Indexed OCR Text

Pages 41-60

بذل المجهود
(٤١)
الجزء الرابع
فجاء معاذ فاشاروا إليه ، قال شعبة وهذه سمعتها من
حصين قال فقال معاذ لا أراه على حال إلا كنت عليها
قال فقال إن معاذاً قد سن لكم سنة كذلك فافعلوا، قال
رجعت إلى حديث عمرو بن مرزوق] فانه لم يذكر رواية عمرو بن مرة عن حصين
ولا رواية شعبة عن حصين بل روى من طريق واحد من طريق شعبة عن عمرو
بن مرة ، قال : سمعت ابن أبى ليلى إلا قوله فأشاروا إليه فان هذا اللفظ رواه شعبة
عن حصين [ قال] أى ابن أبى ليلى عن أصحاب رسول اللّه عَلَّ [بجاء معاذ]
أى فى المسجد والمسلمون فى الصلاة مع رسول اللّه مَ ◌ّم [فأشاروا ] أى الصحابة
الذين كانوا خلف رسول اللّه مَّع فى الصلاة بما سبق من صلاتهم [إليه] أى إلى
معاذ [ قال شعبة وهذه] أى الكلمة (١) وهى قوله: فأشاروا إليه [ سمعتها من
حصين ] أى لم أسمعها من عمرو بن مرة [قال] ابن أبى ليلى [فقال] أى أجاب
[معاذ لا أراه ] أى رسول اللّه مَّى [على حال] أى فى الصلاة [ إلا كنت
عليها ] أى على تلك الحال أى لا أخالفه بل أدخل معه مر ◌ّم فى الفعل الذى يؤديه
فأتبعه فى القيام والقعود والركوع والسجود [ قال] ابن أبي ليلى عن بعضر
أصحابه [ فقال] أى النبىِ مَّ لما سمع قول معاذ [ إن معاذاً قد سن (٢) ] أى
(١) وظاهر كلام ابن رسلان أن الاشارة إلى قول معاذ الآتى فى روايته لا أراه
على حال إذ قال وهذه أى القصة. (٢) فيه البحث فى الاجتهاد فى عصره ما له
وبسطه ابن رسلان ، وقال : اختلف أهل الأصول فى جواز الاجتهاد فى عصره
مرّ على خمسة أقوال أصحها عند الأكثرين الجواز وقيل المنع مطلقاً وقيل باذنه
وقيل للغائب دون من بحضرته لأن الغائب لو أخر الحادثة إلى لقائه لفاتت المصلحة
وقيل يجوز للغائبين من الولاة كعلى ومعاذ إلخ ، ثم قال وعلى القول بالجواز
اختلفوا فى وقوعه على خمسة أقوال ثم بسطها .

بذل المجهود
(٤٢)
الجزء الرابع
و حدثنا أصحابنا أن رسول الله وفق لما قدم المدينة أمرهم
بصيام ثلاثة أيام ثم أنزل رمضان وكانوا قوما لم يتعودوا
الصيام وكان الصيام عليهم شديدا فكان (١) من لم يصم
أطعم مسكيناً فنزلت هذه الآية فمن شهد منكم الشهر
قد أجرى وأحدث [ لكم سنة] أى سنة حسنة [ كذلك فافعلوا] فلا تخالفوا
الامام فى أداء ماسبق من الصلاة بل ادخلوا مع الامام فى الصلاة واتبعوه فيما يؤديه
وهذا حال ثان بأن المسبوق إذا حضر الجماعة كان يسأل عما سبق بها فيخبر فيؤديها
قبل الامام ثم يدخل فى صلاة الامام حول ذلك وغير وأمروا بأنهم إذا سبقوا
بركعة من الصلاة فعليهم أنهم إذا حضروا جماعة أن يدخلوا فى صلاة الامام
ولا يخالفوه ثم إذا فرغ الامام من الصلاة أدوا ما سبقوا بها ثم لم يذكر فى هذه
الرواية الحال الثالث وسيذكره المصنف فى الرواية الآتية [ قال] أى ابن أبي ليلى
[ وحدثنا أصحابنا] وهذا شروع فى التغير الواقع فى الصوم فإنه وقع فى الصوم
أيضاً ثلاث تحويلات احداها [ أن رسول اللّه عَّ لما قدم المدينة] أى مهاجراً
[أمرهم] أى المسلمين [ بصيام ثلاثة أيام] من كل شهر فأوجب عليهم صيامها
[ ثم أنزل رمضان] أى صوم شهر رمضان [ وكانوا] أى الصحابة [قوماً
لم يتعودوا ] أى لم يعتادوا [ الصيام وكان الصيام عليهم شديداً] لأجل أنهم كانوا
لم يعتادوها [ فكان من لم يصم أطعم مسكيناً] أى كان جائزاً أن من لم يصم من
غير عذر أن يطعم مسكيناً فعلى هذا قوله تعالى: ((وعلى الذين يطيقونه فدية طعام
مسكين ، محمول (٢) على ظاهره بمعنى أن مطيقى الصوم عليهم إذا لم يصوموا فدية
طعام مسكين أن يطعموا المسكين الطعام فدية عن الصوم [ فنزلت هذه الآية ] وهى
(١) و فى نسخة : وكان .
(٢) وأيضاً قوله تعالى: ( أياماً معدودات، محمول على ثلاثة أيام من كل شهر.

