Indexed OCR Text
Pages 41-60
بذل المجهود
(٤١)
الجزء السادس
فكان (١) الناس استنكروا ذلك قال (٢) قدفعل ذا من هو خير
الناس بالتخفيف للعذر عنهم كما فعل فى التثريب للأمراء وأصحاب الولايات، وذلك
لأنه ورد فى حديث ابن عمر أخرجه البخارى ، و حديث أبى هريرة أخرجه ابن
عدى فى الكامل أنه إنما يقال بعد الفراغ من الأذان ، انتهى .
قلت : والذى عند هذا العبد الضعيف أن حديث ابن عمر صريح فى أن هذا
هذا الكلام ينادى بها فى زمان رسول اللّه ◌َله بعد الفراغ من الأذان عند العذر
كما تدل عليه الروايات، وأما حديث ابن عباس فليس بصريح فى هذا الباب وإنما
فيه أن ابن عباس - رضى الله عنه - قال بدل حى على الصلاة، صلوا فى بيوتكم،
ثم قال فعل ذا من هو خير منى ، وقوله فعل ذا من هو خير منى ، لا يقتضى
أن تكون المماثلة والاتحاد فى جميع الأمور ولعله يمكن أن تكون المماثلة فى النداء
بهذا القول ، وأما إدخاله فى أثناء الأذان بدل الحيلتين فلعله يكون ناشئاً من رأيه
- رضى الله عنه - فعلى هذا لا يستدل بذلك على إدخاله فى أثناء الأذان، كيف
وقد أجمعوا على أن فى الأذان ينادى بها، واختلفوا فى إدخال هذه الكلمة فى الأذان
هل يدخل فى أثنائه أو ينادى بها بعده ولم يقل أحد منهم أن يترك الحيملتين ويدخل
بها فى أثنائه بدلهما، والله تعالى أعلم [ فكان الناس استنكروا ] أى أنكروا
وعدوه منكراً [ ذلك] أى هذا الصنيع [ قال ] ابن عباس [ قد فعل ذا] أى
هذا الصنيع [ من هو خير منى] أى رسول اللّه عَ فيه، وفى رواية البخارى:
من هو خير منه، وللكشميهنى منهم، قال الحافظ: ومعنى رواية الباب من هو خير
من المؤذن يعنى فعله مؤذن رسول اللّه مَ ◌ّه وهو خير من هذا المؤذن، قلت :
ويمكن أن يقال إن ضمير الغائب إلى ابن عباس وجعل نفسه غائباً، قال الحافظ :
أما رواية الكشميهنى ففيها نظر ولعل من أذن كان جماعة إن كانت محفوظة أو
(١) وفى نسخة : قال وكأن الناس ..
(٢) وفى نسخة : فقال.
حل المجهود
( ٤٢ )
الجزء السادس
منى أن الجمعة عزمة و إنى كرهت أن أحرجكم فتمشون
فى الطين و المطر .
( باب الجمعة للمملوك والمرأة ) حدثنا عباس بن عبد
العظيم حدثنى إسحاق بن منصور نا هريم عن إبراهيم بن
محمد بن المنتشر عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب
عن النبى يُثّ قال الجمعة حق واجب على كل مسلم فى جماعة
أراد جنس المؤذنين أو أراد : خير من المنكرين [ أن الجمعة عزمة ] بسكون الزاى
ضد الرخصة أى واجبة لكن سقط وجوب السعى و الحضور لعذر المطر [ وإنى
كرهت أن أحرجكم] بالحا المهملة، وفى رواية بالخاء المعجمة ، وفى رواية الحجى
من طريق عاصم إنى أو ثمكم وهى ترجح رواية من رأى أحرجكم بالحاء المهملة
[ فتمشون فى الطين] أى الوحل [ والمطر] ومناسبة هذا الحديث بالباب ظاهرة
وكذلك مناسبة الأحاديث المتقدمة بالباب، وأما مناسبة الباب بأبواب الجمعة فان
الجماعة مشتملة على صلاة الجمعة وغيرها .
[ باب الجمعة الملوك والمرأة، حدثنا عباس بن عبد العظيم حدثنى إسحاق بن
منصور ] السلولى [نا هريم] مصغراً ابن سفيان البجلى أبو محمد الكوفى وثقه ابن
معين و أبو حاتم وذكره ابن حبان فى الثقات ، وقال عثمان بن أبى شيبة صدوق
ثقة ، وقال الدارقطنى: صدوق، وقال البزار: صالح الحديث ليس بالقوى [عن
إبراهيم بن محمد بن المنتشر] بن الأجدع الهمدانى الكرفى، ثقة [عن قيس بن مسلم]
الجدلى: بحيم ودال مفتوحتين، العدوانى، أبو عمر الكوفى، ثقة رمى بالارجاء [عن
طارق بن شهاب] بن عبدشمس البجلى الأحمسى أبو عبد الله رأى النبي مَّ ويقال
إنه لم يسمع منه شيئاً، قال أبو حاتم: ليست له صحبة والحديث الذى رواه مرسل
و إذا ثبت أنه أتى النبيِ نَّم فهو صحابى على الراجح وإذا ثبت أنه لم يسمع منه
هروايته عنه مَّ مرسل صحابى وهو مقبول على الراجح [عن النبى معَ ◌ّه قال
بذل المجهود
(٤٣ )
الجزء السادس
إلا أربعة ، عبد مملوك أو امرأة أو صبى أو مريض، قال
أبوداؤد: طارق بن شهاب قد رأى النبي ◌ّ (١) ولم يسمع
الجمعة] أى صلاتها [ حق واجب (٢) على كل مسلم فى جماعة إلا أربعة، عبد ملوك
أو امرأة أو صى أو مريض ] عند الخفية لوجوب الجمعة ستة شرائط: العقل
و البلوغ والحرية والذكورة والاقامة وصحة البدن فلا تجب الجمعة على المجانين
و الصيان ولا على العيد إلا باذن مواليهم و النساء و المسافرين و المرضى، أما
الحرية فلان منافع العبد ملوكة لمولاه إلا فيما استثنى وهو أداء الصلوات الخمس على
طريق الانفراد لما فى الحضور إلى الجماعة وانتظار الامام والقوم من تعطيل كثير
من المنافع على المولى ولذا لا يجب عليه الحج ولا الجهاد و هذا المعنى موجود
فى السعى إلى الجمعة وانتظار الامام والقوم فسقطت عنه الجمعة و أما الاقامة فلأن
المسافر يحتاج إلى دخول المصر وانتظار الامام والقوم فيتخلف عن القافلة
فيلحقه الحرج، وأما المريض فلأنه عاجز عن الحضور أو يلحقه الحرج فى الحضور،
وأما المرأة فلأنها مشغولة بخدمة الزوج منوعة عن الخروج إلى محافل الرجال لكون
الخروج سياً إلى الفتنة ولهذا لا جماعة عليهن أيضاً ، وأما الأعمى فأجمعوا على أنه
إذا لم يجد قائداً لا تجب عليه و أما إذا وجد قائداً بطريق التبرع أو بالاستيجار
فكذلك فى قول أبى حنيفة لأن عنده القادر بقدرة الغير غير قادر وفى قول أبیوسف
ومحمد يحب، فعندهما القادر بقدرة الغير قادر، وأما الصبي والمجنون فليسا من أهل الوجوب
فصلاة الصبى إذا صلى تكون تطوعاً ولا صلاة لمجنون رأساً (( ملخص من البدائع،
[ قال أبو داؤد: طارق بن شهاب قد رأى النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسمع
(١) وفى نسخة: وهو يعد من أصحاب النبي محمد له .
