Indexed OCR Text

Pages 101-120

ذلك شأناً لا يدانى قال: « كنت ألزم الطرماح أسأله عن الشعر فمررت يوماً
بالحكم بن عتيبة وهو يقول حدثنا يحيى بن الجزار ، وقال حدثنا زيد بن وهب ،
وقال حدثنا مقسم فأعجبني وقلت هذا أحسن من الذي أطلب ـ يعني الشعر -
قال: فمن يومئذ طلبت الحديث(١))) وقال: (( لولا الشعر لجئتكم
بالشعبي (٢)))، وهذا القول الأخير يشعر بندم شعبة على الفترة التي قضاها في
تحصيل الشعر كما يشعر بشدة حبه للحديث ولذا أثر عنه (( كل من سمعت منه
حديثاً فأنا له عبد(٣)))، بل انه أراد أن يستعيض عن فترة الشعر حتى كان يعطي
الشعر مقابلة للحديث قال: ((كان قتادة يسألني عن الشعر فقلت أنشدك بيتاً
وتحدثني حديثاً(٤) )) .
رأى أنس بن مالك وعمر بن سلمة الصحابيين ورأى الحسن وابن سيرين
وروى عن أمم من التابعين ، روى عن قتادة ويونس بن عبيد وأيوب وخالد الحذاء
وعبد الملك بن عمير وأبي اسحاق السبيعي وطلحة بن مصرف وعمرو بن مرة
ومنصور بن المعتمر وسلمة بن كهيل واسماعيل بن أبي خالد وسليمان الأعمش
وحبيب بن أبي ثابت والحكم بن عتيبة وعمرو بن دينار وسعيد بن ابراهيم وسعيد
المقبري ویحیی بن أبي کثیر .
واشتهر بالتحري في المتن والاسناد فكان لا يحدث بالحديث إلا إذا سمعه
أكثر من مرة ، وكان يحرص على السماع من أفواه الرجال قال حماد بن زيد (( إذا
خالفني شعبة في شيء تركته لأنه كان يكرر ، ما أبالي من خالفني إذا وافقني
شعبة لأن شعبة كان لا يرضى أن يسمع الحديث مرة (٥)))، وقال وكيع أخبرنا
(١) تاريخ بغداد ٢٥٧/٩.
(٢) المصدر السابق والحلية ١٥٤/٧ .
(٣) جامع بيان العلم ١٥٤/١ والحلية ١٥٤/٧ .
(٤) حلية ١٥٤/٧ .
(٥) تقدمة معرفة الجرح والتعديل ث ١٦١.
- ١٠١ -

شعبة - وكان معنياً بالحديث - قال أتيت يعلي بن عطاء فقال لي يا هذا خذ حديثي
وأذهب فقلت لا حتى أحفظه من فيك فأختلفت إليه حتى قرع رأسي (١).
أما تحرية في الاسناد فيظهر في قوله: ((لأن أخر من السماء أو من فوق
هذا القصر أحب إلى من أن أقول قال الحكم لشيء لم أسمعه منه وقال أنا في ذا
حروري(٢)))، وقال: ((لأن أخر من السماء الى أرض الأرض أحب الى من أن
أدلس))، وقال: ((كل حديث ليس في حديثنا وأخبرنا فهو خل وبقل(٣)))،
وسأله رجل عن حديث فأمتنع فسئل عن ذلك فقال : هؤلاء قصاص يزيدون في
الحديث (٤))))، وفي تحريه في الرجال فلقد ترك حديث أبي الزبير ولما سئل عن
السبب قال رأيته يزن بميزان فاسترجح في الميزان فتركته(٥) ، وسمع قراءة
بألحان في بيت المنهال بن عمرو فترك الرواية عنه لذلك (٦) .
وتقدم في هذا العلم حتى جعله الكبار مرجعاً لهم في حديث أنفسهم فكان
قتادة يسأل شعبة عن حدیث نفسه قال أبو محمد بن أبي حاتم : وكان قتادة بارع
العلم نسيج وحده في الحفظ في زمانه لا يتقدمه كبير أحد ، فحل شعبة من نفسه
محلاً یرجع إليه في حديث نفسه(٧) .
وسبق في هذا الشأن حتى أصبح سيد القوم ولذا كان سليمان بن المغيرة
إذا ذكر شعبة قال : سيد المحدثين(٨)، وجمع حديث المصرين البصرة والكوفة
(١) تقدمة الجرح والتعديل ص ١٦١
(٢) حلية ١٥١/٧.
(٣) حلية ١٤٩/٧ .
(٤) حلية ١٥٣/٧ .
(٥) حلية ١٥٢/٧ وفي ترجمة شعبة في أول المسند .
(٦) تقدمة معرفة الجرح والتعديل ص ١٧٢ .
(٧) المصدر السابق ص ١٢٧ .
(٨) الحلية ١٥٣/٧.
- ١٠٢ -