بذل المجهود
(٤٣ )
الجزء الرابع
فليصمه فكانت الرخصة للمريض والمسافر فأمروا بالصيام
قال وحدثنا أصحابنا قال وكان الرجل إذا أفطر فنام قبل
أن يأكل لم يأكل حتى يصبح قال فجاء عمر فأراد امرأته
قوله تعالى: [فمن شهد منكم الشهر فليصمه] ومعنى الآية فمن كان شاهداً أى حاضراً
مقيماً غير مسافر فى الشهر فليصم فيه ولا يفطر و الشهر منصوب على الظرف ،
وكذلك الهاء فى (( فليصمه)، ولا يكون مفعولا به كقولك شهدت الجمعة ((كشاف))
فنخت هذه الآية ما كان قبلها من الرخصة للطيقين أن لا يصوموا ويفدوا [فكانت
الرخصة المريض والمسافر ] أى بعد نزول هذه الآية نسخت الرخصة لغير المعذورين
وبقيت الرخصة للعذورين من المرضى و المسافرين فى الافطار [فأمروا بالصيام ]
أى أمر غير المعذورين بأن يصوموا ولا يفطروا ولا يجزئهم الاطعام فهذا
مشتمل على حالين فى الصوم أولهما أن رسول اللّه مؤثّم أمر المسلمين بثلاثة أيام من
كل شهر، وكذلك أمرهم بصوم يوم عاشوراء سواء كان ذلك الأمر أمر الوجوب
كما هو عند أبي حذيفة - رحمه الله تعالى - أو الاستحباب استحباباً مؤكداً، كما هو
عند بعض أصحاب الشافعى - رحمه الله - ثم نسخ ذلك و فرض رمضان وهذا
أول الجالين ، ثم لما فرض شهر رمضان كانوا لم يتعودوا الصيام كان يجوز لهم من
المعذورين وغيرهم أن لا يهوموا ويفدوا، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ( فمن
شهد منكم الشهر فليصمه، وبقيت الرخصة للعذورين و المسافرين و وجب الصيام
على غير المعذورين منهم حتما [قال] أى ابن أبى ليل [ وحدثنا أصحابنا قال ]
و لفظ قال هذا ثبت فى النسخة المصرية ونسخة (عون المعبود)، وغيرها من النسخ
المطبوعة وليس فى النسخة المكتوبة فعلى تقدير وجوده يرجع ضمير فاعله إلى بعض
أصحابنا [ وكان الرجل] أى فى ابتداء الاسلام وأول الأمر [ إذا أفار ] أى دخل
فى وقت الافطار [ فنام قبل أن يأكل لم يأكل ] أى يحرم عليه الأكل [حتى يصبح]

بذل المجهود
(٤٤ )
الجزء الرابع
فقالت إنى قد نمت فظن أنها تعتل فأتاها فجاء رجل من
الأنصار فاراد الطعام (١) فقالوا حتى نسخن لك شيئاً فنام
فلما أصبحوا نزلت عليه هذه الآية فيها ((أحل لكم ليلة
الصيام الرفث إلى نسائكم ،
فاذا أصبح صار صائماً فى اليوم الثانى فيحرم عليه الأكل فيه للصوم حتى تغرب
الشمس [ قال] أى بعض أصحابنا [جاء عمر (٢) ] أى بيته [فأراد ] أى عمر
[ امرأته] أى مجامعتها [فقالت] أى امرأة عمر [إنى قد نمت] قبل أن آكل
فرم على الجماع [فظن] أى عمر [ أنها] أى امرأته [تعتل] أى تلهى وتعتذر
عذراً كاذباً [فأناها] أى جامعها [بجاء رجل من الأنصار] أى ثم وقع لرجل (٣) من
الأنضار بعد واقعة عمر - رضى الله عنه - أنه جاء بيته [فأراد الطعام] أى طلبه من
أهله [فقالوا] أى أهله [حتى نسخن لك شيئاً] أى اصبرحتى نزيل برودتها على النار، وشيئاً
إما مفعول لنسخن أى شيئاً من الطعام أو منصوب على الظرفية لفعل مقدر أى اصبر
شيئاً من الزمان [ فنام] أى فغلبته عيناه [ فلما أصبحوا ] أى المسلمون [ نزلت
عليه] أى على رسول اللّه مَلّم [ هذه الآية فيها ] أى فى تلك الواقعة وهى قوله
تعالى: [ أجل] أى أحل الله [ لكم ليلة الصيام] أى ليلة يوم الصيام [الرفث ]
كناية عن الجماع عدى بالى لتضمنه معنى الافضاء أى مفضين [إلى نسائكم] وهذا
تحويل ثالث فانه كان فى الأول أن الرجل إذا أفطر فنام قبل أن يأكل لا يجوز له
الأكل بعده لا فى ليل ولا فى نهار حتى يفطر فى اليوم الثانى ثم نسخ هذا الحكم
(١) وفى نسخة: طعاماً. (٢) وقال صاحب التلقيح روى أن كعب بن مالك
الأنصارى جامع أيضاً فى هذا الوقت . (٣) اختلف فى اسمه ، فقيل: قيس بن
صرمة، وقيل : أبو قيس بن عمرو، وقيل: صرمة بن مالك ، وقيل : ضمرة
بن أنس ((تلقيح فهوم أهل الأثر،

بذل المجهود
(٤٥)
الجزء الرابع
حدثنا ابن المثنى عن أبى داؤدح وثنا نصر بن المهاجر ثيا
يزيد بن هارون عن المسعودى عن عمرو بن مرة عن ابن
وأبيح لهم فى جميع ليلة الصيام المفطرات الثلث قال الشوكانى : الحديث أخرجه أيضاً
الدار قطنى من حديث الأعمش عن عمرو بن مرة عن ابن أبى ليلى عن معاذ بن جبل
به ورواه أبو الشيخ فى كتاب الأذان من طريق يزيد بن أبى زياد عن عبد الرحمن
بن أبي ليلى عن عبد الله بن زيد، قال الحافظ: وهذا الحديث ظاهر الانقطاع،
قال المنذرى : إلا أن قوله فى رواية أبى داؤد حدثنا أصحابنا إن أراد الصحابة فيكون
مسنداً وإلا فهو مرسل وفى رواية ابن أبى شيبة وابن خزيمة والطحاوى والبيهقى
، حدثنا أصحاب محمد فتعين الاحتمال الأول ولهذا صححها ابن حزم و ابن دقيق العيد
قلت : قولهم إن حديث ابن أبى ليلى منقطع ولم يدرك ابن أبى ليلى عبد الله بن زيد
أجاب عنه فى الجوهر النقي بأنه يمكن سماع ابن أبى ليلى من عبد الله بن زيد لأن
عبد الله، توفى سنة ثنتين وثلاثين، وقد ذكر البيهقى أن الواقدى ذكر بسنده عن
محمد بن عبد الله بن زيد قال: توفى أبى بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين، وصلى عليه
عثمان بن عفان وابن أبى ليلى ولد سنة سبع عشرة .
[ حدثنا ابن المثنى] محمد [عن أبى داؤد] الطيالسى [ ح وثنا نصر بن المهاجر
ثنا يزيد بن هارون عن المسعودى ] هو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله
بن مسعود الكوفى المسعودى وثقه أحمد بن حنبل، وقال: إنما اختلط المسعودى بغداد
ومن سمع منه بالكوفة والبصرة فسماعه جيد، وقال: وسماع أبي النضر وعاصم من المسعودى
بعد ما اختلط و وثقه ابن معين ، وقال يحيى: من سمع منه فى زمان أبى جعفر فهو
محيح السماع ووثقة يحيى ، وقال : كان يغلط فيما يروى عن عاصم والأعمش و وثقه
على بن المدينى ، وقال : كان يغلط فيما روى عن عاصم وسلمة ويصحح فيما روى عن
القاسم ومعن ، وقال ابن نمير : كان ثقة واختلط بأخره سمع منه ابن مهدى ويزيد
د

