Indexed OCR Text

Pages 161-180

بذل المجهود
(١٦١ )
الجزء الرابع
أن يمنعوا أزواجهم إذا أردن الخروج إلى المساجد، و أما استدلال بعض العلماء
بعموم قوله عليه السلام لا تمنعوا إماء الله مساجد الله على أنه ليس للزوج (١) أن
يمنعها من الخروج إلى الحج لأن المسجد الحرام الذى يخرج إليه الناس للحج و
الطواف أشهر المساجد وأعظمها حرمة فلا يجوز للزوج أن يمنعها من الخروج إليه
فغير صحيح فإن خروجها للحج منهى عنه إذا كان على مسافة السفر لقوله عليه الصلاة
والسلام لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر ، الحديث ، وأما إذا
لم تكن على مسافة السفر فيحل لها الخروج أيضاً كما يحل لها الخروج إلى عامة المساجد
للصلاة [ ولكن] حرف استدراك فان الكلام المتقدم يوهم جواز الخروج مطلقاً
فاستدرك بهذا القول وقال ولكن [ليخرجن وهن تفلات ] أى لكن ليخرجن
إلى المساجد للصلاة و الحال أنهن غير متطيبات وغير متبرجات بزينة، قال فى
القاموس : تفل كفرح تغيرت رائحته وهو تغل ككتف وهى تفلة، قال القارى.
قال النووى فى شرح مسلم : النهى عن منعهن عن الخروج محمول على كراهة التنزيه
قال البيهقى وبه قال كافة العلماء ، قال ابن حجر : و قضية كلام النووى فى تحقيقه
والزركشى فى أحكام المساجد أنه حيث كان فى خروجهن اختلاط بالرجال فى المسجد
أو طريقه أو قويت خشية الفتنة عليهن لتزينهن وتبرجين حرم عليهن الخروج وعلى
الحليل الاذن لهن و وجب على الامام أو نايبه منعهن عن ذلك ، قال فى شرح
النقابة لا ليأس و حضور المرأة الشابة كل جماعة فانه يكره لخوف الفتنة وحضور
العجوز الظهر والعصر وهذا عند أبى حنيفة وقالا يحضر العجوز الجماعة فى الصلوات
القصة مختصراً فى الاصابة فى ترجمة عاتكة زوجة الزبير وقد شرطت عليه فتحيل
لها وقد شرطت أيضاً قبل ذلك على عمر فوفى لها الشرط ، وكذا فى أسد الغابة
و فى هامش اللامع (٤) فيه إشارة إلى أن الاذن بشرط كونها أمة الله لا أمة
الدنيا و الشهوة .
(١) وبه قال مالك وهو أحد قولى الشافعى ((ابن رسلان)).

بذل المجهود
( ١٦٢ )
الجزء الرابع
حدثنا سليمان بن حرب ثنا حماد عن أيوب عن نافع
عن ابن عمر قال قال رسول اللّه ◌َ لا تمنعوا إماء الله
مساجد الله .
حدثنا عثمان بن أبى شيبة ثنا يزيد بن هارون أنا العوام
بن حوشب حدثی حبيب بن أبى ثابت عن ابن عمر رضى
الله عنهما قال قال رسول اللّه عليه لا تمنعوا نسائكم المساجد
وبيوتهن خير لهن .
كلها ، و الفتوى اليوم على الكراهة فى الصلوات كلها لظهور الفساد ومتى كره
حضورهن فى المسجد للصلاة فلان يكره حضورهن فى مجالس الوعظ خصوصاً عند
هؤلاء الجهال الذين تحلوا بحلية العلماء أولى هكذا قال المشايخ - رحمهم الله - ولو
شاهدوا ما شهدنا من حضورهن بين مجالس وعاظ زماننا متبرجات بزينتهن لأنكروا
كل الانكار رحم الله معاشر الأبرار .
[ حدثنا سليمان بن حرب ثنا حماد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال قال
رسول اللّه مَ الله لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ] وقد مر شرحه.
[ حدثنا عثمان بن أبى شيبة ثنا يزيد بن هارون أنا العوام بن حوشب ] بن
يزيد الشيبانى أبو عيسى الواسطى ثقة ثبت فاضل [ حدثى حبيب بن أبى ثابت عن
ابن ثابت عن ابن عمر قال قال رسول اللّه مَّمِ لا تمنعوا نساءكم المساجد ] أى إذا
أردن الصلاة فيها [ ويوتهن خير لهن] أى وصلاتهن فى بيوتهن خير لهن من
صلاتهن فى المساجد بالجماعه لأنه أسترلهن الجملة الأولى نهى للرجال عن منع النساء عن
الحضور فى المسجد ، و الجملة الثانية حث وترغيب للنساء أن يصلين فى بيوتهن فانه
أفضل لهن كما يدل عليه حديث عبد الله بن مسعود الآتى قريبا.

بذل المجهود
(١٦٣ )
الجزء الرابع
حدثنا عثمان بن أبى شيبة ثنا جرير و أبو معاوية عن
الأعمش عن مجاهد قال قال عبد الله بن عمر قال النبى ◌ّ
إئذنوا للنساء إلى المساجد بالليل فقال ابن له والله لا نأذن
لهن فيتخذله دغلا والله لا نأذن لهن قال فسبه وغضب
عليه وقال أقول قال رسول الله في إيذنوا لهن وتقول
لا نأذن لهن .
[ حدثنا عثمان بن أبى شيبة ثنا جرير] بن عبد الحميد [و أبو معاوية عن
الأعمش عن مجاهد قال قال عبد الله بن عمر قال النبى معَ ◌ّ ائذنوا للنساء إلى المساجد
بالليل ] لأنه وقت خلو الطريق ووقت الظلمة فتقل مظان الفتنة [ فقال ابن له ] اسمه
بلال (١) أو واقد [ والله لا نأذن لهن ] لظهور الفتن و حدوث الفساد فى الزمن
فيتخذله أى الخروج إلى المساجد [ دغلا ] قال النووى: هو بفتح الدال والغين
المعجمة و هو الفساد والخداع والريبة أى فتخذنه ذريعة إلى الفساد ، وقال فى
المجمع: وأصله الشجر الملتف الذى يكمن أهل الفساد فيه [ والله لا نأذن لهن ]
هذا تاكيد للجملة القسمية السابقة وتكرار لها [قال ] أى مجاهد [ فسبه وغضب
عليه ] أى سب عبد اللّه ابنه و غضب عليه [وقال] عبد الله [ أقول قال رسول
اللّه ◌َلَّ اتذنوا لهن وتقول لا نأذن لهن] أى فترد قول رسول الله مَ ◌ّه برأيك
قال الطبى : أى أنا آتيك بالنص القاطع و أنت تتلقاه بالرأى كان بلالا لما اجتهد
رأى من النساء ومافى خروجهن إلى المساجد من المنكر أقسم على منعهن فرده أبوه
بأن النص لا يعارض بالرأى ونظيره ما وقع لأبي يوسف حين رأى أنه عليه السلام
كان يحب الدباء فقال رجل أنا ما أحبه فسل السيف أبو يوسف وقال جدد الايمان
(١) كما سميا فى روايتى مسلم قال ابن عبد البر الراجح بلال ، ويحتمل التعدد
لاختلاف جواب ابن عمر فى القصتين ((ابن رسلان، وإلى التعدد مال الحافظ .

