Indexed OCR Text

Pages 41-60

بذل المجهود
(٤١ )
الجزء الخامس
الرحمن الرحيم بقول الله عز وجل أثنى على عبدى (١) يقول
العبد مالك يوم الدين يقول الله عز وجل مجدنى عبدى ،
وهذه الآية بينى وبين عبدى يقول العبد إياك نعبد وإياك
نستعين ، فهذه بينى و بين عبدى ولعبدي ما سأل يقول
العبد اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم
غير المغضوب عليهم ولا الضالين ، فهؤلاء لعبدى ولعبدى
من جميع الخلق إلى الحق، [ الحمد للّه (٢) رب العالمين يقول الله عز وجل حمدنى
عبدى يقول ] أى العبد [ الرحمن الرحيم يقول الله عز وجل أثنى على عبدى يقول
العبد مالك يوم الدين يقول الله عز وجل مجدى عبدى] الحمد الثناء بيجميل الفعال ،
والتمجيد الثناء بصفات الجلال، والثناء مشتمل على الأمرين، ولهذا جاء جواباً
الرحمن الرحيم لاشتمال اللفظين على الصفات الذاتية و الفعلية، قاله النووى [ وهذه
الآية ] أى الآتى ذكرها [ بينى وبين عبدى يقول العبد إياك نعبد ] أى نخصك
بالعبادة [ وإياك نستعين] أى نخصك بالاستعانة على العبادة وغيرها، [ فهذه بينى
وبين عبدى] لأن العبادة لله تعالى، والاستعانة من اللّه تعالى [ ولعبدي ما سأل]
أى بعد هذا [ يقول العبد اهدنا الصراط المستقيم] أى ثبتنا على دين الاسلام أو
طريق متابعة الحبيب عليه السلام صراط الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقيين
والشهداء والصالحين، وهذا يدل على مذهب البصريين فى الوقوف من أن أنعمت
عليهم آية بخلاف الكوفيين بناء على أن الفاتحة سبع آيات ولم يذكر البسملة فى هذا
الحديث، [ غير المغضوب عليهم ] أى اليهود [ ولا الضالين] أى النصارى [فهؤلاء]
(١) و فى نسخة: العبد. (٢) قال ابن رسلان هذا أقوى الحجج لمن قال إن
التسمية ليست جزءاً، و لأصحابنا عدة أجوبة ثم ذكرها .

بذل المجهود
(٤٢ )
الجزء الخامس
ما سأل .
حدثنا قتيبة بن سعيد و ابن السرح قالا نا سفيان
عن الزهرى عن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت
يبلغ به النبي ◌َّ قال: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب
أى الآيات [ لعبدى ولعبدي ما سأل] أى غير هذا أو المعنى هذا ، أو نحو هذا
فاندفع ما قاله بعض من لا علم عنده: لا فائدة فى الدعاء ، لأن المدعو إن قدر وقوعه
فهو واقع، وإن فقد الدعاء وإلا فهو غير واقع وإن وقع الدعاء ، قال ابن
الملك : وهذا يرشد إلى سرعة إجابته . قلت: وإلى الرجاء إلى اجابة سائر حاجته
قاله على القارئ .
[ حدثنا قتيبة بن سعيد وابن السرح قالا نا سفيان عن الزهرى عن محمود بن
الربيع عن عبادة بن الصامت يبلغ به النبي مَّه قال ] رسول اللّه عربيى: [لاصلاة
لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب فصاعداً ] أى فما زاد عليها كاشتريته بدرهم فصاعداً، وهو
حال أى فزاد الثمن صاعداً كذا فى المجمع، وفى رواية لمسلم: لا صلاة لمن لم يقرأ
بأم القرآن فصاعداً، وحاصل معنى الحديث لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب
حال كون قراءته زائدة على أم القرآن ، قيل: فى الحديث دلالة على وجوب قراءة
الفاتحة، ولقائل أن يقول: قوله فصاعداً يدفعه لأن الزايد على الفاتحة ليس بواجب ،
قاله الطبي قلت : بل قوله فصاعداً يدل على تأويلنا أن المراد نفى الكمال ، قال العينى
فى شرح حديث أبى هريرة : وإن لم تزد على أم القرآن أجزأت وإن زدت فهو
خير ، استدل به الشافعية على استحباب ضم السورة إلى الفاتحة ، وهو ظاهر الحديث
وعند أصحابنا يجب ذلك، وبه قال ابن كنانة من المالكية ، وحكى عن أحمد
وعندنا ضم السورة أو ثلاث آيات من أى سورة شاء من واجبات الصلاة ، وقد
وردت فيه أحاديث كثيرة منها ما رواه أبو سعيد قال معَة: لا صلاة إلا بفاتحة

بذل المجهود
(٤٣)
الجزء الخامس
فصاعداً ، قال سفيان لمن يصلى وحده .
الكتاب وسورة معها، رواه ابن عدى فى الكامل، وفى لفظ أمرنا رسول اللّه عَ لَّه
أن نقرأ الفاتحة وما تيسر، وفى لفظ لا تجزئى صلاة إلا بفاتحة الكتاب و معها
غيرها ، وفى لفظ وسورة فى فريضة أو فى غيرها، ورواه الترمذى وابن ماجة
من حديث أبى سعيد قال قال رسول الله مريم: مفتاح الصلاة الطهور و تحريمها
التكبير وتحليلها التسليم، و لا صلاة لمن لم يقرأ بالحمد وسورة فى فريضة أو فى
غيرها، وروى أبو داؤد من حديث أبى نضرة عنه قال : أمرنا أن نقرأ بفاتحة
الكتاب وما تيسر، ورواه أحمد وأبو يعلى فى مسنديهما ، وروى ابن عدى من
حديث ابن عمر قال قال رسول اللّه مَّم: لا تجزى" المكتوبة إلا بفاتحة الكتاب،
و ثلاث آيات فصاعداً، وروى أبو نعيم فى تاريخ أصبهان من حديث أبى مسعود
الأنصارى قال: قال رسول اللّه مَّفى: لا تجزى صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب
وشئى معها، وقد عمل أصحابنا بكل الحديث حيث أوجبوا قراءة الفاتحة وضم
سورة ثلاث آيات معها لأن هذه الأخبار أخبار آحاد، فلا تثبت بها الفريضة وليس
الفرض عندنا إلا مطلق القراءة لقوله تعالى: ((فاقرؤا ما تيسر من القرآن، وقلنا
إن قوله : لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب مثل معنى قوله لا صلاة لجار المسجد إلا فى
المسجد، وصح عن جماعة من الصحابة إيجاب ذلك، وأما استدلال الامام الشافعى
رحمه الله بقول أبى هريرة فليس بسديد لأنه قد تقدم قريباً أنه ليس بحديث مرفوع
ولا فى حكم الرفع بل هو قول أبى هريرة فقط، فلا حجة فيه، [قال سفيان]
أى ابن عينة، وهذا الحكم أى نفى الصلاة بعدم القراءة بفاتحة فصاعداً [ لمن يصلى
وحده ]، فأما إذا كان مقتدياً بامام فليس له هذا الحكم، بل يكفيه قراءة إمامه ،
قال الخطابي : هذا عموم لا يجوز تخصيصه إلا بدليل ..
قلت: والدلائل على مخصيصه كثيرة، منها قوله تعالى: ((وإذا قرى القرآن
فاستمعوا له وأنصتوا، ومنها ما رواه مسلم وغيره وإذا قرأ فانصتوا ، ومنها