بذل المجهود
( ٤٦ )
الجزء الرابع
أبى ليلى عن معاذ بن جبل قال أحيلت الصلاة ثلاثة
أحوال وأحيل الصيام ثلاثة أحوال وساق نصر الحديث بطوله
بن هارون أحاديث مختلطة وما روى عنه الشيوخ فهو مستقيم ، وقال يحي بن
سعيد آخرما لقيت المسعودى سنة سبع أو ثمان وأربعين ثم لقيته بمكة سنة ٥٥٨
وكان عبد الله بن عثمان فى ذلك العام معى وعبد الرحمن بن مهدى فلم نسأله عن
شئى، وقال أبو حاتم تغير قبل موته بسنة أو سنتين، وقال ابن عيينة : ما أعلم
أحداً أعلم بعلم ابن مسعود من المسعودى ، وقال ابن حبان : اختلاط حديثه فلم يتميز
فاستحق الترك ، وقال أبو النضر هاشم بن القاسم : إنى لأعرف اليوم الذى قد
اختلط فيه المسعودى كنا عنده وهو يعزى فى ابن له إذ جاءه إنسان ، فقال : له
إن غلامك أخذ من مالك عشرة آلاف و هرب ففزع وقام فدخل فى منزله ثم
خرج إلينا وقد اختاط، مات سنه ١٦٠هـ [ عن عمرو بن مرة] الجملى [ عن ابن
أبى ليلى ] عبد الرحمن [عن معاذ بن جبل] الأنصارى [ قال] أى معاذ بن جبل
[ أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال وأحيل الصيام ثلاثة أحوال] فذكر ابن المثنى ونصر
بن المهاجر بسنديهما من طريق المسعودى التغيرات الثلاثة فى الصلاة والصيام فى
الاجمال و أما فى التفصيل فلم يذكر ابن المثنى من أحوال الصيام شيئاً ولم يذكر من
أحوال الصلاة إلا الحال الثالث وهو تحويل القبلة ، وأما نصر فقد ذكر فى حديثه
الطويل الأحوال الثلاثة المتعلقة بالصلاة لكن لم يذكرها المصنف اختصاراً ، وكذا
ذكر نصر فى حديثه الأحوال المتعلقة بالصيام وذكرها المصنف لكن ذكر الحال الثالث
مختصراً ، وأما عمرو بن مرزوق برواية شعبة وابن المثنى برواية محمد بن جعفر
عن شعبة فلم يذكرا وأحيل الصيام ثلاثة أحواله فى الاجمال ، و ذكرا فى التفصيل
لكن لم يميز الثانية من الأولى و ذكرا من أحوال الصلاة حالين، كما تقدم [ وساق
نصر الحديث بطوله ] أى يقول المؤلف أبو داؤد إن شيخى نصر بن المهاجر ساق

بذل المجهود
(٤٧ )
الجزء الرابع
واقتص ابن المثنى منه قصة صلاتهم نحو بيت المقدس
قط قال الحال الثالث أن رسول اللّه ◌َف قدم المدينة فصلى
يعنى نحو بيت المقدس ثلاثة عشر شهراً فأنزل الله هذه
هذا الحديث بطوله ، وذكر فيه الأحوال الثلاثة للصلاة [ واقتص ابن المثنى منه ]
أى من الحديث [ قصة صلاتهم نحو بيت المقدس قط ] أى فقط ولم يذكر الحالين
الأولين [ قال] أى ابن المثنى [ الحال الثالث أن رسول اللّه مَّ قدم المدينة]
أى مهاجراً [فصلى يعنى نحو بيت المقدس (١)] أى جهة بيت المقدس [ثلاثة عشر
شهراً] وفى رواية البخارى ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً حكى الحافظ فى
فتح البارى عن الطبرى وغيره من طريق على بن طلحة عن ابن عباس قال لما هاجر
النبى مَّه إلى المدينة واليهود أكثر أهلها يستقبلون بيت المقدس. أمره الله أن يستقبل
بيت المقدس ففرحت اليهود فاستقبلها سبعة عشر شهراً وكان رسول الله من فضله يحب
أن يستقبل قبلة إبراهيم فكان يدعو وينظر إلى السماء فزات و من طريق مجاهد
قال إنما كان يحب أن يتحول إلى الكعبة لأن اليهود قالوا يخالفنا محمد ويتبع قبلتنا
فنزلت وظاهر حديث ابن عباس هذا أن استقبال بيت المقدس إنما وقع بعد الهجرة
إلى المدينة، لكن أخرج أحمد من وجه آخر عن ابن عباس كان النبي عر فته يصلى
بمكة نحو بيت المقدس والكعبة بين يديه والجمع بينهما ممكن بأن يكون أمر مر ئية
لما هاجر أن يستمر على الصلاة بيت المقدس وأخرج الطبرانى من طريق ابن جريج
قال: صلى النبي ◌َّ أول ما صلى إلى الكعبة ثم صرف إلى بيت المقدس وهو
يمكة فصلى ثلاث حجج ، ثم هاجر فصلى إليه بعد قدومه المدينة ستة عشر شهراً ،
(١) ولا يذهب عليك حقيقة القبلة و ما أورد بأنه يشتبه بعبادة الأصنام، أجاد
الشيخ النانوتوى فى الأجوبة عنه فى رسالته الطويلة له المسماة ((بقبله مما، وأجاب
الشيخ التهانوى فى أشرف الجواب بالأردية بعدة أجوبة فارجع إليهما لو شئت .