بذل المجهود
( ١٦٤ )
الجزء الرابع
حدثنا (١) القعنى عن مالك عن يحيى بن سعيد عن عمرة بنت
عبد الرحمن أنها أخبرته أن عائشة رضى الله عنها زوج
النى بك قالت لوأدرك رسول الله ﴿ ما احدث النساء (٢)
لمنعهن المسجد كما منعه (٣) نساء بنى إسرائيل قال يحي
فقلت لعمرة أمنعه (٤) نساء بنى إسرائيل قالت نعم.
وإلا لأقتلنك قاله القارئ، قلت: والذى يظهر لى (٥) أن هذا الرد البليغ والسب
الشنيع ليس لأجل أنه عارض النص بالرأى لأن قول ابن عبد اللّه كان من باب سد
باب الفساد و هو ثابت بالنصوص أيضاً بللأن ظاهر قوله كان رد القول الشارع
مرفقة وإنكاراً له فينافى الاسلام والانقياد .
[باب التشديد فى ذلك] أى فى خروج النساء إلى المساجد كما فى بعض النسخ.
[ حدثنا الفعنى عن مالك عن يحيى بن سعيد] الأنصارى [ عن عمرة بنت
عبد الرحمن أنها أخبرته أن عائشة رضى الله تعالى عنها زوج النبي مَّ قالت لو
أدرك رسول اللّه مَيتم ما أحدث النساء ] من التطيب والزينة للخروج إلى المسجد
[لمنعهن] أى رسول اللّه مريض صريحاً وإلا فقد منعهن ضمناً كما فى الحديث المتقدم
بقوله و ليخرجن وهن تفلات وكما فى حديث أبى موسى ولفظة (( أن المرأة إذا
استعطرت فمرت بالمجلس فهى كذا وكذا يعنى زانية وهذا الحكم فيما إذا غلب و
فشا ذلك فى النساء والله أعلم إلى المسجد أى خروجهن إلى [ كما منعه ] أى
الخروج إلى المجد [ نساء بنى إسرائيل قال يحيى] أى ابن سعيد [ فقلت العمرة
أمنعه ] أى عن الخروج إلى المسجد [ نساء بنى إسرائيل قالت عمرة نعم] أى منعت
نساء بنى إسرائيل عن الخروج إلى المسجد لأجل أحداث الزينة و غيرها من دواعى
(١) وفى نسخة: باب التشديد فى ذلك (٢) وفى نسخة: بعده (٣) وفى
نسخة: بمنعت (٤) وفي نسخة: أمنعت (٥) وبه جزم فى الكوكب الدرى .

بذل المجهود
( ١٦٥ )
الجزء الرابع
حدثنا ابن المثنى أن عمرو بن عاصم حدثهم قال ثنا همام
عن قتادة عن مورق عن أبى الأحوص عن عبد الله عن
النبى ◌ّ قال صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها فى
حجرتها وصلاتها فى مخدعها أفضل من صلابها فى بيتها .
الفتنة وقول عائشة (١) كما منعه نساء بنى إسرائيل يدل ظاهراً على أنهن منعن عن
الخروج فلا وجه السؤال إلا لزيادة التثبت و التحقيق .
[ حدثنا ابن المثنى] محمد [ أن عمرو بن عاصم] من عبيد اللّه الكلابى القيسى
أبوعثمان البصرى الحافظ ، قال ابن معين: ثقة ، وقال ابن سعد صالح ، وقال النسائى
لا بأس به ، وذكره ابن حبان فى الثقات، وقال بندار لولا فرقى من آل عمروبن
عاصم لتركت حديثه هكذا قال الحافظ فى تهذيب ، التهذيب وقال فى التقريب :
صدوق فى حفظه شئى [ حدثهم قال ثنا همام] بن يحيى [عن قتادة عن ٠ورق ]
بضم أوله وتشديد الراء المكسورة ابن مشمرج بضم أوله وفتح المعجمة وسكون
الميم وكسر الراء بعدها جيم ابن عبد الله العجلى أبو المعتمر البصرى ثقة عابد [عن
أبى الأحوص ] هو عوف بن مالك الجشمى مشهور بكنيته ثقة [ عن عبد اللّه] بن
مسعود [ عن النبى معَّ قال صلاة (٢) المرأة فى بيتها ] أى الداخلانى لكمال سترها
[ أفضل من صلاتها فى حجرتها ] أى صحن الدار قال ابن الملك أراد بالحجرة ما
تكون أبواب البيوت إليها وهى أدنى حالا من البيت ] وصلاتها فى مخدعها ] بضم
الميم و تفتح وتكسر مع فتح الدال فى الكل وهو البيت الصغير الذى يكون داخل
البيت الكبير يحفظ فيه الأمتعة النفيسة من الخدع وهو إخفاء الشئى أى فى خزانتها
(١) وقد روى عبد الرزاق عن عائشة مرفوعاً نصاً منعهن يعنى نساء بنى إسرائيل
عن المساجد ((ابن رسلان)) (٢) وقد أخرج أحمد من رواية أم حميد كما حكى
عنه فى جمع الفوائد أوضح وأتم من ذاك .

