Indexed OCR Text

Pages 1-20

نصب المجانيق
لنسف
قِص الغرانيق
تأليفُ
محمد ناصر الدين الألباني
طبعَة جَديدَة مصَحّحَة
المكتب الإسلامي

جميع الحقوق محفوظة للِكتبِ الإسْلامي
الطبعَة الثّالثَة
١٤١٧ هـ - ١٩٩٦ م
المكتب الإسلامي
بَيروت: ص.بَ: ١١/٣٧٧١ - هاتف: ٤٥٦٢٨٠
دمَشْق: ص.بَ: ١٣.٧٩ - هاتف : ١١١٦٣٧
عَمَان: ص. ب: ١٨٢٠٦٥ - هاتف: ٦٥٦٦٠٥

بسمالله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي اصطفى نبينا على سائر البشر، وعصمه من
الشيطان أن يوحي إليه بشرٌّ، فقال تعالى مخاطباً إبليس اللعين:
﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ إِلَّا مَنِ أَتَّعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ
٤٢
[الحجر]، بل جعل تعالى له السلطة على شيطانه القرين،
فكيف من كان عنه من المبعدين؟. كما أشار إلى ذلك قول
رسوله الكريم وقاليقول: ((ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من
الجن)) قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: ((وأياي، إلا أنّ الله
أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير))(١). وصلى الله على
محمد الذي مكنه الله تعالى من إبليس حتى كاد أن يخنقه، وهَمّ أن
يربطه بسارية من سواري مسجد المدينة(٢)، وعلى آله وصحبه
ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.
وَبَعْد؛ فقد كتب إلي بتاريخ ١٩٥٢/٧/١٤م بعض الأساتذة
(١) أخرجه أحمد (رقم ٣٦٤٧، ٣٧٧٨، ٣٨٠١، ٤٣٩٣، [طبعة
المكتب الإسلامي]، ومسلم (١٣٩/٨) عن ابن مسعود.
(٢) جاء ذلك في ((صحيح البخاري)) (٣/ ٦٢) بشرح ابن حجر، ومسلم
(٢/ ٧٢)، وغيرهما.
٣

من الإخوان الأعزة من الباكستان حيث أوفد إليها لغاية علمية -
يسألني عن رأيي في حديث الغرانيق الذي اختلف فيه قول
حافظين كبيرين، هما: ابن كثير الدمشقي، وابن حجر المصري،
فقد أنكره الأول وقوّاه الآخر. وطلب مني أن لا أضن بالجواب
عليه، فلبثتُ بعض الأشهر أترقب فرصة أستطيع فيها إِجابة
طلبه. ثم لقيني أحد الأحبة عقب صلاة عيد الأضحى لهذه
السنة - ١٣٧١ هـ - فسألني أيضاً عن حديث الغرانيق، فأجبته بأنه
لا يصح، بل هو باطل موضوع، فذكر لي أن أحد الشباب ممن
في قلوبهم مرض قد احتج به على أن النبي (وَلّ كان - وحاشاه -
يتكلم بما يرضي المشركين جذباً لهم إليه، لأنه بزعمه الباطل لم
يكن نبياً صادقاً، وإنما كان يتظاهر بذلك تَرَؤُساً عليهم كما
يهرف بذلك بعض الملاحدة قديماً وحديثاً، فحملني ذلك على
أن اغتنم فرصة العيد المذكور، فشرعت - متوكلاً على الله الغفور
- في جمع طرق تلك القصة من كتب التفسير والحديث، وبيّنت
عللها متناً وسنداً، ثم ذكرت قول الحافظ ابن حجر في تقويتها،
وتعقبته بما يبين وَهْيَ ما ذهب إليه، ثم عقّبت على ذلك بذكر
بعض البحوث والنقول عن بعض الأئمة الفحول ذوي التحقيق
في الفروع والأصول، تؤيد ما ذهبنا إليه من نكارة القصة
وبطلانها، ووجوب رفضها، وعدم قبولها، تصديقاً لقوله
تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتُعَزِّرُؤُهُ وَتُوَفِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ
٤