بذل المجهود
(٤٨)
الجزء الرابع
الآية ((قد نرى تقلب وجهك فى السماء فلنولينك قبلة ترضاها
فول وجهك شطر المسجد الحرام و حيث ماكنتم فولوا
ثم وجهه اللّه إلى الكعبة ، وأما الاختلاف الواقع فى مدة استقباله قبل بيت المقدس
فى الروايات فوقع فى رواية البخارى بالشك ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً ،
قال الحافظ : ما ملخصه ورواه أبو عوانة فى صحيحه ، فقال: ستة عشر من غير
شك، وكذا لمسلم والنسائى ولأبى عوانة أيضاً، وكذا لأحمد بسند صحيح والبزار
والطبرانى من حديث عمرو بن عوف سبعة عشر ، وكذا للطبراني عن ابن عباس
والجمع بين الروايتين سهل بأن يكون من جزم بستة عشر لفق من شهر القدوم وشهر
التحويل شهراً والغى الزائد، ومن جزم بسبعة عشر عدهما معاً ومن شك تردد فى
ذلك، وذلك أن القدوم كان فى شهر ربيع الأول بلا خلاف وكان التحويل فى
نصف شهر رجب من السنة الثانية على الصحيح وبه جزم الجمهور ، ورواه الحاكم
بسند صحيح عن ابن عباس ، وقال ابن حبان: سبعة عشر شهراً و ثلاثة أيام ،
وهو مبنى على أن القدوم كان فى ثانى عشر شهر ربيع الأول وشذت أقوال أخرى
ففى ابن ماجة ثمانية عشر شهراً، ومن الشذوذ أيضاً رواية ثلاثة عشر شهرا ورواية
تسعة أشهر أوعشرة أشهر، ورواية شهرين ، ورواية سنتين ، وأسانيد الجميع ضعيفة
والاعتماد على القول الأول بجملة ماحكاه سع روايات [فأنزل اللّه] أى بعد مارغب
مَلقه فى تحويل القبلة إلى الكعبة ودعاربه أنزل [هذه الآية: قد نرى تقاب وجهك] أى
ربمانرى فان معناه كثرة الرؤية بتردد وجهك وتصرف نظرك [فى] جهة [السما] وكان
مؤلّ يرجو أن يحول إلى الكعبة لأنها قبلة إبراهيم وادعى للعرب إلى لايمان فكان
ينتظر الوحى بالتحويل [ فلنولينك ] أى نجعاك واليا و تمكنك من استقبالها من
الولاية أو فلنجعلتك على جهة الكعبة من الولى [قبلة ترضاها] تحبها لمصالح مرضية
عند الله تعالى [ فول وجهك شطر المسجد الحرام] أى نحوه وذكر المسجد الحرام

بذل المجهود
(٤٩)
الجزء الرابع.
. وجوهكم شطره)) فوجهه الله عز وجل إلى الكعبة وتم
حديثه ، وسمى نصر صاحب الرؤيا ، قال بنجاء عبد الله
بن زيد رجل من الأنصار ، وقال فيه : فاستقبل القبلة ،
قال : الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد
أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن
محمدا رسول الله، حى على الصلاة، مرتين، حى على الفلاح،
مرتين، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، ثم امهل
دون الكعبة دليل على أن الواجب مراعاة الجهة دون العين [ وحيث ما كنتم ]
من الأرض براً وبحراً سهلا وجبلا [ فولوا وجوهكم] أى تولوا وجوهكم
واصرفوها [شطره] تلقاءه أى المسجد الحرام [فوجهه الله عز وجل إلى الكعبة (١)]
وهذا حال ثالث من الأحوال الثلاثة فى الصلاة [وثم حديثه] أى ابن المثنى
[ وسمى نصر صاحب الرؤيا] الذى أرى الأذان فى المنام [ قال ] أى نصر بسنده
أو معاذ بن جبل. [ جاءَ عبد اللّه بن زيد رجل من الأنصار ] خبر مبتدء محذوف
وهو ضمير هو أو بيان لعبد اللّه [ وقال] نصر [فيه] أى فى الحديث [فاستقبل]
أى الرجل الذى رآه عبد الله بن زيد فى المنام [ القبلة قال ] أى الرجل المرئى [الله
أكبر، الله أكبر] بشفية التكبير [ أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا
الله، أشهد أن محمداً رسول اللّه، أشهد أن محمداً رسول اللّه، حى على الصلاة،
مرتين، حى على الفلاح مرتين، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، ثم أمهل]
(١) قال ابن العربى: نسخ الله القبلة ونكاح المتعة ولحوم الحمر الأهلية مرتين
مرتين، وقال: ولا أحفظ رابعاً، وقال أبو العباس الغرفى الرابع الوضوء
مما مست النار ، كذا فى قوت المغتذى ، وزاد العينى عن بعضهم الكلام فى الصلاة
و المخابرة ، كذا فى الأوجز .

بذل المجهود
1
( ٥٠ )
الجزء الرابع
هنية ، ثم قام فقال مثلها إلا أنه قال زاد بعد ما قال حى
على الفلاح ، قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة ، قال فقال
- رسول اللّه ◌َ اقنها بلالا فأذن بها بلال وقال فى الصوم
قال فان رسول اللّه بي كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر
ويصوم يوم عاشوراء فأنزل الله ((كتب عليكم الصيام كما
كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياماً معدودات
أى مكث وائد [ هنية ] مصغر هنة أصلها هنوة أى شئى يسير كناية عن الزمان
أى زماناً يسيراً [ ثم قام ] الرجل المرئى [ فقار: مثلها ] أى مثل ما قال قبل
[ إلا أنه ] أى عبد الله بن زيد [ قال زاد] الرجل المرئى [ بعد ما قال: حى
على الفلاح ، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة ] مفعول لزاد [ قال ] أى معاذ
[ فقال رسول اللّه عَلَّ] أى لعبد الله بن زيد [ لقنها ] أى الكلمات المرئية [يلالا]
فلقنها إياه [ فأذن بها بلال] وهذا حال ثالث من الأحوال الثلاثة الواقعة فى
الصلاة الذى لم يذكر فى الرواية السابقة فتم فى هاتين الروايتين الأحوال الثلاثة الواقعة
فى الصلاة [ وقال] أى نصر بن المهاجر [ فى الصوم قال ] أى معاذ [ فان
رسول اللّه مَللّه كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر ويصوم يوم عاشوراء فأنزل الله
كتب ] أى فرض [ عليكم الصيام] والمراد بها صيام رمضان أو عاشوراء وثلاثة
أيام من كل شهر، كتب عليه مؤتم صيامها حين هاجر ثم نسخت بشهر رمضان [كما
كتب على الذين من قبلكم ] أى على الأنبياء والأمم من لدن آدم إلى عهدكم أى
لم يفرضها عليكم وحدكم بل هى عبادة قديمة أصلية ما أخلى اللّه أمة من افتراضها عليهم
[لعلكم تتقون] أى المعاصى فانه يكسر الشهوة، وقال محر ◌ّم فان الصوم له وجاء
[ أياماً معدودات ] منصوب بالصيام أو بصوموا مقدراً أى موقتات بعدد معلوم