(٢) قال الشعرانى فى ميزانه قول الأئمة إنها لا تجب على صى ولا عبد و لا
مسافر ولا امرأة إلا فى رواية لأحمد فى العبد خاصة ، وقال داؤد : تجب .
بذل المجهود
( ٤٤ )
الجزء السادس
منه شيئاً .
( باب الجمعة فى القرى (١) حدثنا عثمان بن أبى شيبة
و محمد بن عبد الله المخرمى لفظه قالا ناوكيع عن إبراهيم
بن طهمان عن أبى جمرة عن ابن عباس قال إن أول جمعة
جمعت فى الاسلام بعد جمعة جمعت فى مسجد رسول الله
منه شيئاً ] فعلى هذا الحديث مرسل صحابى وهو حجة ، وقد تقدم.
[ باب الجمعة فى القرى] أى حكم الجمعة فى القرى فتجب على أمل القرى أن
يجمعوا فيها ، والقرى جمع قرية على غير قياس ، قال الجوهرى : لأن ما كان على
فعلة يفتح الفاء من المعتل لجمعه ممدود مثل ركوة وركاء و ظبية وظباء ، بجاء قرى
مخالفاً لبابه لا يقاس عليه و النسبة إليها قروى ، وقال ابن الأثير : القرية من
المساكن والأبنية والضياع وقد تطلق على المدن ، وقال صاحب المطالع : القرية
المدينة ، وكل مدينة قرية لاجتماع الناس فيها من قريت الماء فى الحوض .
[ حدثنا عثمان بن أبى شيبة ومحمد بن عبد اللّه] بن المبارك [المخرمى] بمعجمة
وتثقيل راء [لفظه] خبر لمبتدأ محذوف أى لفظ الحديث لفظ محمد بن عبد الله [قالا
نا وكيع عن إبراهيم بن طهمان عن أبى جمرة] نصر بن عمران الضبعى [عن ابن عباس]
هكذا رواه الحفاظ من أصحاب إبراهيم بن طهمان عنه وخالفهم المعافى بن عمران
فقال عن ابن طهمان عن محمد بن زياد عن أبى هريرة أخرجه النسائى (٢) وهو
خطأ من المعافى، ومن ثم تكلم محمد بن عبد الله بن عمار فى إبراهيم بن طهمان
ولا ذنب له فيه كما قاله صالح جزرة، وإنما الخطأ فى إسناده من المعافى ويحتمل (٣)
أن يكون لابراهيم فيه إسنادان [قال] أى ابن عباس [إن أول جمعة جمعت]
على بناء المفعول من التفعيل [ فى الاسلام بعد جمعة جمعت فى مسجد رسول الله
(٢) ذكره فى هامش النسخ المصرية من النسائى
(١) وفى نسخة : والمدن.
ليس فى النسخ التى بأيدينا. (٣) هكذا ذكره الغينى احتمالا .
بذل المجهود
(٤٥)
الجزء السادس
◌َبيع بالمسدينة لجمعة جمعت بجواثى قرية من قرى البحرين
قال عثمان قرية من قرى عبد القيس .
◌َُّ بالمدينة] ووقع فى رواية المعافى بمكة وهو خطأ بلا مرية [ لجمعة جمعت
بجوانى] بضم الجيم و تخفيف الواو بالثاء المثلثلة وبالقصر ومنهم من يهزها [قرية
من قرى البحرين ] هكذا يتلفظ بها فى حال الرفع والنصب والجر ولم يسمع على
لفظ المرفوع من أحد منهم إلا أن الزمخشرى حكى أنه بلفظ التثنية فيقولون هذه
البحران و انتهينا إلى البحرين وهو اسم جامع لبلاد على ساحل بحر الهند بين
البصرة وعمان [ قال عثمان] بن أبى شيبة [ قرية من قرى عبد القيس ] أشار
المصنف إلى الفرق بين لفظ عثمان والمخرمى فان فى لفظ المخرمى نسبة إلى المملكة ، وفى
لفظ عثمان نسبة إلى القبيلة ، فان عبد القيس علم لقبيلة كانوا ينزلون بالبحرين .
استدل الشافعية بهذا الحديث على أن الجمعة تقام فى القرية، قلنا: لا نسلم
أنها قرية بل هى مدينة حكى ابن التين عن الشيخ أبى الحسن أنها مدينة ، وقال أبو
عبيد البكرى هى مدينة بالبحرين لعبد القيس ، قال امرؤ القيس :
ورحنا كأنا من جوائى عشية - تعالى النعاج بين عدل ومحقب
يريد كأما من تجار جوائى لكثرة ما معهم من الصيد وأراد كثرة أمتعة تجار جواثى ،
قله: كثرة الأمتعة تدل غالباً على كثرة التجار، وكثرة التجار تدل على أن
جوائى مدينة قطعاً، لأن القرية لا تكون فيه تجار كثيرون غالباً عادة ، قيل : كان
سكن فيها فوق أربعة آلاف نفس، و القرية لا تكون كذلك ، وإطلاق القرية عليها
كاطلاق القرية على المدينة فى القرآن كما فى قوله تعالى: « وقالوا لو لا نزل هذا
القرآن على رجل من القريتين عظيم، يعنى مكة و طائف، وكما فى قوله تعالى:
(( واسأل القرية التى كنا فيها، وهى مصر، وكما فى قوله تعالى: (( وكاين من
قرية هى أشد قوة من قريتك التى أخرجتك أهلكناهم، وقال صاحب معجم البلدان
بذل المجهود
( ٤٦ )
الجزء السادس
جواثى بالضم وبين الألفين ثاء مثلة يمد ويقصر وهو علم مرتجل حصن لعبد
القيس بالبحرين فتحه العلاء بن الحضرمى فى أيام أبى بكر الصديق رضى الله تعالى عنه
سنة ١٢ (١) « عنوة، وقال ابن الأعرابى جوائى مدينة الخط، والمشفر مدينة هجر،
وابن سلمنا أنها قرية فليس فى الحديث أنه مَيّ اطلع على ذلك وأقرهم عليه ،
وقولهم الظاهر أن عبد القيس لم يجمعوا إلا بأمر النبي عَ لى لا يكفيهم فى معرض
الاستدلال، واختلف العلماء فى الموضع الذى تقام فيه الجمعة ، فقال : مالك كل قرية
فيها مسجد أو سوق فالجمعة واجبة على أهلها ولا يجب على أهل العمود وإن كثروا
لأنهم فى حكم المسافرين، وقال الشافعى وأحمد : كل قرية فيها أربعون رجلا
أحراراً بالغين عقلاء مقيمين بها لا يظعنون عنها صيفاً وشتاء إلاظعن حاجة فالجمعة.
