نتفرق ، فدعا بسبعحصيات فعر کهن فى يده ودعا فيهن، ثم قال اذهبوا بهذه
الحصيات، فإذا أتيتم البير فألقوها واحدة واحدة واذكروا اسم الله، قال الصدائى:

١٦٥
الجزء الثامن - كتاب الزكاة
ففعلنا ما قال لنا ، فما استطعنا بعد أن ننظر إلى قعرها يعنى البئر انتهى بلفظه،
قلت : وقد أخرج الإمام أحمد هذا الحديث من حديث حبان بن بح الصدائى
من طريق ابن لهيعة، ثنا بكر بن سوادة , عن زياد بن نعيم، عن حبان بن بح
الصدائى صاحب النبى صلى الله عليه وسلم ، أنه قال إن قومى كفروا -
فأخبرت أن النبى صلى الله عليه وسلم جهز إليهم جيشاً، الحديث ، وقد عزى
هذا الحديث عمر بن عبد البر فى الاستيعاب والحافظ فى الإصابة إلى حبان
بن بح، وقد قال فى أسد الغابة فى ترجمة حبان ، ويبعد أن يكون هذان
الحديثان لرجلين من عداء مع قلة الوافدين من صداء على النبى صلى الله عليه
وسلم، وزياد هو المشهور الأكثر ، وقال الحافظ فى تهذيبه ، فى ترجمة زياد
بن الحارث الصدائى قال ابن حبان بايع النبى صلى الله عليه وسلم إلا أن
ابن أنعم فى إسناد خبره، وقال ابن السكن فى إسناده نظر، قلت: ولحديثه
طريق آخر من رواية المبارك بن فضالة عن عبد الغفار بن ميسرة عن الصدائى
ولم يسمه فذكر طرقاً من حديثه ، وروى الباوردى فى كتاب الصحابة من
طريق محمد بن عيسى بن جابر الرشيدى، قال وجدت فى كتاب أبى عن عبد الله
بن سليمان، عن عمرو بن الحارث ، عن بكر بن سوادة، عن زياد بن نعيم ،
عن زياد الصدائى ، فذكر طرقاً من حديثه ، فقال ابن يونس: وهو رجل
معروف من أهل مصر وحديثه يشبه حديث حبان بن بح ، وزعم الصورى
أنه حبان بن مح وفيه نظر انتهى ( فأتاه رجل ) لم أقف على تسميته ( فقال )
الرجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم (أعطنى من الصدقة) أى أموالها ( فقال
له رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله لم يرض بحكم فى ولا غيره فى الصدقات)
أى فى مصارفها ( حتى حكم فيها ) هو بنفسه (جزأها) (١) من التجزئة أى قسم
مصارفها ( ثمانية أجزاء) أى أنواع (فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك
(١) استدل به الشافعى على وجوب القيمة

١٦٦
بذل المجهود فی حل أبى داود
حدثنا عثمان بن أبى شيبة وزهير بن حرب قالانا جرير ،
عن الأعمش ، عن إبی صالح، عن أبى هريرة قال قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: ليس المسكين الذى ترده التمرة
والتمرتان والأكلة والأكلتان ولكن المسكين الذى لا يسال
الناس شيئا ولا يفطنون به فيعطونه.
حقك) وهى المذكورة فى قوله تعالى: ((إنما الصدقات للفقراء والمساكين
والعاملين عليها، الآية(١).
( حدثنا عثمان بن أبى شيبة وزهير بن حرب قالا نا جرير ) بن عبد الحميد
أو ابن حازم ( عن الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة قال قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم ليس المسكين) المذكور فى قوله تعالى- إنما الصدقات للفقراء
والمساكين- (الذى ترده التمرة والتمرتان والأكلة) أى اللقمة ( والأكلتان )
أى يطوف على الناس فيعطيه أحد منهم تمرة أو تمرتين ، والآخر لقمة
أو لقمتين ، ونفى المسكنة عنه يحتمل أن يكون على الحقيقة ، فمعناه على هذا
أن من يطوف على الناس يسأل عنهم فيجمع عنده بهذا أموال ، فلا يبقى مسكينا
(١) وسيأتى الكلام على أربعة أنواع، منها فى الباب الآتى، وبسط الكلام
فى الفرق بين الفقير والمسكين الرازى فى أحكام القرآن، وسقط نصيب المؤلفة قلوبهم عندنا
بعد وصاله صلى الله عليه وسلم كما بسط أيضاً الرازى، وسيأتى خلافا لأحمد إذ قال
الأجزاء الثمانية باقية واستدل بحديث الباب كمافى المغنى، واستدل الشافعى بهذا الحديث على
أنه يقسم على الثمانية بقدر الحصص، ولا يجوز صرفه إلى واحد منهم خلافا للحنفية ومالك
كذا قال ابن رشد، وكذا عند أحمد كما فى الروض الربع إذ قال يجوز صرفها إلى صنف
واحد لقوله تعالى وإن تؤتؤها الفقراء الآية - وحديث معاذ تؤخذمن أغنياءهم وترد
إلى فقرائهم.