بذل المجهود
(٥١ )
الجزء الرابع
فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر
وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ، فكان من شاء أن
يصوم ومن شاء أن يفطر ويطعم كل يوم مسكيناً أجزأه ذلك
فهذا حول فأنزل الله ((شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن
و المراد بها أما أيام رمضان أو عاشوراء و ثلاثة أيام من كل شهر ، كما تقدم
[فمن كان منكم مريضاً ] مرضاً يضره الصوم [ أو على سفر] أى مسافراً [فعدة]
أى فعليه صوم عدة تلك الأيام التى لم يصم فيها لعذر المرض و السفر [من أيام
أخر ] غير أيام المرض والسفر يقضيها عوضها [ وعلى الذين يطيقونه ] أى الصوم
ثم لا يصومون [ فدية طعام مسكين ] هى أى الفدية طعام مسكين هذا على قراءة
الجمهور باضافة الفدية إلى الطعام وقرأ ابن عامر برواية هشام ((مساكين، بغير إضافة
الفدية إلى الطعام [ فكان من شاء أن يصوم صام ] أى كانوا لم يتعودوا الصيام فشق
عليهم الصوم غيروا بين الصوم والافطار فمن شاء صام [ ومن شاء أن يفطر ]
أى أن لا يصوم [ويطعم كل يوم مسكيناً أجزأه] أى كفاه [ذلك] أى الاطعام [فهذا
حول] أى تغير وتحول فانه وجب أوأكد صوم ثلاثة أيام من كل شهر وصوم يوم
عاشوراء أولا ثم نسخ ذلك بصيام شهر رمضان مخيراً بين الصيام والفدية فأذن أن مزشاء
أن يصوم صام ومن شاء أن يفطر فعليه أن يطعم كل يوم مسكيناً فهذا أول الأحوال
فى الصوم، ثم نسخ ذلك التغير بقوله تعالى: ((فمن شهد منكم الشهر فليصمه)) ووجب
على المطيقين غير المريض والمسافر أن يصوموا ولا يفقدوا وهذا حول ثان
وشرعه المصنف بقوله [ فأنزل الله شهر رمضان (١) ] مصدر رمض إذا احترق
من الرمضاء فأضيف إليه الشهر وجعل علماً ومنع الصرف للتعريف والألف والنون
كما قيل ابن داية للغراب باضافة الابن إلى داية البعير [ الذى أنزل فيه القرآن] خبر
(١) يقال أول من صام شهر رمضان نوح لما خرج من السفينة ((ابن رسلان،

بذل المجهود
(٥٢ )
الجزء الرابع
هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن
شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضاً أو على سفر
فعدة من أيام أخر ، فثبت الصيام على من شهد الشهر
و على المسافر أن يقضى، وثبت الطعام للشيخ الكبير
و العجوز اللذين لا يستطيعان الصوم وجاء صرمة ، وقد
عمل يومه و ساق الحديث .
لشهر رمضان أى أبتدى فيه انزاله وكان ذلك فى ليلة القدر [ هدى للناس ] نصب
على الحال أى أنزل وهى هداية الناس إلى الحق [ وبينات من الهدى] أى آيات
واضحات مما يهدى إلى الحق [والفرقان ] أى يفرق به بين الحق والباطل [ فمن
شهد منكم الشهر ] أى فمن كان شاهداً أى حاضراً مقيماً غير مسافر (١) فى الشهر
[ فليصمه] أى ولا يفطر ولا يطعم [ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من
أيام أخر، فثبت الصيام على من شهد الشهر ] أى وهو صحيح غير مسافر [ وعلى
المسافر [ وكذا المريض [ أن يقضى (٢) ] صوم أيام السفر والمرض إذا أقام
و إذا برى. [وثبت الطعام للشيخ الكبير والعجوز اللذين لا يستطيعان الصوم]
لدوام عذرهم ولاستمرار عدم استطاعتهم [وجاء صرمة وقد عمل يومه ] وهذا
حول ثالث ، وقد تقدم شرحه فى الحديث السابق [وساق] أى نصر بن المهاجر
[ الحديث] وسيذكر المصنف حديث صرمة فى كتاب الصوم من حديث البراء ،
(١) ولو فى وسط الشهر ، قال ابن رسلان: وذهب على وابن عباس وسويد
بن غفلة وعائشة أربعة من الصحابة إلى أن من حضر دخول الشهر لا بد أن
يصوم سافر بعده أو أقام وإنما يفطر فى السفر من دخل عليه رمضان وهو
مسافر، وقال الجمهور : من شهد أوله أوآخره فليصم ما دام مقيماً ((ابن رسلان،
(٢) إذا لم يصم فى السفر عند الجمهور ((ابن رسلان)).

ـا
بذل المجهود
( ٥٣ )
الجزء الرابع
قال كان الرجل إذا صام فنام لم يأكل إلى مثلها وإن صرمة (١) بن قيس الأنصارى أتى
إمرأته وكان صائماً ، الحديث ، واختلت الروايات فى اسم هذا الصحابى فانه قيل فيه
صرمة بن قيس ، وصرمة بن مالك ، وصرمة بن أنس، وقيس بن صرمة وأبوقيس بن
صرمة، وأبوقيس بن عمرو ، فإن حمل هذا الاختلاف على تعددأسماء من وقع له ذلك
وإلا فيمكن الجمع برد جميع الروايات إلى واحد فيمكن أن يقال إنه كان اسمه صرمة قلبه
بن قبس فمن قال فيه قيس بن صرمة وكنيته أبوقيس أو العكس ، وأما أبوه فاسمه قيس
أو صرمة على ما تقرر من القلب وكنيته أبو أنس ومن قال فيه أنس حذف أداة
الكنية ومن قال فيه ابن مالك نسبه إلى جد له والعلم عند الله تعالى، هذا خلاصة
ما قال الحافظ فى الاصابة، قلت : قد أخرج الإمام أحمد هذا الحديث فى مسنده ،
حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أبو النضر ثنا المسعودى و يزيد بن هارون أخبرنا
المسعودى قال أبو النضر فى حديثه : حدثنى عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن أبى
ليلى عن معاذ بن جبل قال: أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال وأحيلت الصيام ثلاثة
أحوال ، فأما أحوال الصلاة فإن النبي ◌َّم قدم المدينة وهو يصلى سبعة عشر شهراً
إلى بيت المقدس، ثم إن الله أنزل عليه ((قد نرى تقلب وجهك فى السماء فلنولينك
قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام . وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم
شطره)، قال : فوجهه اللّه إلى مكة قال: فهذا حول، قال: وكانوا يجتمعون للصلاة
ويؤذن بها بعضهم بعضاً حتى نقوا أو كادوا ينقون، قال: ثم إن رجلا من
الأنصار ، يقال له عبد الله بن زيد أتى رسول اللّه عَفضله، فقال: يا رسول الله إنى
رأيت فيما يرى النائم ولو قلت إنى لم أكن نائماً لصدقت أنى بينا أنا بين النسائم
و اليقظان إذ رأيت شخصاً عليه ثوبان أخضران فاستقبل القبلة ، فقار : الله أكبر ،
الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، مثنى مثنى، حتى
فرغ من الأذان ثم أمهل ساعة ، قال ثم قال : مثل الذى قال: غير أنه يزيد فى
(١) بكسر الصاد المهملة « ابن رسلان).