مدل المجهو
(٤٤ )
الجزء الخامس
حدثنا عبد الله بن محمد النفيلى نا محمد بن سلمة عن محمد
بن إسحاق عن مكحول عن محمود بن الربيع عن عبادة بن
الصامت قال كنا خلف رسول (١) اللّه ◌ّ في صلاة الفجر
فقرأ رسول اللّه ◌َيّ فثقلت عليه القراءة فلما فرغ قال
لعلكم تقرؤن خلف إمامكم ، قلنا نعم هذا يا رسول الله
ربّ قال لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب فإنه لا صلاة لمن
ما قال جابر من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصل إلا وراء الامام وهذا
الحديث وإن كان موقوفاً لكنه فى حكم المرفوع ، ومنها حديث جابر المرفوع: من
كان له إمام فقراءة الامام له قراءة وإسناده صحيح .
[ حدثنا عبد الله بن محمد النفيلى نا محمد بن إسحاق عن مكحول عن محمود بن
الربيع عن عبادة (٢) بن الصامت قال كنا خلف رسول اللّه مَّ] أى مقتدين به
[ فى صلاة الفجر فقرأ رسول الله مؤ لّه فثقلت عليه القراءة] لقراءة بعض أصحابه خلفه
عَلَّ [فلما فرغ (٣)] أى من الصلاة [ قال لعلكم تقرأون خلف إمامكم] وهذا
يدل على أن الصحابة يقرأون خلف رسول الله برأيهم بغير إذنه عليه السلام وأمره
[ قلنا نعم] أى نقرأ خلفك [ هذاً] والهذ سرعة القطع أى سريعاً [ يا رسول
اللّهِ مَِّ قال] رسول الله عَلَّه [ لا تفعلوا] أى قراءة القرآن إذا كنتم خلفى
[إلا بفاتحة الكتاب] النهى للكراهة فكره القراءة وقت قراءة الامام الوسوسة، قال
الخطابى : يحتمل أن يكون النهى من الجهر ويحتمل أن يكون من الزيادة على الفاتحة
كذا فى الأزهار . قال ميرك : أقول الاحتمال الثانى أظهر بل الصواب إذ لو كان
(١) وفى نسخة: النبى (٢) قال النيموى: الحديث معلول بثلاثة أوجه كما سيأتى
فى البذل (٣) فيه حجة أن الكلام لاصلاح الصلاة لا يجوز لأنه لو جاز لما أخره
إلى الفراغ .

بذل المجهود
( ٤٥)
الجزء الخامس
لم يقرء بها .
حدثنا الربيع بن سليمان الأزدى نا عبد الله بن يوسف
نا الهيثم بن حميد أخبرنى زيد بن واقد عن مكحول عن
المراد الجهر لم يستقم استثناء فاتحة الكتاب .
قلت: يؤيده الرواية الثانية الآنية وينصره سؤاله عليه السلام أيضاً لأنه لوكانت
قراءتهم جهراً لما قال ( لعلكم تقرأون، لكن لا يفيد الأمر بالسر فى القراءة للأموم
مع أنه المقصود فى المقام لئلا يتشوش الامام، انتهى ما قاله القارئ"، قلت: الذى يظهر
من الروايات أنهم يقرأون سراً بالهمس ويخرج منهم صوت الهمس حصل به المنازعة
فى قراءة رسول اللّه ومواق فهاهم عن القراءة إلا بفاتحة الكتاب والاستثناء بعد
النهى يفيد الاباحة فأباح لهم قراءة الفاتحة ووجه الفرق بين الفاتحة وغيرها من السور
أن فاتحة الكتاب كثيرة الدوران على الألسنة لا تخلو عنها صلاة تكرر فى الركعات
كلها فلهذا لا تقع المنازعة فيها ، وأما السور الأخرى فليست كثيرة الدوران على
الألسنة فتقع المنازعة فيها فهاهم عنها و أباح لهم الفاتحة ثم لما كان لا يخلو قراءة
الفاتحة أيضاً عن شئ من المنازعة نهاهم عنها أيضاً وقال: إذا قرأ فأنصتوا فبهذا تتوافق
الروايات [ فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها] أى لا صلاة موجودة بالوجود الشرعى
لمن لم يقرأ بها ويحتمل أن يكون معناه لا صلاة موجودة بالوجود الحسى لمن لم يقرأ
بها فى الصلاة ، والمعنى الثانى يناسب استثناء فاتحة الكتاب و دليل عليه بأنه ليست
صلاة خالية عن فاتحة الكتاب فلكثرة قرمتها فى الصلاة لا يقع المنازعة بها، والاحتمال
الثالث فى معنى هذه الجملة أن يقال إن معنى قوله لا صلاة كاملة إلا بفاتحة الكتاب
كما فى قوله عليه السلام لا إيمان لمن لا أمانة له، ونظائره فى الحديث كثيرة .
[ حدثنا الربيع بن سليمان الأزدى نا عبد الله بن يوسف نا الهيثم بن حميد]
قال أبو داؤد: ثقة قدرى ، وقال أبو مسهر الغسانى: ضعيف قدرى [ أخبرنى

