Indexed OCR Text

Pages 21-40

ترجمة المؤلف من ((نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر،
لمؤلفه العلامة السيد عبد الحى الحسنى (م ١٣٤١هـ)
مولانا خليل أحمد الأنيتهوى السهار نفورى
الشيخ العلامة الفقيه خليل أحمد بن مجيد على بن أحمد على بن قطب على بن غلام
محمد الأنصارى الخنفى الأنيتهوى، أحد العلماء الصالحين ، وكبار الفقهاء والمحدثين.
ولد فى أواخر صفر سنة تسع وستين ومأتين وألف فى خثولته فى قرية
((نانوته، من أعمال سهار نفور، ونشأ بلدة أنبيتهه من أعمال سهار نفور ، وقرأ
العلم على خاله الشيخ يعقوب بن ملوك العلى النانوتوى ، والشيخ محمد مظهر النانوتوى،
وعلى غيره من العلماء فى المدرسة العربية بديوبند، وفى « مظاهر العلوم ، بسهارتفور،
والعلوم الأدبية على الشيخ فيض الحسن السهار نفورى، فى لاهور ، قرأ فاتحة الفراغ
فى سنة ثمان وثمانين وماتين و ألف، وعين أستاذاً مساعداً , معين المدرسين،
فی مظاهر العلوم ، و أقام مدة فی م بهربال ، و « سکندرآباد ، و , بهاول بور،
و ((بريلى)، يدرس ويفيد، إلى أن أختير أستاذاً فى دار العلوم بديوبند فى سنة
ثمان وثلاث مرأة وألف ، ومكث ست سنين ، ثم انتقل إلى مظاهر العلوم فى
سنة أربع عشرة و ثلاث مأة و ألف ، وتولى رئاسة التدريس فيها ، واستقام على
ذلك أكثر من ثلاثين سنة منصرفاً إليها انصرافاً كلياً ، وتولى نظارتها سنة خمس
وعشرين وثلاث مأة وألف، و صرف همته إليها ونالت به المدرسة القبول
العظيم ، وطبقت شهرتها أرجاء الهند ، وأصبحت تضارع دار العلوم فى العلوم
الدينية ، و المكانة العلمية، و أمها الطلبة من الآفاق، إلى أن غادرها فى سنة أربع
وأربعين إلى الحرمين الشريفين ، فلم يرجع إليها .

( ٢٢ )
ترجمة المؤلف
وكان قد بايع الشيخ الامام العلامة رشيد أحمد الكتكوهى بعد ما فرغ من
التحصيل و اختص به ، وسعد بالحج والزيارة سنة سبع وتسعين وماتين وألف ،
ولقى بمكة الشيخ الأجل الحاج امداد اللّه المهاجر، فأكرم وفادته ، وخصه بالعناية،
و أجازه فى الطرق، ورجع إلى الهند ، فأجازه الشيخ الامام العلامة رشيد أحمد
الكنكوهى ، و اختص به الشيخ خليل أحمد اختصاصاً عظيماً ، وانتفع به انتفاعاً
كبيراً، حتى أصبح من أخص أصحابه ، وأكبر خلفائه، ومن كبار الحاملين لعلومه
و بركاته، والناشرين لطريقته ودعوته .
وكان قد درس الحديث دراسة إتقان وتدبر، وحصلت له الاجازة عن
كبار المشائخ والمسندين كالشيخ محمد مظهر النانوتوى ، والشيخ عبد القيوم البرهانوى ،
والشيخ أحمد دحلان مفتى الشافعية ، والشيخ عبد الغنى بن أبى سعيد المجددى المهاجر،
والسيد أحمد البرزنجى ، وعنى بالحديث عناية عظيمة تدريساً و تأليفاً، ومطالعة
و تحقيقاً، وكان من أعظم أمانيه أن يشرح ستن أبى داؤد ، فبدأ فى تأليفه سنة
خمس وثلاثين وثلاث مأة وألف ، يساعده فى ذلك تلميذه البار الشيخ محمد زكريا
بن محمد يحيى الكاندهلوى، وانصرف إلى ذلك بكل همته وقواه ، وعكف على
جمع المواد وتهذيبها و إملائها، لا لذة له، ولا هم فى غيره، وأكب على ذلك
إلى أن سافر إلى الحجاز السفر الأخير فى سنة أربع وأربعين وثلاث مأة وألف،
ودخل المدينة فى منتصف المحرم سنة خمس وأربعين، وانقطع إلى تكميل الكتاب
حتى انتهى منه فى شعبان سنة خمس وأربعين ، وتم الكتاب فى خمسة مجلدات كبار ،
وقد صب فيه الشيخ مهجة نفسه ، وعصارة علمه ، وحصيلة دراسته ، وقد أجهد
قواه ، وأرهق نفسه فى المطالعة والتأليف ، والعبادة والتلاوة، والمجاهدة والمراقبة،
حتى اعتراه الضعف المضنى ، وقل غذاؤه ، و غلب عليه الانقطاع ، وحبب إليه
الخلاء، والشوق إلى اللقاء ، يصرف أكثر أوقاته فى تلاوة القرآن، ويحضر
الصلوات فى المسجد الشريف بشق النفس ، وقد ودع تلاميذه ، وخاصة أصحابه