واعترف له جهابذة هذا العلم بأنه أمير المؤمنين في الحديث قال الثوري :
(( شعبة بن الحجاج أمير المؤمنين في الحديث(١) وذكره ابن عيينة فقال كان أمير
المؤمنين في الحديث(٢) وسئل أحمد بن حنبل من أثبت شعبة أو سفيان ؟
فقال: ((كان سفيان رجلاً حافظاً وكان رجلاً صالحاً وكان شعبة أثبت منه وأنقى
رجالاً وسمع من الحكم بن عتيبة قبل سفيان بعشر سنين(٣)))، وذكر شعبة عند
أبي زيد سعيد ابن أوس الأنصاري فقال : هل العلماء الا شعبة من شعبة (٤) وقال
الشافعي : لولا شعبة ما عرف الحديث بالعراق(٥))).
وحدث عنه خلق من مشايخه وأقرانه وأئمة الاسلام فروى عنه أيوب
والأعمش وسعد بن ابراهيم ومحمد بن اسحاق وهم من شيوخه وجرير بن حازم
والثوري والحسن بن صالح وغيرهم من أقرانه ويحيى القطان وابن مهدي ووكيع
وابن ادريس وابن المبارك ويزيد بن زريع وأبو داود وأبو الوليد الطيالسيان وابن
عليه وابراهيم بن طهمان وأبو أسامة وشريك القاضي وابن الجعد وآخرون .
وكان قوله في الرجال فصلاً قيل لابن عون مالك لا تحدث عن فلان ؟
قال : لأن أبا بسطام شعبة تركه(٦) ))، وكان ذا خبرة بالرجال ودقيق مروياتهم فها
هو يقول أبو اسحاق لم يسمع من علقمة شيئاً فيبلغ ذلك أبا اسحاق فيقول
صدق (٧) ، ويقول: لم يسمع أبو اسحاق من أبي وائل إلا حديثين (٨)،
ويقول : لم يسمع أبو اسحاق من الحارث الأعور إلا أربعة أحاديث (٩) ،
(١) تاريخ بغداد ٢٥٩/٩ والحلية ١٤٧/٧ .
(٢) تاريخ بغداد ٢٥٩/٩.
(٣) تاريخ بغداد ٢٦٣/٩.
(٤) تاريخ بغداد ٢٦٦/٩.
(٥) العبر ٢٣٤/١ تقدمة الجرح ص ١٢٧.
(٦) تاريخ بغداد ٢٦٠/٩.
(٧ - ٨) حلية ١٥٢/٧.
(٩) تقدمة الجرح والتعديل ص ١٣٢ .
- ١٠٣ -

ويقول : قد أدرك أبو العالية رفيع علي بن أبي طالب ولم يسمع منه شيئاً(١)،
قال يحيى : كان شعبة أعلم بالرجال فلان عن فلان كذا وكذا(٢) ، وقال صالح
بن محمد : كان شعبة أول من تكلم في الرجال وتبعه يحيى القطان ثم أحمد
وابن معين (٣) .
هذا مع زهد الرجل وتقواه وعز وفه عن الدنيا واقباله على الله فعن أبي بكر
البکراوي قال : « ما رأيت أعبد لله من شعبة لقد عبد الله حتى جف جلده على
عظمه ليس بينهما لحم (٤) )) .
وقال یحیی بن سعید : (( کان شعبة من أرق الناس کان ربما مر به السائل
فيدخل بيته فيعطيه ما أمكنه(٥)، وقال: (( ما رأيت أحداً أشد حباً للمساكين من
شعبة وكان يقول إذا كان في بيتي دقيق وقصب فلا أبالي ما فاتني(٦)))، وقال عبد
الرحمن بن مهدي : ما رأيت أعقل من مالك ابن أنس ولا أشد تقشفاً من شعبة ولا
أنصح للأمة من عبد الله بن المبارك (٧).
مات شعبة رحمه الله تعالى بالبصرة سنة ستين ومائة لثلاث بقين من
جمادي الآخرة وهو ابن سبع وسبعين .
وستأتي ترجمته ان شاء الله تعالى في أصل المسند في بدايته وهناك ذكر
مصادر ترجمته أيضاً .
(١) تقدمة ص ١٣١ .
(٢ - ٣) البداية ١٣٣/١٠.
(٤) حلية ١٤٤/٧ .
(٥) تاريخ بغداد ٢٦٢/٩ حلية ١٤٥/٧ .
(٦) تاريخ بغداد ٢٦١/٩ .
(٧) تاريخ بغداد ٢٦٢/٩.
- ١٠٤ -