بذل المجهود
( ١٦٦ )
الجزء الرابع
حدثنا أبو معمر حدثنا عبد الوارث ثنا أيوب عن نافع
عن ابن عمر قال قال رسول اللّه ي لو تركنا هذا الباب
للنساء قال نافع فلم يدخل منه ابن عمر حتى مات قال أبو
داؤد رواه إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عن نافع قال
قال عمر و هذا أصح .
( باب السعى إلى الصلاة ) حدثنا أحمد بن صالح ثنا
[ أفضل من صلاتها فى بيتها ] لأن مبنى أمرها على التستر.
[ حدثنا أبو معمر] عبد الله بن عمرو [ ثنا عبد الوارث ثنا أيوب عن نافع
عن ابن عمر قال قال رسول اللّه مَ ◌ّهِ لوتركنا هذا الباب ] أى الباب الذى يسمى
الآن بباب النساء بالمدينة من مسجد النبى معَّ [النساء] أى مختصاً لدخول النساء
فلا يدخل الرجال منه المسجد [ قال نافع فلم يدخل منه ابن عمر حتى مات قال أبو
داؤد رواه إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عن نافع قال قال عمر] حاصل هذا الكلام
أن عبد الوارث و إسماعيل بن إبراهيم اختلفا فى رواية هذا الحديث عن أيوب فى
أمرين فرفعه عبد الوارث عن ابن عمر موصولا ولم يرفعه إسماعيل بل أوقفة على
عمر رضى الله تعالى عنه وجعله قول عمر ولم يذكر ابن عمر، ورواية نافع عن
عمر منقطع ثم يقول أبو داؤد [ وهذا أصح] أى رواية إسماعيل موقوفاً أصح من
رواية عبد الوارث مرفوعاً، وفى بعض النسخ قال أبو داؤد و حديث ابن عمر
وهم من عبد الوارث أى رفعه وهم منه ولم أجد دليلا على ما ادعاه المصنف من
الوهم فان الراويين كليهما ثقتان، ثم هذا الحديث بسنده ومتنه مكرر قد تقدم فى باب
اعتزال النساء فى المساجد عن الرجال .
[ باب السعى إلى الصلاة ] هل يجوز أولا، والمراد بالسعى هاهنا الاسراع

بذل المجهود
( ١٦٧ )
الجزء الرابع
عنبسة أخبرنى يونس عن ابن شهاب أخبرنى سعيد بن
المسيب و أبو سلسة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال
سمعت رسول الله ث يقول إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها
تسعون وأقوها تمشون وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا
فى المشى بحيث يتشقت به قلب المصلى ويزول طمأنيتة
[ حدثنا أحمد بن صالح ثنا عنبسة] بن خالد [ أخبرنى يونس ] بن يزيد
[ عن ابن شهاب] محمد بن مسلم الزهرى [ أخبرنى سعيد بن المسيب وأبو سلة
بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال، سمعت رسول اللّه عَ ل يقول إذا أقيمت (١)
الصلاة فلا تأتوها] أى الصلاة [تسعون] حال أى لاتأتوا إلى الصلاة مسرعين فى
المشى وإن خفتم فوت الصلاة، كذا قاله بعض علمائنا والنهى إنما هو عن الاسراع
المفضى إلى تشتت البال وعدم استقامة الحال [ وأتوها تمشون ] أى و أتوا
للصلاة حال كونكم تمشون بالطمأنينة والسكون إن قلت قوله فلا تأتوها تسعون وأتوها
تمشون ماهذا إلا كما يقولون («لا تأكل لحم الفرس ولكن كل لحم الحيوان، وهو كلام
ضعيف ، قلت: لانسلم ضعفه لأن المراد لحم حيوان غيره وإن سلم فالقيد موجود
فى الحديث وهو قوله [ وعليكم السكينة] مع أن السعى قديكون مشياً كقوله تعالى
((فاسعوا إلى ذكر الله، وقد يكون عدواً، كقوله تعالى: ((وجاء من أقصى المدينة
رجل يسعى، وقد يكون عملا، كقوله تعالى: (( و أن ليس للانسان إلا
ما سعى .
ثم من خاف التكبيرة الأولى، فقيل: إنه يسرع فان عمر - رضى اللّه تعالى
عنه - سمع الاقامة بالبقيع فأسرع إلى المسجد ، و قيل : إنه يهرول ومنهم من
(١) قيد به لأنه الحامل على الاسراع فغيره أولى وقبل التقيد بها لأن المسرع
إذاً يحفزه النفس بخلاف السابق على الاقامة (« ابن رسلان ، وكذا فى الأوجز .

بذل المجهود
(
(١٦٨
الجزء الرابع
وما فاتكم فأتموا قال أبو داؤد وكذا قال الزبيدى وابن
اختار يمشى على وقار للحديث لأن من قصد الصلاة فكأنه فى الصلاة والأظهر اسراع
مع السكينة احراز للفضيلتين، ولقوله تعالى: ((وسارعوا إلى مغفرة من ربكم )، وفى
بعض الروايات جمع بين السكينة والوقار ، فقيل هما بمعنى ، والحق أن السكينة التأنى
فى الحركات واجتناب العبث ونحو ذلك والوقار فى الهيئة وغض البصر وخفض
الصوت و الاقبال على طريقه من غير التفات ونحو ذلك ، قاله الطبى: والأظهر
أن المراد بالسكينة سكون القلب و حضوره وخشوعه وخضوعه وامثال ذلك
وبالوقار سكون القالب من الهيئات الغير المناسب للسالك [ فما أدركتم فصلو] الفاء
جزاء شرط محذوف أى إذا بينت لكم ماهو أولى بكم فما أدركتم فصلوا أى ما أدر كتم
من ركعات الصلاة فصلوه وباطلاقه أخذ جماعة من العلماء أن الجماعة تدرك بأى
جزء أدرك قبل سلام الامام ويحصل للأموم فضل الجماعة وهو سبع وعشرون
درجة لكن من أدركتها من أولها تكون درجته أكمل أو ما فاتكم فأتموا فيه دليل
على أن ما أدركه المرء من صلاة إمامه هو أول صلاته لأن لفظ الاتمام يقع على
باقى فعل تقدم أوله وإلى هذا ذهب الشافعى وأحمد، قاله ابن الملك، قال الطبي وهو
مذهب على وأبى الدرداء، قلت: وإليه ذهب أبو حنيفة - رحمهم الله - إلا فى
القراءة، قال ابن حجر : وهو مذهب جمع من الصحابة والتابعين ، وقال آخرون
ما أدركه معه هو آخر صلاته لرواية ما فاتكم فاقضوا ورد بأن حقيقة القضاء ههنا غير
متأتية فتعين حملها على رواية الاتمام الصريحة قاله القارئ . .
قلت : قد اختلف الأمة فيمن أدرك الامام يوم الجمعة بعد الركوع مثلا فى
التشهد أو فى سجود السهو هل يبنى عليه الجمعة أو الظهر ، فقال محمد : يبنى عليها
الظهر ويصلى أربعاً ، قال العيى فى شرح الهداية: وبه قال الشافعى و مالك(١)
(١) وينوى الجمعة ابتداء عند الشافعى والظهر عند أحمد، كذا فى الأوجز.