١٦٧
الجزء الثامن : كتاب الزكاة
حدثنا مسدد وعبيد الله بن عمر وأبو كامل المعنى قالوا :
زاعبدالواحد بن زياد، نامعمر، عن الزهرىعن أبى سلمة،عن
بل يصير غنيا ، فلا يحل له الصدقات ، ويحتمل أن يكون على المجاز ، فلفظ ليس.
فى قوله ليس المسكين ، ليس النفى فيها للمسكنة عنه جملة حتى لا تحل له الصدقة ،
وإنما هو نفى لكمالها عنه أى ليس الكامل فى المسكنة الذى يدور على الناس
ويطوف عليهم ( ولكن المسكين الذى لا يسأل الناس شيئاً ولا يفطنون به)،
أى لا يعلم الناس احتياجه ( فيعطونه ) قال فى البدائع: واختلف أهل التأويل
واللغة فى معنى الفقير والمسكين، وفى أن أيهما أشد حاجة وأسوأ حالا : قال
الحسن : الفقير الذى لا يسأل والمسكين الذى يسأل ، وهكذا ذكره الزهرى ،
وكذا روى أبو يوسف عن أبى حنيفة ، وهو المروى عن ابن عباس رضى الله
عنه ، وهذا يدل على أن المسكين أحوج ، وقال قنادة ، الفقير الذى به زمانه
وله حاجة ، والمسكين المحتاج الذى لا زمانة به ، وهذا يدل على أن الفقير
أحوج، وقيل الفقير(١) الذى يملك شيئاً يقوته ، والمسكين الذى لا شىء له
سمى مسكينا لما أسكنته حاجته عن التحرك فلا يقدر يبرح عن مكانه ، وهذا أشبه
الأقاويل ، قال الله تعالى: ((أو مسكينا ذا متربة)) قيل فى التفسير أى استتر
بالتراب وحفر الأرض إلى عانته ، والأصل أن الفقير والمسكين كل واحد
منهما إسم ينبىء عن الحاجة إلا أن حاجة المسكين أشد. وعلى هذا يخرج قول
من يقول : الفقير الذى لا يسأل والمسكين الذى يسأل لأن من شأن الفقير المسلم
أنه يتحمل ما كانت له حيلة ويتعفف ولا يخرج فيسأل وله حيلة فسؤاله يدل
علی شدة حاله .
(حدثنا مسدد وعبيد الله بن عمر وأبو كامل المعنى) أى معنى حديثهم واحد
( قالوا نا عبد الواحد بن زياد نا معمر عن الزهرى عن أبى سلمة عن أبى هريرة
(١) وقريب منه ما فى الهداية أن الفقير من له أدنى شيء والمسكين من لاشي له)).

١٦٨
بذل المجهود می حل أبی دواد
أبى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مثله ولكن
المسكين المتعفف زاد مسدد فى حديثه ، ليس له ما يستغنى به
الذى لا يسأل ولا يعلم بحاجته فيتصدق عليه فذاك (١) المحروم،
ولم يذكر مسدد المتعفف الذى لا يسأل ، قال أبو داود :
روى هذا محمدبن ثور وعبد الرزاق عن معمر وجعلا المحروم
من كلام الزهرى وهو أصح
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله) أى مثل حديث أبى صالح المتقدم،
(ولكن المسكين المتعفف ) أى عن السؤال فزاد عبيد اللّه وأبو كامل لفظ
المتعفف ولم يذكره مسدد (وزاد مسدد فى حديثه ) على حديث عبيد الله بن
عمر وأبى كامل ( ليس له ما يستغنى به الذى لا يسأل الناس ولا يعلم ) بصيغة
المجهول ( بحاجته فيتصدق ) بصيغة المجهول ( عليه فذاك المحروم ) أى المذكور
فى قوله تعالى وفى أموالهم حق السائل والمحروم ( ولم يذكر مسدد) فى حديثه
( المتعفف الذى لا يسأل ) وفى هذا الكلام شىء من الغموض ، وحاصل
الكلام أن الرواة الثلاثة اتفقوا إلى قوله ولكن المسكين ثم اختلفوا فلفظ
حديث عبيد اللّه وأبى كامل هكذا ، ولكن المسكين المتعفف الذى لا يسأل
الناس ولا يعلم بحاجته فيتصدق عليه فذاك المحروم ، وأما لفظ حديث مسدد
فهكذا , ولكن المسكين ليس له ما يستغنى به ولا يعلم بحاجته فيتصدق عليه
فذلك المحروم)، ( قال أبو داود وروى هذا) أى الحديث ( محمد بن ثور)
الصنعانى أبو عبد الله العابد وثقه ابن معين والنسائى وذكره ابن حبان فى الثقات
(وعبد الرزاق عن معمر وجعلا) أى محمد بن ثور وعبد الرزاق ( المحروم
من كلام الزهرى) وأما عبد الواحد بن زياد عن معمر فعله فى الحديث
( وهو أصح) أى ما جعله محمد بن ثور وعبد الرزاق أصح - وهذا اللفظ أى
(١) فى نسخة : فذلك.