(٢) أبو عثمان الرحبي
حريز بن عثمان بن جبر بن أحمد بن أسعد أبو عثمان - وقيل أبو عون -
الرحبي الحمصي ؛ عداده في صغار التابعين ومتقنيهم ، سمع عبد الله بن بسر
صاحب رسول الله وسلم قال الذهبي: ويقع حديثه عنه عالياً في جزء الفطريفي -
وراشد بن سعد وعبد الرحمن بن ميسرة وعبد الواحد بن عبد الله النصري وعبد
الرحمن بن أبي عوف الجرشي وحبان بن زيد الشرعبي ، وروى عنه اسماعيل بن
عياش وبقية بن الوليد وعيسى بن يونس واسحاق بن سليمان الرازي ويزيد بن
هارون وشبابة وعلي بن الجعد وآخرون .
كان يحفظ حديثه ولم يكن له كتاب وكان ثقة ثبتاً وحكى عنه من سوء
المذهب وفساد الاعتقاد ما لم يثبت عليه(١) ، قال ابن معين ثقة وقال معاذ بن معاذ
ولا أعلمني رأيت شامياً أفضل منه ، وكذا قال أبو عثمان الشامي ، وقال أبو
حاتم : لا يصح عندي ما يقال في رأيه ولا أعلم أحداً بالشام أثبت منه . قال
العجلي : حريز بن عثمان الرحبي شامي ثقة وكان يحمل على عليّ ، وقال سعيد
بن سافري الواسطي : كنت في مجلس أحمد بن حنبل فقاله له رجل : يا أبا
عبد الله رأيت يزيد بن هارون في النوم فقلت له ما فعل الله بك ؟ قال غفر لي
ورحمني وعاتبني فقلت غفر لك ورحمك وعاتبك ؟ قال : نعم قال لي يا يزيد بن
هارون كتبت عن حريز بن عثمان ؟ قلت يا رب العزة ما علمت إلا خيراً قال : إنه
كان يبغض أبا الحسن علي بن أبي طالب .
قلت : - هذا مردود بما ثبت عن أحمد أنه سئل عن حريز فقال : ثقة ثقة
ثقة ، ولو كان حريز يقع في علياً لما سلم من الامام أحمد فضلاً عن توثيقه له
(١) كذا في تاريخ بغداد ٢٦٦/٨ .
- ١٠٥ -

وأيضاً مردود بما ذكره على بن عباس قال : سمعت حريز بن عثمان يقول لرجل
ويحك أما خفت الله حكيت عني أني أسب علياً؟ والله ما أسبه ولا سببته قط ،
وأيضاً بما ذكره شبابة قال : سمعت حریز بن عثمان قال له رجل يا أبا عمرو بلغني
أنك لا تترحم على عليّ ، قال : فقال له اسكت وما أنت وهذا ؟ ثم ألتفت إلي فقال
رحمه الله مائة مرة .
مات رحمه الله سنة ثلاث وستين ومائة ( ١٦٣ )(١).
(٣) ابن أبي ذئب
محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب أبو الحارث
القرشي المدني كان يشبه بسعيد بن المسيب في سمته ودله وزهده وورعه .
فضّله بعضهم على الامام مالك وساوى بعضهم بينهما ، قيل لأحمد من أعلم
مالك أو ابن أبي ذئب ؟ قال : ابن أبي ذئب أصلح في بدنه وأورع وأقوم بالحق
من مالك عند السلاطين وقد دخل ابن أبي ذئب على أبي جعفر فلم يهبه أن قال له
الحق قال : الظلم فاش ببابك وأبو جعفر أبو جعفر(٢) !! وقال أحمد أيضاً : كان
ابن أبي ذئب یشبه بسعید بن المسیب قیل له خلف مثله ببلاده قال : لا ولا بغيرها
وكان من رجال الناس صرامة وقولاً بالحق . قال أبو نعيم : حججت سنة حج أبو
جعفر وأنا ابن احدى وعشرين سنة ومعه ابن أبي ذئب ومالك بن أنس فدعا ابن
أبي ذئب فأقعده معه على دار الندوة عند غروب الشمس فقال له : ما تقول في
الحسن بن زيد بن الحسن بن فاطمة ؟ قال : فقال انه يتحرى العدل فقال له ما
(١) مصادر ترجمته: تاريخ بغداد ٢٦٥/٨، التهذيب ٢٣٧/٢، التذكرة ١٧٦/١ الميزان
٤٧٥/١ .
(٢) تاريخ بغداد ٣٠٢/٢ .
- ١٠٦ -