بذل المجهود
(٤٦)
الجزء الخامس
نافع بن محمود بن الربيع الأنصارى قال نافع أبطأ عبادة (١)
عن صلاة الصبح فأقام أبو نعيم المؤذن الصلاة فصلى أبو
نعيم بالناس وأقبل عبادة (٢) وأنا معه حتى صففنا خلف
أبي نعيم وأبو نعيم يجهر بالقراءة فجعل عبادة يقرأ بأم القرآن
فلما انصرف قلت لعبادة سمعتك تقرأ بأم القرآن وأبو نعيم
يجهر قال أجل صلى بنا رسول اللّه بت بعض الصلوات
زيد بن واقد ] الدمشقى [عن مكحول ] قال الذهبى فى الميزان: وثقه غير واحد
و قال ابن سعد: ضعفه جماعة ، قلت : هو صاحب تدليس وقد رمى بالقدر وقال
يحيى بن معين: كان قدرياً ثم رجع، وذكره الحافظ ابن حجر فى كتابه طبقات المدلسين
فى الطبقة الثالثة منهم وهى من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا
بما صرحوا فيه بالسماع و منهم من رد حديثهم مطلقاً ومنهم من قبلهم كأبي الزبير
المكى ، وقال فى ترجمته: يقال: إنه لم يسمع من الصحابة إلا عن نفر قليل ووصفه
بذلك ابن حبان و أطلق الذهبي أنه كان يداس ولم أره التقدمين إلا فى قول ابن
حبان [ عن نافع بن محمود بن الربيع الأنصارى] يروى عن عبادة لا يعرف بغير
هذا الحديث وقال ابن عبدالبر: نافع مجهول، وقال الحافظ فى التقريب: مستور
ذكره ابن حبان فى الثقات [ قال نافع أبطأ عبادة عن صلاة الصبح فأقام أبو نعيم
المؤذن الصلاة ] أى كبر لها [ فصلى أبو نعيم بالناس ] أى تقدم لهم إماما وصلى
بهم [ وأقبل عبادة وأنا معه حتى صففنا] أى دخلنا فى الصف [خلص أبى نعيم. أبو نعيم
يجهر بالقراءة جعل عبادة يقرأ بأم القرآن ] أى خلف إمامه [ فلما انصرف] من
الصلاة [ قلت لعبادة سمعتك تقرأ بأم القرآن وأبو نعيم ] أى والحال أن أبا نعيم
إمامك [ يجهر ] بالقراءة [ قال أجل] أقرأما خلف الامام لأنه [ صلى بنا رسول
٨٠٠
(١-٢) وفى نسخة: عبادة بن الصامت.

بذل المجهود
(٤٧ )
الجزء الخامس
التى يجهر فيها القراءة (١) قال فالتبست عليه القراءة فلما
انصرف أقبل علينا بوجهه فقال (٢) هل تقرؤن إذا جهرت
بالقراءة فقال بعضنا إنا نصنع ذلك قال فلا وأنا أقول
مالى ينازعنى القرآن إذا جهرت فلا تقرأوا بشئى من
القرآن إلا بأم القرآن .
حدثنا على بن سهل الرملى نا الوليد عن ابن جابر وسعيد
بن عبد العزيز وعبد الله بن العلاء عن مكحول عن عبادة
نحو حديث الربيع بن سليمان قالوا فكان (٣) مكحول (٤)
يقرأ(٥) في المغرب والعشاء و الصبح بفاتحة الكتاب فى
اللّه محلّ بعض الصلوات التى يجهر فيها القراءة قال فالتبست عليه القراءة] أى بسبب
قراءة المقتدين خلفه [ فلما انصرف] عن الصلاة [ أقبل علينا بوجهه فقال هل تقرؤن
إذا جهرت بالقراءة فقال بعضنا إنا نصنع ذلك ] أى نقرأ خلفك [ قال ] رسول
اللّه ◌َيِّ [ فلا تقرأوا] من القرآن خلفى [وأنا أقول مالى ينازعى القرآن ] أى
تقع المنازعة فى قراءتى القرآن بأنى أقرأ ويقرأ من خلفى [فلا تقرؤا بشئى من القرآن
إذا جهرت ] بالقراءة [ إلا بأم القرآن].
[ حدثنا على بن سهل الرملى نا الوليد] بن مسلم [ عن] عبد الرحمن بن
يزيد [ ابن جابر وسعيد بن عبد العزيز وعبد الله بن العلاء عن مكحول عن عبادة
نحو حديث الربيع بن سليمان قالوا ] أى تلامذة مكحول [ فكان مكحول يقرأ فى
المغرب والعشاء و الصبح بفاتحة الكتاب فى كل ركعة سراً قال مكحول : اقرأ ]
(٢) وفى نسخة : وقال .
(١) و فى نسخة: بالقراءة.
(٣) وفى نسخة: قال وكان (٤) وفى نسخة: يقول (٥) وفى نخة: اقرأ.

بذل المجهود
(٤٨ )
الجزء الخامس
كل ركعة سراً قال مكحول اقرأ فيما جهر به الامام إذا
قرأ بفاتحة الكتاب ومكت سراً فان لم يسكت اقرأبها (١)
قبله ومعه وبعده لا تتركها على حال .
على صيغة المضارع المتكلم [ فيما جهر به الامام
على صيغة الأمر ويحتمل أن
إذا قرأ بفاتحة الكتاب وسكت (٢)] عن قراءتها [سراً] أى اقرأ سراً فى
السكتة [ فان لم يسكت ] الامام [ اقرأ بها قبله ومعه وبعده لا تتركها ] على
صيغة النهى ، وفى نسخة لا نتركها [على حال] وهذه مسألة (٣) اختلف فيها
العلماء من الصحابة والتابعين وفقهاء المسلمين فقالت الحنفية ومن وافقهم أنه لا يقرأ
خلف الامام لا فى السرية ولا فى الجهرية وقالت الشافعية ومن وافقهم : إنه يقرأ
الفاتحة فى السرية و الجهرية كليهما وقالت المالكية ومن وافقهم إنه يقرأ الفاتحة
فى السرية دون الجهرية ومذهب الامام أحمد كمذهب مالك إلا أنه قال إن سمع
المقتدى قراءة الامام لم يقرأ و إن لم يسمع بأن كان بعيداً من الامام قرأ قال العينى
فى شرح البخارى ثم وجه استدلال الشافعى ومن معه بهذا الحديث وهو أنه نفى
جنس الصلاة عن الجواز إلا بقراءة فاتحة الكتاب واستدل أصحابنا بقوله تعالى
((فاقرؤا ما تيسر من القرآن، أمر الله تعالى بقراءة ماتيسر من القراءة مطلقاً وتقيده
بالفاتحة زيادة على مطلق النص وذا لا يجوز لأنه نسخ فيكون أدنى ما يطلق القرآن فرضاً
لكونه مأموراً به وأن القراءة خارج الصلاة ليست بفرض فتعين أن يكون فى الصلاةفان
قلت هذه الآية فى صلاة الليل وقد نسخت فرضيتها فكيف يصح التمسك بها؟ قلت ماشرع
ركناً لميصر مفسوخاً وإنما نسخ وجوب قيام الليل دون فروض الصلاة وشرائطها وسائر
(١) وفى نسخة: قرأتها (٢) هذا وقد أجمعت الأمة على أنه لا يجب على
الامام السكوت، صرح ابن العربى فى عارضة الأحوذي (٣) ومما ينبغى أن يحفظ
أن الآثار الواردة عن الصحابة فى القراءة خلف الامام لا تختص بالفاتحة بل الوارد
عن كثير منهم قراءتها مع السورة ، وراجع إلى مصنف ابن أبى شيبة .