[الفتح]، فجاءت رسالة فريدة في بابها،
بُكْرَةً وَأَصِيلًا
٩
قوية في موضوعها، ترفع حيرة الأخ المؤمن، وتطيح بشبهة
الملحد الأرعن، وقد سميتها :
((نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق)).
أسأل الله تعالى أن يجعلها خالصة لوجهه، ويقبلها مني نصرة
لنبيه، ويدّخر لي ثوابها ليوم أَخْوَجُ ما نكون فيه إلى شفاعته،
(َه إِلَّا مَنْ أَى اللَّ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ
﴿يَوَمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ
٨٩
[الشعراء] إنه هو السميع العليم، والبر الرحيم.
دمشق في: ٢-١ - ١٣٧٢ هـ
٢١-٩-١٩٥٢ م
محمد ناصر الدين الألباني
٥

بين يدي الروايات
وقبل أن أشرع في سوق روايات القصة، أرى أنه لا بد من
أن نذكر كلمة، تتميماً لفائدة الرسالة، فأقول:
إن هذه القصة قد ذكرها المفسرون عند قوله تعالى: ﴿وَمَآ
أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ وَلَا نَجٍِّ إِلَّ إِذَا تَمَنَّ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِىّ
أُمْنِيَّتِهِ، فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْفِى الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ مَايَتِهِ، وَاللّهُ
لِيَجْعَلَ مَا يُلْفِى الشَّيْطَانُ فِتْنَةُ لِّلَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم
٥٢
عَلِيمٌ حَكِيمٌ
٥٣
مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَ الظَّالِمِينَ لَفِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ
وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُواْ بِه
فَتْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ ءَامَنُوْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ
[الحج].
٥٤
وقد اختلفوا في تفسير قوله تعالى: (تمنى) و (أمنيته)،
وأحسن ما قيل في ذلك: إن (تمنى) من ((الأمنية)) وهي التلاوة،
كما قال الشاعر في عثمان رضي الله تعالى عنه حين قتل :
تمنى كتاب الله أول ليلة وآخرها لاقى حمام المقادر
وعليه جمهور المفسرين والمحققين، وحكاه ابن كثير عن أكثر
٧

المفسرين، بل عزاه ابن القيم إلى السلف قاطبة فقال في ((إغاثة
اللهفان))(١) (١ / ٩٣):
((والسلف كلهم على أن المعنى إذا تلا ألقى الشيطان في
تلاوته)) وبيّنه القرطبي فقال في ((تفسيره)) (١٢/ ٨٣):
وقد قال سليمان بن حرب: إن (في) بمعنى: عند، أي ألقى
الشيطان في قلوب الكفار عند تلاوة النبي وَلغير كقوله عز وجل:
﴿وَلَبِثْتَ فِينَا﴾ [الشعراء: ١٨]، أي عندنا، وهذا هو معنى ما
حكاه ابن عطية عن أبيه عن علماء الشرق، وإليه أشار القاضي
أبو بكر بن العربي.
قلت: وكلام أبي بكر سيأتي في محله إن شاء الله تعالى، وهذا
الذي ذكرناه من المعنى في تفسير الآية، هو اختيار الإمام ابن
جرير، حيث قال بعد ما رواه عن جماعة من السلف (١٧ / ١٢١):
((وهذا القول أشبه بتأويل الكلام، بدلالة قوله تعالى: ﴿فَيَنْسَخُ
اللَّهُ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ مَايَتِهِ﴾ [الحج: ٥٢] على
ذلك، لأن الآيات التي أخبر الله جل ثناؤه أنه يحكمها لا شك أنها
آيات تنزيله، فمعلوم بذلك أن الذي ألقى فيه الشيطان، هو ما
أخبر الله تعالى ذكره أنه نَسَخ ذلك منه وأبطله ثم أحكمه بنسخه
(١) [انظر طبعة المكتب الإسلامي ودار الخاني، تحقيق الأستاذ محمد
عفيفي، الطبعة الثانية، ١٥٠/١].
٨