بذل المجهود
(١٦٩ )
الجزء الرابع
أبى ذئب و إبراهيم بن سعد و معمر وشعيب بن أبى
و أحمد بناء على ما أخرجه الدارقطنى من حديث أبى هريرة قال : قال رسول الله
مَطلقة من أدرك من الجمعة ركعة فليصل إليها أخرى ومن فاتته الركعتان فليصل أربعاً
وقال أبو حذيفة و أبو يوسف: يبنى عليها الجمعة ويصلى ركعتى الجمعة مستدلا بهذا
الحديث الصحيح الصريح الذى أخرجه البخارى ومسلم فانه يدل على أن من فاته شئى
من صلاة الامام وأدرك شيئاً منها أى جزء كان فعليه أن يتمه ويقضيه فاذا أدرك
فى الجمعة التشهد أو سجود السهو فبناء على هذا الحديث عليه أن يتم الجمعة ويقضيه وفى
رواية أخرى الدارقطنى من أدرك من الجمعة ركعة صلى إليها أخرى فان أدركهم
جلوساً صلى الظهر أربعاً والحديث ضعيف لأن فى سنده ياسين بن معاذ الزيات ،
قال الدارقطنى: قال الشيخ: يسين ضعيف و أيضاً فى رواية صالح بن أبى الأخضر
وهو أيضاً ضعيف ضعفه يحيى بن معين والنسائى و البحارى وعن ابن معين ليس
بشئى ، وقال الجوزجاني : انهم فى أحاديثه ، وقال أبو زرعة : ضعيف الحديث ،
وقال الترمذى : يضعف فى الحديث ضعفه يحيى القطان وغيره قاله الذهبى فى الميزان
وأيضاً وقع فى رواية للدار قطنى سليمان بن أبى داؤد الحرانى، قال فى الميزان: ضعفه
أبو حاتم ، وقال البخارى : منكر الحديث ، وقال ابن حبان لا يحتج به ومع
هذا حديث الدارقطنى هذا لا يقاوم حديث الصحيحين ولو سلم فيمكن أن يوجه
قوله فان أدركهم حلوساً أى بعد الفراغ من الصلاة ، وكذلك قوله من فاتته
الركعتان أى فوتهما بسلام الامام مفينئذ لا يخالف حسديث الصحيحين فى المعنى [ قال
أبو دلؤد وكذا ] أى مثل ما قلت يونس عن ابن شهاب بلفظ وما فاتكم فأتموا
[ قال الزيدى] هو محمد بن الوليد بن عامر الزبيدى بالزاى والموحدة مصغراً أبو
الهذيل الحمصى القاضى ثقة ثبت من كبار أصحاب الزهرى [ وابن أبي ذئب ] أخرج
روايته البخارى [ وإبراهيم بن سعد] أخرج روايته مسلم [ومعمر] أخرج روايته

بذل المجهود
( ١٧٠ )
الجزء الرابع
حمزة عن الزهرى و ما فاتكم فاتموا وقال ابن عيينة عن
الزهرى وحده فاقضوا و قال محمد بن عمرو عن أبى سلمة
عن أبى هريرة(١) و جعفر بن ربيعة عن الأعرج عن أبى
هريرة فاتمو وابن مسعود عن النبى ◌َثّ و أبو قتادة
و أنس عن النبى فى كلهم (١) فاتموا .
الترمذى [ وشعيب بن أبى حمزة] أخرج حديثه البخارى فى الجمعة [عن الزهرى
وما فاتكم فأتموا ] حاصله أن كلهم رووا عن الزهرى بلفظ فأتموا، وخالفهم ابن
عينة فى هذا اللفظ [ وقال ابن عيينة عن الزهرى وحده فاقضوا] أى لم يذكر ابن
عيينة فأتموا بل ذكر ابن عيينة وحده من بين أصحاب الزهرى فاقضوا ، قال الحافظ :
رواه عنه ابن عيينة بلفظ فاقضوا وحكم مسلم فى التمييز عليه بالوهم فى هذه اللفظة مع
أنه أخرج إسناده فى صحيحه لكن لم يسق لفظه ، قلت : ودعوى المصنف بأن ابن
عينة عن الزهرى متفرد فى لفظ فاقضوا غير صحيح فان الامام الطحاوى آخرج
بسنده عن الليث قال ثنى ابن الهاد عن ابن شهاب عن أبى سلمة فذكر باسناده مثله
غير أنه قال : فاقضوا ، فثبت بهذا أن ابن عيينة غير متفرد فى رواية هذا اللفظ عن
ابن شهاب [ وقال محمد بن عمرو عن أبي سلمة] ذكره الطحاوى بسنده فى شرح
معانى الآثار [ عن أبى هريرة وجعفر بن ربيعة عن الأعرج عن أبى هريرة فأتموا]
هذا تقوية وتائيد لما روى جمهور تلامذة الزهرى عنه بقوله: فأتموا ثم أيده برواية
الصحابة غير أبى هريرة ، فقال [وابن مسعود عن النبى معَّ وأبو قتادة] أخرج
روايته البخارى ومسلم [و أنس عن النبيِ مَّ كلهم فأتموا ] أى كلهم قالوا
بلفظة فأتموا .
(١) وفى نسخة: قال. (٢) و فى نسخة: قالوا .

بذل المجهود
( ١٧١ )
لجزء الرابع
حدثنا أبو الوليد الطيالسى ثنا شعبة عن سعد بن إبراهيم
قال سمعت أبا سلمة عن أبى هريرة عن النبى بقّ قال ايتوا
الصلاة وعليكم السكينة فصلوا ماأدر كتم واقضوا ماسبقكم
قال أبو داؤد وكذا قال ابن سيرين عن أبى هريرة
وليقض (١) وكذا قال أبو رافع عن أبى هريرة وأبو
ذر روى عنه فاتموا واقضوا و اختلف فيه عنه .
[حدثنا أبو الوليد الطيالسى ثنا شعبة عن سعد بن إبراهيم قال : سمعت أبا سلمة
عن أبى هريرة عن النبى معَّم قال: ايتوا الصلاة] أى ايتوا المسجد للصلاة [وعليكم
السكينة فصلوا ما أدركتم واقضوا ما سبقكم، قال أبو داود : وكذا قال ابن سيرين
عن أبى هريرة وليقض] كما أخرجه مسلم فى صحيحه ولفظه وأقض ما سبقك [وكذا
قال أبو رافع عن أبى هريرة ] أى بلفظ القضاء ولم أجد روايته فيما عندى من
الكتب [ وأبو ذر روى عنه] بلفظ [ فأتموا] وبلفظ [واقضوا ] روى
عنه بكلا اللفظين [ و اختلف فيه] أى فى هذا اللفظ [عنه ] أى عن أبى ذر.
ولم أجد روايته أيضاً، وكذلك رواية ابن مسعود وأنس و غرض المصنف من
ذكر هذه الروايات ترجيح لفظ فأتموا على لفظ فاقضوا ، قال العينى (٢) وفى هذه
الفظة اختلاف فعند أبى نعيم الأصبهاني وما فاتكم فاقضوا، وكذا ذكر الاسماعيلى
من حديث شيبان عن يحيى و، فى رواية لمسلم فاقض ماسبقك وفى رواية لأبى داؤد
فاقتدوا ما سبقكم، وعند أحمد من حديث ابن عينة عن الزهرى وما فاتكم فاقضوا
و فى المحلى من حديث ابن جريج عن عطاء عن أبى هريرة وما فاته فليقض وفى
مسند أبي قرة عن ابن جريج عن الزهرى بلفظ فاقضوا ، قال : وذكر سفيان عن
(١) وفى نسخة: يقضى. (٢) فى شرحه على البخارى .