بذل المجهود
(٤٩ )
الجزء الخامس
أحكامها ويدل عليه أنه أمر بالقراءة بعد النسخ بقوله ((فاقرؤا ما تيسر منه)) و
الصلاة بعد النسخ بقيت نفلا ، وكل من شرط الفاتحة فى الفرض شرطها فى النفل
و من لا فلا ، و الآية تنفى اشتراطها فى النفل فلا تكون ركناً فى الفرض لعدم
القائل بالفصل، فان قلت كلمة ((ما)، محملة والحديث معين ومبين فالمعين يقضى على
المبهم .
قلت : كل من قال بهذا يدل على عدم معرفته بأصول الفقه لأن كلمة (( ما )،
من ألفاظ العموم يجب العمل بعمومها من غير توقف ولو كانت مجملة لما جاز العمل
بها قبل البيان كسائر محملات القرآن والحديث ومعناه أى شئى تيسر ولا يسوغ
ذلك فيما ذكروه فيلزم الترك بالقرآن والحديث. و العام عندنا لا يحمل على الخاص
مع ما فى الخاص من الاحتمالات، فان قلت: هذا الحديث مشهور فان العلماء تلقته
بالقبول فتجوز الزيادة بمثله، قلت: لا نسلم أنه مشهور لأن المشهور ما تلقاه التابعون بالقبول،
وقد اختلف التابعون فى هذه المسألة ولئن سلمنا أنه مشهور فالزيادة بالخبر المشهور
إنما تجوز إذا كان محكما أما إذا كان محتملا فلا، وهذا الحديث محتمل لأن مثله يستعمل
لنفى الجواز ويستعمل لنفى الفضيلة كقوله مَّة: لاصلاة لجار المسجد إلا فى المسجد
والمراد نفى الفضيلة كذا هو ويؤيد هذا التأويل قوله تعالى (( أنهم لا أيمان لهم)»
معناه أنهم لا أيمان لهم موثوقاً بها ولم ينف وجود الايمان منهم رأساً لأنه قد قال:
((وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم، وعقب ذلك أيضاً بقوله «ألا تقاتلون قوماً
نكثوا أيمانهم فثبت أنه لم يرد بقوله («أنهم لا أيمان لهم، نفى الأيمان أصلا وهذا
يدل على إطلاق لفظة ((لا)، والمراد بها نفى الفضيلة دون الأصل كما ذكرنا من النظير
وقال بعضهم: ولأن نفى الأجزاء أقرب إلى نفى الحقيقة و لأنه السابق إلى الفهم
فيكون أولى ويؤيده رواية الاسماعيلى بلفظ « لا تجزى. صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة
الكتاب ، . قلت: لافسلم قرب نفى الاجزاء إلى نفى الحقيقة لأنه محتمل لنفى الاجزاء
ولنفى الفضيلة و الحمل على نفى الكمال أولى بل يتعين لأن نفى الاجزاء يستلزم ففى

بذل المجهود
(٥٠ )
الجزء الخامس
الكمال فيكون فيه نفى شيئين فتكثر المخالفة فيتعين نفى الكمال و دعواه التأييد بحديث
الاسماعيلى وابن خزيمة لا يفيده لأن هذا ليس له من القوة ما يعارض ما أخرجه
الأئمة الستة على أن ابن حبان قد ذكر أنه لم يقل فى خبر العلاء بن عبد الرحمن عن
أبيه عن أبى هريرة إلا شعبة ولا عنه إلا وهب بن جرير وقال هذا القائل أيضاً
وقد أخرج ابن خزيمة عن محمد بن الوليد القرشى عن سفيان حديث الباب ولفظه
(( لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب فلا يمتنع أن يقال إن قوله ((لا صلاة» نفى
بمعنى النهى أى لا تصلوا إلا بقراءة فاتحة الكتاب ونظيره ما رواه مسلم من طريق
القاسم عن عائشة - رضى الله عنها - مرفوعاً(( لا صلاة بحضرة الطعام)، فانه
فى صحيح ابن حبان بلفظ ((لا يصلى أحدكم بحضرة الطعام) .
قلت : تنظيره بحديث مسلم غير صحيح لأن لفظ حديث ابن حبان غير نهى بل
هو نفى الغائب، وكلامه يدل على أنه لا يعرف الفرق بين النهى والنفى، وقال
أيضاً : استدل من أسقطها أى من أسقط قراءة الفاتحة عن المأموم مطلقاً يعنى أسر
الامام أو جهر كالحنفية بحديث من صلى خلف الامام فقراءة الامام قراءة له، لكنه
حديث ضعيف عند الحفاظ وقد استوعب طرقه وعلله الدارقطنى وغيره ، قات :
هذا الحديث رواه جماعة من الصحابة وهم جابر بن عبد الله و ابن عمر وأبو سعيد
الخدرى و أبو هريرة وابن عباس و أنس بن مالك لتحديث جابر أخرجه
ابن ماجة عنه قال رسول الله وَ ◌ٍّ من كان له إمام فان قراءة الامام قراءة له: وحديث
ابن عمر أخرجه الدارقطنى فى سننه عنه عن النبي محروقة من كان له إمام فقراءة الامام
له قراءة ، وحديث أبى سعيد أخرجه الطبرانى فى الأوسط عنه قال قال رسول الله
من كان له إمام فقراءة الامام له قراءة و حديث أبى هريرة أخرجه الدارقطنى فى سننه
من حديث سهيل بن أبى صالح عن أبيه عن أبى هريرة مرفوعاً نحوه سواء، وحديث ابن
عباس أخرجه الدارقطنى أيضاً عنه عن النبي ◌َّم قال يكفيك: قراءة الامام خافت أو
جهر، وحديث أنس أخرجه ابن حبان فى كتاب الضعفاء عن غنيم بن سالم عن أنس