( ٢٣ )
ترجمة المؤلف
للهند، وبقى فى جوار النبى معَفَع، نزيل المدينة ، وحلس الدار ، مسغول الجسم
بالعبادة و الذكر ، مربوط القلب بالله ورسوله ، منقطعاً عما سواه ، حتى أجاب
داعى اللّه فى المدينة المنورة .
كان الشيخ خليل أحمد له الملكة القوية ، والمشاركة الجيدة فى الفقه والحديث،
والبد الطولى فى الجدل والخلاف، والرسوخ التام فى علوم الدين ، والمعرفة
و اليقين، وكانت له قدم راسخة، وباع طويل فى إرشاد الطالبين، والدلالة على
معالم الرشد و منازل السلوك، والتبصر فى غوامض الطريق و غوائل النفوس ،
صاحب نسبة قوية، وإفاضات قدسية ، وجذبة إلهية ، نفع الله به خلقاً كثيراً ،
وخرج على يده جمعاً من العلماء والمشايخ ، ونبغت بتربيته جماعة من أهل التربية
والارشاد ، وأجرى على يدهم الخير الكثير فى الهند وغيرها فى نشر العلوم
الدينية، و تصحيح العقائد و تربية النفوس ، والدعوة والاصلاح، من أجلهم
العلامة الكبير الشيخ محمد يحمي الكاندلوى، وشقيقه المصلح الكبير الشيخ محمد إلياس
بن إسماعيل الكاندهلوى الدهلوى صاحب الدعوة المشهورة المنتشرة فى العالم ، والمحدث
الجليل الشيخ محمد زكريا بن يحيى الكاندهلوى السهار نفورى، صاحب « أوجز
المسالك، و«لامع الدرارى، والمؤلفات المقبولة الكثيرة، والشيخ عاشق إلهى
الميرتهى ، وغيرهم .
كان جميلا وسيماً ، مربوع القامة ، مائلا إلى الطول ، أبيض اللون ، تغلب
فيه الخمرة ، نحيف الجسم ، ناعم البشرة، أزهر الجبين ، دائم البشر، خفيف شعر
العارضين ، يحب النظافة والأناقة، جميل الملبس نظيف الأبواب فى غير تكلف أو
إسراف، وكان رقيق الشعور، ذكى الحس ، صادعاً بالحق، صريحاً فى الكلام فى غير
جفاء ، شديد الاتباع السنة ، نفوراً عن البدعة، كثير الاكرام الضيوف ، عظيم الرفق
بأصحابه ، يحب الترتيب والنظام فى كل شئ، والمواظبة على الأوقات، مشتغلا بخاصة
نفسه ، و بما ينفع فى الدين ، متحياً عن السياسة ، مع الاهتمام بأمور المسلمين،
:

( ٢٤ )
ترجمة المؤلف
والحمية والغيرة فى الدين، حج سبع مرات، آخرها فى شوال سنة أربع وأربعين
من الهجرة .
له من المصنفات ((المهند على المفند)، و((إتمام النعم على تبويب الحكم)، و«مطرقة
الكرامة على مرآة الإمامة «و«هدايات الرشيد إلى إخام العنيد، كلاهما فى الرد على
الشيعة الامامية ، و« بذل المجهود فى شرح سنن أبى داؤد ،
كانت وفاته بعد العصر من يوم الأربعاء فى السادس عشر من ربيع الآخر سنة
ست وأربعين وثلاث ماة وألف فى المدينة المنورة، وشيعت جنازته فى جمع عظيم ،
ورؤيت له رؤى صالحة، ودفن فى البقيع لدى مدفن أهل البيت (١).
(١) الترجمة منقولة بتعديل يسير من المجلد الثامن، لكتاب نزهة الخواطر ، طبع
دائرة المعارف العثمانية حيدر آباد ( الهند ).

ترجمة المؤلف
بقلم أحد كبار العلماء (١)
قال الله تبارك وتعالى: « اللّه يحتى إليه من يشاء ويهدى إليه من ينيب،
وقال سبحانه وتعالى: (( ترفع درجات من نشاء و فوق كل ذي علم عليم، وقال
سبحانه وتعالى: ( نصيب يرحمتنا من نشأ، ولا نضيع أجر المحسنين، وقال سبحانه
وتعالى: ((يختص برتته من يشاء)) وقال عليه الصلاة والسلام: (( ما من فى بعثه
الله فى أمته قبلى إلا كان له فى أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره،
الحديث ، وقال عليه الصلاة والسلام: (( لا تزال طائفة من أمتى منصورين لا يضرم
من خذلهم حتى تقوم الساعة، وقال عليه الصلاة والسلام: «إن الله لايزال يغرس
لهذا الدين غرساً ، وقال ابن سيرين : إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون
دينكم، وبناءاً على ما تلونا من الآيات وسردنا من الروايات وعلى ما يماثله من
الآيات والأحاديث والأقوال لم يزل الأسلاف يذكرون تراجم المشايخ والأعلام ،
ويبثون ما منحهم الله تعالى من المزايا والمكارم بين الأنام، وأنوا بتصانيف مفردة وغير
مفردة فى أحوال الرجال، ولم يتساهلوا فى تبين الحق وضبط طبقات أهل الفضل والكمال،
فمن مقل ومكثر ومطب وموجز، كى تطمئن النفوس بافاضاتهم، وتستقر القلوب
لدى إفاداتهم، ولا يبقى مظنة لريب المرتايين وتنقطع أعناق شبهات المنكرين
(١) المراد به شيخ الاسلام الشيخ العلامة السيد حسين أحمد المدنى المتوفى لاحدى
عشرة خلون من جمادى الأولى سنة سبع وسبعين وثلاث مأة وألف، ولم يصرح
الكاتب العلام باسمه تواضعاً منه و ختمه بالعبارة الآتية . كتبه بعض المنتسبين إلى
أعتاب حضرة الشيخ غفر الله له ولوالديه و مشائخه أجمعين)، وقد ترجح عند
الناشرين التنويه باسمه لفوائد كثيرة .