تقول في مرتين او ثلاثاً ؟ فقال : ورب هذه البنية انك لجائر ، قال فاخذ الربيع
بلحيته فقال له أبو جعفر : كف يا ابن اللخناء ، وأمر له بثلاثمائة دينار(١).
ولما حج المهدي دخل مسجد النبي ◌َّر فلم يبق أحد إلا قام إلا ابن أبي
ذئب ، فقال له المسيب بن زهير : قم هذا أمير المؤمنين فقال ابن أبي ذئب :
إنما يقوم الناس لرب العالمين فقال المهدي : دعه فقد قامت كل شعرة في
رأسي (٢).
كان ينسب في أول أمره ، وظل في هذا الأمر حتى كبر ثم طلب الحديث
وحببه الله إليه مع ما آتاه من ذاكرة قوية وذهن وقاد مما جعله إماماً في هذا الشأن
معتمداً على ذاكرته لم يخط حديثاً قط قال: ((لو طلبته وأنا صغير كنت أدركت
مشايخ فرطت فيهم وكنت أتهاون بهذا الأمر حتى كبرت وعقلت(٣))).
روى عن أخيه المغيرة وخاله الحارث بن عبد الرحمن القرشي وعبد الله بن
السائب بن يزيد وعجلان مولى المشعل وصالح مولى التوأمة وعكرمة مولى ابن
عباس والقاسم بن عباس ونافع مولى ابن عمر والزهري وسعيد المقبري وصالح
بن كثير وسعيد بن سمعان واسحاق بن يزيد الهلالي وأسيد بن أبي أسيد البراء
والأسود ابن العلاء بن جارية الثقفي وخلق ، وروى عنه الثوري ومعمر وهما من
أقرانه وسعد بن ابراهيم والوليد بن مسلم وعبد الله بن نمير وعبد الله بن المبارك
وحجاج بن محمد وشعیب بن اسحاق وحماد بن مسعدة وشبابه بن سوار واسحاق
بن سليمان الرازي ومحمد بن اسماعيل بن أبي فديك ويحيى بن سعيد القطان وأبو
صفوان الأموي وعلي بن الجعد وآخرون .
قال أحمد : ابن أبي ذئب كان يعد صدوقاً أفضل من مالك إلا أن مالكاً
(١، ٢) تاريخ بغداد ٢٩٨/٢.
(٣) تاريخ بغداد ٣٠٢/٢ .
- ١٠٧ -

أشد تنقية للرجال منه ، ابن أبي ذئب لا يبالي عمن يحدّث(١) ، وقال ابن معين :
ابن أبي ذئب ثقة وكل من روى عنه ابن أبي ذئب ثقة إلا أبا جابر البياضي وكل من
روى عنه مالك ثقة إلا عبد الكريم أبا أمية (٢)، وقال أحمد بن صالح : شيوخ ابن
أبي ذئب كلهم ثقات إلا البياضي . قال أخوه : كان يصوم يوماً فوقعت الرجفة
بالشام فقدم رجل من أهل الشام فسأله عن الرجفة فأقبل يحدثه وهو يستمع .
لقوله فلما قضي حديثه فکان ذلك اليوم افطاره قلت له قم تغد قال : دعه الیوم قال
فسرد من ذلك اليوم إلى أن مات كل شديد الحال يتعشى بالخبز والزيت ؟ وكان
له طیلسان وقميص فكان یشتي فيه ويصيف ، مات سنة ثمان وخمسين ومائة وقيل
سنة تسع وخمسين وأرخه ابن الأثير في وفيات سنة ( ١٥٩ ) وعمره تسع وسبعون
سنة(٣) .
٤ - سفيان الثوري
سفيان بن سعيد بن مسروق أبو عبد الله الثوري ، عرّف به أبو نعيم فقال :
((الامام المرضى والورع الدري كانت له النكت الرائقة والنتف الفائقة مسلم له في
الامامة ومثبت به الرعاية ، العلم حليفه والزهد أليفه (٤))).
طلب الحديث من أول أمره ، وجد واجتهد وحرص على الرحلة في
الطلب فجاب البلاد من أقصاها إلى أقصاها مع ما حباه الله بن من قوة حفظ ونهاية
ضبط حتى فاق الأقران . وأخذ عنه شيوخه وشهد له الفحول بأنه أمير المؤمنين في
(١) تاريخ بغداد ٢٩٨/٢ .
(٢) تهذيب ٣٠٤/٩.
(٣) مصادر ترجمته : - تهذيب التهذيب ٣٠٣/٩ تاريخ بغداد ٢٩٦/٢ الكامل لابن الأثير ٤٢/٦
العبر ٢٣١/١ البداية ١٣١/١٠ التذكرة ١٩١/١.
(٤) حلية ٣٥٦/٦ .
- ١٠٨ -