١٦٩
الجزء الثامن : كتاب الزكاة
حدثنا مسدد ، ناعيسى بن يونس، نا هشام بن عروة،
عن أبيه ، عن عبيد الله بن عدى بن الخيار ، أخبرنى
رجلان أنهما أتيا النبى صلى الله عليه وسلم فى حجة الوداع
وهو يقسم الصدقة، فسألاه منها فرفع فينا البصر وخفضه ،
فرآنا جلدين، فقال إن شئتما أعطيتكما ، ولاحظ فيها لغنى
ولا لقوى مكتسب .
وهو أصح موجود فى المجتبائية والقادرية ونسخة العون وليس فى النسخة
المكتوبة القديمة ولا فى المصرية ولا الكانفورية .
( حدثنا مسدد نا عيسى بن يونس نا هشام بن عروة عن أبيه) عروة
ابن الزبير ( عن عبيد الله بن عدى بن الخيار) بكر المعجمة وتخفيف التحتانية
ابن عدى بن نوفل بن عبد مناف القرشى المدنى قتل أبوه يوم بدر كافراً وكان
هو فى الفتح مميزاً فعد فى الصحابة لذلك وعده العجلى وغيره فى ثقات التابعين ،
مات فى آخر خلافة الوليد بن عبد لذلك (أخبرنى رجلان) لم أقف على تسميتها
( أنهما أتيا النبى صلى الله عليه وسلم فى حجة الوداع وهو يقسم الصدقة)
أى أموالها (فسألاه) أى رسول الله صلى الله عليه وسلم ( منها ) أى من تلك
الأموال ( فرفع فينا البصر وخفضه فرآنا ) رسول الله صلى الله عليه وسلم
(جلدين) أى قويين (فقال) رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن شئتما أعطيتكما)
من هذه الأموال ( و) لكن (لاحظ) أى نصيب (فيها) أى فى تلك الأموال
( لغنى ولا لقوى مكتسب )(١) أى قادر على الكسب ، قال القارى : قال الطيبى
أى لا أعطيكما لأن فى الصدقة ذلا وهواناً ، فإن رضيتما بذلك أعطيتكما أولًا
أعطيكما لأنها حرام على القوى المكتسب ، فإن رضيتما بأكل الحرام أعطيتكما
(١) وهذه إحدى الروايتين عن أحمد أن الفقير المكتسب لا يعطى من الزكاة .

١٧٠
بذل المجهود فی حل أبى داود
حدثنا عباد بن موسى الأنبارى الختلى ،نا إبراهيم يعنى ابن
سعد، أخبرنى أبى عن ريحان بن یزیدعن عبد الله بن عمرو
عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: لا تحل الصدقة لغنى
ولا اذى مرة سوی، قال أبو داود، ورواه سفيان عن سعد
ابن إبراهيم كما قال إبراهيم ورواه شعبة عن سعد قال لذى مرة
قوى، والأحاديث الأخر عن النبى صلى الله عليه وسلم بعضها
لذى مرة قوی و بعضها لذى مرة سوى، وقالعطاء بن زهبر
إنه لقى عبد الله بن عمرو فقال: إن الصدقة لا تحل لقوى ولا
لذى مرة سوى .
قاله توبيخاً ، وقال ابن الهمام: الحديث دل على أن المراد حرمة سؤالهما لقوله
((وإن شئتما أعطيتكما، فلو كان الأخذ محرماً غير مسقط عن صاحب المال
لم يفعله (١).
۔
( حدثنا عباد بن موسى الأنبارى الختلى ) قال فى الأنساب : اختلف
مشايخنا فى هذه النسبة بعضهم كان يقول إن ختلان بلاد مجتمعة وراء بلح،
وبعضهم يقول هى بضم الخاء والتاء المنقوطة باثنتين مشددة حتى رأيت أن
الختل بضم الخاء والتاء المشددة قرية على طريق خراسان إذا خرجت من
بغداد بنواحى الدسكرة ( نا إبراهيم يعنى ابن سعد أخبر نى أبى) سعد بن إبراهيم
( عن ريحان بن يزيد) العامرى البدوى وثقه ابن معين ، وقال حجاج عن شعبة
عن سعدبن إبراهيم سمع ريحان بن يزيد، وكان أعرابياً صدوقاً ، وقال أبو حاتم:
شيخ مجهول وذكره ابن حبان فى الثقات ( عن عبد الله بن عمر وعن النبي
(١) وقال ابن القيم: إن سأله أحد من أهل الزكاة ولم يعرف حاله أعطاه بعد أن
يخبره أنه لا حظ فيها لغنى ولا لقوى يكتسب .