( ٢٦ )
ترجمة المؤلف
و الجاحدين، ويكون ذريعة للسان الصدق فى الآخرين، و أسوة حسنة للهداة
والمتأسين، ومهيجاً لهمم الضعفاء مذكراً للغافلين ، وهداية للعرضين عن المقال
جانحين إلى القائلين ، فلا يستمطر كل وبل وطل و لا يقصد باب كل من جل وقل،
ولا يعتمد على كل من عرف أو جهل ، استحسنا أن نوشح هذا الكتاب بنبذة
من ترجمة المؤلف دام مجده ، فنقول .
هو الثقة، الثبت ، الحجة ، الحافظ ، الصدوق ، محى السنة السنية ، قامع
البدع الشفيعة، شعاره طريقة رسول اللّه، ثاره التقوى ومخافة الله، لا يخاف
فى الله لومة لائم ، ولا يزعجه عن الطريق القويم مهابة غوى ظالم، حاز قصبات
السبق فى ميادين الفضل و الكمالات فأعى الأقران ، ونشر ألوية الجهاد فى سبيل الله
بالحجج والبينات فأبكم كل متشدق لسان ، نبعت من إفاداته عيون العلم والنهى ،
وتفجرت من إفاضاته أنهار الاحسان والتقى ، أشرقت أراضى التحديث بأنوار رواياته،
وتلالأت أفلاك التفقه بأضواء دراياته ، أبو حنيفة زمانه وشبلى عصره و دورانه
مولانا أبو إبراهيم خليل أحمد الأيوبى الأنصارى نسباً ومحتداً، والحنفى الرشيدى مشرباً
و مذهباً والجشتى القادرى النقشبندى السهروردى طريقة ومسلكا، لازالت بحار
فيضه زاخرة على مر الليالى والأيام وشموس إفاداته لامعة على رؤس الخلائق والأنام،
يتصل نسبه الطاهر إلى سيدنا أبى أبوب الأنصارى الخزرجى رضى الله تعالى عنه ،
و ولد دام مجده فى أواخر صفر سنة تسع وستين بعد الألف والمأتين من هجرة
من هو مدار الفضائل الروحية ومحط الفيوض الرحمانية (عليه الصلاة والسلام )
فى أخواله بنانوته ( كورة من نواحى سهاد نفور الهند ) ثم ترعرع فى ظلال أبويه
الكريمين - رحمهما الله تعالى - فى موطنهما كورة انبهثه ، وسمى بظهير الدين أحمد
أيضاً لدلالته على ما يقارب زمان مولده و للتفاؤل بأنه سيصير ظهيراً للدين الحنيف
حسبما صاح به الهاتف المنيف، كانت لوائح الذكاء والفطانه تشرق على سرر جينه فى
أيام مسباه و منادى الأقدار كان يسمع كل ذى عقل بأنه سيكون خليل الخليل فيحمد

( ٢٧ )
ترجمة المؤلف
عقباه ، فأبرزت لطائف الأقدار مكنوناتها ، ولفظت قوى الأرواح بمخزوناتها ،
حين أخذ عالم الأسباب بما تقرر فى عوالم الأمثال ، وصارت ألسنة الشهادة تروى
له مسلسلات الأفضال ، فاشتغل بالعلوم فى صباه وأقرانه بين الماء والطين وتأدب
بآداب الصلاح لدى والده الشاه مجيد على المرحوم، فمجد فى المتعلمين، صار يقرأ
ويستفيض سحبه الهطالة فى موطنه ، حتى لفظته الأقدار إلى رياسة كواليار فلازمه
إلى مقره .
وهنالك اشتغل بمبادئ العلوم العربية على عمه مولانا الشيخ أنصار على
المرحوم ، ثم بعد برهة رجع إلى وطنه خضر لدى علماء البلد من أرباب المعرفة
والعلوم ، ولم يزل يستغرف بحارهم الزاخرة ويستمطر سحبهم الهطالة إلى أن أسست
دار العلوم الإسلامية الفيحاء ، بديوبند الشهيرة الزهراء فى سنة ألف وماتين وثلاث
وثمانين من هجرة من له المجد و العلياء ، فارتحل إليها مقتبساً عن أنوار شموسها
ومستضيئاً بأضواء كواكبها و بدورها، ثم بعد أشهر لما تأسست هذه الكلية التى هى
منابع للعلوم و مظاهرها و مطالع لشموس المعارف ومشارتها ، المدرسة العلية مظاهر
العلوم بسهارنفور ، قصدها مشمراً عن ساق الجد فى تحقيق الماثل وحفظها وإتقان
العلوم و وعيها ، ولم يزل يجد فى الاستشراق عن كواكبها الدرية وسياراتها المضيئة
حتى أن فرغ سائر الكتب الدرسية ، والفنون الآلية العربية والعلوم العقلية والنقلية،
المتوسطات منها و الانتهائية حيما كان مدار أكثر الافاضة ساعتذ على خر الأكابر
و الأماثل قدوة الأماجد والأفاضل أستاذ الأساتذة قدوة الأئمة والجهابذه، رئيس
العلماء ورأسهم، وإمام أهل التحقيق وأساسهم ، مركز دائرة الذكاء والبهاء وشمس
نجوم الأخلاق النبوية والسخاء ، صدر المدرسين والمحدثين، سند المفسرين والمتكلمين ،
العارف بالله مولانا الشيخ محمد مظهر النانوتوى الحنفى الجشتى القادرى النقشبندى
السهروردى - قدس الله سره العزيز - فأخذ عنه الأمهات وغيرها من كتب الحديث
والتفسير و الأصول والفروع، سماع فقه ودراية ولم يقتنع بسرد الألفاظ

(٢٨ )
ترجمة المؤلف
ومجرد الرواية، وهو - رحمه الله تعالى - من أرشد تلامذة إمام عصره وأوانه
و فريد دهره وزمانه مولانا ملوك على الثانوقوى الصديقى الخنفى - قدس الله سره
العزيز - جد المؤلف أبى أمه، عن شمس العلماء و إمام الأتقياء مولانا رشيد الدين
خان الدهلوى الحنفى - قدس الله سره العزيز - عن أبى حنيفة زمانه وبخارى عصره
وأوانه، رئيس الحكماء المحققين ومند الأولياء العارفين مولانا الشاه عبد العزيز الدهلوى
العمرى الحنفى - قدس الله سره العزيز - وقد روى حضرة مولانا محمد مظهر المؤمى
إليه صحيح البخارى عن الشهير فى الآفاق مولانا الشاه محمد إسحاق العمرى الدهلوى ثم
المكى، الحنفى - قدس الله سره العزيز - وكذلك يروى حضرة الأستاذ المؤلف
سائر كتب الحديث قراءة وإجازة عن حير الأمة كاشف الغمة مولانا الشيخ عبد
القيوم البثمانوى ثم البهويالى ختن حضرة العلامة الشاه محمد إسحاق المؤمى إليه - نور
الله مرقده - ويروى أيضاً سائر كتب الحديث وفنونها عن الأسانذه رئيس الكرام
و الجهابذة الامام الحجة مولانا عبد الغنى العمرى المجددى الدهلوى ثم المدنى - قدس
الله سره العزيز - [ح] وعن الشهير الامام الحجة السيد أحمد زينى دحلان مفتى
الشافعية فى زمانه بمكة المكرمة - رحمه الله تعالى - [ح] وعن صدر علماء دار
الهجرة السيد أحمد البرزنجى مفتى الشافعية بالمدينة المنورة - رحمه الله تعالى - ولميزل
مولانا الخليل - دام مجده - يغترف من يحار حبر الأمة مولانا محمد مظهر - قدس
سره العزيز - و يكتب الأخلاق والمعانى من صحبته الفيحاء وينور قلبه من معارفه
الزهراء إلى أن ارتوى بما لديه من عذب العلوم وكتبها وشهد له الأساتذة الأعلام
بمناصب التكميل و أعالى رتبها ، وذلك فى سنة ثمان و ثمانين بعد الألف و المأتين
من الهجرة وكانت سنه الشريفة إذ ذاك تسع عشرة سنة .
ثم لم يقتنع نفسه المنهومة فى العلم ، الحريصة فى العرفان بذلك القدر من الحكمة
و الايقان ، فأقلقه إلى مركز دوائر الأدبيات العربية ومنبع أنهار المعالم اللغوية أستاذ
الأساتذة إمام الحفاظ الجهابذه ، أصمعى زمانه وسيبويه دورانه مولانا الشيخ فيض