الحديث ، قال مبارك بن سعيد : رأيت عاصم بن أبي النجود يجيء إلى سفيان
الثوري يستفتيه ويقول : أتيتنا يا سفيان صغيراً وأتيناك كبيراً (١)، وقال شعبة:
سفيان أمير المؤمنين في الحديث(٢)، وكذا قال ابن عيينه(٣)، وقال ابن عيينه
أيضاً : لن ترى بعينك مثل سفيان حتى تموت قال أحمد هو كما قال (٤)، وقال
ابن عيينه أيضاً : ما رأيت أحداً أفضل من سفيان ولا رأى سفيان مثل نفسه (٥) ،
وكذا قال وكيع بن الجراح ويحيى بن يمان (٦) ، وقال ابن المبارك : كتبت عن
ألف ومائة شيخ ما كتبت عن أفضل من سفيان الثوري وقال لا أعلم على الأرض
أفضل من سفيان الثوري وقال أطلب لسفيان قرناً ولن تجده (٧) ، وقال : ما رأيت
مثل سفيان كأنه خلق لهذا الشأن وقال كنت إذا أعياني الشيء أتيت سفيان أسأله
فكأنما أغتمسه من بحر وقال : ما نعت لي أحد فرأيته إلا وجدته دون نعته إلا
سفيان الثوري (٨)، وقال يونس بن عبيد: (( ما رأيت أفضل من سفيان الثوري
فقال له رجل يا أبا عبد الله رأيت سعيد بن جبير وابراهيم وعطاء ومجاهداً وتقول
هذا ؟ قال : هو ما أقول ما رأيت أفضل من سفيان الثوري (٩)، وقال الثوري عن
نفسه: ((ما استودعت قلبي شيئاً فخانني قط (١٠). قال الخطيب: ((وكان اماماً
من أئمة المسلمين وعلماً من أعلام الدين مجمعاً على إمامته . بحيث يستغني
(١) حلية ٣٥٧/٦.
(٢) تاريخ بغداد ١٦٥/٩.
(٣) تاريخ بغداد ١٦٤/٩، ١٦٥.
(٤) تقدمة الجرح والتعديل ص ٥٨ .
(٥) حلية ٣٥٧/٦.
(٦) تاريخ بغداد ١٥٦/٩.
(٧) تاريخ بغداد ١٥٦/٩ - ١٥٧.
(٨) تقدمة الجرح والتعديل ص ٥٦، ٥٧ .
(٩) تاريخ بغداد ٩/ ١٥٥ .
(١٠) تاريخ بغداد ١٥٥/٩.
- ١٠٩ -

عن تزكيته مع الاتقان والحفظ والمعرفة والضبط والورع والزهد (١).
وقال أحمد بن يونس: (( ما رأيت أحداً أعلم من سفيان ولا أورع من
سفيان ولا أفقه من سفيان ولا أزهد من سفيان(٢)))، وقال أبو بكر بن عياش:
أني لأرى الرجل قد صحب سفيان فيعظم في عيني (٣).
ومع قوة حفظ الرجل وتمام ضبطه فانه أخذ بالأحوط فكتب علمه حتى أنه
لیعد من أوائل من دون السنة ويصور لنا كثرة کتبه ما يرويه إبن أبي حاتم عن أبي
سعيد الأشج . قال أخبرنا أبو عبد الرحمن الحارثي قال : خاف سفيان شيئاً
فطرح كتبه فلما أمن أرسل إلي وإلى يزيد بن ثوير المرهبي فقال : أخرجوا
الكتب فدخلنا البئر فجعلنا نخرجها فأقول يا أبا عبد الله وفي الركاز الخمس وهو
يضحك فأخرجنا تسع قمطرات كل واحد الى هنا وأشار الى أسفل ثندوته قال
فقلت : أعزل كتاباً تحدثني به قال فعزل کتاباً فحدثني به قال إبن أبي حاتم : كذا
حدثنا أبو سعيد الأشج وحدثنا أبي عن أبي سعيد بهذا الحديث وزاد فيه فألقي
في بئر ماء أشكنك - كلمة فارسية معناها نشارة خشب - وتراب وألقي فيها كتبه ثم
أمن فأرسل إلي وإلى يزيد من توبه (٤) .
ألف الجامع الكبير والصغير في الحديث وألف كتاب الفرائض .
سمع أبا إسحاق السبيعي وعمرو بن مرة ومنصور بن المعتمر وسلمة بن
کھیل وحبيب بن أبي ثابت وعبد الملك بن عمير وأبا حصين والأعمش واسماعيل
بن أبي خالد وحصين بن عبد الرحمن وأيوب السختياني ويونس بن عبيد
(١) تاريخ بغداد ١٥٢/٩.
(٢) حلية ٣٥٩/٦ .
(٣) تقدمة الجرح والتعديل ص ٨٤ .
(٤) المرجع السابق ص ١١٥ .
- ١١٠ -