بذل المجهود
( ١٧٢ )
الجزء الرابع
سعد بن إبراهيم حدثنى عمرو بن سلمة عن أبيه بلفظ وليقض ما سبقه اختلف العلماء
فى القضاء و الاتمام المذكورين هل هما بمعنى واحد أو بمعنيين، وترتب على ذلك
خلاف فيما يدركه الداخل مع الأمام هل هو أول صلاته أوآخرها على أربعة أقوال
أحدها أنه أول صلاته و أنه يكون بانياً عليه فى الافعال (١) والأقوال وهو قول
الشافعى و إسحاق والأوزاعى وهو مروى عن على و ابن المسيب والحسن وعطاء
و مكحول ورواية عن مالك وأحمد واستدلوا بقوله: «وما فاتكم فأتموا، لأن
لفظ الاتمام واقع على باق من شئى قد تقدم سائره ، وروى البيهقى عن الحماث
عن على - رضى الله عنه - ما أدركت فهو أول صلاتك وعن ابن عمر بسند جيد
مثله ، الثاني أنه أول صلاته بالنسبة إلى الافعال فينى عليها وآخرها بالنسبة إلى
الأقوال فيقضيها وهو قول مالك ، قال ابن بطال : عنه ما أدرك فهو أول صلاته
إلا أنه يقضى مثل الذى فاته من القراءة بأم القرآن وسورة، ودليله ما رواه البيهقى
إن على بن أبى طالب قال: ما أدركت مع الإمام فهو أول صلاتك واقض ما سبقك
به من القرآن ، الثالث: أن ما أدرك فهو أول صلاته إلا أنه يقر فيها بالحمد
وسورة مع الامام وإذا قام للقضاء قضى بالحمد وحدها لأنه آخر صلاته وهو
قول المزنى وإسحاق و أهل الظاهر، الرابع: أنه آخر صلاته و أنه يكون قاضياً
(١) قلت: لكن يشكل عليه ما قال ابن رسلان: إن المسبوق بالركعتين ينبغى
له أن يقرأ السورة فى الأخريين لئلا تخلو صلاته عن ضم السورة، فتأمل .
وحلى المذاهب المؤفق و ابن قدامة فى الشرح الكبير بخلاف هذا ، فقال اختلفت
الرواية فيما يقضيه المسبوق فرأى أنه أول صلاته وما أدرك مع الامام آخرها
وهو ظاهر المذهب ، وكذا قال مالك والثورى: وحكى عن الشافعى، وأبى
حذيفة . وروى عن أحمد أن مايقضيه، آخر صلابة ، وهو قول الشافعى ورواية
لمالك ولا أعلم خلافاً بين الأئمة الأربعة فى قراءة الفاتحة والسورة ، قال ابن
عبد البر كل هؤلاء القائلين بالقولين جميعاً يقولون يقضى مافاته من الحمد والسورة
على حسب ما قرأ إمامه إلا إسحاق و داؤد والمزنى قالوا يقرأ بالحمد وحدها .

بذل المجهود
( ١٧٣ )
الجزء الرابع
فى الافعال والأقوال وهو قول أبى حنيفة وأحمد فى رواية وسفيان و مجاهد
وابن سيرين ، وقال ابن الجوزى: الأشبه بمذهبنا ومذهب أبى حنيفة أنه آخر
صلاته ، وقال ابن بطال : روى ذلك عن ابن مسعود وابن عمر وإبراهيم النخعى
و الشعبي و أبى قلابه ، ورواه ابن القاسم عن مالك وهو قول أشهب و ابن
الماجشون واختاره ابن حبيب واستدلوا على ذلك بقوله مَّ: « ما فاتكم فاقضوا،
ورواه ابن أبى شيبة بسند صحيح عن أبى ذر و ابن حزم بسند مثله عن أبى هريرة
و البيهقى بسند لا بأس به على رأى جماعة عن معاذ بن جبل - رضى الله عنه -
و الجواب عما استدل به الشافعى ومن تبعه وهو قوله فأتموا أن صلوة الماموم
مرتبطة بصلاة الامام حمل قوله : فأتموا على أن من قضى ما فاته فقد أتم لأن
الصلاة تنقص بما فات فقضاءه أمام لما نقص .
قلت (١): وههذا قول خامس (٢) نسبه الحنفية إلى الامام محمد - رحمه الله-
و هو أن المسبوق يقضى أول صلاته فى حق قراءة وآخرها فى حق تشهد ، قال
الشامى : و ظاهر كلامهم اعتماد قول محمد، وعندى الأوفق بلفظ الحديث قول من
قال إن ما أدرك من صلاة الامام فهو آخر صلاته ، فان لفظ الحديث ما فاتكم
فأتموا تقديره ما فات من صلاتكم عن صلاة إمامكم فأتموه أى إيتوه تاماً و الذى
فات من الصلاة هو أول صلاته فانه لم يدركه مع الامام فعليه بمقتضى الحديث أن
يؤديه تاماً كاملا ، وما استدل على خلافه من أنه يجب عليه أن يتشهد فى آخر
صلاته على كل حال فلو كان ما يدركه مع الامام آخراً له لما احتاج إلى إعادة التشهد
أجاب عنه ابن بطال أنه ما تشهد إلا لأجل السلام لأن السلام يحتاج إلى سبق تشهد
و أما استدلال ابن المنذر على ذلك بأنهم أجمعوا على أن تكبيرة الافتتاح لاتكون إلا
(١) إختلفت أقوال الفقهاء فى نقل قول الامام محمد ، كما فى الشامى و البدائع
والبحر بأشد البسط. (٢) والفرق بين هذا القول والقول الثانى من الأقوال
المذكورة يظهر من كلام صاحب البدائع وشئى من ذلك فى الأوجز .
٠٠٠