بذل المجهود
( ٥٤ )
الجزء الرابع
ذلك، قد قامت الصلاة. قد قامت الصلاة، فقال رسول اللّه معر فه: عليها بلالا
فليؤذن بها فكان بلال أول من أذن بها ، قال : وجاء عمر بن الخطاب فقال :
يارسول الله إنه قد طاف بى مثل الذى طاف به غير أنه سبقنى فهذان حولان، قال:
وكانوا يأتون الصلاة وقد سبقهم ببعضها الذى مَّ قال: فكان الرجل يشير إلى
الرجل إن جاء كمصلى ، فيقول : واحدة أواثنتين فيصليها ثم يدخل مع القوم فى
صلاتهم قال : فجاء معاذ فقال : لا أجده على حال أبداً إلا كنت عليها ثم قضيت
ماسبقى ، قال: بناء وقد سبقه النبى معَفقر بعضها قال: فثبت معه فلما قضى رسول
اللّه ◌ُز ◌َّل صلاته قام فقضى، فقال رسول اللّه عَ لقوله: إنه قد من لكم معاذ فهكذا
فاصنعوا، فهذه ثلاثة أحوال، وأما أحوال الصيام فان رسول اللّه مَ لَّمل قدم المدينة
فجعل يصوم من كل شهر ثلاثة أيام ، وقال يزيد: فصام سبعة عشر شهراً من
ربيع الأول إلى رمضان من كل شهر ثلاثة أيام و صام يوم عاشوراء ، ثم إن الله
عز وجل فرض عليه الصيام فأنزل الله عز وجل . يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم
الصيام ، كما كتب على الذين من قبلكم، إلى هذه الآية (وعلى الذين يطيقونه فدية
طعام مسكين ، قال : فكان من شاء صام ومن شاء أطعم مسكيناً فأجزأ ذلك عنه
قال: ثم إن الله عز وجل أنزل الآية الأخرى ((شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن
إلى قوله: ((فى شهد منكم الشهر فليصمه، قال: فأثبت اللّه صيامه على المقيم الصحيح
ورخص فيه المريض والمسافر و ثبت الاطعام الكبير الذى لا يستطيع الصيام
فهذان حولان . قال وكانوا يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا فاذا ناموا
امتنعوا قال : ثم إن رجلا من الأنصار يقال له صرمة ظل يعمل صائماً حتى أمسى
ياء إلى أهله فصلى العشاء ثم نام فلم يأكل ولم يشرب حتى أصبح فأصبح صائماً قال:
فرآه رسول اللّه مَ لته وقد جهد جهداً شديداً قال: مالى أراك قد جهدت جهداً
شديداً ، قال : يا رسول الله إنى عمات أمس فجئت حين جئت فألقيت نفسى فنمت
و أصبحت حين أصبحت صائماً ، قال : وكان عمر قد أصاب من النساء من جارية

بذل المجهود
(٥٠ )
إزد الرابع
( باب (١) فى الاقامة ) حدثنا سلمان بن حرب وعبد
الرحمن بن المبارك قالا ثنا حماد عن سماك بن عطية ح
و حدثنا موسى بن إسماعيل ثنا وهيب جميعاً عن أيوب
عن أبى قلابة عن أنس قال أمر بلال أن يشفع الأذان
أو من حرة بعد ما نام وأقى النبى معَّم فذكر ذلك له فأنزل الله عز وجل ((أحل
لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم، إلى قوله (( ثم أتموا الصيام إلى الليل، انتهى بلفظه ،
وهذا الحديث الذى رواه الامام أحمد مصرح بيان الأحوال الثلاثة المتعلقة بالصلاة
والأحوال الثلاثة المتعلقة بالصيام ولكنه جمع بين الحولين الأولين فى الصيام ،
كما هو ظاهر .
[ باب فى الاقامة ]
[ حدثنا سليمان بن حرب] الأزدى [ وعبد الرحمن بن المبارك] بن عبد الله
العيشى بالتحتانية والمعجمته الطفاوى أبو بكر ، ويقال أبو محمد البصرى ، قال أبو
حاتم ثقة: و وثقه العجلى وذكره ابن حبان فى الثقات مات سنة ٢٢٨هـ [ قالا
ثنا حماد] بن زيد [عن سماك بن عطية (٢)] البصرى المربدى نسبة إلى مريد وضع
بالبصرة ، قال ابن معين: ثقة ، وقال النسائى: ثقة، وذكره ابن حبان فى الثقات ،
و قال حماد بن زيد: كان من جلساء أيوب [ ح و حدثنا موسى بن إسماعيل ثنا
وهيب ] بن خالد [ جميعاً ] أى سماك بن عطية و وهيب يرويان جميعاً [ عن
أبوب ] السختيانى [عن أبي قلابة] عبد الله بن زيد [عن أنس] بن مالك الأنصارى
[ قال ] أى أنس بن مالك [ أمر] بصيغة البناء للفعول [بلال] واختلف فى
(١) و فى نسخة: باب ما جاء فى الاقامة.
(٢) روى له الشيخان هذا الحديث وحديث يا عبد الرحمن لا تسأل الامارة
(( ابن رسلان)).