وسليمان التيمي وعاصماً الأحول وعمرو بن دينار وعبد الله بن دينار وأبا الزناد
والعلاء بن عبد الرحمن وصالحاً مولى التوأمة وسهيل بن أبي صالح وخلقاً غير
هؤلاء .
وروى عنه محمد بن عجلان ومعمر بن راشد والأوزاعي وابن جريج
ومحمد بن اسحاق ومالك وشعبة وابن عينية وزهير بن معاوية وابراهيم بن سعد
وسليمان بن بلال وأبو الأحوص سلام بن سليم وحماد بن سلمة وعبثر بن القاسم
وفضيل بن عياض وزائدة بن قدامة ويحيى القطان وعبد الرحمن بن مهدي ووكيع
وابن المبارك وعبيد الله الأشجعي ومحمد بن يوسف الفريابي وأبو نعيم وقبيصة
ابن عقبة وغيرهم .
وكانت له معرفة برواة الأخبار ونقلة الآثار وتکلم فیھم عن ذلك ما روى عن
زائدة أنه قال : كنا نأتي الأعمش يحدثنا فيكثر ونأتي سفيان الثوري فنذكر تلك
الأحاديث له فيقول : ليس هذا من حديث الأعمش فنقول هو حدثنا به الساعة
فيقول: أذهبوا فقولوا له إن شئتم فنأتي الأعمش فنخبره بذلك فيقول: (( صدق
سفيان ليس هذا من حديثنا(١))).
سفيان ومالك :
سئل يحيى بن سعيد أيما أحب إليك رأي مالك أو رأى سفيان ؟ قال سفيان
ولا يشك في هذا ثم قال : سفيان فوق مالك في كل شيءٍ(٢) وقال: سفيان
الثوري أحب إلي من مالك في كل شيء يعني في الحديث وفي الفقه وفي
الزهد . وقال مالك : إنما كانت العراق تجيش علينا بالدراهم والثياب ثم صارت
(١) المرجع السابق ص ٧١ .
(٢) تاريخ بغداد ١٦٤/٩ والتقدمة ص ٥٧ .
- ١١١ -

تجيش علينا بسفيان - يعني الثوري - وكان سفيان يقول : مالك ليس له
حفظ(١) .
سفيان وشعبة :
قال يحيى بن سعيد: (( شعبة أحب إلي من سفيان - يعني في الصلاح -
فإذا جاء الحديث فسفيان - يعني أثبت - وقيل لاسماعيل بن ابراهيم كان شعبة
أكثر علماً أو سفيان ؟ فقال : ما علم شعبة عند علم سفيان الا كتفلة في بحر .
وقال شعبة كان سفيان أحفظ مني ، وقال رجل لشعبة خالفك سفيان قال
دمغتني (٢)، وذكر شعبة حديثاً عن أبي إسحاق فقال رجل ان سفيان خالفك فيه
فقال : دعوه سفيان أحفظ مني (٣) ، وسئل يحيى القطان: من أحسن الناس ممن
رأيت حديثاً . قال شعبة قيل فمن أحفظ من رأيت ؟ قال : لم أر أحداً أحفظ من
سفيان، وقال: ((كان سفيان أثبت من شعبة وأعلم بالرجال))، وقال شعبة
معلمي وسفيان أحب إلي منه وقال ليس أحد أحب إلى من شعبة ولا يعد له عندي
أحد وإذا خالف سفيان أخذت بحديث سفيان (٤)، وقال أبو حاتم : سفيان فقيه
حافظ زاهد أمام أهل العراق وأتقن أصحاب أبي اسحاق وهو أحفظ من شعبة وإذا
اختلف الثوري وشعبة فالثوري(٥))) .
سفيان وابن عيينة :
سئل أحمد بن حنبل سفيان الثوري كان أحفظ أو ابن عيينة؟ فقال الثوري
(١) تاريخ بغداد ١٦٤/٩.
(٢) تاريخ بغداد ١٦٦/٩.
(٣) تقدمة الجرح والتعديل ص ٦٥ .
(٤) تاريخ بغداد ١٦٦/٩ .
(٥) تقدمة الجرح والتعديل ص ٦٦ .
- ١١٢ -