واجبة عليهم سواء كان البناء من خشب أو حجر أو طين أو قصب أو غيرها
بشرط أن تكون الأبنية مجتمة فان كانت متفرقة لم تصح ، وأما أهل الخيام فان كانوا
ينتقلون من موضعهم شتاء أو صيفاً لم تصح الجمعة بلا خلاف، وإن كانوا دائمين
فيها شتاء وصيفاًوهى مجتمعة بعضها إلى بعض ففيه قولان أصحهما لا تجب عليهم الجمعة ولا
تصح منهم وبه قال مالك، والثانى تجب عيلهم وتصح منهم وبه قال أحمد وداؤد ومذهب
أبى حنيفة رضى الله تعالى عنه لا تصح الجمعة إلا فى مصر جامع أو فى مصلى المصر،
ولا تجوز فى القرى، وتجوز فى منى إذا كان الأمير أمير الحاج أو كان الخليفة
مسافراً، وقال محمد : لاجمعة بمنى ، ولا تصح بعرفات فى قولهم جميعاً ، وقال أبو
بكر الرازى فى كتابه الأحكام : اتفق علماء الأمصار على أن الجمعة مخصوصة بموضع
لا يجوز فعلها فى غيره لأنهم مجتمعون على أنها لا تجوز فى البوادى ومناهل الأعراب،
وذكر ابن المنذر عن ابن عمر أنه كان يرى على أهل المناهل والمياه أنهم يجمعون.
(١) مكذا فى معجم البلدان و بشكل عليه أنه إذا فتحت فى زمن الصديق فكيف
الجمعة فيها باذنه عَّم كما ادعته الشافعية ، والجواب أن تجميعهم هذا كان بعد
رجوع وفدهم كما سيأتى ؛ باً .
بذل المجهود
( ٤٧ )
الجزء السادس
واستدل أبو حنيفة على أنها لا تجوز فى القرى بما رواه عبد الرزاق فى
مصنفه: أخبرنا معمر عن أبى إسحاق عن الحارث عن على رضى اللّه تعالى عنه قال لا
جمعة ولا تشريق إلا فى مصر جامع، ورواه ابن أبى شيبة فى مصنفه : حدثنا
عباد بن العوام عن حجاج عن أبى إسحاق عن الحارث عن على رضى الله عنه قال :
لا جمعة ولا تشريق ولا صلاة فطر ولا أضحى إلا فى مصر جامع أو مدينة
عظيمة ، وروى أيضاً بسند صحيح حدثنا جرير عن منصور عن طلحة عن سعد بن
عبيدة عن أبى عبد الرحمن أنه قال قال على رضى الله عنه: لا جمعة ولا تشريق
إلا فى مصر جامع ، فان قلت : قال النووى : حديث على ضعف متفق على ضعفه
وهو موقوف عليه بسند ضعيف منقطع، قلت: كأنه لم يطلع إلا على الأمر الذى
فيه حجاج بن أرطاة ، ولم يطلع على طريق جرير عن منصور فإنه سند صحيح ولو
اطلع لم يقل ما قاله ، وأما قوله : متفق على ضعفه فزيادة من عنده فلا يدرى من
سلفه فى ذلك ، على أن أبا زيد زعم فى الأسرار أن محمد بن الحسن قال : رواه
مرفوعاً معاذ و سراقة بن مالك ، قلت : قال الحافظ فى الدراية : روى عبد الرزاق
عن على موقوفاً لا تشريق ولا جمعة إلا فى مصر جامع، وإسناده صحيح ، وقال
الشوكانى فى النيل : واحتجوا بما روى عن على عليه السلام مرفوعاً ، لا جمعة
ولا تشريق إلا فى مصر جامع ، وقد ضعف أحمد رفعه و صحح ابن حزم وقفه ،
أما استدلال الشافعية بحديث جوائى فغير مستقيم بل الحق ما قال الشيخ النيموى فى
آثار السنن بعد نقل هذا الأثر: إن هذا الأمر يستفاد منه أن الجمعة تخص بالمدن
كالمدينة وجوائى ولا تجوز فى القرى، وقال فى تعليقه: قوله : إن الجمعة تخص
بالمدن ، قلت لأن الجمعة فرضت بمكة قبل نزول سورة الجمعة على ما قاله الشيخ أبو
حامد و العلامة السيوطى فى الاتقان و رسالته ضوء الشعفة، والشيخ ابن حجر
المكى فى شرح المنهاج و الشوكانى فى النيل وهو الأصح خلافاً للحافظ ابن حجر
ولم يتمكن النبى معَّ من إقامتها هناك فصلى أول جمعة بالمدينة حين قدم ، وإن
بذل المجهود
( ٤٨ )
الجزء السادس
أهل جوائى إنما جمعوا بعد رجوع وفدهم إليهم كما قاله الحافظ فى الفتح و قدومهم
إنما كان بعد تحريم الخمر بل بعد فريضة الحج على ما يقتضيه رواية أحمد عن ابن
عباس فى قصة وفد عبد القيس بذكر الحج وفرض الحج كان سنة ست من الهجرة
على الأصح ، وعلى قول الواقدى أن قدومهم كان سنة ثمان قبل فتح مكة ، وفى
أثناء هذه المدة كان الاسلام قد انتشر فى أكثر القرى وكثير من أهلها لا يشهدون
الجمعة بالمدينة ولو كانت الجمعة جائزة فى القرى لأقيمت فى قريتهم قبل جواثى ،
انتهى، قلت: وأصرح من ذلك أن رسول اللّه مَاللّه لما هاجر إلى المدينة أقام فى
قباء (وهى قرية قرب المدينة، قال يعقوب بن عبد الله فى معجم البلدان : قباء
بالضم وأصله اسم بتر هناك عرفت القرية بها وهى مساكن بنى عمرو بن عوف) أربعة
عشر يوماً أو أربعة وعشرين كما فى البخارى على اختلاف نسخها ووقعت الجمعة فى
أثاثها ولم يثبت أن رسول اللّه مَ لقوله صلى فيها الجمعة ولم يأمرهم أن يجمعوا فيها
وسار يوم الجمعة يريد المدينة لجمع فى مسجد بني سالم بن عوف بن عمرو بن عوف
بن الخزرج وهى محلة من المدينة فكانت أول جمعة جمعت فى الاسلام ثبت بهذا
أن رسول اللّه مَ ◌ّه لم يصل الجمعة فى القرى، ولم يأمر بها فيها فعلم بهذا أن القرى
ليس محل إقامة الجمعة كما أن البرارى ليس محل إقامتها ، وقد ثبت برواية مسلم أن
رسول اللّه عَّه لما وقف بعرفات فى حجة الوداع يوم الجمعة لم يصل الجمعة فيها بل
صلى فيها الظهر.