بذل المجهود
( ٥٦ )
الجزء الرابع
ويؤتر الاقامة زاد حماد فى حديثه إلا الاقامة .
اقتضاء هذه الصيغة للرفع والراجح أنها تقتضيه، وقد ورد فى رواية النسائى (١)
وغيره بلفظ إن النبي مَّمِ أمر بلالا، وقد روى البيهقى بالسند الصحيح عن أنس
أن رسول الله عَلقل أمر بلالا أن يشفع الأذان ويؤثر الاقامة وماحكى عن بعضهم
من أن الآمر لبلال كان من بعد رسول اللّه عَ ◌ّ أبو بكر أو غيره فهذا فاسد (٢)
إذ من المنقول أن بلالا لم يؤذن لأحد بعد رسول اللّه مَ قع إلا لأبى بكر، وقيل:
لم يؤذن لأحد بعد موت رسول اللّه مثل إلا مرة واحدة بالشام، انتهى ما قاله
الشوكانى ملخصاً [أن يشفع الأذان] أى يأتى بألفاظه شفعاً، قال الحافظ: لم يختلف
فى أن كلمة التوحيد (٣) التى فى آخره مفردة فيحمل قوله مثنى على ما سواها (٤)،
انتهى [ ويوتر (٥) الاقامة] أى يأتى بكلمات (٦) الاقامة ومراً [زاد حماد] أى
ابن زيد [ فى حديثه] عن سماك عن أيوب [ إلا الاقامة] أى كلمة قد قامت
الصلاة . فانها تنى ، استدل بهذا من قال بتشفيع الاقامة أى بأن لفظة قد قامت الصلاة
تكرر مرتين ، فإن الاستثناء ذكره حماد فى نفس الحديث ولم يقل إنها قول أيوب
(١) و صحيح أبى عوانة وابن حبان والحاكم، وقال: صحيح على شرطهما.
(٢) وكذا قال ابن رسلان. (٣) وقال ابن رسلان: ذهب قوم إلى توتير
الأذان ، فقالوا : معنى قوله يشفع الأذان أى بأذان ابن أم مكتوم وهو فاسد .
(٤) قلت : لكنه مشكل على أهل الترجيع وأوله ابن رسلان أن الأربعة أيضاً
شفع لأنه مقابل الوتر . (٥) وأجاب عنه صاحب البرهان بأنه محمول على
الاختصار فى بعض الأحوال تعليماً للجواز ، انتهى ، وقال الشامى: هو محمول
عندنا على إيتار الصوت بأن يحدر توفيقاً بينه وبين الروايات الغير المحتملة والأوجه
عندى أن يشفع أذانه بأذان أمامكتوم ويقيم منفرداً فاللفظ وإن كان عاماً لكن
المقصود منه أذان الصبح خاصة على أن المهملة فى قوة الجزئية .
(٦) باعتبار الغالب فان التكبير أوله مكرر إجماعاً ((ابن رسلان)).

بذل المجهود
(٥٧)
الجزء الرابع
وقد اختلف (١) الناس فى ذلك فذهب قوم إلى أن الاقامة تفرد مرة مرة وذهب
قوم إلى أن الاقامة تفرد مرة مرة إلا قوله : قد قامت الصلاة ، فانها ثثى وتكرر
مرتين و ، مبنى هذا الاختلاف على أن من ظن أن استثناء الاقامة من كلام أيوب
وليس من الحديث كما ادعى ابن مندة والأصيلى لم يقل بتثنيتها ومن قال إن
الاستثناء ثبت مرفوعاً و إنه من كلام رسول اللّه مَيتم قالوا بثنيتها ثم ذهب قوم
آخرون إلى أن الاقامة كلها مثنى مثنى مثل الأذان سواء ويقال فى آخرها قد قامت
الصلاة ، قد قامت الصلاة مرتين، فذهب الشافعى وأحمد و جمهور العلماء إلى أن
ألفاظ الاقامة احدى عشرة كلمة كلها مفردة إلا التكبير فى أولها وآخرها ، ولفظ
قد قامت الصلاة فانها مثنى مثنى وقد استشكل عدم استثناء التكبير فى الاقامة فإنه
يثنى وأجيب بأنه وتر بالنسبة إلى تكبير الأذان فان التكبير فى أول الأذان أربع
وهذا إنما يتم فى تكبير أول الأذان لا فى آخره ، قال النووى: ولنا قول شاذ إنه
يقول فى التكبير الأول الله أكبر مرة وفى الأخير مرة، ويقول قد قامت الصلاة
مرة ، وذهبت الخفية والثورى وابن المبارك و أهل الكوفة إلى أن ألفاظ
الاقامه مثل الأذان مع زيادة قد قامت الصلاة مرتين، قال الحافظ: واستدلوا
بما فى رواية من حديث عبد الله بن زيد عند الترمذى وأبى داؤد بلفظ كان أذان
رسول اللّه ◌َا شفعاً شفعاً فى الأذان والإقامة وأجيب عن ذلك بأنه منقطع (٢)
لأن ابن أبى ليلى لم يسمع من عبدالله زيد ويجاب عن هذا الانقطاع أن الترمذى
قال : بعد إخراج هذا الحديث ، وقال شعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الرحمن
بن أبى ليلى حدثنا أصحاب محمد مرَّ فلا علة للحديث لأنه على الرواية عن عبد الله
بدون توسيط الصحابة مرسل عن الصحابة وهو فى حكم المسند وعلى روايته عن
الصحابة عنه مسند و محمد بن عبد الرحمن وإن كان بعض أهل الحديث يضعفه فتابعة
الأعمش إياه عن عمرو بن مرة، ومتابعة شعبة كما ذكر ذلك الترمذى مما يصحح
(١) وتقدم بط المذاهب. (٢) ورده فى حاشية مسند أبى حنيفة أحسن الرد.