بذل المجهود
(٥١ )
الجزء الخامس
بن مالك - رضى الله تعالى عنه - قال قال رسول اللّه مَله: من كان له إمام فقراءة
الامام له قراءة ، فان قلت: فى حديث جابر بن عبد الله جابر الجعفى وهو مجروح
كذبه أبو حنيفة و غيره فى حديث أبى سعيد إسماعيل بن عمر بن نجيح وهو ضعيف
و حديث ابن عمر موقوف، قال الدارقطنى: رفعه وهم، وحديث ابن عباس عن
أحمد هو حديث منكر وقال الدارقطنى: حديث أبى هريرة لا يصح عن سهيل وتفرد
به محمد بن عباد وهو ضعيف وفى حديث أنس غنيم بن سالم، قال ابن حبان: هو مخالف
الثقات فى الروايات فلا يعجبنى الرواية عنه فكيف الاحتجاج .
قلت : أما حديث جابر فله طرق أخرى يشد بعضها بعضاً، منها طريق صحيح
وهو ما رواه محمد بن الحسن فى الموطأ عن أبى حنيفة قال: أخبرنا الإمام أبو حنيفة
حدثنا أبو الحسن موسى بن أبى عائشة عن عبد الله بن شداد عن جابر عن النبي رؤيته
من صلى خلف الامام فان قراءة الامام له قراءة ، فإن قلت : هذا الحديث أخرجه
الدارقطنى فى سننه ثم البيهقى عن أبى حنيفة مقروناً بالحسن بن عمارة وعن الحسن
بن عمارة وحده بالاسناد المذكور ثم قال: هذا الحديث لم يسنده عن جابر بن عبدالله
غير أبى حنيفة والحسن بن عمارة، وهما ضعيفان ، وقد رواه سفيان الثورى وأبو
الأحوص و شعبة وإسرائيل وشريك وأبو خالد الدالافى وسفيان بن عينه وغيرهم
عن أبى الحسن موسى بن أبى عائشة عن عبد الله بن شداد عن النبى مؤ تم مرسلا و
هو الصواب ، قلت : لو تأدب الدارقطنى واستحي لما تلفظ بهذه اللفظة فى حق
أبى حنيفة فانه إمام طبق علمه الشرق والغرب ولما سئل ابن معين عنه فقال: ثقة مأمون
ما سمعت أحداً ضعفه ، هذا شعبة بن الحجاج يكتب إليه أن يحدث وشعبة شعبة ،
وقال أيضاً : كان أبو حنيفة ثقة من أهل الدين والصدق ولم يتهم بالكذب وكان
مأموناً على دين الله تعالى صدوقاً فى الحديث وأثنى عليه جماعة من الأئمة الكبار
مثل عبد الله بن المبارك و يعد من أصحابه وسفيان بن عينة وسفيان الثورى وحماد
بن زيد و عبد الرزاق و وكيع وكان يفتى برأيه والأئمة الثلاثة مالك والشافعى

بذل المجهود
( ٥٢ )
الجزء الخامس
وأحمد وآخرون كثيرون وقد ظهر لك من هذا تحامل الدارقطنى عليه و تعصبه
الفاسد و ليس له مقدار بالنسبة إلى هؤلاء حتى يتكلم فى إمام متقدم على هؤلاء فى
الدين والتقوى والعلم وبتضعيفه إياه يستحق هو التضعيف ، أفلا يرضى بسكوت
أصحابه عنه وقد روى فى سنته أحاديث سقيمة ومعلولة و منكرة وغريبة وموضوعة
ولقد روى أحاديث ضعيفة فى كتابه «الجهر بالبسملة، واحتج بها مع علمه بذلك حتى
أن بعضهم استخلفه على ذلك فقال : ليس فيه حديث صحيح ولقد صدق القائل :
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سلوة والقوم أعداء له و خصوم
و أما قوله وقد رواه سفيان الثورى إلى آخره فلا يضرنا لأن الزيادة من
الثقة مقبولة ولنن سلمنا فالمرسل عندنا حجة و جوابنا عن الأحاديث التى قالوا فى
أسانيدها ضعفاء أن الضعيف بتقوى بالصحيح ويقوى بعضها بعضاً وأماقوله فى بعضها :
فهو موقوف فالموقوف عندنا حجة لأن الصحابة عدول ومع هذا روى منع القراءة خلف
الامام عن ثمانين من الصحابة الكبار منهم المرتضى والعبادلة الثلاثة وأساميهم عند أهل
الحديث فكان اتفاقهم بمنزلة الاجماع فمن هذا قال صاحب الهداية من أصحابنا وعلى
ترك القراءة خلف الامام إجماع الصحابة فسماه إجماعاً باعتبار اتفاق الأكثر ومثل هذا
يسمى إجماعاً عندنا، وذكر الشيخ الامام عبد الله بن يعقوب الحارثى البذمونى فى
كتاب ((كشف الأسرار)) عن عبد الله بن زيد بن أسلم عن أبيه قال كان عشرة من
أصحاب رسول اللّه مَّم ينهون عن القراءة خلف الامام أشد النهى أبو بكر الصديق
وعمر الفاروق و عثمان بن عفان وعلى بن أبى طالب وعبد الرحمن بن عوف
و سعد بن أبى وقاص وعبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمر
وعبد الله بن عباس - رضى الله تعالى عنهم - .
قلت: روى عبد الرزاق فى مصنفه أخبرنى موسى بن عقبة أن رسول اللّه وز ليج
و أبا بكر وعمر وعثمان كانوا ينهون عن القراءة خلف الامام وأخرج عن داؤد
بن قيس عن محمد بن بجاد بكسر الباء المؤحدة وتخفيف الجيم عن موسى بن سعد بن
:

بذل المجهود
(٥٣ )
الجزء الخامس
أبي وقاص قال: وددت أن الذى يقرأ خلف الامام فى فيه حجر ، وأخرج
الطحاوى باسناده عن على - رضى الله عنه - أنه قال: من قرأ خلف الامام فليس على
الفطرة أراد أنه ليس على شرائط الاسلام و قيل ليس على السنة وأخرجه ابن
أبى شيبة أيضاً فى مصنفه عن ابن أبى ليلى عن على - رضى الله تعالى عنه -: من
قرأ خلف الامام فقد أخطأ الفطرة وأخرجه الدارقطنى كذلك من طرق وأخرجه
عبد الرزاق فى مصنفه عن داؤد بن قيس عن محمد بن مجملان عنه قال قال على : من
قرأ مع الامام فليس على الفطرة قال وقال ابن مسعود: ملئى فوه تراباً قال وقال
عمر بن الخطاب - رضى الله تعالى عنه -: وددت أن الذى يقرأ خلف الامام فى فيه
حجر ، و فى التمهيد ثبت عن على وسعد وزيد بن ثابت أنه لا قراءة مع الامام
لا فيما أسر ولا فيما جهر وأخرج عبد الرزاق عن الثورى عن أبى منصور عن
أبى وائل قال قال جاء رجل إلى عبد الله فقال: يا أبا عبد الرحمن أقرأ خلف الامام
قال: أنصت للقرآن فان فى الصلاة شغلا وسيكفيك ذلك الامام، وأخرجه الطبرانى
عن عبد الرزاق وأخرجه ابن أبى شيبة فى مصنفه نحوه عن أبى الأحوص عن
منصور إلى آخره .
قلت : روى الطحاوى من حديث أبى إبراهيم التيمى قال: سألت عمربن الخطاب
- رضى اللّه تعالى عنه - عن القراءة خلف الامام فقال لى اقرأ، قلت: وإن كنت خلفك
قال: وإن كنت خلفى، قلت: وإن قرأت، قال وإن قرأت وأخرج أيضاً عن مجاهد قال
سمعت عبد الله بن عمرو يقرأ خلف الامام فى صلاة الظهر من سورة مريم ثم أجاب
بقوله وقد روى عن غيرهم من أصحاب النبي مَّ خلاف ذلك ثم روى حديث
على الذى ذكرنا آنفا أخرج حديث ابن مسعود الذى أخرجه عبد الرزاق الذى ذكرناه
آنفاً ثم أخرج عن أبى بكرة حدثنا أبو داؤد حدثنا خديج بن معاوية عن أبى إسحاق
عن علقمة عن ابن مسعود قال ليت الذى يقرأ خلف الامام على فوه تراباً، وأخرج
أيضاً عن يونس بن عبد الأعلى قال حدثنا عبد الله بن وهب قال أخبرنى حيوة بن