أحفظ وأقل الناس غلطاً وأما ابن عيينة فكان حافظاً ، إلا أنه كان إذا صار في
حديث الكوفيين كان له غلط كثير وقد غلط في حديث الحجازيين في أشياء قيل
له فان فلاناً يزعم أن سفيان بن عيينة كان أحفظهما ؟ فضحك ثم قال : فلان
حسن الرأي في ابن عيينة فمن ثم (١) !. ومناقب الثوري كثيرة جمعها إبن
الجوزي في كتاب مستقل .
وتوفي رحمه الله سنة احدى وستين ومائة بالبصرة وهو ابن ست وستين (٢).
(٥) سفيان بن عيينة
سفيان بن عيينة بن ميمون أبو محمد مولى بني عبد الله بن رويبة من بني
هلال بن عامر بن صعصعة ويقال انه مولى محمد بن مزاحم الهلالي . كوفي
سكن مكة .
عرف به أبو نعيم فقال: ((الامام الأمين ذو العقل الرصين والرأي الراجح
الركين المستنبط للمعاني والمرتبط للمباني . كان عالماً ناقداً وزاهداً عابداً علمه
مشهور وزهده معمور(٣))) .
ولد سنة سبع ومائة وطلب الحديث صغيراً حتى قال الزهري ما رأيت طالباً
لهذا الأمر أصغر منه (٤)، وقال حماد بن زيد: رأيت سفيان بن عيينة عند عمرو
(١) تاريخ بغداد ٩ /١٧٠.
(٢) مصادر ترجمته حلية الأولياء ٣٥٦/٦، ٣/٧ التهذيب ١١١/٤ تاريخ بغداد ١٥١/٩ الطبقات
٣٧١/٦ تذكرة الحفاظ ٢٠٣ دول الاسلام ٨٤/١ وفيات الأعيان ٢١٠/١ المعارف ٢١٧
العبر ٢٣٥/١ تقدمة الجرح والتعديل ص ٥٥ .
(٣) الحلية ٢٧٠/٧.
(٤) تاريخ بغداد ١٧٦/٩ .
- ١١٣ -

بن دينار غلاماً له ذوابة معه ألواح(١)، وقال هو عن نفسه : جالست عبد الكريم
الجزري سنين وكان يقول لأهل بلده أنظروا إلى هذا الغلام يسألني وأنتم لا
تسألوني (٢)، وقال: جالست ابن شهاب وأنا ابن ست عشرة وثلاثة أشهر (٣))).
أدرك ستاً وثمانين نفساً من أعلام التابعين وأركانهم (٤)، ولذا قال ما بيني
وبين أصحاب النبي وَل﴿ الاستر - يعني رجلًا(٥).
وقد أدى به التبكير في الطلب مع ما حباه الله بن من فطنة وذكاء إلى التقدم
في هذا الشأن ولذا يقول الشافعي: (( ما رأيت أحداً من الناس فيه من آلة العلم ما
في سفيان بن عيينة وما رأيت أحداً أكف عن الفتيا منه وما رأيت أحداً أحسن
لتفسير الحديث منه (٦)، وقال أحمد : ما رأيت أحداً كان أعلم بالسنن من ابن
عيينة وقال يحيى بن معين: (( ابن عيينة أكثرهم في عمرو بن دينار وأرواهم
عنه(٧))). وقال ابن المديني : ما في أصحاب الزهري أتقن من ابن عيينة (٨)،
وسئل يحيى بن سعيد معمر أحب إليك أو أبن عيينة في الزهري قال ابن
عيينة (٩)، وقال العجلي: ((وسفيان بن عيينة هلالي كوفي ثقة ثبت في الحديث
وكان بعض أصحاب الحديث يقول هو أثبت الناس في حديث الزهري وكان
حسن الحديث وكان يعد من حكماء أصحاب الحديث(١٠) ، وقال الشافعي :
((مالك وسفيان قرينان(١١)، وقال لولا مالك وسفيان لذهب علم الحجاز(١٢)،
(١ - ٢ - ٣) تقدمة الجرح والتعديل ص ٣٤.
(٤) الحلية ٣٠٧/٧ وتاريخ بغداد ١٧٧/٩ .
(٥) تاريخ بغداد ١٧٧/٩ .
(٦) تقدمة ص ٣٢ .
(٧) تقدمة ص ٣٣
(٨ - ٩) تاريخ بغداد ١٧٨/٩.
(١٠) تاريخ بغداد ١٧٩/٩ .
(١١) تقدمة الجرح والتعديل ص ٣٣ .
(١٢) العبر ٣٢٦/١ والتقدمة ص ٣٢ وتاريخ بغداد ٢٧٩/٩.
- ١١٤ -