١٧١
الجزء الثامن : كتاب الزكاة
باب من يجوز له أخذ الصدقة وهو غنى
حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن زيد بن أسلم
صلى الله عليه وسلم قال لا تحل الصدقة لغنى) قال القارى : قال فى المحيط:
الغنى على ثلاثة أنواع غنى يوجب الزكاة وهو ملك نصاب حولى تام ، وغنى
يحرم الصدقة ويوجب صدقة الفطر والأضحية وهو ملك ما يبلغ قيمة نصاب
من الأموال الفاضلة عن حاجته الأصلية ، وغنى يحرم السؤال دون الصدقة ،
وهو أن يكون له قوت يومه وما يستر عورته (ولا لذى مرة) أى قوة (سوى)
قال القارى: فيه نفى كمال المحل لا نفى الحل ، أو لا تحل له بالسؤال، قال ابن
الملك : أى لا تحل الزكاة لمن أعضاءه صحيحة ، وهو قوى يقدر على الاكتساب
بقدر ما يكفيه وعياله وبه قال الشافعى ، قال الطيبى وقيل المعنى ولا لذى عقل
وشدة وهو كناية عن القادر على الكسب ، وهو مذهب الشافعى والحنفية
على أنه إن لم يكن له نصاب حلت له الصدقة ( قال أبوداودورواه سفيان عن
سعد بن إبراهيم كما قال إبراهيم) أى كما رواه إبراهيم بن سعد عن أبيه سعد
ابن إبراهيم (ورواه شعبة عن سعد) أى ابن إبراهيم ( قال) شعبة فى روايته.
( الذى مرة قوى) بدل سوى (والأحاديث الأخر عن النبى صلى الله عليه
وسلم فى بعضها لذى مرة قوى وفى بعضها لذى مرة سوى وقال عطاء بن زهير)
لم أقف على ترجمته فيما عندى من الكتب (إنه لقی عبد الله بن عمرو فقال إن
الصدقة لا تحل لقوى ولا لذى مرة سوى) وفى هذا تكرار لأن معنى الجملة
الثانية هو مفاد الجملة الأولى .
باب من يجوز له أخذ الصدقة وهو غنى
(حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار)
مرسلا ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تحل الصدقة لغنى إلا خمسة

١٧٢
بذل المجهود فی حل أبى داود
عن عطاء بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
لإتحل الصدقة لغنى إلا لخمسة لغاز فى سبيل الله أو لعامل عليها
أو لغارم أو لرجل اشتراها بماله أو لرجل كان له جار مسكين
فتصدق على المسكين فأهداها المسكين للغنى .
لغاز فى سبيل اللّه) وإليه الإشارة فى قوله تعالى: وفى سبيل الله وهو عبارة
عن جميع القرب ، ويدخل فيه كل من سعى فى طاعة الله وسبيل الخيرات
إذا كان محتاجا ، وقال أبو يوسف: المراد منه فقراء الغزاة لأن سبيل الله
إذا أطلق فى عرف الشرع يراد به ذلك ، وقال محمد : المراد منه الحاج المنقطع
لما روى أن رجلا جعل بعيرا له فى سبيل الله فأمره النبى صلى الله عليه وسلم
أن يحمل عليه الحاج، وقال الشافعى يجوز دفع الزكاة إلى الغازى وإن كان غنيا،
وأما عندنا فلا يجوز إلا عند اعتبار حدوث الحاجة ، واحتج بما روى عن
أبى سعيد عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا تحل الصدقة لغنى إلا
فى سبيل اللّه الحديث، وعن عطاء بن يسار عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال:
لا تحل الصدقة إلا لخمس : الحديث، نفى حل الصدقة للأغنياء واستثنى الغازى
منهم، والاستثناء من النفى إثبات ، فيقتضى حل الصدقة للغازى الغنى ،
ولنا قوله صلى الله عليه وسلم لا تحل الصدقة لغنى وقوله صلى الله عليه وسلم
أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها فى فقراءكم ، جعل الناس قسمين
قسم يؤخذ منهم وقسم يصرف إليهم ، فلو جاز صرف الصدقة إلى الغنى لبطلت
القسمة، وهذا لا يجوز، وأما استثناء الغازى فمحمول على حال حدوث الحاجة،
وسماه غنياً على اعتبار ما كان قبل حدوث الحاجة، وهو أن يكون غنياً،
ثم تحدث له الحاجة بأن كان له دار یسکنها ومتاع يمتهنه وثياب يلبسها وله مع
ذلك فضل مأتى درهم حتى لا تحل له الصدقة ثم يعزم على الخروج فى سفر غزو