بذل المجهود
( 08 )
الجزء الخامس
شريح عن بكر بن عمرو عن عبيد الله بن مقسم أنه سأل عبد الله بن عمر وزيد
بن ثابت و جابر بن عبد الله فقالوا لا تقرأ خلف الامام فى شتى من الصلوات ثم
قال الطحاوى: فهؤلاء جماعة من أصحاب النبي ◌َّم قد أجمعوا على ترك القراءة خلف
الامام وقد وافقهم على ذلك ما قد روى عن النبى مَ فيج مما قدمنا ذكره وأشار
به إلى أحاديث الصحابة الذين رووا ترك القراءة خاف الامام، فإن قلت: أخرج
البيهقى من حديث الجريرى عن أبى الأزهر قال سئل ابن عمر عن القراءة خلف
الامام فقال: إنى لأستحى من رب هذه البنية أن أصلى صلاة لا أقرأ فيها بأم القرآن
قلت : هذه معارضة باطلة فان إسناد ما ذكره منقطع ، والصحيح عن ابن عمر عدم
الامام قراءة له»
وجوب القراءة خلف الامام. فإن قلت: قوله ملت (قراءة
معارض لقوله تعالى ((فاقرأوا، فلا يجوز تركه بخبر الواحد، قلت : جعل المقتدى
قارئاً بقراءة الامام فلا يلزم الترك أو نقول إنه خص عنه المقتدى الذى أدرك الامام
فى الركوع فانه لا يجب عليه القراءة بالاجماع فتجوز الزيادة عليه حينئذ بخبر الواحد،
فإن قلت: قد حمل البيهقى فى كتاب المعرفة حديث ( من كان له إمام فقراءة الامام
قراءه له» على ترك الجهر بالقراءة خلف الامام و على قراءه فاتحة دون السورة و
واستدل عليه بحديث عبادة بن الصامت المذكور ، قلت: ليس فى شئى من الأحاديث
بيان القراءة خلف الامام فيما جهر و الفرق بين الاسرار والجهر لا يصح لأن فيه
إسقاط الواجب بمستون على زعمهم قاله إبراهيم بن الحارث ، فإن قلت : أخرج
مسلم وأبو داؤد وغيرهما من حديث أبى هريرة قال قال رسول اللّه عَّه من
صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهى خداج فهى خداج فهى خداج غير تمام فهذا
يدل على الركنية ، قلت: لا نسلم لأن معناه ذات خداج أى نقصان بمعنى صلاته
ناقصة ونحن نقول به لأن النقصان فى الوصف لا فى الذات و لهذا قلنا بوجوب
قراءة الفاتحة، فإن قلت: قوله تعالى «فاقرأوا ما تيسر، عام خص منه البعض وهو
ما دون الآية فان عند أبى حنيفة أدفى ما يجزى عن القراءة آية تامة لأن ما دون

بذل المجهود
(٥٠ )
الجزء الخامس
الآية خارج بالجماع فاذا كان كذلك يجوزتخصيصه بخبر الواحد وبالقياس أيضاً
قلت: القرآن يتناول ماهر معجز عرفاً فلا يتناول مادون الآية ، فإن قلت : روى
أبو داؤد حدثنا ابن بشار حدثنا يحيى حدثنا جعفر عن أبى عثمان عن أبى هريرة
قال أمر النبي ◌َّ أن أنادى أن لاصلاة إلا بقراءة بفاتحة الكتاب فمازاد، قلت هذا
الحديث روى بوجوه مختلفة فرواه البزار و لفظه أمر مناديا فنادى ، وفى كتاب
الصلاة لأبى الحسين أحمد بن محمد الخفاف لا صلاة إلا بقرآن ولو بفاتحة الكتاب
فمازاد وفى الصلاة للفريابي أنادى فى المدينة أن لا صلاة إلا بقراءة أو بفاتحة
الكتاب فمازاد وفى لفظ فناديت أن لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب ، وعند
البيهقى : إلا بقراءة فاتحة الكتاب فمازاد ، وفى الأوسط : فى كل صلاة قراءة و لو
بفاتحة الكتاب ، وهذه الأحاديث كلها لا تدل على فرضية قراءة الفاتحة بل غالبها
ينفى الفرضية ، فان دلت احدى الروايتين على عدم جواز الصلاة إلا بفاتحة دات
الأخرى على جوازها بلا فاتحة ، فتعمل بالحديثين و لا نهمل أحدهما بان نقول
بفرضية مطلق القراءة وبوجوب قراءة الفاتحة وهذا هو العدل فى باب أعمال
الأخبار، وأيضاً فى حديث أبى داؤد المذكور أمران ، أحدهما أن جعفرا المذكور
فى سنده هو جعفر بن ميمون فيه كلام حتى صرح النسائى أنه ليس بثقة ، و الثانى
أنه يقتضى فرضية ما زاد على الفاتحة لأن معنى قوله فمازادالذى زاد على الفاتحة أو
بقراءة زيادة على الفاتحة و ليس ذلك مذهب الشافعى، وقد روى أبو داؤد من
حديث عبادة بن الصامت يبلغ به النبى معَّ قال: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة
الكتاب فصاعداً، قال سفيان: لمن يصلى وحده، قلت : معناه لا صلاة كاملة لمن لم
يقرأ بفاتحة الكتاب زائدة على الفاتحة، وقال سفيان هو ابن عينة أحد رواة
هذا الحديث: هذا لمن يصلى موحده يعنى فى حق من يصلى وحده ، وأما المقتدى
فإن قراءة الامام قراءة له، وكذا قال الاسماعيلى فى روايته إذا كان وحده فعلى
هذا يكون الحديث مخصوصاً فى حق المنفرد فلم يبق للشافعية بعد هذا دعوى العموم