ذلك منه، فتأويل الكلام إذن: وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا
نبي إلا إذا تلا كتاب الله وقرأ أو حدّث وتكلم، ألقى الشيطان في
كتاب الله الذي تلاه وقرأه، أو في حديثه الذي حدّث وتكلم،
فينسخ الله ما يلقي الشيطان بقوله تعالى: فيُذْهِب الله ما يلقي
الشيطان من ذلك، على لسان نبيه ويبطله.
هذا هو المعنى المراد من هذه الآية الكريمة، وهي كما ترى
ليس فيها إلا أن الشيطان يلقي عند تلاوة النبي وقَلو ما يفتتن به
الذين في قلوبهم مرض، ولكن أعداء الدين الذين قعدوا له في
كل طريق، وترصّدوا له عند كل مرصد، لا يرضيهم إلا أن
يدسُوا فيه ما ليس منه، ولم يقله رسوله، فذكروا ما ستراه في
الروايات الآتية، مما لا يليق بمقام النبوة والرسالة، وذلك
دَيْدَنهم منذ القديم، كما فعلوا في غير ما آية وردت في غيره
وَل من الأنبياء، كداود، وسليمان، ويوسف عليهم الصلاة
والسلام، فرووا في تفسيرها من الإسرائيليات ما لا يجوز نسبته
إلى رجل مسلم، فضلاً عن نبي مُكَرَّم. كما هو مبين في محله من
كتب التفاسير والقصص.
فحذارِ أيها المسلم أن تغتر بشيء منها فتكون من الهالكين،
و(دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) كما قال نبيك وَله :
﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ ءَمَنُواْ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ
[الحج].
٥٤
٩

رواياتُ القصة وعِلَلُها
بعد أن فرغنا من ذكر الفائدة التي وعدنا بها، أعود إلى ذكر
روايات القصة التي وقفنا عليها لكي نسردها رواية رواية،
ونذكر عقب كل منها ما فيها من علة فأقول:
١ - عن سعيد بن جبير قال: ((لما نزلت هذه الآية:
[النجم]، قرأها رسول الله وعليه
(١٩
أَفَرَّهَيْتُمُ الَّتَ وَالْعُزَّى
فقال: ((تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترجى)) فسجد
رسول الله ◌َ، فقال المشركون: إنه لم يذكر آلهتهم قبل اليوم
بخير، فسجد المشركون معه، فأنزل الله: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن
قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ ... ) إلى قوله: ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ
٥٥
[الحج: ٥٢ -٥٥].
أخرجه ابن جرير (١٧/ ١٢٠) من طريقين عن شعبة عن أبي
بشر عنه، وهو صحيح الإسناد إلى ابن جبير، كما قال الحافظ
على ما يأتي عنه، وتبعه السيوطي في ((الدر المنثور)) (٣٦٦/٤)،
وعزاه لابن المنذر أيضاً وابن مردويه بعد ما ساقه نحوه بلفظ :
((ألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى)) الحديث، وفيه:
١٠

(ثم جاءه جبريل بعد ذلك، قال: اعرض على ما جئتك به،
فلما بلغ: ((تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترجى)) قال
جبريل لم آتك بهذا، هذا من الشيطان! فأنزل الله: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا
مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍ﴾ [الحج: ٥٢]. وهكذا أخرجه
الواحدي في ((أسباب النزول)) من طريق أخرى عن سعيد بن
جبير، كما سيأتي.
وقد روي موصولاً عن سعيد، ولا يصح:
رواه البزار(١) في ((مسنده)) عن يوسف بن حماد عن أمية بن
خالد، عن شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن
عباس - فيما أحسبه، الشك في الحديث - أن النبي ◌َّ- قرأ
بمكة سورة (النجم) حتى انتهى إلى قوله: ﴿أَفَّهَيْتُ الَّتَ وَالْعُزَّى
[النجم]، وذكر بقيته، ثم قال البزار:
(١) قلت: وأخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (ورقة ١٦٢ وجه ٢)
من نسخة خطية في المكتبة الظاهرية تحت رقم (٢٨٣ حديث)(*)
قال: حدثنا حسين بن إسحاق التُسْتَري، وعبدان بن أحمد، قالا:
حدثنا يوسف بن حماد المعنى به، وفيه: ((ألقى الشيطان على لسانه :
تلك الغرانيق العلى، وشفاعتهم ترتجى)). ورواه الضياء المقدسي في
(المختارة)) (ق ٢/١/١٢٠) من طريق الطبراني وابن مردويه من
طرق عن يوسف به.
(*) [وقد طبع بتحقيق حمدي عبد المجيد السلفي، انظر رقم ١٢/ ١٢٤٥٠].
:
١١