( ٢٩ )
ترجمة المؤلف
الحسن السهارفورى الحنفى - قدس سره العزيز - وقد كان إذ ذاك مرجع الفنون
العربية ومدارها فى كلية لاهور فأقام لديه شهوراً يرتشف من عذب بنات شفاهه ،
ويشنف آذانه من مزاهر آدابه ويانه، إلى أن رقته ألطاف المبدأ الفياض إلى معارج
القيام بخدمة العباد و إيصالهم إلى خفايا مكنة فى فطرهم من الهدايه والرشاد ، فولى
خدمة التدرس بمنكلور فشمر عن ساق الجد فى طرق الافادة ، وأسهر الليالى مجتهداً
فى مطالعة الفنون والافاضة ، وهنالك أخذته الجذبة الالهية، و السابقة الأزلية
واللطائف القدسية، والتح الربانية فأقلقته إلى حضور رب الأرباب والدخول فى
حلقة الروحانين الذين أزيل عنهم الرين والحجاب، فوقف مدة يتطلع إلى شموس زمانه
والأقار، و يستطلع بغيته فى كل جنة ذات ثمار وأزهار ، إلى أن تفرد بلبل
التفريد ورنح عندليب التوحيد ، وغنى بلحن ناشط سديد ، أن دع الهيام والحيرة
واقصد الباب الرشيد ، فان هنالك الفوز والوصول لمن كان له قلب أو ألقى السمع
وهو شهيد، فلباه بقلبه، واعتقده إشارة ربه، فلم يصبر حتى أن ألقى نفسه بفناء
إمام العارفين سند الواصلين ، قطب المالكين شمس الهداة الكاملين ، القانى الباقى
والمرشد الصافى ، السالك المجذوب ، والصديق المحبوب ، قطب العالم مولانا وسيدنا
أبى مسعود رشيد أحمد الأيوبى الأنصارى الكتكوهى الحنفى الجشتى القادرى النقشبندى
الشهروردى - قدس الله سره العزيز - .
فلم يزل واقفاً على أعتابه يستغيث سحبه الهطالة ، ويستضيء شموسه اللماعة ، إلى
أن أوصلته العواطف الربانية والوابق الصمدانية ، أعلى درجات الوصول والنهاية،
وبلغ غاية درجات السلوك والهداية، فق له أن يفوض إليه تسليك عباد الله
والتربية، وإحياء الأرواح والنفوس بأمطار الرياضات والتزكية، فأجاز له حضرة
قطب الأقطاب مولا! الكنكوهى - قدس الله سره العزيز - المؤمى إليه إجازة الارشا:
و الايصال، بأن كتب بأحواله القدسية ومدارجه العالية إلى ذروة المجد والكمال
إمام العارفين وحجة الله فى العالمين القطب الربلقى والامام الصمدائى مولانا الحاج امداد

(٣٠ )
ترجمة المؤلف
الله المكى الجشتى النقشبندى القادرى السهروردى العمرى - قدس الله سره العزيز -
فيجله وأكرمه بالخرقة و الاجازة و أقامه مقام نفسه وابه ما كان على رأسه من
الطاقية والعمامة، فياحبذا من نعمة خصه الله تعالى بين الاخلاء و الأصفياء وأمده
بامدادات حسده عليها أرباب الأحوال والاهتداء ، وذلك سنة ست وتسعين لدى
حضوره الحرمين الشريفين ، والحجازين المكرمين ، وقد كان قبل ذلك تشرف
بالحج والزيارة الشريفة سنة ثلاث وتسعين بعد الألف و المأتين ، حين إقامته
بلدة بهويال .
وفى هذه المرة اجتمع بسيد أرباب الكشف والشهود، وملاذ قاصدى أحاديث
الرسول عليه السلام والوفود، إمام الروية والرواية ، قطب الهداية والدراية ،
مفخر المحدثين ، وسند المفسرين ، من انتهت إليه رئاسة الحديث بدار الهجرة ، واشتهر
فضله شرقاً وغرباً بين أرباب الكمال والمهرة ، مولانا العارف بالله الشيخ عبد الغنى
الحنفى المجددى النقشبندى الدحلوى ثم المدنى المؤمى إليه سابقاً - قدس الله سره العزيز -
فمنحه حضرة الشيخ الاجازة العامة بجميع ما كانت تصبح له روايته عن شيخيه
المعروفين و الامامين الهمامين ، مولانا العارف بالله الشهير فى الآفاق مولانا الشيخ
محمد إسحاق العمرى الدهلوى ثم المكى - قدس الله سره العزيز - ومولانا العارف
بالله الشيخ محمد عابد الأنصارى الحنفى السندى ثم المدنى - قدس الله سره العزيز -
وأسانيدهما مشهورة ، ثم بعد رجوعه من هذه السفرة الأولى حداه القضاء والقدر
لتكميل أهل بهاول بور وتربيتهم فأدى هذه الخدمة الشريفة لدى بعض الخواص من
سكانها ، ثم ولى خدمة التدريس والافادة ، بمدرستها المشهورة لدى أرباب العلم
والافاضة ، فأقام هنالك اثنتى عشرة سنة يسقى ظاءهم بفراته، ويداوى جرحاهم بمرهم
وعظه وشفاء كلماته ، فدرس هنالك وصنف، وقلوباً أحياها و أحزانا شنف ، فضرب
الناس بعطن ، وانقطع عنهم الظمأ وحرارة الفتن، ثم ولى بعد إقامته برهة بيريلى ،
تدريس أعالى الفنون وكتب المدرسة العالية الديوبندية المشهورة فى القديم والحديث ،