بذل المجهود
( ١٧٤ )
الجزء الرابع
فى الركعة الأولى فغير مسلم فى حق المسبوق والله تعالى أعلم، يقول العبد الحقير
المعترف بالتقصير أن هذا الحديث أورده المحدثون بألفاظ مختلفة بعضها محتملة للمعنيين
وبعضها محكمة فى معنى واحد، فأخرج البخارى ومسلم من حديث أبى هريرة ولفظه
فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا. و بهذا اللفظ أخرج البخارى ومسلم من
حديث أبى قتادة - رضى الله عنه - وكذلك أخرج مسلم من حديث أبى قتادة ،
وحكى أبو داؤد أن حديث ابن مسعود و أنس بهذا اللفظ يعنى فأتموا، وروى
سفيان بن عينة من بين أصحاب الزهرى فى حديث أبى هريرة بلفظ فاقضوا بدل فأتموا ،
واختلف أيضاً فى حديث أبي قتادة فرواية الجمهور فأتموا ، ووقع لمعاوية بن هشام عن
شيبان فاقضوا ، وكذا روى أحمد عن عبدالرزاق عن معمرعن همام عن أبى هريرة،
فقال: فاقضوا واختلف فى حديث أبى ذر أيضاً ، فروى عنه فأتموا، وروى عنه
واقضوا وهذان السياقان استدل بهما الفريقان فالذين قالوا إن المسبوق يدرك مع
الامام أول صلوته ثم إذا انفرد عن الامام يتم آخر صلاته ، استدلوا بلفظ فأتموا
فان إتمام الشئى لا يتحقق إلا بعد ما تقدمه شى، وأما لفظ فاقضوا ليس بمغاير
للاتمام فان القضاء وإن كان يطلق على الفائت غالباً لكنه يطلق على الأداء أيضاً ،
ويرد بمعنى الفراغ، كقوله تعالى: « فاذا قضيت الصلاة فانتشروا، فيحمل قوله :
فاقضوا ههنا على معنى الأداء و الفراغ فلا يغاير قوله فأتموا فلا حجة فيه لمن تمسك
برواية فاقضوا، والذين قالوا : إن المسبوق المدرك صلاة الامام يؤدى مع الامام
آخر صلاته ثم إذا انفرد عن الامام يقضى أول صلاته احتجوا بلفظ فاقضوا ،
وقالوا : إن الأصل فى القضاء هو الاتيان بالفائت ، كما فى قوله عليه السلام قال :
فأتموا بقية يومكم واقضوه أخرجه أبو داود فى الصوم من حديث قتادة عن عبد
الرحمن بن مسلمة، و أما لفظ فأتموا فيأتى بمعنى الاتيان تاماً ، كما فى قوله تعالى :
« وأتموا الحج والعمرة لله، فاذا احتمل كل واحد من اللفظين كل واحد من
المعنيين فلا يجوز الاستدلال بهما ، و أما ترجيح المحدثين لفظ فأتموا بأن هذا اللفظ

٢٠
بذل المجهود
( ١٧٥ )
الجزء الرابع
ورد فى أكثر الروايات و لفظ فاقضوا فى أقل منها لو سلم فغير نافع حينئذ يجب
المصير إلى دليل آخر ليس فيه احتمال مخالف ناش عن دليل فأقول (١) إن الامام ماماً
أخرج فى صحيحه حديث أبى هريرة من طريق هشام بن حسان عن محمد بن سيرين
قال: قال رسول اللّه مَّ: صل ما أدركت واقض ما سبقك، وكذلك أخرج
أبو داؤد من طريق شعبة عن سعد بن إبراهيم قال : سمعت أبا سلمة عن أبى هريرة
ولفظه فصلوا ما أدركتم واقضوا ما سبقكم، قال أبو داؤد: وكذا قال ابن سيرين
عن أبى هريرة : وكذا قال أبورافع عن أبى هريرة : فهذا سياق ثالث غير السياقين
المتقدمين و هذا السياق محكم ليس فيه احتمال فان قوله : واقض ما سبقك معناه
أد ما فاتك سابقاً من الصلاة فالمسبوق المدرك آخر صلاة الامام إما أن يصلى معه
أول صلاته أو آخر صلاته فان صلى أول صلاته فلم يفت عنه فى السابق شئى من
الصلاة حتى يقال له اقض الصلاة التى سبقتك فان آخر صلاته لم يفت سابقاً ، وأما
إذا صلى مع الامام آخر صلاته فأنه يصدق عليه أنه فاتته سابقاً من صلاته فأمر بقضاء
مافاته فان قلت: لانسلم أن لفظ السبق الذى ورد فى هذا السياق محكم ليس فيه احتمال
مخالف فان السبق يطلق على الفوت المجرد عن معنى التقدم ، كما فى قوله تعالى: ((لا يحسين
الذين كفروا سبقواء وكذلك فى قوله تعالى: (( أم حسب الذين يعملون السيئات أن
يسبقوناء قلت: لا نسلم أن هذا اللفظ فى الايتين عار عن معنى التقدم فان دلالة لفظ السبق
على الفوت باعتبار اللزوم فان السبق فى بعض المواقع يستلزم الفوت ودلالة الالتزام
مستلزم للمطابقة و لو سلم فإن معنى الفوت المجرد عن التقدم يحتاج فى دلالة اللفظ
عليه على القرينة و معنى التقدم فيه غير محتاج إلى القرينة وههنا الكلام خال عن .
القرينة فيحمل على معناه الوضعى وهو التقدم فلا احتمال فيه أصلا .
(١) قلت: لكن ينافيه ما تقدم وأتم ما يقى فان لفظ بقى نص
فى الآخر .