((لا نعلمه يروى متصلاً إلا بهذا الإسناد، تفرد بوصله أمية
ابن خالد وهو ثقة مشهور، وإنما يروى هذا من طريق الكلبي
عن أبي صالح، عن ابن عباس)). كذا في ((تفسير ابن كثير))
(١٢٩/٣).
وعزا الحافظ في (تخريج الكشاف)) (١٤٤/٤) هذه الرواية
(للبزار، والطبري، والطبراني، وابن مردويه)) وعزوه للطبري
سهو، فإنها ليست في تفسيره فيما علمت - إلا إن كان يعني غير
التفسير من كتبه، وما أظن يريد ذلك، ويؤيدني أن السيوطي في
((الدر)) عزاها لجميع هؤلاء إلا الطبري، إلا أن السيوطي أوهم
أيضاً حيث قال عطفاً على ما ذكر: والضياء في ((المختارة)) بسند
رجاله ثقات، من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال:
إن رسول الله له قرأ، فذكر الحديث مثل الرواية المرسلة التي
نقلناها آنفاً عن الدر نفسه، ومحل الإيهام هو قوله: ((بسند رجاله
ثقات)) بالإضافة إلى أنه أخرجه الضياء في ((المختارة)) فإن ذلك
يوهم أنه ليس بمعلول، وهذا خلاف الواقع، فإنه معلول بتردد
الراوي في وصله كما نقلناه آنفاً عن ((تفسير ابن كثير)) وكذلك
هو في ((تخريج الكشاف)) وغيره، وهذا ما لم يرد ذِكرُه في سياق
السيوطي، ولا أدري أذلك اختصار منه، أم من بعض مخرجي
١٢

الحديث؟(١) وأياً ما كان، فما كان يليق بالسيوطي أن يغفل هذه
العلة، لاسيما وقد صرح بما يشعر أن الإسناد صحيح، وفيه
من التغرير ما لا يخفى، فإن الشك لا يوثق به، ولا حقيقة فيه،
كما قال القاضي عياض في ((الشفاء)) (١١٨/٢) وأقره الحافظ
في ((التخريج)) لكنه قال عقب ذلك:
((ورواه الطبري من طريق سعيد بن جبير مرسلاً، وأخرجه
ابن مردويه من طريق أبي عاصم النبيل، عن عثمان بن الأسود،
عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس نحوه، ولم يشك في وصله،
وهذا أصح طرق الحديث. قال البزار ... )).
قلت: وقد نقلنا كلام البزار آنفاً، ثم ذكر الحافظ المراسيل
الآتية، ثم قال :
((فهذه مراسيل يقوي بعضها بعضاً)).
قلت: وفي عبارة الحافظ شيء من التشويش، ولا أدري
أذلك منه، أم من النساخ؟ وهو أغلب الظن، وذلك لأن قوله :
((وهذا أصح طرق هذا الحديث)) إن حملناه على أقرب مذكور،
وهو طريق ابن مردويه الموصول كما هو المتبادر، منعنا من ذلك
أمور :
(١) ثم رأيت السيوطي قد أورده في كتابه ((أسباب النزول)) على الشك
في رفعه فأصاب، فتبين أن لا مسؤولية فيه على غيره.
١٣