( ٣١ )
ترجمة المؤلف
فلم يزل ينور قلوب الطالبين بشموس علومه ومعارفه ويحيى أرواح عفاة الفنون
بمعجزات البيان ومعالمه إلى أن حان أن ينتبه طالع مظاهر العلوم ، و منذ مدة كان
غارباً فى النوم والغفلة ، فاستولت عليها حوادث الدهر، فلم تبق له إلا اسمه ورسمه
فسعى أركانها إلى حضرة القطب الكتكوهى المؤمى إليه - قدس ثره العزيز - طالبين
أمره الشريف بقبول صدارة التدريس بها فظباه، ورقاها إلى أوج الكمالات فكل
مسابق أعياه ، وذلك فى سنة أربع عشرة بعد الثلاث مأة والألف من الهجرة ،
فاقتصرت عليه الكتب العالية من الحديث والتفسير والفقه والأصول وغيرها
فترسها بغاية الاتقان و التحرير حتى أن ضرب الناس بأكاد إبلهم إلى فنائه و رحابه
وصار المشرق والمغرب يلفظ أفلاذ أكباده إلى أعتابه وجنابه، فتقح المسائل
و رتب ونشر الأحاديث فى الآفاق و ألف، وفتح آذاناً عماً وأحيى قلوباً غلفاً .
وحيث إن سنن أبى داؤد كان من أمهات الأحاديث وأصولها و جامعاً
للعتبر من الروايات وفروعها، كافياً لمن أراد التبصر فى السنن النبوية، معتمداً لمن قصد
الاجتهاد فى المعارف الدينية، وتوجه إليه الأئمة الحاذقون بالشروح و الحواشى ،
وخدموه بازالة غموضانه وكشف الغواشى ، فمنهم من توجه إلى فقه الأحاديث
والمتون، ومنهم من قصد الأسانيد والاستيعاب لكل ما يحب من العلوم والفنون،
فمن مطول ومختصر ومن مطنب ومقتصر، وا رأى حضرة الأستاذ - مد الله
· ظله العالى - أن هذه الشروح والحواشى قد اعبث بها بنات الأفلاك وحوادث الدهر،
ولميق لها فى صفحات الوجود إلا أساميها الموجبة الحسرات والويلات لأبناء العصر،
قصد أن يشرحها شرحاً وجيزاً يحل مشكلاته ويفصل معضلاته، ولا يترك شيئاً من
جره و بجره ، ولا يبقى مستوراً من خبايا كنوزه وبدره، ولكن عاقته عوائق
الدهر عن الاسعاف ، وصادمته صوارف الزمان بكل جور واعتساف ، فلم يزل
يقاومها بكل همة و استقلال ويصرف لمعارضتها ثواقب العزم بغاية القوة والكمال ،
إلى أن أيدته النفحات القدسية و الألطاف العلوية فشرع فى المأمول، واجتهد فى

( ٣٢)
ترجمة المؤلف
المسئول ، وكان قد سود مضامينها فى السنين السالفة ، وزين صفحات الأوراق
بجواهر ألفاظها اللامعة، بيد أنه لم يكن ينفرغ للتكميل بهجوم مشاغل التدريس والتعليم
وكثرة أفكار تتعلق بترتيب المدرسة والتنظيم ، فنا رجع حضرته من الحجة السادسة
سنة ألف وثلاث مأة وأربعين فرغ نفسه للتأليف وتوجه بشراشره للترشيق
والتصنيف، وشمر نفسه عن ساق الجد فى التسويد و الترتيب، معرضاً عن الاطناب
الممل والإيجاز الغريب، فجاء بحمد الله عز وجل ما يروق به عيون الأرواح وتنجلى
به الغموم والهموم وتطمئن الخواطر بالسكون وغاية الارتياح، وقد حصل الفراغ
عن تسويد الجزء الأول سنة أربعين بعد الألف والثلاث مأة ، وعن الثانى منه سنة
اثنتين وأربعين بعد الألف والثلاث مأة ، ثم شرع فى الجزء الثالث منه وعلى
الله الايفاء بالمقاصد والتكميل، ومن فضله ومنه يرجى الجزاء الحسن والثواب الجزيل.
والمؤلف ـ دام مجده وعلاه - تصانيف عديدة فى مهمات المسائل وفروعها ،
وتأليف جميلة فى إحقاق العقائد الحقة وتوطينها ، وله ملكة فى فنون الجدل
و المناظرة وإقامة البراهين والحجج الباهرة، فإنه داهية كبرى على الشيعة الشفيعة
الفاجرة ، وطامة عظمى على المبتدعة الضالة العاجزة ، فمنها ((المهند على المفند، ذكر
فيها معتقداته ومعتقدات مشايخه الكرام أتباع الأسلاف العظام، وأهل السنة الفخام،
رداً على ما افترى عليهم الخبثاء اللتام ، ما تقشعر منه الجلود وتفتت عنه العظام ،
ومنها ((تنشيط الأذان)) ذكر فيها ما أخطأ فيه بعض من ادعى العلم وانتحله أن
محل الأذان خارج المسجد يوم الجمعة لدى الخطبة .
ومنها « مطرقة الكرامة على مرآة الامامة، كتاب بسيط فى رد الروافض ذكر
فيه أصولهم القبيحة ، ومعتقداتهم الشنيعة، و أتى على خزعلاتهم فأوهاما ، وأرسل
الصواعق على حججهم فدك جبالهم الشامخة وسواها ، طبع منه الجزء الأول فقط ،
ثم عز وجوده ولم يطبع بعد .
ومنها «هدايات الرشيد، كتاب بسيط جداً فى رد الروافض وإظهار أصولهم.
٠٠