١٧٣
الجزء الثامن : كتاب الزكاة
فيحتاج إلى آلات سفره وسلاح ليستعمله فى غزوة ومركب يغزو عليه وخادم
يستعين بخدمته على ما لم يكن محتاجاً إليه فى حال إقامته فيجوز أن يعطى من
الصدقات ما يستعين به فى حاجته التى تحدث له فى سفره وهو فى مقامه غنى
بما يملكه لأنه غير محتاج فى حال إقامته فيحتاج فى حال سفره فيحمل قوله
لا تحل الصدقة لغنى إلا لغاز فى سبيل الله على من كان غنياً فى حال مقامه
فيعطى بعض ما يحتاج إليه لسفره لما أحدث السفر له من الحاجة إلا أنه
يعطى حين يعطى وهو غنى ، وكذا تسميته الغارم غنياً فى الحديث على اعتبار
ما كان قبل حلول الغرم به وقد حدثت له الحاجة بسبب الغرم ، وهذا لأن الغنى
إسم لمن يستنى عما يملكه، وإنما كان كذلك قبل حدوث الحاجة، وأما بعده
فلا ، وأما قوله تعالى ((وابن السبيل ، فهو الغريب المنقطع عن ماله وإن كان
غنياً فى وطنه ، لأنه فقير فى الحال ، وقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم أنه قال (( لا تحل الصدقة لغنى إلا فى سبيل الله أو ابن السبيل)) الحديث،
قاله فى البدائع ( أو لعامل عليها ) وهم الذين نصبهم الامام لجباية الصدقات ،
واختلف فيما يعطون ، قال أصحابنا يعطيهم الإمام كفايتهم منها ، وقال الشافعى:
يعطيهم الثمن وجه قوله إن الله تعالى قسم الصدقات على الاصناف الثمانية منهم
العاملون فكان لهم منها الثمن : ولنا أن ما يستحقه العامل إنما يستحقه
بطريق العمالة لا بطريق الزكاة بدليل أنه يعطى وإن كان غنيا
بالإجماع (١) ولو كان ذلك صدقة لما حلت للغنى، وبدليل أنه لو حمل
زكاة بنفسه إلى الإمام لا يستحق العامل منها شيئا ، ولهذا قال أصحابنا
إن حق العامل فيمافى يده من الصدقات حتى لو هلك ما فى يده سقط حقه كنفقة
المضارب إنما تكون فى مال المضاربة حتى لو هلك مال المضاربة سقطت نفقته
كذا هذا، دل على أنه يستحق بعمله لكن على سبيل الكفاية له ولأعوانه
(١) يشكل عليه أنه إذا أعطى عماله فكيف يمنع منه الهاشمى ، وسيأتى الجواب
على هامش (( باب الصدقة على بنى هاشم)) .

١٧٤
بذل المجهود فى حل أبى داود
حدثنا الحسن بن على، نا عبد الرزاق أنا معمر، عن زيد
بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبى سعيد الخدرى قال قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: بمعناه قال أبو داود، رواه
ابن عيينة عن زيد كما قال مالك ، ورواه الثورى عن زيد قال
حدثنى الثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم.
لا على سبيل الأجرة لأن الأجرة مجهولة ، أما عندنا فظاهر، لأن قدر الكفاية
له ولأعوانه غير معلوم، وكذا عنده، لأن قدر ما يجتمع من الصدقات بحبايته
مجهول ، فكان ثمنه مجهولا لا محالة ، وجهالة أحد البدلين يمنع جواز الإجارة،
جهالة البدلين جميعاً أولى ، فدل أن الاستحقاق ليس على سبيل الأجرة بل على
سبيل الكفاية له ولأعوانه لاشتغاله بالعمل لأصحاب المواشى ، فكانت كفايته
فى مالهم، وأما قوله إن اللّه تعالى قسم الصدقات على الأصناف المذكورين
فمنوع أنه قسم بل بين فيها مواضع الصدقات ومصارفها ( أو لغارم ) قيل الغارم
الذى عليه الدين أكثر من المال الذى فى يده أو مثله أو أقل منه، لكن ماوراءه
ليس بنصاب ، وقيل الغارم من تحمل حمالة ، وهو ما يتحمله الإنسان ويلتزمه
فى ذمته بالاستدانة ليدفعه فى إصلاح ذات البين فيعطى من الزكاة بشرط
أن يستدين لغير المعصية، وشرط بعضهم أن الحمالة لا بد أن تكون لتسكين
فتنة ( أو لرجل) غنى ( اشتراها ) أى الزكاة من الفقير ( بماله أو لرجل ) غنى
( كان له جار مسكين فتصدق ) بصيغة المجهول ( على المسكين فأهداها) أى
الزكاة ( المسكين للغنى ) كما وقع فى قصة بريرة فيما تصدق عليها فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم هو عليها صدقة ولنا هدية .
( حدثنا الحسن بن على ، نا عبد الرازق ، أنا معمر ، عن زيد بن أسلم ،
عن عطاء بن يسار ، عن أبى سعيد الخدرى قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم بمعناه) أى بمعنى حديث مالك عن زيد بن أسلم ( قال أبو داود رواه