الأول: قول الحافظ عقب ذلك: ((فهذه مراسيل يقوي
بعضها بعضاً))، فإن فيه إشارة إلى أن ليس هناك إسناد صحيح
موصول يعتمد عليه، وإلا لَعَرَّج عليه وجعله أصلاً، وجعل
الطرق المرسلة شاهدة ومُقَوِّية له، ويؤيده الأمر الآتي وهو:
الثاني: وهو أن الحافظ لما رَدّ على القاضي عياض تضعيفه
للحديث من طريق إسناد البزّار الموصول بسبب الشك، قال
الحافظ :
((أما ضعفه فلا ضعف فيه أصلاً (قلت: يعني في رواته)،
فإن الجميع ثقات، وأما الشك فيه، فقد يجيء تأثيره ولو فرداً
غريباً - كذا - لكن غايته أن يصير مرسلاً، وهو حجة عند
عياض وغيره ممن يقبل مرسل الثقة، وهو حجة إذا اعتضد عند
من يَرُدّ المرسل، وهو إنما يعتضد بكثرة المتابعات)).
فقد سلَّم الحافظ بأن الحديث مُرْسَلٌ، ولكن ذهب إلى تقويته
بكثرة الطرق، وسيأتي بيان ما فيه في ردنا عليه قريباً إن شاء الله
تعالى.
فلو كان إسناد ابن مردويه الموصول صحيحاً عند الحافظ،
لردّ به على القاضي عياض، ولما جعل عمدته في الرد عليه هو
كثرة الطرق، وهذا بَيِّنٌ لا يخفى.
الثالث: أن الحافظ في كتابه ((فتح الباري)» لم يُشِرْ أدنى إشارة
١٤

إلى هذه الطريق فلو كان هو أصح طرق الحديث، لذكره بصريح
العبارة، ولجعله عمدته في هذا الباب كما سبق.
الرابع: أن من جاء بعده - كالسيوطي وغيره - لم يذكروا هذه
الرواية .
فكل هذه الأمور تمنعنا من حمل اسم الإشارة (هذا) على
أقرب مذكور، وتضطرنا إلى حمله على البعيد، وهو الطريق الذي
قبل هذا، وهو طريق سعيد بن جبير المرسل. وهو الذي اعتمده
الحافظ في ((الفتح)) وجعله أصلاً، وجعل الروايات الأخرى
شاهدة له، وقد اقتدينا نحن به، فبدأنا أولاً بذكر رواية ابن جبير
هذه، وإن كنا خالفناه في كون هذه الطرق يقوي بعضها بعضاً.
قلت: هذا مع العلم أن القدر المذكور من إسناد ابن مردويه
الموصول رجاله ثقات رجال الشيخين، لكن لا بد أن تكون
العلة فيمن دون أبي عاصم النبيل، ويقوي ذلك، أعني كون
إسناده مُعَلاَّ أنني رأيت هذه الرواية أخرجها الواحدي في
((أسباب النزول)) (ص ٢٣٣) من طريق سهل العسكري قال:
أخبرني يحيى (قلت: هو القطان) عن عثمان بن الأسود، عن
سعيد بن جبير قال: قرأ رسول الله وَ له ﴿أَفَرَّهَيْتُ الَّتَ وَالْعُزَّى
[النجم]، فألقى الشيطان على
وَمَنَوَةَ الثَّالِثَةَ الْأَخْرَى
لسانه: (تلك الغرانيق العلى وشفاعتهن ترتجى)) ففرح بذلك
المشركون، وقالوا: قد ذكر آلهتنا، فجاء جبريل عليه السلام إلى
١٥

رسول الله وَّله وقال: اعرض علي كلام الله، فلما عرض عليه،
قال: أما هذا فلم آتك به، هذا من الشيطان، فأنزل الله تعالى:
﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍ﴾ الآية [الحج: ٥٢].
فرجع الحديث إلى أنه - عن عثمان بن الأسود عن سعيد -
مرسل، وهو الصحيح، لموافقة رواية عثمان هذه روايةً أبي بشر
عن سعید .
ثم وقفت على إسناد ابن مردويه ومتنه، بواسطة الضياء
المقدسي في ((المختارة)) (١/٢٣٥/٦٠) بسنده عنه قال: حدثني
إبراهيم بن محمد: حدثني أبو بكر محمد بن علي المُقْري
البغدادي، ثنا جعفر بن محمد الطيالسي، ثنا إبراهيم بن محمد بن
عَزْعَرة، ثنا أبو عاصم النبيل، ثنا عثمان بن الأسود، عن سعيد
ابن جبير، عن ابن عباس :
وَمَنَوَةَ الثَّالِثَةَ
أن رسول الله وَ له قرأ ﴿أَفَّهَ يَتُمُ الَّتَ وَالْعُزَّى
اٌلْأُخْرَى
[النجم]، تلك الغرانيق العلى، وشفاعتهن
٢٠
ترتجى)). ففرح المشركون بذلك، وقالوا: قد ذكر آلهتنا فجاءه
جبريل، فقال: اقرأ علي ما جئتك به، قال: فقرأ ﴿أَفَرَهَيْتُمُ الَّلتَ
[النجم]، تلك الغرانيق
٢٠
وَمَنَوَةَ الثَِّثَةَ الْأُخْرَ
وَالْعُزَّى
العلى، وشفاعتهن ترتجى، فقال: ما أتيتك بهذا، هذا عن
الشيطان، أو قال: هذا من الشيطان، لم آتك بها! فأنزل الله
١٦
::