بذل المجهود
( ٥٦ )
الجزء الخامس
وحديث عبادة هذا أخرجه البخارى كما ذكر وليس فيه لفظة فصاعداً ، فان قلت :
قال البخارى فى كتاب القراءة خلف الامام ، وقال معمر عن الزهرى : فصاعداً
وعامة الثقات لم تتابع معمراً فى قوله فصاعداً ، قلت: هذا سفيان بن عيينة قد تابع
معمراً فى هذه اللفظة وكذلك تابعه فيها صالح والأوزاعى وعبد الرحمن بن
إسحاق وغيرهم كلهم عن الزهرى، فان قلت أخرج أبو داؤد عن القعنى عن
مالك عن العلاء بن عبد الرحمن أنه سمع أبا السائب مولى هشام بن زهرة يقول
سمعت أبا هريرة يقول قال رسول اللّه عَلّم من على صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن
الحديث وقد ذكرناه عن قريب وفيه فقلت يا أبا هريرة إنى أكون أحياناً وراء
الامام قال فغمز ذراعى وقال: اقرأ بها فى نفسك يافارسى، الحديث، والخطاب لأبى
السائب ، وقال النووى : هذا يؤيد وجوب قراءة الفاتحة على المأموم ومعناه
اقرأها سراً بحيث تسمع نفسك ، قلت: هذا لا يدل على الوجوب لأن المأموم مأمور
بالانصات لقوله تعالى ((وأنصتوا، والانصات الاصغاء والقراءة سراً بحيث يسمع نفسه
تخل بالانصات فينئذ يحمل ذلك على أن المراد تدبر ذلك وتفكره، ولئن سلمنا أن
المراد هو القراءة حقيقة فلا نسلم أنه يدل على الوجوب على أن بعض أصحابنا استحسنوا
ذلك على سبيل الاحتياط فى جميع الصلوات ومنهم من استحسنهافى غير الجهرية ومنهم
من رأى ذلك إذا كان الامام لحاناً و مما يؤيد ما ذهب إليه أصحابنا ما أخرجه
أبو داؤدمن حديث أبى صالح عن أبى هريرة قال قال رسو اللّه تَّم إنما جعل الامام
ليؤتم به بهذا الخبر وزاد: وإذا قرأ فأنصتوا رواه النسائي وابن ماجه والطحاوى وهذا
حجة صريحة فى أن المقتدى لا يجب عليه أن يقرأ خلف الامام أصلا على الشافعى
فى جميع الصلوات و على مالك فى الظهر والعصر ، فان قلت قد قال أبو داؤد
عقيب إخراجه هذا الحديث : وهذه الزيادة يعنى إذا قرأ فأنصتو ليست بمحفوظة
الوهم من أبى خالد عندنا وأبو خالد أحد رواته واسمه سليمان بن حيان بفتح الحاء
وتشديد الياء آخر الحروف وهو من رجال الجماعة، وقال البيهقى فى المعرفة
.

بذل المجهود
( ٥٧ )
الجزء الخامس
أجمع الحفاظ على خطأ هذه اللفظة و أسند عن ابن معين فى سننه الكبير قال فى
حديث ابن عجلان وزاد إذا قرأ فأنصتوا ليس بشتى ، وكذا قال الدار قطنى فى
حديث أبي موسى الأشعرى: وإذا قرأ الامام فأنصتوا وقد رواه أصحاب قنادة
الحفاظ عنه منهم الدستوائى وسعيد وشعبة وهمام و أبو عوانه وأبان وعدى
من أبى عمارة ولم يقل واحد منهم وإذا قرأ فانصتوا، قال: وإجماعهم يدل على
وهمه، وعن أبى حاتم ليست هذه الكلمة بمحفوظة إنما هى من تخاليط ابن عجلان،
قلت: لى فى هذا كله نظر ، أما ابن عجلان فانه وثقه العجلى وفى الكمال : ثقة كثير
الحديث ، وقال الدارقطنى: إن مسلماً أخرج له الجماعة والبخارى مستشهداً وهو
محمد بن عجلان المدنى فهذه زيادة ثقة فتقبل وقد تابعه عليها خارجة بن مصعب
و يحي بن العلاء كما ذكره البيهقى فى سننه الكبير: وأما أبو خالد فقد أخرج له
الجماعة كما ذكرنا ، وقال إسحاق بن إبراهيم: سألت وكيعاً عنه ، فقال : أبو خالد
ممن يسأل عنه، وقال أبو هشام الرافعى: حدثنا أبو خالد الأحمر الثقة الأمين
ومع هذا لم ينفرد بهذه الزيادة ، وقد أخرج النسائى كما ذكرنا هذا الحديث بهذه
الزيادة من طريق محمد بن سعد الأنصارى ومحمد بن سعد ثقة وثقه يحيى بن معين
وقد تابع ابن سعد هذا أبا خالد و تابعه أيضاً إسماعيل بن أبان كما أخرجه البيهقى
فى سننه وقد صحيح مسلم هذه الزيادة من حديث أبي موسى الأشعرى و من حديث
أبى هريرة، وقال أبو بكر لمسلم: حديث أبى هريرة يعنى إذا قرأ فأنصتوا ، قال
هو عندى صحيح، فقال: لم لاتضع هاهنا؟ قال: ليس كل شئ عندى صحيح وضعته هاهنا
وإنما وضعت هاهنا ما أجمعوا عليه وتوجد هذه الزيادة أيضاً فى بعض نسخ مسلم
عقيب الحديث المذكور ، وفى التمهيد بسنده عن ابن حنبل أنه صحيح الحديثين ، يعنى
حديث أبى موسى و حديث أبى هريرة ، و العجب من أبى داؤد أنه نسب الوهم
إلى أبى خالد وهو ثقة بلا شك، ولم ينسب إلى ابن مجلان . وفيه كلام، ومع
هذا أيضاً فابن خزيمة مصمح حديث ابن مجلان ، انتهى كلام العينى، وقد تقدم

بذل المجهود
(٥٨ )
الجزء الخامس
البحث منا فى قوله: وإذا قرأ فانصتوا فى باب الامام يصلى من قعود، وأورد العلامة
النيموى فى باب قراءة خلف الامام من كتابه آثار السفن حديث عبادة بن الصامت
المختصر الذى رواه البخارى ومسلم وغيرهما وهو حديث مرفوع صحيح ، ثم
قال بعد إيراده: وفى الاستدلال بهذه الأحاديث نظر ، وقال فى تعليقه عليه ،
وقال الترمذى: قال أحمد بن حنبل: معنى قول النبى معَِّ لا صلاة لمن لم يقرأ
بفاتحة الكتاب إذا كان وحده، وقال أبو داؤد : وقال سفيان : لمن يصلى وحده ،
قلت : والأولى أن يقال إن هذا الحكم لمن كان ضامناً للصلاة و متكفلا لها إماماً
كان أو منفرداً ويؤيده ما رواه مسلم فى رواية ، والنسائى من طريق معمر
عن الزهرى فى آخر حديث الباب لفظ فصاعداً، فإن قلت : قال البخارى فى
جزء القراءة: وقال معمر عن الزهرى لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن فصاعداً
وعامة الثقات لم يتابع معمراً فى قوله فصاعداً مع أنه أثبت فاتحة الكتاب وقوله
فصاعداً غير معروف ، ثم قال: ويقال عبد الرحمن بن إسحاق تابع معبراً وأن
عبد الرحمن ربما روى عن الزهرى ، ثم أدخل بينه وبين الزهرى غيره ولا نعلم
أن هذا من صحيح حديثه أم لا . انتهى كلامه، قلت: تابعه سفيان بن عينة أيضاً
عن الزهرى فى قوله فصاعداً عند أبى داؤد فالزيادة صحيحة ، وأخرج أحمد
و البخارى فى جزء القراءة وأبو داؤد وابن الجارود عن أبى هريرة أن النبي
فى أمره أن يخرج فينادى: لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب وما زاد، انتهى،
رجاله ثقات إلا جعفر بن ميمون ، قال ابن معين : ليس بذاك ، وقال مرة :
صالح الحديث، وقال الدارقطنى: يعتبر به ، وقال ابن عدى: لم أر أحاديثه
منكرة كذا فى الميزان ، وقال الحافظ فى التقريب : صدوق يخطّى، انتهى ، قلت :
فالحديث حسن و أخرجه الحاكم فى المستدرك من طريق يحيى بن سعيد القطان عن
جعفر بن ميمون ، وقال: هذا حديث صحيح لا غبار عليه فان جعفر بن ميمون
العبدى من ثقات البصريين و يحي بن سعيد لا يحدث إلا عن الثقات ، انتهى ،