(٣٣ )
ترجمة المؤلف
الفاسدة، وعقائدهم الباطلة، وتومين قواهم، وإخفاض علاهم ، عديم النظير فى
بابه ، كامل التقريب فى حججه وأبوابه، قلت: نسخه الآن ماه المشتاقون، واشتدت
حاجته الحين، فأصر المفتاقون، وعلى اللّه التيسير وهو الميسر لكل عسير.
ومنها « إتمام التعم على تبويب الحكم، كتاب جليل فى تهذيب الأخلاق والتصوف
كتبه حضرة الشيخ مع الله ظله العالى، بأمر قطب العالم مولانا العارف بالله المهاجر
المكى - قدس الله سره العزيز - مترجماً الجواهر المنظمة من حكم ابن عطاء الله
السكندرى - زحمه الله - بطريق يسهل على الطالبين الاغتراف من بحاره وعلى
السالكين الاستناءة من أنواره، وله - دام مجده - مؤلفات أخر شهيرة طبع منها
البعض ، ولم يطبع البعض .
ولم يزل حضرته - دام مجده ـ مجداً فى نشر العلوم وإحياء الدين، وتقويم
ما تعوج من أمور الاسلام والمسلمين ، علماً مضيئاً الطلبة و السالكين، ناصحاً مخلصاً
الأمة المحمدية أجمعين ، إماماً الهداة والعالمين ، خادماً للعالم الانسانى و المهتدين ،
عاضاً بالنواجة على ستن سيد المرسلين ، عليه أفضل صلوات المصلين ، وأكرم تسليمات
المسلمين ، متبعاً لما كان عليه الأسلاف الكرام ، مجتنباً عن جميع ما اخترعته للتنام،
مفنياً أوقاته فى إرضاء المفضل المتعام ، وعبادلت زاكية حين تثقل المضاجع بالتيام ،
ورياضات شاقة على النفس والشيطان، واحتسابلت نزيل الغفلة وتوقظ الوسنان،
وحراقبات تديم الشود والاحسان، وأذكار تنور الجسد والجنان، وتسليك لعفاة
الطريقة ، وإرشاد لظمأى خمور العشق و الحقيقة ، ولمله ما قيل :
وصلم نهاره الله خيفه
بيت مثمراً سهر اليالى
وما زالت جوارحه عفيفة
وصان لسانه عن كل إنك
ومرضاة الاله له وظيفه
يعف عن المحارم والملاهى
وقد أخذ عنه العلوم الظاهرة ، وروى عنه الأحاديث الطاهرة ، أئمة ذوو
رواية ورؤية ، و طلبة أصحاب درايات درية .

(٣٤ )
مرجمة المؤلف
لا يحصى عددهم إلا الله العظيم، ولا يحيط بمراكزهم إلا الخالق العليم، لم تزل
أنهار فيوضه جارية بالمشرقين ، وشموس فضائله لامعة على رؤس أهل المغربين،
و تاب على يده الشريفة خلق كثيرون ، فاستضاء بأنواره الباطنة منهم الصالحون، إلى
أن استوى منهم جماعات على عروش التسليك والتلقين فامتاز بينهم بالخرقة والخلافة
أماماً قائداً لأهل السكينة واليقين .
منهم حضرة الشيخ الأجل و الفاضل الأبجل من أحيى بطبيعته الوقادة العلوم
و السنن، ونور بفطانته الثقابة النفوس والزمن مولانا محمد يحيى الكاندهلوى - قدس
الله سره العزيز - .
ومنهم التقى الصالح والورع البارع مولانا عبد الله الكنكوهى - المرحوم -.
ومنهم الأديب البارع والزكى الفارع صاحب التصانيف العالية والتأليف الزاكية
مولانا الحاج عاشق إلى الميرتهى - دام مجده - .
ومنهم مولانا الحاج عمر الدين نزيل غازى آباد .
ومنهم مولانا الحافظ الحاج محمد إلياس الكاندهاوى نزيل نظام الدين دهلى.
ومنهم مولانا الحافظ فيض الحسن الكتكوهى نزيل لكهنؤ .
ومنهم الحاج محمد حسين الحبشى نزيل مكة المكرمة فى السلسلة النقشبندية خاصة .
وليكن هذا آخر ما أردناه عن إفصاح ترجمة حضرة الشيخ - دام مجده - بغير
إطناب ولا تطويل ، فإن إكمال ذكر ما منحه الله عز وجل لا يحويه إلا الطامور
العريض الطويل ، بلغه الله تعالى على أقصى مراداته فى الدارين ، وأسبل علينا من
بركانه وفيوضاته ما يسترنا عن فضائح الكونين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب
العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين ، وآله وصحبه وأتباعهم إلى يوم
الدين . آمين .

رسالة الامام أبى داؤد
إلى أهل مكة فى وصف الكتاب و بيان خصائصه والتزاماته
الحمد لله على نعمه الجمة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة
تزيح كل كرب و غمة ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله الذى أثار بشريعته
البيضاء لك الليالى المدلهمة، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه المخصوصين بعلو الهمة .
قال أبو داؤد فى رسالته : إلى أهل مكة سلام عليكم، فانى أحمد إليكم الذى
لا إله إلا هو، وأسأله أن يعلى على محمد عبده ورسوله مؤلفه كما ذكر.
أما بعد : عافانا الله وإياكم عافية لا مكروه معها ولاعقاب بعدها، فانحكم
سألتمونى أن أذكر لكم الأحاديث التى فى كتاب السنن، أهی أصح ما عرفت فى الباب
و وقفت على جميع ما ذكرتم ؟ فاعلوا أنه كذلك كله إلا أن يكون قد روى من
وجهين أحدهما أقوى إسناداً والآخر صاحبه أقدم فى الحفظ ، فربما كتبت ذلك ،
و إذا أعدت الحدیث فی الباب من وجهين أو ثلاثة مع زيادة كلام فيه ، و ربما
كلمة زائدة على الحديث الطويل لأنى لو كتبته بطوله لم يعلم بعض من سمع ولا يفهم
موضع الفقه منه فاختصرته لذلك .
أما المراسيل : فقد كان يحتج بها العلماء فيما مضى، مثل سفيان الثورى ومالك
والأوزاعى ، حتى جاء الشافعى نتكلم فيه ، وتابعه على ذلك أحمد بن حنبل وغيره ،
فاذا لم يكن مند غير المراسيل ، ولم يوجد المسند فالمرسل يحتج به ، وليس هو
مثل المتصل فى القوة ، وليس فى كتاب السنن الذى صنفته على رجل متروك الحديث
شئى، وإذا كان فيه حديث منكر بنته أنه منعر، وليس على نحوه فى الباب غيره،
وما كان فى كتابى من حديث فيه وهن شديد، فقد يته منه ما لا يصح سنده ،
وما لم أذكر فيه شيئاً فهو صالح ، وبعضها أصح من بعض ، وهو كتاب لا يرد