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ وَلَا نٍَِّ إِلَّ إِذَا تَمَنَّ أَلْقَى
الشَّيْطَانُ فِىَ أُمْنِيَّتِهِ،﴾ إلى آخر الآية).
قلت: وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات وكلهم من رجال
((التهذيب))، إلا من دون ابن عرعرة، ليس فيهم من ينبغي النظر
فيه غير أبي بكر محمد بن علي المقري البغدادي، وقد أورده
الخطيب في (تاريخ بغداد)) فقال (٦٨/٣-٦٩):
(محمد بن علي بن الحسن أبو بكر المقرئ، حدّث عن محمود
ابن خداش، ومحمد بن عمرو، وابن أبي مذعور. روى عنه
أحمد بن كامل القاضي، ومحمد بن أحمد بن يحيى العطشي)) ثم
ساق له حديثاً واحداً وقع فيه مكنياً بـ (أبي حرب)، فلا أدري
أهي كنية أخرى له، أم تحرفت على الناسخ أو الطابع، ثم حكى
الخطيب عن العطشي أنه قال: ((توفي سنة ثلاثمائة))، ولم يذكر
فيه جرحاً ولا تعديلاً، فهو مجهول الحال، وهو علة هذا الإسناد
الموصول، وهو غير أبي بكر محمد بن إبراهيم بن علي بن عاصم
الأصبهاني المشهور بابن المقرئ، الحافظ الثقة، فإنه متأخر عن
هذا نحو قرن من الزمان، وهو من شيوخ ابن مردويه مات سنة
(٣٨١) إحدى وثمانين وثلاثمائة، ووقع في ((التذكرة)) (٣/
١٧٢) ((ومائتين)) وهو خطأ.
فثبت مما تقدم صواب ما كنا جزمنا به قبل الإطلاع على إسناد
ابن مردويه ((أن العلة فيه فيمن دون أبي عاصم النبيل))،
١٧

وازددنا تأكداً من أن الصواب عن عثمان بن الأسود إنما هو
عن سعيد بن جبير مرسلاً كما رواه الواحدي، خلافاً لرواية
ابن مردويه عنه.
وبالجملة، فالحديث مرسل، ولا يصح عن سعيد بن جبير
موصولاً بوجه من الوجوه.
٢ - عن ابن شهاب: حدثني أبو بكر بن عبد الرحمن بن
الحارث ((أن رسول الله وَ له وهو بمكة قرأ عليهم: ﴿وَالنَّحْمِ إِذَا
حَوَى
وَمَنَوةَ
١٩٦
[النجم]، فلما بلغ ﴿أَفَرََّيَتُمُ الَّتَ وَالْعُزَّى
[النجم]، قال: ((إن شفاعتهن ترتجی)» سها
٢٠
الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىّ
رسول الله وَلا، فلقيه المشركون الذين في قلوبهم مرض فسلموا
عليه وفرحوا بذلك، فقال لهم: إنما ذلك من الشيطان، فأنزل
الله: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ حتى بلغ
﴿فَيَنْسَخُ اَللَّهُ مَا يُلِّقِى الشَّيْطَانُ﴾ [الحج: ٥٢].
رواه ابن جرير (١٢١/١٧) وإسناده إلى أبي بكر بن عبد
الرحمن صحيح، كما قال السيوطي تبعاً للحافظ، لكن علته أنه
مرسل(١) وعزاه السيوطي لعبد بن حميد أيضاً، وأخرجه ابن أبي
حاتم من طريق محمد بن فليح، عن موسى بن عقبة، عن ابن
(١) وقال النحاس: ((هذا حديث منقطع، وفيه هذا الأمر العظيم)) ذكره
القرطبي (١٢ / ٨١).
١٨