١٧٥
الجزء الثانى : كتاب الزكاة
حدثنا محمد بن عوف الطائى، نا الفریابی، نا سفيان ، عن
عمران البارقى، عن عطية ، عن أبى سعيد قال قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم لا تحل الصدقة لغنى إلا فى سبيل اللّه أو بن السبيل
أو جار فقیر یتصدق علیه فيهدى لك أو يدعوك قال أبو داود:
رواه فراس وابن أبى ليلى عن عطية (١) مثله.
ابن عيينة ) سفیان ( عن زيد) بن اسلم (كما قال مالك ورواه الثورى عن زيد)
ابن أسلم ( قال حدثنى الثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ) وحكى القارى عن
أبى داود هذا الكلام، فقال حدثنى الليث وهو تصحيف . وغرض
المصنف بهذا الكلام أن هذا الحديث رواه مالك وسفيان بن عيينة والثورى
عن زيد بن أسلم واتفق مالك وابن عيينة على تسميته عطاء بن يسار ، وأما الثورى
فلم يسم عطاء بل قال حدثنى الثبت أى الثقة فخالفهم .
(حدثنا محمد بن عوف الطائی) نا الفریابی ، محمد بن إسماعيل بن عياش( نا
سفيان ) الثورى ( عن عمران البارقى ) أخرج له أبو داود هذا الحديث
الواحد ( عن عطية عن أبى سعيد) الخدرى، (قال: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم لا تحل الصدقة لغنى إلا فى سبيل اللّه أو ابن السبيل(٢)) قال البيهقى
(١) فى نسخة : عن أبى سعيد عن النبى صلى الله عليه وسلم يعنى مثله.
(٢) وقال الباجى: المسافر يكون مبتدأ لسفره ويكون مستديما له، أما الثانى فلا نعلم
الخلاف فى أنه يجوز له الصدقة ، وأما الأول فقال مالك والشافعى يجوز له وقال أبو حنيفة.
لا وإذا ثبت ذلك فيجوز له أخذ الزكاة وإن كان معه ما يغنيه وروى ذلك عن مالك
وروى عنه ابن نافع أنه يجوز له ذلك إذا لم يكن له ما يغنيه اهـ مختصراً

١٧٦
بذل المجهود فی حل أبىداود
باب كم يعطى الرجل الواحد من الزكاة
حدثنا الحسن بنمحمد بن الصباح ، نا أبو نعيم حدثیسعید
بنعبيد الطائى، عن بشیرین یسار زعمأن رجلا من الأنصار
يقال له سهل بن أبى حثمة أخبره أن النبى صلى الله عليه وسلم
وداه بمائة من أبل الصدقة يعنى دية الأنصارى الذى قتل بخيبر.
فی سننه ، حدیث عطاء بن يسار عن أبی سعید أصح طريقاً ، وليس فيه ذ کر
ابن السبيل، فإن صح هذا فإنما أراد والله أعلم أن ابن السبيل غنى فى بلده
محتاج فى سفره كذا فى مرقاة الصعود ( أو جار فقير يتصدق عليه فيهدى لك
أو يدعوك) أى يضيفك ويطعمك وأنت غنى ، والحاصل أن الفقير إذا تصدق
عليه فيهدى للغنى ويملكه أو يضيف الغنى ويطعمه على سبيل الإباحة يحل للغنى
على الحالين ( قال أبو داود رواه فراس وابن أبى ليلى) محمد ( عن عطية مثله )
أثبت أبو داود بهذا التعليق أن عمران البارقى عن عطية ليس بمتفرد بهذا
الحديث ، بل رواه فراس وابن أبى ليلى أيضاً كما رواه عمران البارقى - فلفظ
ابن السبيل فى هذا الحديث صحيح .
باب كم يعطى الرجل الواحد (١) من الزكاة
(حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح نا أبو النعيم) فضل بن دكين ( حدثنى
(١) قال الموفق: ظاهر قول الخرقى أنه لا يدفع إليه ما يحصل به الغنى والمذهب أنه
يجوز أن يدفع إليه ما يغنيه من غير زيادة نص عليه أحمد فى مواضع، وذكره أصحابه
فتعين حمل قول الخرقى على أنه لا يدفع إليه زيادة على ما يحصل به الغنى وهو قول الثوری
ومالك والشافعى وأبى ثور. وقال أصحاب الرأى يعطى أيضا وأكثر إذا كان محتاجا إليها
ويكره أن يزاد على المائتين ولنا أن الغنى إذا كان سابقا فيمنع إذا قارن كالجمع بين
الأختين فى النكاح اهـ.