( ٣٦ )
رسالة الإمام أبى داؤد
عليك سنة عن النبي مَّ إلا وهو فيه إلا أن يكون كلام استخرج من الحديث،
ولا يكاد يكون هذا، ولا أعلم شيئاً بعد القرآن ألزم للناس أن يتعلموا من هذا
الكتاب، ولا يضر رجلا أن لا يكتب من العلم بعد ما يكتب هذا الكتاب شيئاً،
و إذا نظر فيه وتدبره وتفهمه حينئذ بعلم مقداره .
وأما هذه المسائل، مسائل الثورى ومالك والشافعى فهذه الأحاديث أصولها ،
و يعجبنى أن يكتب الرجل مع هذه الكتب من رأى أصحاب النبى معَِّ، ويكتب
أيضاً مثل جامع سفيان الثورى، فانه أحسن ما وضع الناس من الجوامع، والأحاديث
التى وضعتها فى كتاب السنن أكثرها مشاهير، وهو عند كل من كتب شيئاً من الحديث
إلا أن تميزها لا يقدر عليه كل الناس، والفخر بها أنها مشاهير ، فإنه لا يحتج بحديث
غريب ، ولو كان من رواية مالك و يحيى بن سعيد و الثقات من أئمة العلم، ولو
احتج رجل بحديث غريب و حديث من يطعن فيه لا يحتج بالحديث الذى قد احتج
به، إذا كان الحديث غريباً شاذاً، فأما الحديث المشهور المتصل الصحيح فليس يقدر
أن يرده عليك أحد، قال إبراهيم النخعى: كانوا يكرهون الغريب من الحديث ، وقال
يزيد بن أبى حبيب: إذا سمعت الحديث فانشده كما تنشد الضالة فان عرف وإلا تدعه ،
و إن من الأحاديث فى كتاب السنن ما ليس يتصل وهو مرسل ومتواتر ، إذا
لم توجد الصحاح عند عامة أهل الحديث على معنى أنه متصل ، وهو مثل الحسن عن
جابر و الحسن عن أبى هريرة والحكم عن مقسم عن ابن عباس ، وليس بمتصل ،
وسماع الحكم عن مقسم أربعة أحاديث، وأما أبو إسحاق عن الحارث عن على
فلم يسمع أبو إسحاق من الحارث إلا أربعة أحاديث ليس فيها مسند واحد ، وما فى
كتاب السنن من هذا النحو فقليل، ولعل ليس فى كتاب السنن الحارث الأعور إلا
حديث واحد ، وإنما كتبته بآخره ، وربما كان فى الحديث ما لم يثبت صحة الحديث
منه أنه كان يخفى ذلك على فربما تركت الحديث إذ لم أفقه، وربما كتبته إذا لم أقف
عليه ، وربما أتوقف عن مثل هذه لأنه ضرر على العامة أن يكشف لهم كلما كان

( ٣٧ )
رسالة الامام أبى داؤد
من هذا الباب فيما مضى من عيوب الحديث لأن على العامة يقصر عن مثل هذا،
وعدد كتبى هذه السنن ثمانية عشر جزءاً مع المراسيل منها جزء واحد .
وما يروى عن النبي ◌َّم من المراسيل منها ما لا يصح، ومنها ما يسند
عند غيره، وهو متصل صحيح، ولعل عدد الأحاديث التى فى كتبى من الأحاديث
قدر أربعة آلاف حديث وثمانى مأة حديث ، ونحو ست مأة حديث من المراسيل ،
فمن أحب أن يميز هذه الأحاديث مع الألفاظ، فربما يجيء الحديث من طريق ،
وهو عند العامة من حديث الأئمة الذين هم مشهورون غير أنه ربما طلب اللفظة التى
تكون لها معان كثيرة وممن عرفت ، وقد نقل من جميع هذه الكتب من عرفت
فربما يجيء الاسناد فيعلم من حديث غير أنه متصل، ولا يتبه السامع إلا بأن يعلم
الأحاديث ، فيكون له فيه معرفة فيقف عليه مثل ما يروى عن ابن جريج قال :
أخبرت عن الزهرى ويرويه البرسانى عن ابن جريج عن الزهرى ، فالذى يسمع يظن
أنه متصل ولا يصح بينهم، وإنما تركنا ذلك لأن أصل الحديث غير متصل، وهو
حديث معلول، ومثل هذا كثير ، والذى لا يعلم يقول: قد تركت حديثاً صحيحاً
من هذا وجاء بحديث معلول، وإنما لم أصنف فى كتاب السنن إلا الأحكام ولم أصنف
فى الزهد وفضائل الأعمال وغيرها ، فهذه أربعة آلاف والثمان مأة كلها فى الأحكام،
فأما أحاديث كثيرة صحاح من الزهد و الفضائل وغيرها فى غير هذا لم أخرجها ،
و السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
انتهت الرسالة

◌ِل ◌َمُ الحَة
مقدمة بذل المجهود
الحمد لله المتأزر بازار العظمة والعلاء، المرتدى برداء المجد والعزة والكبرياء ،
أللهم لا تحصى عليك الثناء، أنت كما أثنيت على نفسك بلا امتراء ، فأنت أللهم من
درك العقول والظنون والأوهام وراء الوراء، ثم وراء الوراء ، ثم وراء الوراء ،
سبحانك ما أعظم شأنك وأحكم برهانك ، مننت علينا بارسال الرسل وكرمتنا بأزال
الكتب من السماء ، و هديتنا الملة الحنيفية السمحة السهلة البيضاء، التى ليلها ونهارها
سواء ، وعلتنا من العلوم النبوية والحكم المصطفوية ما لم نعلم فعلونا به مدارج السماء.
أللهم فصل وسلم وزد ودم وتفضل وبارك وأنعم على سيدنا سيد الرسل ،
و خير خلقك عبدك محمد داعى الخلق، والهادى إلى الحق ، الماحى سبل الضلال
والفسق ، تنور العالم بنور هدايته وضيائه، وتزينت السماوات والأرض بزينته وبهائه،
و على آله و أصحابه نصحاته و أمنائه .
أما بعد : فيقول العبد الفقير الحقير الجامع لجميع السيئات والنقاصير ، المدعو
بخليل أحمد بن الشاه مجيد على بن شاه أحمد على بن شاه قطب على تجاوز اللّه عن
سيأنه ومشايخه و آبائه أجمعين .
قد قرأت سنن أبى داؤد برواية اللؤلؤى على شيخى وسيدى مولانا محمد مظهر
النانوتوى - رحمه الله تعالى - بعضها قراءة عليه وبعضها سماعاً منه حين كان نازلا فى
اللكهنوتى ، ثم أجازنى به بجميع مروياته شيخى مولانا عبد القيوم بن مولانا عبد
الحى الذهانوى ثم البوفالى، ختن مولانا الشاه محمد إسحاق الدهلوى ، ثم المهاجر
المكى ، ثم حصل لى الاجازة مكاتبة من شيخ العلماء بمكة المحمية السيد أحمد دحلان
ثم قرأت أوائل الصحاح الستة على مولانا وشيخ مشائخنا الشيخ عبد الغنى المجددى