بذل المجهود
(٥٩ )
الجزء الخامس
و أخرج أبو داؤد وأبو يعلى وابن حبان باسناد صحيح عن أبى سعيد قال أمرنا
أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر ، انتهى ، فقوله فصاعداً وما زاد و ما تيسر
يدل على أن قراءة ما زاد على الفاتحة من السورة واجبة فى الصلاة و عند الجمهور
ليس هذا الحكم إلا لمن كان إماماً أو يصلى وحده لا على المأموم فكذلك يحمل
قراءة الفاتحة عليهما لا على المأموم ، فان سلمنا أن قراءة الفاتحة واجبة على كل من
صلى إماماً كان أو مأموماً أو منفرداً، قلنا: إن القراءة أعم من أن يكون حقيقة
أو حكماً والمأموم يقرأ حكماً لقوله عليه الصلاة والسلام: قراءة الامام له قراءة
و سيجى البحث على هذا الحديث ، فان قلت: أخرج البيهقى فى كتاب القراءة على
مانقله السيوطى فى جمع الجوامع عن عبادة بن الصامت، قال قال رسول الله يؤ لتع :
لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب خاف الامام، ثم قال: إسناده صحيح والزيادة
التى فيه صحيحة مشهورة من أوجه كثيرة ، قلت : الحديث ضعيف وإن كان
إسناده على مازعمه البيهقى صحيحاً لأن زيادة قوله خلف الامام شاذة لا يتابع عليها،
ويدل عليه الحديث الذى أخرجه الشيخان وكذلك سائر طرق عبادة ، وتأويل
البيهقى بأنها صحيحة مشهورة من أوجه كثيرة يشير إلى ذلك ، انتهى .
قلت : وعندى وجه النظر فى الاستدلال بحديث عبادة أن هذا الحديث
مختصر من حديث طويل أخرجه أبو داؤد والترمذى و البخارى فى جزء القراءة
والآخرون من حديث عبادة ولفظه: قال كنا خلف رسول اللّه مَّ فى صلاة
الفجر فقرأ رسول اللّه ◌َيّ فثقلت عليه القراءة فلما فرغ قال لعلكم تقرؤن خلف
إمامكم، قلنا : نعم هذا يا رسول الله، قال: لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب فانه
لا صلاة لمن لم يقرأ بها فاختصر الراوى هذا الحديث وأخذ من قوله فإنه لاصلاة
لمن لم يقرأ بها، وروى على ما فهم منه بلفظ لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة
الكتاب ، فالأصل فى الحجة هذا الحديث لا الحديث المختصر فان مبناه على مافهم
الراوى من حديث رسول اللّه عَّ والحجة فى قول رسول اللّه عَلَّ لا فيما فهم

بذل المجهود
( ٦٠ )
الجزء الخامس
الراوى من لفظ الحديث ، ولفظ أصل الحديث لا يستدل به على ركنية فاتحة
الكتاب لأن قوله مَيتم فإنه لا صلاة دليل على إباحة فاتحة الكتاب الأموم لأن فى
قوله ◌َّى استثنى الفاتحة بعد نهيه عن القراءة، والاستثناء بعد النهى يفيد الاباحة
فلو كان معنى قوله لا صلاة لمن لم يقرأبها أن الصلاة التى لم يقرأ فيها بفاتحة
الكتاب باطلة لناقض آخر الكلام أوله بل معناه أن ليس حال الفاتحة مثل حال
السور الأخر فان السور لا يقرأ فى الصلاة إلا أحياناً و أما الفاتحة فلا يخلو
صلاة عنها أى لا صلاة موجودة بالوجود الحسى لمن لم يقرأ الفاتحة فى الصلاة
ولأجل ذلك كانت كثيرة الدوران على الألسنة فلا يحتاج بها إلا القليل، فعلى هذا
يوافق آخر الكلام أوله ولا يثبت وجوب فاتحة الكتاب فضلا عن كونها ركناً، فان قلت
ثبت بقولكم إباحة قراءة فاتحة الكتاب خلف الامام و أنتم تمنعونها ، قلت : نمنعها
بما صح عنه قَّ لحديث أبي موسى الأشعرى كما ذكره مسلم وبحديث أبى هريرة
مححهما مسلم رحمه الله وإذا قرأ فأنصتوا لتتوافق الأحاديث ، ثم العلامة النيموى
بعد ما أخرج الحديث الطويل لعبادة بن الصامت ، قال : فيه مكحول وهو يدلس
رواه معنعنا وقد اضطرب فى إسناده ومع ذلك قد تفرد بذكر محمود بن الربيع
عن عبادة فى طريق مكحول محمد بن إسحاق وهو لا يحتج بما انفرد به فالحديث
معلول بثلاثة أوجه، وقال فى التعليق : قال فى الجوهر النقي: والكلام فى ابن إسماق
معروف والحديث مع ذلك مضطرب الاسناد و البيهقى بين بعضه ، انتهى كلامه ،
قلت : رواه مكحول مرة عن عبادة بن الصامت مرسلا وأخرى عن نافع بن محمود
عن عبادة وتاره عن محمود عن عبادة وآونة عن محمود عن أبى نعيم أنه سمع عبادة
بن الصامت عن النبى معَّم قال، الحديث ، أخرجه الدارقطنى من طريق الوليد بن
مسلم حدثنى غيرواحد منهم سعيد بن عبد العزيز عن مكحول بهذا، روانه كلهم ثقات،
قلت : فأدخل بين محمود وعبادة رجلا آخر وهو أبو نعيم فاضطرب إسناده
و الاضطراب مورث للضعف .