١٧٧
الجزء الثانى: كتاب الزكاة
سعيد بن عبيد الطائى عن بشير ) مصغراً ( ابن يسار) الحارثى الأنصارى ،
قال ابن معين والنسائى ثقة ، وذكره ابن حبان فى الثقات قال ابن سعد: كان
شيخاً كبيراً فقيها ، وكان قد أدرك عامة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
وكان قليل الحديث، ( زعم أن رجلا من الأنصار يقال له سهل بن أبى حثمة
أخبره أن النبى صلى الله عليه وسلم وداه) أى أعطاه فى الدية (بمائة من إبل
الصدقة يعنى دية الأنصارى الذى قتل بخيبر) ، والذى قتل بخيبر هو عبد الله بن
سهل بن زيد بن كعب بن عامر بن عدى بن مجدعة بن حارثة الأنصارى الحارثى،
فعلى هذا يشكل ما وقع فى هذا الحديث من أن سهل بن أبى حثمة يقول إن النبى
صلى الله عليه وسلم وداه بمائة من الصدقة ، فإنه وقع فى الصحيح أن أخا المقتول
عبد الرحمن بن سهل وابنا عمه حويصة ومحيصة جاءوا إلى رسول الله صلى الله
عليه وسلم يطلبون ديته ، فأعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الدية ،
وكان لسهل بن أبى حثمة عند وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع
أو ثمانى سنين على الراجح ، فكيف يمكن أن يعطى الدية إلا أن يقال إن معنى
قوله إن النبى صلى الله عليه وسلم وداه أی ودی قومه ، فإن سهل بن أبىحثمة
من قبيلة عبد الله بن سهل المقتول لأن نسبه هكذا سهل بن أبى حثمة بن ساعدة
ابن عامر بن عدى بن مجدعة بن حارثة فيلتقيان على عامر بن عدى ، ويمكن
أن يجاب عنه أن فى الروايات اختلافا فى هذا اللفظ ففى بعضها وداهم ، وفى
بعضها فوداه، ففى صورة الجمع المرجع القوم ، وفى الإفراد المرجع عبد الرحمن
ابن سهل لأنه شقيقه ، ففى هذا الحديث كان مرجع الضمير عبد الرحمن بن سهل
لكن لما وقع فيه الاختصار التبس ، فالمرجع عبد الرحمن لا سهل بن أبى
حثمة، ثم قال القسطلانى: وفى رواية يحيى بن سعيد من عنده ، فيحتمل
أن يكون اشتراها من إبل الصدقة بمال دفعه من عنده ، أو المراد بقوله من عنده
من بيت المال المرصد للصالح ، فأطلق عليه صدقة باعتبار الانتفاع به مجانا
لما فى ذلك من قطع المنازعة لإصلاح ذات البين ، قال أبو العباس القرطبى:
( ١٢ - بذل المجهود ٨ )

١٧٨
بذل المجهود فى حل أبى داود
حدثنا(١) حفص بن عمر النمرى نا شعبة عن عبد الملك بن
عمير عن زيد بن عقبة الفزارى عن سمرة عن النى صلى الله
علیه وسلم قال المسائل کدوح یکدح بها الرجل وجهه فمن
شاء أبقى على وجهه ومن شاء ترك إلا أن يسأل الرجل ذا
سلطان أو فى أمر لا يجد منه بدا.
حدثنا مسدد نا حماد بن زيدعن هارون بن ریاب حدثنى
ورواية من قال من عنده أصح من رواية من قال من إبل الصدقة ، وقد قيل
إنها غلط والأولى أن لا يغلط الراوى ما أمكن فيحتمل أنه صلى الله عليه وسلم
تسلف ذلك من إبل الصدقة ليدفعه من مال الفى. انتهى .
( حدثنا حفص بن عمر النمری) بفتحتین منسوب إلى نمر بن عثمان ( نا
شعبة عن عبد الملك بن عمير عن زيد بن عقبة الفزارى عن سمرة ) بن جندب
(عن النبى صلى الله عليه وسلم قال المسائل) جمع مسألة، أى الأسئلة (كدوح)
أى خدوش وجروح ( يكدح) أى يخدش (بها الرجل وجهه ) يوم القيمة
وهى كناية عن الذلة والهوان ( فمن شاء أبقى) الكدوح (على وجهه ) بالسؤال
(ومن شاء ترك) بترك السؤال (إلا أن يسأل الرجل ذاسلطان) أى ذا ملك وسلطنة
فإنه يجوز، فإن ما فى يده من بيت المال وفيه حقه فيطلب منه حقه ( أو فى
أمر لا يجد منه بدأً) كالفقراء والمساكين ، أو من تحمل حمالة ومن غرم بمال ـ
فإنهم يجوز لهم السؤال .
( حدثنا مسدد نا حماد بن زيد عن هارون بن رياب ) بكسر الراء والتحتانية
مهموز التيمى ثم الأسيدى ، أبو بكر أو أبو الحسن العابد البصرى ، قال أحمد
(١) فى نسخة: باب من لا يحل له المسألة.