١- فان قلت عن أبى هريرة أنهم كتبوا إلى عمر يسألونه عن الجمعة فكتب جمعوا
حيث ما كنتم ، رواه أبو بكر بن أبى شيبة وسعيد بن منصور وابن خزيمة والبيهقى
وقال: إستاده حسن .
٢- وروى الدارقطنى باسناده عن الزهرى عن أم عبد الله الدوسية قالت: قال
رسول اللّه ◌َوَّه الجمعة واجبة على أهل كل قرية فيها إمام وإن لم يكونوا إلا أربعة،
وزاد أبو أحمد الجرجانى حتى ذكر النبي مَ ◌ّ ثلاثة
بذل المجهود
(٤٩)
الجزء السادس
٣- وفى المصنف عن مالك كان أصحاب النبي مَّ فى هذه المياه بين مكة والمدينة
يجمعون .
٤- وروى أبو داؤد بسنده عن كعب بن مالك أنه كان إذا سمع النداء يوم الجمعة
ترحم لأسعد بن زرارة فقلت له : إذا سمعت النداء ترحمت لأسعد بن زرارة، قال
لأنه أول من جمع بنا فى هزم النبيت من حرة بنى باضة فى نقيع يقال له نقيع
الخضمات ، قلت كم كنتم يومئذ قال أربعون .
٥- وفى المعرفة قال الزهرى: لما بعث النبي مَ ◌ّم مصعب بن عمير إلى المدينة
ليقرنهم القرآن جمع بهم وهم اثنا عشر رجلا فكان مصعب أول من جمع الجمعة
بالمدينة بالمسلمين قبل أن يقدمها رسول الله {تم
٦- وعن جعفر بن برقان قال كتب عمر بن عبد العزيز - رضى الله عنه - إلى عدى
بن عدى أماأهل قرية ليسوا بأهل عمود فأمر عليهم أميراً يجمع بهم رواه البيهقى(١).
قلت : الجواب عن الأول معناه جمعوا حيث ما كنتم من الأمصار ، وقد
خصه الشافعية بالقرية التى فيها أربعون رجلا ونحن نخص بالأمصار ألا ترى أنه لا
تجوز فى البرارى بالاتفاق ، وعن الثانى أن رواته كلهم عن الزهرى مترو كون ولا
يصح سماع الزهرى عن الدوسية ، قلت : وشرحه ما قال صاحب التعليق المغنى على
الدار قطنى حديث أم عبد الله الدوسية أخرجه المؤلف بثلاث طرق ، ففى الأولى منها
معاوية بن يحيى الدمشقى أبو روح ، قال ابن عدى : عامة رواياته فيها نظر، وقال
أبو زرعة : ليس بشئى ، وقال أبو حاتم والنسائى وأبو داؤد : ضعيف الحديث ،
و أما معاوية بن سعيد التجيبى فلا نعلم فيه حرجاً إلا قول الدارقطنى فى حق الوليد
بن محمد ولايصح هذا عن الزهرى، كل من رواه عنه متروك فيشمل فى هذا العموم
معاوية بن سعيد أيضاً ، لكن لا يخلو هذا عن بعد ، وفى الثانية الوليد بن محمد
لمؤقرى ، قال الدارقطنى متروك، وقال أبو حاتم : ضعيف الحديث، وكذبه
(١) و حديث عبد عثمان إذا صلى أميراً على الربذة مع عشرة من الصحابة الجمعة
بالربذة أجاب عنه الحلبي بأنها صارت مدينة إذ ذاك .
بدل المجهود
(٥٠ )
الجزء السادس
يحيى بن معين ، وقال النسائى : متروك الحديث ، وفى الثالثة الحكم بن عبد الله بن
سعد ، قال الدار قطنى: متروك ، وكذا النسائى وجماعة ، وقال البخارى: تركوه .
قلت : قال الذهبي فى الميزان : كان ابن المبارك شديد الحمل عليه ، وقال أحمد
أحاديثه كلها موضوعة ، وقال ابن معين : ليس بثقة ، وقال السعدى وأبوحاتم :
كذاب، وقال النسائى و الدارقطنى وجماعة: متروك الحديث، انتهى، ثم قال
ومدار الاسناد كله على الزهرى ولم يثبت سماعه عن أم عبد الله الدوسية فالحديث
مع ضعف رواته منقطع أيضاً فلا ينتهض للاحتجاج به ، انتهى ، وعن الثالث بأنه
ليس فيه دليل على وجوب الجمعة على أهل القرى ، قلت : ومع هذا فى إسناده
انقطاع، وعن الرابع وفيه محمد بن إسحاق ، قال البيهقى : الحفاظ يتوقون ما ينفرد
به محمد بن إسحاق ، وهنا قد تفرد به، وقلت : ومع هذا فكان تجميعهم هذا
من قبل رأيهم (١) من قبل أن تشرع الجمعة بأمر النبي مؤلّه كما يدل عليه مرسل ابن
سيرين، رواه عبد الرزاق باسناد صحيح ولفظه: قال جمع أهل المدينة قبل أن يقدمها
رسول اللّه مَّه وقبل أن تنزل الجمعة فقالت الأنصار إن اليهود يوماً يجتمعون فيه
كل سبعة أيام والنصارى كذلك فهلم فلنجعل يوماً تجتمع فيه فتذكر الله تعالى ونصلى
ونشكره لجعلوه يوم العروبة و اجتمعوا إلى أسعد بن زرارة فصلى بهم يومئذ،
الحديث ، ثم لو سلم صحة هذا الحديث و تجميعهم بالنص فهزم النبيت ليس خارج
المدينة بل هو داخل فيها، فقد قال صاحب معجم البلدان فى لفظ الهزم: بالفتح ثم
السكون، والهزم مما اطمأن من الأرض، جرى فى هذا المكان بحث وتفتيش وسؤال
وقد اقتضى أن أذكره هاهنا و ذلك أن بعض أهل العصر زعم أنه نقل عن أسعد
بن زرارة أنه جمع بأهل المدينة قبل مقدم رسول اللّه مَ يقع فى أول جمعة فى هزم بنى
النبيت فطلبنا نقل ذلك من المسافيد فوجدنا فى معجم الطبرانى باسناده مرفوعاً إلى
محمد بن إسحاق قال حدثى محمد بن أبى أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه قال حدثنى
(١) وبهذا أجاب الزيلعى على الكنز .