بذل المجهود
( ١٧٦ )
الجزء الرابع
( باب (١) فى الجمع فى المسجد (٢) مرتين ) حدثنا
موسى بن إسماعيل ثنا وهيب عن سليمان الأسود عن أبى
المتوكل عن أبى سعيد الخدرى أن رسول (٣) الله معرفته
أبصر رجلا يصلى وحده فقال ألا رجل يتصدق على هذا
فيصلى معسه .
[ باب فى الجمح ] أى الصلاة بالجماعة [ فى المسجد ] أى فى مسجد واحد فى
وقت واحد [ مرتين ] أى ما حكمه هل يجوز ذلك أولا .
[ حدثنا موسى بن إسماعيل ثنا وهيب] بن خالد [عن سليمان الأسود]
الناجى بالنون و الحيم البصرى أبو محمد وثقه ابن معين وذكره ابن حبان فى الثقات
ونقل ابن خلفون توثيقه عن إبن المدينى وغيره [ عن أبى المتوكل ] على بن داؤد
[ عن أبى سعيد الخدرى أن رسول اللّه مَّ أبصر رجلا يصلى وحده ] أى بعد
ما صلى رسول اللّه موفقة بأصحابه كما يدل عليه رواية الترمذى ولفطه أن رجلا دخل
المسجد وقد صلى رسول اللّه مَ لَّم، وفى رواية لأحمد (٤) صلى رسول اللّه مؤ خّل بأصحابه
الظهر (٥) فدخل رجل ولم يعرف اسم ذلك الرجل [فقال] أى رسول الله ما العمل
[ ألا رجل يتصدق (٦) على هذا ] الهمزة فيه للاستفهام ولا بمعنى ليس كقوله
ألا تنزل بنا فتصيب خيراً معناه أليس رجل ممن فرغوا من صلاتهم بالجماعة فيتصدق
بثواب الجماعة على هذا الرجل الذى فاتته الصلاة مع الامام [فيصلى معه] مقتدياً به فيحصل
بذلك له أجر الجماعة فإذا فعل ذلك فكأنه تصدق عليه وزاد فى رواية الترمذى فقام
(١) وفى نسخة: باب ما جاء (٢) وفى نسخة: فى مسجد
(٣) وفى نسخة: النبى (٤) وعزاه ابن رسلان الترمذى قلت هو فى الترمذى
بدون تعيين الصلاة (٥) و فى شرح المنهاج أن القصة وقعت لصلاة العصر فتأمل،
(٦) وعند الترمذى: أيكم بتجر على هذا والمعنى واحد .

بذل المجهود
( ١٧٧ )
الجزء الرابع
رجل وصلى معه ، وفى رواية أحمد فقام رجل من القوم فصلى معه ، قال الشوكانى:
هو أبوبكر الصديق رضى الله تعالى عنه كما بين ذلك ابن أبى شيبة ثم قال: قال ابن
الرفعة وقد اتفق الكل على أن من رأى شخصاً يصلى منفرداً لم يلحق الجماعة فيستحب
له أن يصلى معه وإن كان قد صلى فى جماعة ، قلت: ودعوى الاتفاق فيمن قدصلى
قبل ذلك فى جماعة مسلمة ، وأما فى من لم يصل فدعوى الاتفاق ممنوعة فان الذين
قالوا بكراهة تكرار الجماعة من الأمة لا يجوزونه فى محل يُكره عندهم تكرار الجماعة
قال الترمذى بعدنقل هذا الحديث وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي
عَّ وغيرهم من التابعين قالوا لا بأس بأن يصلى القوم جماعة فى مسجد قد صلى
فيه ، وبه يقول أحمد وإسحاق ، وقال آخرون من أهل العلم يصلون فرادى ،
وبه يقول سفيان وابن المبارك والشافعى يختارون الصلاة فرادى انتهى (١)،
قال الشوكانى : قال البيهقى: وقد حكى ابن المنذر كراهية ذلك عن سالم بن عبد الله
و أبى قلابة و ابن عون و أيوب والتى و ليث بن سعد والأوزاعى وأصحاب
الرأى ، قلت: ومذهب الحنفية فى ذلك ما فى الدر المختار ولفظه « ويكره
تكرار الجماعة بأذان وإقامة فى مسجد محلة لا فى مسجد طريق أو مسجد لا إمام له
ولا مؤذن انتهى، قال الشامى فى حاشيته : ويكره ، أى تحريماً لقول الكافى لا يجوز
و المجمع لا يباح و شرح الجامع الصغير أنه بدعة قوله بأذان وإقامة ، عبارته فى
الخزائن أجمع ما هاهنا ونصها يكره تكرار الجماعة فى مسجد محلة بأذان وإقامة إلا
إذا صلى بهما فيه أولا غير أهله ، أو أهله لكن بمخافتة الأذان ولو كرر أهله
بدونهما أو كان مسجد طريق جاز إجماعاً كما فى مسجد ليس له إمام ولا مؤذن و
يصلى الناس فيه فوجأ فوجاً فان الافضل أن يصلى كل فريق بأذان وإقامة على حدة
(١) قال الشعرانى: ومنها قول أبى حنيفة ومالك والشافعى إن من دخل المسجد
فوجد إمامه قد فرغ كره له أن يستأنف جماعة أخرى إلا أن يكون المسجد على
مر الناس مع قول أحمد أنه لا يكره ، و قريب منه فى العينى .

بذل المجهود
( ١٧٨ )
الجزء الرابع
انتهى، والمراد بمسجد المحلة ماله إمام و جماعة معلومون كما فى الدر وغيرها، قال
فى المنبع: والتقيد بالمسجد المختص بالمحلة احتراز من الشارع، وبالأذان الثانى احتراز
عما إذا صلى فى مسجد المحلة جماعة بغير أذان حيث يباح إجماعاً ثم قال فى الاستدلال
على الامام الشافعى النافى للكراهة ما نصه. ولنا أنه عليه الصلاة والسلام كان خرج
ليصلح بين قوم فعاد إلى المسجد وقد صلى أهل المسجد فرجع إلى منزله بجمع أهله
وصلى ولو جاز ذلك لما اختار الصلاة فى بيته على الجماعة فى المسجد ولأن فى
الاطلاق هكذا تقليل الجماعة معنى فانهم لا يجتمعون إذا علموا أنها لا تفوتهم ، وأما
مسجد الشارع فالناس (١) فيه سواء لا اختصاص له بفريق دون فريق، انتهى، ومثله
فى البدائع وغيرها ، ومقتضى هذا الاستدلال كراهة التكرار فى مسجد المحلة ولو
بدون أذان، ويؤيده ما فى الظهيرية لودخل جماعة المسجد بعد ماصلى فيه أهله يصلون
وحداناً وهو ظاهر الرواية انتهى، وهذا مخالف لحكاية الاجماع المارة، وعن هذا ذكر
العلامة الشيخ رحمة الله السندهى تلميذ المحقق ابن همام فى رسالته أن ما يفعله أهل
الحرمين من الصلاة بأئمة متعددة بجماعات مترتبة مكروه اتفاقاً ونقل عن بعض
مشايخنا انكاره صريحاً حين حضر الموسم بمكة سنة ٥٥١ ٥ منهم الشريف الغزنوى ،
وذكر أنه أفتى بعض المالكية بعدم جواز ذلك على مذهب العلماء الأربعة ونقل
إنكار ذلك أيضاً عن جماعة من الحنفية والشافعية والمالكية حضروا الموسم سنة
٥٥١ه، انتهى وأقره الرملى فى حاشية البحر، قلت: و أما استدلالهم على جواز
ذلك (٢) بهذا الحديث فممنوع فان هذا الحديث (٣) يدل على تكرار الجماعة التى جماعة
صورة فان الذى فرغ من صلاته إذا صلى مع من لم يصل صلاته يكون متنفلا ولم
يكرهه أحد من العلماء ، و أما الجماعة حقيقة بأن الامام و المقتدى يجمعون وهم لم
يصلوا قبل ذلك فلا يدل هذا الحديث على جوازه والله تعالى أعلم .
(١) كما فى هامش الكوكب (٢) العجب من ابن رسلان لم يجب عن الحديث
مع كونه خلاف مذهبه (٣) وهكذا أجاب عنه صاحب البدائع .