(٣٩ )
مقدمة بذل المجهود
الدهلوى المهاجر المدنى - رحمه الله عليه- وكتب لى الاجازة العامة سنة أربع وتسعين
بعد ألف ومأتين، ثم أجازفى مكاتبة و مشافهة حضرة مولانا السيد أحمد البرزنجى
المدنى حين حضرت المدينة المنورة مرة أخرى سنة أربع وعشرين بعد ألف
و ثلاث مأة .
وكثيراً ما كان يختلج فى صدرى أن يكون على سنن أبى داؤد شرح يحل مغلقاته
ويكشف معضلاته، ويذلل صعابه، ويسهل مشكلاته ، ولكنى كنت أحقر نفسى
أن أتحمل هذا الحمل الثقيل، وأكون فى هذا المضيق دخيلا ، حتى رأيت جزءاً
واحداً من الشرح الذى ألفه الشيخ أبو الطيب شمس الحق المسمى بغاية المقصود
فوجدته لكشف مكنوزاته كافلا و يجميع مخزوناته حافلا ، فلله دره ، قد بذل فيه
وسعه وسعى سعيه، إلا أنه فى بعض المواضع أخذته الحدة ، فاستطال على مكانة
إمام الأئمة أبى حنيفة النعمان ، عليه سيحال الرحمة والغفران ، ومع هذا فلم يشع منه
إلا هذا الجزء الأول ، والأجزاء الباقية كانها سألت بها البطاح، أو طارت بها
أدراج الرياح .
ثم رأيت (( عون المعود)) للشيخ محمد أشرف كان مختصر غاية المقصود، فلم يقع
فى القلب موقعه ، ولم يبلغ مبلغه، وهذا الشرح قاصر عن أن يسمى شرحاً مع أن
مؤلفه تقلد صاحب غاية المقصود فى الحدة واختصر شرحه فوقع فيه ما وقع من
الخلل والخطل واللّه يتجاوز عنا وعنه ، فلما ذهب عنى الشباب وأخذنى الشيب
كما قيل :
وعشش فی و کریه جاش له صدری
فلما رأيت النسر عز ابن داية
و وليت درس الحديث بمدرسة مظاهر العلوم الواقعه فى سهارنفور ، ونظرت
فى أمرى ، فلم أجد فى أعمالى ما يكون لى وسيلة إلى النجاة أو ذريعة إلى حط
الخطيئات والسيئات ، فألقى فى روعى أن اكتب على أبى داؤد تعليقاً مختصراً جامعاً
يفتح أقفال كنوزه ويسهل صعاب رموزه مع أتى لم أكن أهلا لذلك ، ولكن

(٤٠ )
مقدمة بذل المجهود
اعتمدت فى ذلك على إعانة اللّه تعالى سبحانه وعنايته ولطفه، رجاء أن يحشرنى الله
تعالى فى زمرة خدم الحديث وأهله ، فشرعت فيه فى ساعات فارغة من الدرس
و أعاننى عليه بعض أحبابى خصوصاً منهم عزيزى وقرة عينى وقلبى الحاج الحافظ
المولوى محمد زكريا بن مولانا الحافظ المولوى محمد يحيى الكاندملوى - رحمه الله تعالى -
فانى كنت لا أقدر على الكتابة ، ولا على التقبع الرعشة حدثت فى يدى وضعف
فى دماغى وبصرى، فكنت أملى عليه ، وهو يكتب ويتتبع المباحث المشكلة من
مظانها فيسهل على إملاءها ، فشكر الله تعالى سعيه وأحسن جزاءه ، وما بذل فيه
جهده، وأكرمه الله تعالى بعلومه الباطنة والظاهرة النافعة، فى الدنيا والآخرة،
وبالأعمال المبرورة المتقبلة الزاهرة .
وكان عندى حين إملاء هذا التعليق كتب من العلوم المختلفة .
فمن علم الحديث وشروحه الصحاح الستة والموطآن لمالك بن أنس ولمحمد بن
الحسن الشيبانى و((سنن الدارمى)، و«الدار قطنى، و((مصنف ابن أبى شيبة) و(«السنن
الكبرى للبيهقى و(«المسند، للامام أحمد و«شرح معانى الآثار، للطحاوى و«مشكاة
المصابيح، مع شرحه لعلى القارئ. و«مسند أبي داؤد الطيالسى» و«منتقى الأخبار
مع شرحه نيل الأوطار، للشوكانى و (زاد المعاد فى هدى خير العباد، لابن القيم
و((فتح البارى)، و«القسطلانى)، و(شرح مسلم، النووى و«حاشية السندى
على سنن النسائي، و((سنن ابن ماجة)، و(شرح المؤطا المسمى بالمصفى،
و((المراسيل، لأبى داؤد السجستانى، و«عمل اليوم والليلة)) لابن السنى،
و(«المسند الإمام أبى حنيفة، و«المسند الشافعى)، و«مجمع الزوائد، للهيئمى
و(( كتاب الآثار)) للامام محمد بن الحسن الشيباني، و(جزء القراءة» للبخارى،
و((البيهقى)، و((الأدب المفرد، للخارى، وجزء ((رفع اليدين)، له، وكتاب
« المستدرك، للحاكم، وتلخيصه الذهبي، وقد وصلا إلينا عند تمام الجزء الأول
من هذا الشرح، و«سبل السلام على بلوغ المرام، للأمير اليمانى، وشرح