بذل المجهود
(٥١ )
الجزء السادس
عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال كنت يوماً قائداً لأبى حين كف بصره فاذا
خرجت به إلى الجمعة استغفر لأبى أمامة أسعد بن زرارة فقلت يا ابتاه رأيت
استغفارك لأسعد بن زرارة كلما سمعت الأذان بالجمعة فقال يابنى أسعد أول من جمع
بنا بالمدينة قبل مقدم النبي مَّ فى هزم من حرة بنى بياضة فى نقيع الخضمات فقلت
كم كنتم يومئذ فقال أربعون رجلا ، وفى كتاب الصحابة لأبي نعيم الحافظ باسناده
إلى محمد بن إسحاق ثم باسناده إلى كعب بن مالك وفيه فقال يا بنى إنه كان أول من
جمع لنا الجمعة بالمدينة فى هزم من حرة بنى بياضة فى نقيع يقال له الخضمات ، وفى
كتاب معرفة الصحابة لأبى عبد الله محمد بن إسحاق بن مندة رفعه إلى محمد بن إسحاق
إلى آخر السند، ولفظه : فقال أى بنى أسعد بن زرارة كان أول من جمع بالمدينة
قبل مقدم النبي ◌َّل فى هزم من حرة بنى بياضة فى نقيع الخضمات ، وفى كتاب
الاستيعاب لابن عبدالبر أن أسعد بن زرارة كان أول من جمع بالمدينة فى هزمة من
حرة بنى بياضة يقال لها نقيع الخضمات . انتهى .
فهذا يدل صريحاً على أن هزم النبيت هو فى المدينة ، وعن الخامس أن النبى
معرفة لم يأمرهم بذلك ولا أقرهم عليه ولو سلم فهو واقعة المدينة وهى ليست بقرية
بلا خلاف ، وعن السادس أن قول عمر بن عبد العزيز رواه البيهقى من طرق فقى
الأول إبراهيم بن محمد الأسلمى ، قال فى التهذيب قال القطان: سألت مالكا عنه
أكان ثقة ، قال لا ، ولا ثقة فى دينه ، وقال عبدالله بن أحمد عن أبيه كان قدرياً
معتزلياً جهمياً كل بلاء فيه ، قال أبو طالب عن أحمد: لا يكتب حديثه ترك الناس
حديثه كان يروى أحاديث منكرة لا أصل لها وكان يأخذ أحاديث الناس يضعها فى
كتبه ، وقال بشر بن المفضل سألت فقها. أهل المدينة عنه فكلهم يقولون كذاب ،
وقال على بن المدينى عن يحيى بن سعيد: كذاب ، وقال المعيطى عن يحيى بن سعيد :
كنا نتهمه بالكذب - إلى آخر ما قال الحافظ فى تهذيبه تحت ترجمته ، وفى الثانى
أخبرنى الثقة وهو ليس بحجة عن سليمان بن موسى هو الأشدق متكلم فيه، وفى الثالث
بذل المجهود
( ٥٢ )
الجزء السادس
حدثنا قتيبة بن سعيد نا ابن إدريس عن محمد بن إسحاق
عن محمد بن أبى أمامة بن سهل (١) عن أبيه عن عبدالرحمن
بن كعب بن مالك وكان قائد أبيه بعد ما ذهب بصره عن
أبيه كعب بن مالك أنه كان إذا سمع النداء يوم الجمعة ترحم
لأسعد بن زرارة فقلت له إذا سمعت النداء ترحمت لأسعد
بن زرارة قال لأنه أول من جمع بنا فى هزم النبيت من
أتانا كتاب عمر وهو خلاف، وفى سنده أبو نعيم الحربى ، قال النسائى: ليس
بالقوى ، وقال الحاكم أبو أحمد حدث بأحاديث لا يتابع عليها ورواه عنه سعيد
الحلبى لم أعرف حاله ، والطريق الرابع كتاب أيضاً ، وفى سنده معاوية بن صالح
كان يحيى بن سعيد لا يرضاه ، وقال الرازى لا يحتج به ، وقال الأزدى : ضعيف،
ثم فيه ذكر الخمسين وفيه دليل على اضطراب رأى عمر بن عبد العزيز فى ذلك ثم
لو صح ذلك وسلم من الاضطراب فرأى عمر ليس بحجة، والله تعالى أعلم .
[ حدثنا قتيبة (٢) بن سعيد نا ابن إدريس ] لم أجده صريحاً فى شئ من
الكتب و الغالب على الظن أنه عبد الله بن إدريس الأودى [ عن محمد بن إسحاق
عن محمد بن أبى أمامة بن سهل] بن حنيف [ عن أبيه عن عبد الرحمن بن كعب بن
مالك وكان ] عبد الرحمن [قائد أبيه] كعب [ بعد ما ذهب بصره ] أى عمى
[ عن أبيه كعب بن مالك أنه] أى كعب بن مالك [كان إذا سمع النداء يوم الجمعة]
أى أذان الجمعة [ترحم] أى دعا بالرحمة [لأسعد بن زرارة فقلت له إذا سمعت النداء
ترحمت لأسعد بن زرارة [ فما وجهه [ قال] كعب [ لأنه] أى أسعد بن زرارة
(١) و فى نسخة : سهل بن حنيف.
(٢) واستدل صاحب الروض المربع بهذا الحديث على جوازها فى صحراء قرب
البلدة ، لأنها على ميل من المدينة المنورة .
بذل المجهود
(٥٣ )
الجزء السادس
حرة بنى بياضة فى نقيع يقسال له نقيع الخضمات قلت *
كم أنتم يومئذ قال أربعون .