بذل المجهود
(٥٨ )
الجزء الرابع
خبره وإن خالفاه فى الاسناد وأرسلا فهى مخالفة غير قادحة ، ثم قال : واستدلوا
أيضاً بما رواه الحاكم والبيهقى فى الخلافيات و الطحاوى من رواية سويد بن غفلة
أن بلالا كان يثنى الأذان والإقامة وادعى الحاكم فيه الانقطاع، قال الحافظ: ولكن
فى رواية الطحاوى سمعت بلالا ، ويؤيد ذلك ما رواه ابن أبى شيبة عن جبير بن
على عن شيخ يقال له الحفص عن أبيه عن جده وهو سعد القرظ قال : أذن بلال
حياة رسول اللّه مؤلم، ثم أذن لأبى بكر فى حياته ولم يؤذن فى زمان عمر، وسويد
بن غفلة هاجر فى زمن أبى بكر، وأما ما رواه أبو داؤد من أن بلالا ذهب إلى
الشام فى حياة أبى بكر فكان بها حتى مات فهو مرسل و فى اسناده عطاء الخراسانى
وهو مدلس وروى الطبرانى فى مسند الشاميين من طريق جنادة بن أبي أمية عن
بلال أنه كان يجعل الأذان و الإقامة مثنى مثنى وفى إسناده ضعف ، قال الحافظ :
و حديث أبى محذورة فى تثنية الاقامة مشهور عند النسائى وغيره، انتهى ، وحديث
أبى محذورة حديث صحيح ساقه الحازمى فى الناسخ والمنسوخ ، وذكر فيه الاقامة
مرتين مرتين ، وقال : هذا حديث حسن على شرط أبى داود والترمذى والنسائى
وسيأتى ما أخرجه عنه الخمسة أن النبى معَ ◌ّم عليه الأذان تسع عشرة كلمة و الاقامه
سبع عشرة وهو حديث صححه الترمذى وغيره وهو متأخر عن حديث بلال الذى
فيه الأمر بايتار الاقامة لأنه بعد فتح مكة، لأن أبا محذورة من مسلمة الفتح وبلالا
أمر بافراد الاقامة أول ما شرع الأذان فيكون ناسخاً ، وقد روى أبو الشيخ أن
بلالا أذن بمنى ورسول الله منواقع ثمة مرتين مرتين وأقام مثل ذلك، إذا عرفت
هذا تبين لك أن أحاديث تثفية الاقامة صالحة للاحتجاج بها لما أسلفناه وأحاديث
إفراد الاقامة وإن كانت أصح منها لكهرة طرقها وكونها فى الصحيحين لكن
أحاديث التثنية مشتملة على الزيادة فالمصير إليها لازم لا سيما مع :أخر تاريخ بعضها
كما عرفناك، انتهى ما قاله الشوكانى ملخصاً، قلت: وقد أخرج الطحاوى بسنده
عن حماد عن إبراهيم عن الأسود عن بلال أنه كان يثنى الأذان ويثى الاقامة ،

بذل المجهود
(٥٩ )
الجزء الرابع
حدثنا حميد بن مسعدة ثنا إسماعيل عن خالد الحذاء عن
أبى قلابة عر. أنس مثل حديث وهيب، قال إسماعيل
حدثت به أيوب فقال (١) إلا الاقامة .
وأيضاً أخرج الطحاوى بسنده عن عيد مولى سلمة بن الأكوع أن سلمة بن الأكوع
كان يثنى الإقامة ، و أيضاً بسنده من طريق حماد بن سلمة عن حماد عن إبراهيم
قال : كان ثوبان يؤذن مثنى ويقيم مثنى و أخرج بسنده عن عبد العزيز بن رفيع
قال : سمعت أبا محذورة يؤذن مشى مثنى ويقيم مثنى ، قال الطحاوى : وقد روى
عن مجاهد فى ذلك ما حدثنا يزيد بن سنان قال : حدثنا يحيى بن سعيد القطان قال :
حدثنا فطر بن خليفة عن مجاهد فى الاقامة مرة مرة إنما هو شئى استخفه الأمراء
فأخبر مجاهد أن ذلك محدث و أن الأصل هو التثنية ، وقال مولانا عبد الحى فى
السعاية عن النخعى قال: أول من نقص الاقامة معاوية بن أبى سفيان ، وقال الزيلعى
فى تبين الحقائق ، قال أبو الفرح : كانت الاقامة مثنى مثنى فذا قام بنو أمية أفردوا
الاقامة وعن إبراهيم كانت الاقامة مثل الأذان حتى كان هؤلاء الملوك بجعلوها واحدة
للسرعة إذاخرجوا .
[ حدثنا حميد بن مسعدة ثنا إسماعيل] بن علية [ عن خالد الحذاء عن أبى
قلابة] عبد اللّه [عن أنس] بن مالك الأنصارى [ مثل حديث وهيب] المذكور
فيما تقدم [ قال إسماعيل] اى ابن علية [حدثت به] اى بهذا الحديث المذكور
[أيوب] اى السختياني [ فقال] أى أيوب [ إلا الاقامة ] اى أمر بلال بتشفيع
كلمات الأذان وإيتار كلمات الاقامة إلا كلمة «قدقامت الصلاة، فان بلالا لم يؤمر
بايتارها بل أمر بتشفيعيها، استدل بهذا. من قال بايتار لفظة ((قدقامت الصلاة، فانه يقول
إن قوله إلا الاقامة هو من قول أيوب: ولم يثبت أنه فى الحديث ، فان وهياً
(١) وفى نسخة: قال.

بذل المجهود
(٦٠ )
الجزء الرابع
حدثنا محمد بن بشار ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة ، قال
سمعت أبا جعفر يحدث عن مسلم أبى المثنى عن ابن عمر
روى عن أيوب من غير ذكر الاستثناء ، وكذلك روى إسماعيل عن خالد الحذاء
عن أبى قلابة ولم يذكر الاستثناء فى الحديث ، ولكنه زاد فى حديثه عن أيوب أنه
قال إلا الاقامة ، فثبت بهذا أن ما قال إسماعيل عن أيوب هو قوله وليس فى
الحديث .
قال الشوكانى : ادعى ابن مندة و الأصيلى أن قوله إلا الاقامة من كلام
أبوب وليس من الحديث ، وفيما قالاه نظر لأن عبد الرزاق رواه عن معمر عن
أيوب بسنده متصلا بالخبر مفسراً، وكذا أبو عوانة فى صحيحه والسراج فى مسنده
و الاصل أن كل ما كان من الخبر فهو منه حتى يقوم دليل على خلافه ، ولا دايل،
وفى رواية أبوب زيادة من حافظ فلا يقدح فى صمتها عدم ذكر خالد الحذاء لها ،
وقد ثبت تكرير لفظ قدقامت الصلاة فى حديث ابن عمر مرفوعاً [ حدثنا محمد بن
بشار ] بندار [ ثنا محمد بن جعفر] غندر [ثنا شعبة] بن الحجاج [ قال سمعت
أبا جعفر (١)] هو محمد بن إبراهيم بن مسلم بن مهران بن المثنى، ويقال محمد بن
مسلم، ويقال محمد بن مهران ، ويقال محمد بن المثنى ويقال ابن أبى المثنى وأبو
المثى كمية جده مسلم القرشى مولاهم : ويقال أبو إبراهيم الكوفى ويقال البصرى
مؤذن مسجد العريان ، قال ابن معين: ليس به بأس، وقال الدار قطنى: بصرى
يحدث عن جده ولابأس بهما ، وقال ابن حبان فى الثقات : كان يخطئى، وقال
(١) وقد اختلف كتب الحديث فى ذكر أبى جعفر كثيراً فقد أخرجه الطيالسى
وقد أخرجه الحاكم ، فقال عن أبى جعفر المداتى : وفى تلخيص المستدرك للذهبى
أو جعفر عمير بن يزيد الخطمى و فى الدارمى أبو جعفر بدون الزيادة .