شهاب قال: فذكره مُطوَّلاً، ولم يذكر في إسناده أبا بكر بن عبد
الرحمن، فهو مُرسَل، بل مُعْضَل، ولفظه كما في ((ابن كثير)) و
(الدر)) :
((لما أنزلت سورة (النجم)، وكان المشركون يقولون: لو كان
هذا الرجل يذكر آلهتنا بخير، أقررناه وأصحابه، ولكن لا يذكر
من خالف دينه من اليهود والنصارى بمثل الذي يذكر آلهتنا من
الشتم والشر، وكان رسول الله اَلله قد اشتد عليه ما ناله
وأصحابه من أذاهم وتكذيبهم، وأحزنته ضلالتهم، فكان يتمنى
كفَّ أذاهم، (وفي ((ابن كثير)) هدايتهم)، فلما أنزل الله سورة
وَمَنَوَةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىّ
١٩
(والنجم)) قال: ﴿أَفَرَءَيْتُمُ الَّتَ وَالْعُزَّى
٢٠
[النجم]، ألقى الشيطان عندها كلمات حين ذكر
الطواغيت، فقال: ((وإنهن لَهن الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن
لَهِيَ التي تُرَجَى)) فكان ذلك من سجع الشيطان وفتنته، فوقعت.
هاتان الكلمتان في قلب كل مشرك بمكة، ودلقت بها ألسنتهم،
وتباشروا بها، وقالوا: إن محمداً قد رجع إلى دينه الأول ودين
قومه، فلما بلغ رسول الله وَلّ آخر (النجم) سجد وسجد كلُّ
من حضر من مسلم ومشرك، ففشت تلك الكلمة في الناس،
وأظهرها الشيطان حتى بلغت أرض الحبشة، فأنزل الله ﴿وَمَا
أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍ﴾ [الحج: ٥٢]، فلما بيّن الله
١٩

قضاءه، وبرّأه من سجع الشيطان، انقلب المشركون بضلالتهم
وعدوانهم للمسلمين، واشتدوا عليه))(١).
وأخرجه البيهقي في ((دلائل النبوة)) عن موسى بن عقبة ساقه
من ((مغازيه)) بنحوه لم يذكر ابن شهاب كما في ((الدر)) (٤/
٣٦٧) وغيره.
٣ - عن أبي العالية قال: قالت قريش لرسول الله وَله إنما
جلساؤك عبيد بني فلان، ومولى بني فلان، فلو ذكرت آلهتنا
بشيء جالسناك، فإنه يأتيك أشراف العرب، فإذا رأوا جلساءك
أشراف قومك كان أرغب لهم فيك، قال: فألقى الشيطان في
وَمَنَوَةَ الثَّالِثَةَ
١٩
أمنيته، فنزلت هذه الآية: ﴿أَفَّ يَُّ الَّتَ وَالْعُزَّى
٢٠
اُلْأُخْرَى
[النجم]، قال: فأجرى الشيطان على لسانه: ((تلك
الغرانيق العلى، وشفاعتهن ترتجى، مثلهن لا ينسى)) قال:
فسجد النبي ◌َّ حين قرأها وسجد معه المسلمون والمشركون،
فلما علم الذي أجري على لسانه، كبر ذلك عليه، فأنزل الله :
﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ إلى قوله ﴿وَاَللَّهُ عَلِيمٌ
[الحج] .
٥٢
حَكِيمٌ
(١) هذا سياق ((الدر)) وهو مختصر عن سياق ((ابن كثير)) ومما فيه: فأما
المسلمون فعجبوا لسجود المشركين معهم على غير إيمان ولا يقين،
ولم يكن المسلمون سمعوا الذي ألقى الشيطان في مسامع المشركين.
٢٠