[ أول من جمع بنا] أى صلى الجمعة بنا [ فى هزم النبيت ] الهزم (١) بفتح الهاء
وسكون الزاى بعدها ميم موضع بالمدينة ، والنبيت (٢) بفتح النون وكسر الماء
المؤحدة بعدها التحتانية و فى آخره تاء مثناة من فوق وهى حى من اليمن [ من
حرة] الحرة أرض ذات حجارة سود نخرة كأنها أحرقت بالنار ، وقال أبو عمرو
تكون الحرة مستديرة فإذا كان فيها شئى مستطيل ليس بواسع فذلك الكراع واللابة
والحرة بمعنى، والحرار فى بلاد العرب كثيرة أكثرها حوالى المدينة (٣) إلى الشام
كذا فى معجم البلدان ، وقال العينى : الحرة بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء قرية
على ميل من المدينة [ بنى بياضة] وبنو بياضة بطن من الأنصار منهم سلمة بن
صخر البياضى له صحبة [ فى نقيع ] بفتح النون وكسر القاف وسكون الياء آخر
الحروف وفى آخره عين مهملة بطن من الأرض يستنقع فيه الما مدة فاذا نضب الماء
أنبت الكلا [يقال له نقيع الخضمات] بفتح الخاء وكسر الضاد المجمتين، قال
ابن الأثير : نقيع الخضمات موضع بنواحى المدينة ، وكذا فى اللسان [ قات ]
وهذا قول عبدالرحمن لأنه كعب [ كم أنتم يومئذ قال ] أى كعب [أربعون (٤)].
(١) أصل الهزم المنخفض من الأرض (٢) اسم أبى حى من اليمن كذافى المنهل.
(٣) ولا يصح الاستدلال به على الجمعة فى القرى كما تقدم قريباً .
(٤) قال الحافظ: واختلفوا فى عدد من يصلى بهم الجمعة على خمسة عشر قولا
ثم ذكرها وفروع الشافعية والحنابلة على اشتراط أربعين كما فى الأوجز مع
الامام، وعند المالكية اثنا عشر رجلا سوى الامام كما فى الشرح الكبير، و عندنا
ثلاثة سوى الامام عندالامام أبى حنيفة ومعه عند صاحبه كما فى الهداية ، وفى رواية
لأحمد خمسون رجلا ، وبه قال عمر بن عبد العزيز ، وقيل لا تعقد إلا بثمانين
كذا فى المنهل . * وفى نسخة: فقلت.
بذل الجهود:
(٥٤ )
الجزء السادس
( باب إذا وافق يوم الجمعة (١) يوم عيد ) حدثنا محمد بن
كثير أنا إسرائيل نا عثمان بن المغيرة عن إياس بن أبى
رملة الشامى قال شهدت معاوية بن أبى سفيان وهو يسأل
زيد بن أرقم قال أشهدت (٢) مع رسول اللّه ثقيل عيدين
اجتمعا فى يوم (٣) قال نعم قال فكيف صنع قال صلى
العيد ثم رخص فى الجمعة فقال من شاء أن يصلى فليصل
[باب إذا وافق يوم الجمعة يوم عيد] فما حكم الصلاة فيه [ حدثنا محمد بن
كثير أنا إسرائيل] بن يونس [ما عثمان بن المغيرة] الثقفى مولاهم أبو المغيرة الكوفى
وهو عثمان الأعشى وهو عثمان بن أبى زرعة ثقة [عن إياس بن أبى رملة الشامى] ذكره
ابن حبان فى الثقات، وقال ابن المنذر: مجهول ، قال ابن القطان: هو كما قال [قال]
إياس [ شهدت معاوية بن أبى سفيان وهو ] الواو الحال والضمير إلى معاوية
[ يسأل زيد بن أرقم قال] معاوية لزيد [أشهدت] الهمزة للاستفهام [ مع رسول
اللّهِ عَِّ عِيَدَيْنِ] أى العيد والجمعة [ اجتمعا فى يوم واحد قال ] أى زيد [ نعم
قال] أى معاوية [فكيف صنع] رسول الله مَ﴾ [قال] زيد [ صلى العيد
ثم رخص في الجمعة فقال من شاء أن يصلى} الجمعة [ فيصل] أى ومن شاء أن
يكتفى صلاة العيد تكفيه لحضوره عن الجمعة ، قال الذهبى فى الميزان فى ترجمة إياس
بن أبى رملة فى حديث زيد بن أرقم حين سأله معاوية قال ابن المنذر : لا يثبت
هذا فإن أناساً مجهول ، وقال فى الخلاصة و التقريب : مجهول، وقال الأمير
اليمانى : صححه ابن خزيمة ، وقال الشوكانى صححه على بن المدينى وفى إسناده إياس
بن أبى رملة و هو مجهول، قلت: وصححه الحاكم فى المستدرك، و الذهبى فى
(١) وفى نشخة؛ يوم جمعة.
(٢) وفى نسخة : هل شهدت .
(٣) وفى نسخة : يوم واحد .
م.
بذل المجهود
( ٥٥ )
الجزء السادس
حدثنا محمد بن طريف البجلى ذا أسباط عن الأعمش عن
عطاء بن أبي رباح قال صلى بنا ابن الزبير فى يوم عيد فى
يوم جمعة أول النهار ثم رحنا إلى الجمعة فلم يخرج إلينا
فصلينا وحداناً وكان ابن عباس بالطائف فلما قدم ذكرنا
ذلك له فقال أصاب السنة .
حدثنا يحيى بن خلف نا أبوعاصم عن ابن جريج قال قال
عطاء اجتمع يوم جمعة ويوم فطر عسلى عهد ابن الزبير
فقال عيدان اجتمعا فى يوم واحد نجمعهما جميعاً فصلاهما
ركعتين بكرة لم يزد عليهما حتى صلى العصر .
تلخيصه والعجب منهم كيف صحوه وفى إسناده إياس بن أبى رملة وهو مجهول
أو مختلف فيه
[ حدثنا محمد بن طريف] بن خليفة [ البجلى ] أبو جعفر الكوفى صدوق
[نا أسباط] بن محمد [عن الأعمش عن عطاء بن أبي رباح قال صلى بنا ابن الزبير
فى يوم عيد فى يوم جمعة أول النهار] ولعل هذه القصة وقعت فى مكة حين كان خليفة
فيها [ ثم رحنا ] أى قريباً من الزوال [ إلى الجمعة فلم يخرج إلينا فصاينا] أى
الظهر [وحداناً وكان ابن عباس بالطائف فلما قدم] من الطائف [ ذكرنا ذلك
له فقال] ابن عباس [ أصاب ] ابن الزبير [ السنة ] قال الشوكانى: و فعل ابن
الزبير و قول ابن عباس أصاب السنة ، رجاله رجال الصحيح .
[ حدثنا يحيى بن خلف نا أبو عاصم عن ابن جريج قال قال عطاء اجتمع
يوم جمعة ويوم فطر على عهد ابن الزبير ] أى خلافته [ فقال ] ابن الزبير [عيدان
اجتمعا فى يوم واحد ] أى العيد والجمعة [ لجمعهما] أى أداهما بجماعة [ جميعاً
بذل المجهود
( ٥٦ )
الجزء السادس
حدثنا محمد بن المصفى وعمر بن حفص الوصابى المعنى قالا
نا بقية نا شعبة عن مغيرة الضبى عن عبد العزيز بن رفيع
عن أبى صالح عن أبى هريرة عن رسول اللّه ثم أنه قال
قداجتمع فى يومكم هذا عيدان فمن شاء أجزأه من الجمعة
وإنا مجمعون قال عمر عن شعبة.