بذل المجهود
( ١٧٩ )
الجزء الرابع
(باب (١) فيمن صلى فى منزله ثم أدرك الجماعة يصلى معهم)
حدثنا حفص بن عمر ثنا شعبة أخبرنى يعلى بن عطاء عن
جابر بن يزيد (٢) بن الأسود عن أبيه أنه صلى مع رسول الله
ت وهو غلام شاب فلا صلى إذا رجلان لم يصليا فى
[ باب فيمن صلى (٣) فى منزلة ثم أدرك (٤)] أى ثم حضر المسجد فأدرك
[ الجماعة يصلى معهم ] أى ينبغى له أن يصلى معهم.
[ حدثنا حفص بن عمر ثنا شعبة أخبرنى يعلى بن عطاء عن جابر بن يزيد بن
الأسود ] السواقى ويقال الخزاعى صدوق [عن أبيه] وهو يزيد بن الأسود أو
ابن أبى الأسود الخزاعى ويقال العامرى حمابى نزل الطايف ووهم من ذكره فى الكوفيين
[ أنه ] أى يزيد بن الأسود [ صلى مع رسول الله {له] وهى صلاة الفجر كما
سيأتى [ وهو غلام] قال فى المجمع: الغلام يقال للصبى من حين الولادة الى
البلوغ و يقال للرجل المستحكم القوة، والأفى غلامة [ شاب] وهو من بلغ إلى
ثلاثين سنة [ فلما صلى] أى فرغ رسول اللّه مَ﴾ [ إذا رجلان لم يصليا] أى مع
(١) و فى نسخة: باب فيمن صلى فى منزله ثم أدرك جماعة يصلى معهم إذا كان
فى المسجد (٢) الحديث مختصر ذكره الشوكانى فى النيل مفصلا (٣) أى منفرداً كما
يدل عليه الترجمة الآتية (٤) وذكر ابن العربى اختلاف الأئمة على أربعة أقوال
وجمع ابن قتيبة فى التأويل بينه وبين قوله عليه السلام لا تصلوا فى يوم مرتين،
و قال ابن قدامة : من صلى فرضه ثم أدرك الجماعة وهو فى المسجد يستحب له
إعادتها مطلقاً وبه قال الشافعى وإن كان خارج المسجد لا يستحب الفجر والعصر
وقال مالك: إن صلى فرادى تعاد المغرب أيضاً و إلا فلا يعيد المغرب ، وقال
أبو حنيفة : تعاد الظهر والعشاء ، قال ابن رسلان : قال ابن عبد البر: إنما يعيد
الصلاة مع الجماعة من صلى منفرداً عند جمهور الفقهاء ، وأما من صلى جماعة لا
يعيد بهذا ، قال مالك والشافعى وأبو حنيفة، وذكر اختلاف أصحابهم فى أى *

بذل المجهود
(١٨٠)
الجزء الرابع
ناحية المسجد فدعا بهما جىء بهما ترعد فرائصهما فقال
ما منعكما أن تصليا معنا قالا قد صلينا فى رحالنا قال فقال
لا تفعلوا إذا صلى أحدكم فى رحله ثم أدرك الامام ولم
يصل فليصل معه فانها له نافلة .
رسول الله مَاللَّه [ فى ناحية المسجد] أى جالسان فى ناحية المجمد [ فدعا ] أى
رسول اللّه مَاللّه [بهما] أى برجلين جالسين فى ناحية المسجد [ نجينى بهما ] أى
بالرجلين [ ترعد] أى ترجف وتتحرك [ فرائصهما] جمع فريصة وهى أوداج
العنق واللحمة بين الجنب لا تزال ترعد ووجه الرعدة ما أعطى رسول الله حمد الله
من العظمة و المهابة كما ورد فى رواية الترمذى من رآه بداهة هابه [ فقال] رسول
اللّه مَ اللّه لهما أى للرجلين [ ما منعكما أن تصليا] هذه الصلاة [ معنا قالا] أى
الرجلان [ قد صلينا فى رحالنا ] أى فى منازلنا [ قال] أى يزيد [ فقال] رسول
الله ◌ُبِّ [لا تفعلوا] أى ما فعلتم من ترك الصلاة مع الامام بل [إذا صلى أحدكم فى رحله]
أى منزله [ ثم أدرك الامام] أى ثم حضر المسجد وأدرك الامام [ ولم يصل]
أى والحال أن الامام لم يصل [ فليصل] أحدكم [ معه ] أى مع الامام [ فانها
أى الصلاة مع الامام [ له ] أى لأحدكم [نافلة ]
الصلاة تعاد وتقدم شئى من المذاهب فى «باب إذا أخر الامام الصلاة عن
الوقت)، وفى الشرح الكبير للحنابلة إن صلى ثم أقيمت الصلاة وهو فى المسجد
يستحب له الاعادة سواء صلى منفردا أو جماعة إلا المغرب ففيها روايتان أحدهما
يستحب الاعادة كسائر الصلوات و يشفعها بالرابعة والثانية لا ، وإن أقيمت
وهو خارج المسجد لا يستحب له الدخول فى أوقات النهى ويستحب فى غيرها
ولا تجب الاعادة رواية واحدة ، وقال أصحابنا تجب مع إمام الحى وإذا أعيدت
فالفرض الأولى، وتقدم شئ من المذاهب فى « باب إذا أخر الامام الصلاة عن
الوقت » .