١٧٩
الجزء الثامن : كتاب الزكاة
كنانة بن نعيم العدوى عن قبيصة بن مخارق الهلالى قال تحملت
حمالة فأتيت النى صلى الله عليه وسلم. فقال أقم يا قبيصة حتى
تاتينا الصدقة فنأمر لك بها، ثم قال يا قبيصة إن المسألة لا تحل
إلا لأحد ثلاثة رجل تحمل حملة فحلت له المسألة، فسأل حتى
يصيبها ثم يمسك ورجل أصابته جائحة فاجتاحت ماله فحلت له
المسألة فسأل حتى يصيب قواما من عيش أو(١) سداد من عيش
ورجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوى الحجى من
قومه قد أصابت فلانا الفاقة خلت له المسألة فسال حتى يصيب
قواما من عيش أو سداداً من عيش ثم يمسك، وما سواهن
من المسألة يا قبيصة ، سحت يا كلها صاحبها سحتا.
وابن معين والنسائى وابن سعد ويعقوب بن سفيان ثقة ، وقال ابن عيينة كان
عنده أربعة أحاديث ، وذكره ابن حبان فى الثقات ، وقال لم يسمع من أنس
شيئا ، قال أبو محمد بن حزم: العمار وهارون وعلى بنو رياب كان هارون من
أهل السنة والعمار من أئمة الخوارج وعلى من أئمة الروافض وكانوا متعادين
كلهم ( حدثنى كنانة بن نعيم العدوى ) أبو بكر البصرى قال ابن سعد : كان
معروفاً ثقة إن شاء الله ، وقال العجلى: بصرى تابعى ثقة ، وذكره ابن حبان
فى الثقات روى له مسلم والنسائى حديثين ، وروى أبو داود أحدهما فى من تحل
له المسألة وآخر فى قصة جليبيب ( عن قبيصة بن مخارق الهلالى قال تحملت
حمالة) قال فى القاموس : وكسحابة يحملها قوم عن قوم كالحمال ، وقال فى المجمع
(١) فى نسخة : أو قال سدادا من عيش.

١٨٠
بذل المجهود فی حل أبى داود
بالفتح ما يتحمله الإنسان عن غيره من دية أو غرامة كأن تقع حرب بين
فريقين ويسفك فيها الدماء فيدخل بينهم رجل يتحمل ديات القتلى ليصلح ذات
البين والتحمل أن يحملها عنهم على نفسه ( فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال)
النبى صلى الله عليه وسلم (أقم) عندنا ( يا قبيصة حتى تأتينا الصدقة ) أى أموالها
( فنامر لك بها ثم قال يا قبيصة إن المسألة) أى السؤال ( لا تحل إلا لأحد
ثلاثة: رجل ) أى أحدها رجل ( تحمل حمالة حلت له المسألة فسأل )
أى يسأل كما فى نسخة (حتى يصيبها) أى المال قدر الحمالة (ثم يمسك)
عن السؤال لأن السؤال حل له لأجل الحمالة فذما أصابها ارتفعت الإباحة
فيجب أن يكف عنها (و) ثانيها (رجل أصابته) أى ماله (جائحة) أى آفة كالغرق
والحرق وفساد الزرع ( فاجتاحت ) أى استأصلت الآفة ( ماله) فصار فقيراً
( فلت له المسألة فسأل حتى يصيب قواماً ) بكسر القاف ما يقوم به حاجته
الضرورية ( من عيش ) أو شك من الراوى (سداداً) بالكسر ما يسد به خاله
( من عيش و) ثالثها ( رجل أصابته فاقة) أى كان غنياً ثم افتقر فأصابته فاقة
ولم يعرف حاله ( حتى يقول ثلاثة(١) من ذوى الحجى ) بكسر الحاء وفتح
الجيم بعدها ألف مقصورة، قال فى القاموس حجى كإلى العقل والفطنة والمقدار أهـ
(من) ذوى ( قومه قد أصابت فلانا الفاقة خلت له المسألة فسأل حتى
يصيب قواماً من عيش أو سداداً من عيش ثم يمسك ) قال السيد جمال الدين :
أخذ بظاهر الحديث بعض أصحابنا ، وقال الجمهور : يقبل من عدلين وحملوا
الحديث على الاستحباب وهذا محمول على من عرف له مال فلا يقبل قوله فى
تلفه والإعسار إلا بينة ، وأما من لم يعرف له مال فالقول قوله فى عدم المال
( وما سراهن من المسألة يا قبيصة سحت) بضمتين وبسكون الثانى وهو الأكثر
هو الحرام الذى لا يحل كسبه لأنه يسحت البركة أى يذهبها (بأكلها) أى ما حصل
له بالمسألة (صاحبها) أى المسألة ( سحتاً) نصب على التمييز أو بدل من ضمير
يأكلها ، قال ابن الملك وتأنيث الضمير بمعنى الصدقة والمسألة .
(١) قال الموفق: استدل به أحمد على أن الإعسار لا يثبت إلا بشهادة ثلاثة
والمذهب أنه لا يثبت إلا برجلين والحديث فى حل المسألة لا الإعسار .