فصلاهما ركعتين ] هذا بيان لقوله فجمعهما جميعاً معناه أدى الجمعة والعيد فى ركعتين
[ بكرة] أى قبل الزوال [ لم يرد عليهما حتى صلى العصر] وهذا يقتضى سقوط
الظهر أيضاً لأن ظاهره أنه لم يصل الظهر وفيه دليل على أن الجمعة إذا سقطت
بوجه من الوجوه المسوغة لم يجب على من سقطت عنه أن يصلى الظهر، وإليه ذهب
عطاء حكى عنه ذلك فى البحر .
[ حدثنا محمد بن المصفى ] بن بهلول الحمصى القرشى صدوق له أوهام وكان
يدلس [وعمر بن حفص] بن عمر بن سعد بن مالك الخيرى [الوصابي] بضم الواو
بعدها مهملة خفيفة ومؤحدة هكذا فى التقريب، وقال السمعافى بفتح الواو وتشديد
الصاد المهملة و فى آخرها المؤحدة هذه النسبة إلى وصاب وهو من حمير ونسبه
وصاب بن سهل بن عمرو بن قيس إلى آخر النسب وأخوه جيلان بن سهل وإليه
ينسب الجيلانيون وهما قيلتان من حمير نزلتا حمص ، انتهى، ويقال الأوصابى
الحمصى ، قال فى التقريب : مقبول ، وقال فى التهذيب قال ابن المواق : لا يعرف
حاله [ المعنى قالا نا بقيه] أى ابن الوليد [نا شعبة عن مغيرة الضبى عن عبد
العزيز بن رفيع عن أبى صالح عن أبى هريرة عن رسول اللّه مَ ◌ّم أنه قال قد اجتمع
فى يومكم هذا عيدان ] أى الجمعة والعيد [فمن شاء أجزأه ] أى يجعله كافياً أى
العيد و المراد صلاتها [ من الجمعة] أى من صلاتها [وإنا مجمعون] قال الأمير
اليمانى : والحديث دليل على أن صلاة الجمعة بعد صلاة العيد تصير رخصة يجوز فعلها
بذل المجهود
( ٥٧ )
الجزء السادس
وتركها وهو خاص بمن صلى العيد دون من لم يصلها وإلى هذا ذهب الهادى (١)
وجماعة إلا فى حق الامام وثلاثة معه وذهب عطاء إلى أنه يسقط فرضها عن
الجميع من شاء أن يصلى فلتصل، ولفعل ابن الزبير فانه صلى بهم فى يوم عيد صلاة العيد يوم
الجمعة ، قال عطاء : ثم جئنا إلى الجمعة فلم يخرج إلينا فصلينا وحداناً قال وكان ابن
عباس فى الطائف فلما قدم ذكرنا له ذلك فقال أصاب السنة، وعنده أيضاً أنه يسقط
فرض الظهر ولا يصلى إلا العصر، وأخرج أبو داؤد عن ابن الزبير أنه قال
عيدان اجتمعا فى يوم واحد بجمعهما فصلاهما ركعتين بكرة لم يزد عليهما حتى صلى
العصر ، وعلى القول بأن الجمعة الأصل فى يومها ، والظهر بدل فهو يقتضى صحة
هذا القول لأنه إذا سقط وجوب الأصل مع إمكان أدائه سقط البدل ، و ظاهر
الحديث أيضاً حيث رخص لهم فى الجمعة ولم يأمرهم بصلاة الظهر مع تقدير إسقاط
الجمعة للظهر يدل على ذلك ، وذهب الشافعى و جماعة إلى أنها لا تصير رخصة ،
مستدلين بأن دليل وجوبها عام لجميع الأيام وما ذكر من الأحاديث والآثار لا يقوى
على تخصيصها لما فى أسانيدها من المقال ، انتهى ، وقال الامام الشافعى فى الأم :
( اجتماع العيدين ) أخبرنا الربيع أنا الشافعى أنا إبراهيم بن محمد أنا إبراهيم بن عقبة
عن عمر بن عبدالعزيز قال اجتمع عيدان على عهد رسول اللّه مَ ◌ّه فقال من أحب
أن يجلس من أهل المالية فليجلس من غير حرج ، أخبرنا الربيع أنا مالك عن ابن.
(١) وحكى عن أحمد ولم أجده فى نيل المآرب، وعن مالك لاحق للامام فى
الاذن من الفروض وعندنا والشافعى الاذن لأهل العوالى والبسط فى الأوجر
و فى المنهل كذا عن الحنابلة إلا أنه قال إلا الامام فلا تسقط عنه عندهم لقوله
عليه السلام (( إنا مجمعون، والمالكية روايتان فروى مطرف وغيره الاكتفاء
بالعيد عن الجمعة وروى ابن القاسم عنه أنه لابد للجمعة وهو مشهور المذهب
و قول أبى حنيفة، وقال الشافعية تجب على أهل البلد وراجع مشكل
الآثار للطحاوى .
بدل المجهود
( ٥٨ )
الجزء السادس
شهاب عن أبى عيد مولى ابن أزهر قال شهدت العيد مع عثمان بن عفان بجا. فصلى
ثم انصرف خطب فقال إنه قد اجتمع لكم فى يومكم هذا عيدان فمن أحب من أهل
العالية أن ينتظر الجمعة فلينتظرها ومن أحب أن يرجع فليرجع فقد أذنت له، قال
الشافعى : وإذا كان يوم الفطر يوم الجمعة صلى الامام العيد حين تحل الصلاة ثم
أذن لمن حضره من غير أهل المصر أن ينصرفوا إن شاؤًا إلى أهليهم ولا يعودون
إلى الجمعة و الاختيار لهم أن يقيموا حتى يجمعوا ، أو يعودوا بعد انصرافهم إن
قدروا حتى يجمعوا وإن لم يفعلوا فلا حرج إن شاء الله ، قال الشافعى: ولا
يجوز هذا لأحد من أهل المصر أن يدعوا أن يجمعوا إلا من عذر يجوز لهم به ترك
الجمعة وإن كان يوم عيد، انتهى ، ثم أقول كتب الشيخ مولانا محمد يحي المرحوم
من تقرير شيخه حضرة الشيخ مولانا رشيد أحمد الكتكوهى - رحمه الله تعالى -
ما حاصلة أنه اتفق ذلك فى عهد النبى معَّه بأنه وافق يوم الجمعة يوم عيد، وكان
أهل القرى يجتمعون لصلاة العيدين ما لا يجتمعون لغيرهما كما هو العادة فى أكثر
أهل القرى وكان فى انتظارهم الجمعة بعد الفراغ من صلاة العيد حرج على أهل القرى
فظما فرغ رسول اللّه عَّم من صلاة العيد نادى مناديه من شاء منكم أن يصلى فيصل
ومن شاء الرجوع فيرجع وكان ذلك خطاباً لأهل القرى المجتمعين ثم ، والقرينة
على ذلك بأنه قد صرح فيه بأنا مجمعون ، والمراد فيه من جمع المتكلم أهل المدينة ،
فهذا يدل دلالة واضحة بأن الخطاب فى قوله (( من شاء منكم أن يصلى، إلى أصل
القرى لا إلى أهل المدينة، وأما ابن عباس وابن الزبير فكانا إذ ذاك صغيرين غير
أنهما سمعا المنادى والنداء بآذانهما وإن لم يفيهما ما أريد به فأخر ابن الزبير صلاة
العيد إلى ما قبل الزوال وقدم الجمعة ولعله كان يرى جواز تقديم الجمعة على وقت
الزوال كما يراه آخرون فصلى الجمعة و أدخل فيها صلاة العيد فلهذا لم يصل الظهر
كما يدل عليه ظاهر الرواية ولما كان ابن عباس سمع بأذنه أيضاً ما نودى به فى ذلك
الوقت قال فيه أنه أصاب السنة أى ما سمعته منه مَ ◌ّ من قوله (( من شاء فليصل»
بذل المجهود
(٥٩ )
الجزء السادس
( باب ما يقرأ فى صلاة الصبح يوم الجمعة ) حدثنا مسدد
نا أبو عوانة عن مخول بن راشد عن مسلم البطين عن سعيد
بن جبير عن ابن عباس أن رسول اللّه في كان يقرأ فى
صلاة الفجر يوم الجمعة ((تنزيل (١) السجدة)) ((وهل أتى
على الانسان حين من الدهر » .
حدثنا مسدد نا يحيى عن شعبة عن مخول باسناده و معناه
وزاد فى صلاة الجمعة بسورة الجمعة ((وإذا جاك المنافقون)).
انتهى، [ قال عمر عن شعبة] غرض المصنف بهذا الكلام رحمه الله بيان الفرق بين
لفظ شيخيه محمد بن المصفى وعمر بن حفص بأن محمد بن المصفى قال : حدثنا شعبة ،
وقال عمر بن حفص عن شعبة ، بلفظ عن .
[ باب ما يقرأ فى صلاة الصبح يوم الجمعة، حدثنا مسدد نا أبو عوانة عن
مخول ] كمحمد وقيل كمحجن [بن راشد] أبو راشد بن أبى المجالد الكوفى الخناط
بمهملة ونون مشددة وثقه ابن معين والنسائى، وقال العجلى: ثقة من غلاة
الكوفيين ، وقال الآجرى عن أبى داؤد شيعى وليس له فى البخارى غير حديث
واحد توبع عليه عنده [ عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن
رسول الله مَيقع كان يقرأ فى صلاة الفجر يوم الجمعة تنزيل السجدة(٢)، وهل أتى على
الانسان حين من الدهر ] أى هاتين السورتين فى ركعتيها .
[حدثنا مسدد نا يحيى] القطان [عن شعبة عن مخول باستاده] المتقدم [ومعناه]
أى و معنى حديث مخول المتقدم [ وزاد] أى على ما كان فى الحديث المتقدم [ فى
(١) وفى نسخة : بتنزيل السجدة.
(٢) أنكر ابن العربى الدوام عليه، وحكى فى المنهل عن مالك عدة روايات منها
عن ابن القاسم كراهة تعمد سورة فيها سجدة ، ومن لا يحسن سورة السجدة هل
يقرأ غيرها من سور السجدة أم لا، يختلف عند الفقهاء، بسطه الحافظ فى الفتح.
بذل المجهود
(٦٠ )
الجزء السادس
صلاة الجمعة ] أى ويقرأ فى صلاة الجمعة [ بسورة الجمعة و إذا جاءك المنافقون]
قلت : وقد روى عن بعض الصحابة فى الجمعة قراءة سور أخرى ، فعن النعمان بن
بشير قال : كان يقرأ فى العيدين، وفى الجمعة بسبح اسم ربك الأعلى، وهل أناك
حديث الغاشية وإذا اجتمع العيد والجمعة فى يوم واحد يقرأ بهما فى الصلاتين ،
و عن سمرة بن جندب كان يقرأ فى الجمعة بسبح اسم ربك الأعلى ، وهل أناك
حديث الغاشية ، وفى بعضها كان يقرأ يوم الجمعة على أثر سورة الجمعة هل أناك
حديث الغاشية .
قال الشوكانى : وقد استدل بأحاديث الباب على أن السنة أن يقرأ الامام فى
صلاة الجمعة فى الركعة الأولى بالجمعة ، وفى الثانية بالمنافقين أو فى الأولى بسبح اسم
ربك وفى الثانية بهل أتاك، أو فى الأولى بالجمعة، وفى الثانية بهل أناك، وقال
أبو حنيفة وأصحابه ورواه ابن أبى شيبة فى المصنف عن الحسن البصرى أنه يقرأ
الإمام بما شاء، وقال ابن عينة : أنه يكره أن يتعمد القراءة فى الجمعة بما جاء عن
النبى معَّ لئلا يجعل ذلك من سنتها وليس منها ، قال ابن العربى: وهو مذهب
ابن مسعود ، وحكى ابن عبد البر فى الاستذكار عن أبى إسحاق المروزى مثل قول
ابن عينة، وحكى عن أبى هريرة مثله وخالفهم جمهور العلماء، وكذلك فى
الحديث الأول مشروعية قراءة («تنزيل السجدة)» و«هل أنّاك، فى فجر يوم الجمعة.
قال العراقى : ومن كان يفعله من الصحابة عبد الله بن عباس ومن التابعين
إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف وهو مذهب الشافعى وأحمد و أصحاب الحديث،
وكرمه مالك وآخرون، قال النووى : وهم محجوجون بهذه الأحاديث الصحيحة
الصريحة المروية من طرق، ومذهب الحنفية فى ذلك ما قاله فى الدر المختار وحاشيته .
ويكره التعيين، كالسجدة، و« هل أتى، لصبح كل جمعة لأن الشارع إذا لم يعين
عليه شيئاً تيسيراً عليه كره له أن يعين وعلله فى الهداية بقوله لما فيه من هجر الباقى
وإيهام التفضيل بل يندب قراسهما أحياناً، وفى فتح القدير لأن مقتضى الدليل عدم