وقال يحيى بن سعيد : سفيان إمام الناس منذ أربعين سنة(١) .
وكما تقدم في عالم الرواية فلقد كان ذا باع طويل أيضاً في المعرفة بالرجال
وأحوالهم ومروياتهم ولذا يقول ابن المديني : سمعت سفيان يقول : ذهبت الى
زياد بن علاقة فسألته عن الأحاديث فقال : ويحك وما تريد مني ؟ ثم قال
سفيان : لم نلق أحداً لقي مثل ما لقي زياد لقي المغيرة بن شعبة ولقي جرير بن
عبد الله ولقي أسامة بن شريك ولقي قطبة بن مالك(٢)، وقال ابن المديني
أيضاً : سمعت سفيان وقيل له روى زرارة بن أعين عن أبي جعفر كتاباً ، فقال
سفيان ما رأى هو أبا جعفر ولكنه كان يتتبع حديثه قال سفيان : كانوا ثلاثة أخوة
عبد الملك ابن أعين وحمران بن أعين وزرارة بن أعين وكانوا شيعة(٣) .
سفيان وشعبة : -
قال بهز : ما رأيت مثل سفيان بن عيينة ولا أجمع منه قلت له ولا شعبة ؟
قال : ولا شعبة ، وقال بشر بن المفضل ما على وجه الأرض أحد يشبه سفيان بن
عيينة ، وقال عبد الرحمن بن مهدي كنت أسمع الحديث من ابن عيينة فأقوم
فأسمع شعبة يحدث به فلا أكتبه(٤) ، وسئل يحيى ابن معين : ابن عيينة أحب
إليك في عمرو بن دينار أو شعبة ؟ قال : وايش روى عنه شعبة إنماروي عنه نحواً
من مائة حديث(٥) .
سفيان بن عيينة والثوري : -
سئل ابن معين : ابن عيينة أحب إليك في عمرو بن دينار أو الثوري ؟ فقال
(١) تاريخ بغداد ٩ /١٨٠.
(٢) تقدمة ص ٣٧ .
(٣) تقدمة ص ٣٧ .
(٤ - ٥) تاريخ بغداد ١٨٠/٩.
١١٥٠ -

ابن عبینة أعلم به قلت : فابن عيينة أحب إليك فيه أو حماد بن زيد ؟ فقال ابن
عيينة أعلم به (١) ، وقال عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد : كإن سفيان
الثوري إذا لم ير أصحاب الحديث اسند الأحاديث فكنت آتي ابن عيينة فيقول :
هذا خطأ ، وهو كذا فآتى الثوري فيقول لي أتيت ابن عيينة ؟ فأخبره بما قال ابن
عيينة فيقول هو كما قال .
شيوخه وتلاميذه : -
تقدم ابن عيينة في هذا العلم حتی روی عنه شيوخه وأقرانه وخلق کثیرون
کما روی هو عن الکیار قروى عن ابن شهاب الزهري وعمرو بن دينار وأبي
اسحاق السبيعي وعبيد الله بن أبي يزيد وعبد الله بن دينار بن أسلم ومنصور بن
المعتمر وأبي الزناد واسماعيل بن أبي خالد وسعد بن ابراهيم وسهيل بن أبي
صالح وأيوب السختياني وصفوان بن سليم وعبد الله بن أبي نجيح وعبد ربه
وسعد ويحيى أولاد سعيد بن قيس الأنصاري وعبد الرحمن بن القاسم وعبد
العزيز بن رفيع وعبد الكريم الجزري والأعمش ومنصور وخلق لا يحصون .
وروى عنه الأعمش وابن جريج وشعبة والثوري ومسعر وهم من شيوخه
وأبو اسحاق الفزاري وحماد بن زيد والحسن بن حي وهمام وأبو الأحوص وابن
المبارك وقيس بن الربيع وأبو معاوية ووكيع ومعتمر بن سليمان ويحيى بن أبي
زائدة وهم من أقرانه وماتوا قبله ومحمد بن ادريس الشافعي ويحيى القطان وابن
مهدي وابو أسامة والغربابي وأبو الوليد الطيالسي وعبد الرزاق وابن حنبل وابن
معین وابن المديني وابن الجعد وخلق كثيرون .
مات سفيان في آخر يوم من جمادي الأولى سنة ثمان وتسعين ومائة ،
(١) تاريخ بغداد ١٨٠/٩.
- ١١٦ -

وأخرج الخطيب(١) باسناده عن الحسن بن عمران بن عيينة أن سفيان قال له
بجمع آخر حجة حجها قد وافيت هذا الموضع سبعين مرة أقول في كل سنة اللهم
لا تجعله آخر العهد من هذا المكان واني قد استحييت من الله من كثرة ما أسأله
ذلك فرجع فتوفي في السنة الداخلة رحمه الله تعالى (٢) .
(١) تاريخ بغداد ١٨٣/٩.
(٢) مصادر ترجمته: تذكرة الحفاظ ٢٦٢ وفيات الأعيان ٢١٠/١ ميزان الاعتدال ١٧٠/٢ حلية
الأولياء ٢٧٠/٧ تاريخ بغداد ١٧٤/٩ التهذيب ١١٧/٤ العبر ٣٢٦/١ دول الاسلام ١٢٥/١
تقدمة الجرح والتعدل ص ٣٢ .
- ١١٧ -

الفَصْلِ الرَّابِعْ
تلاميذه وَالمخرجُنُ عَنْه
تلاميذه : -
تلاميذ الشيخ صورة حية لشخصه ينشرون فكره ويذيعون مذهبه وبهم
يظل فكره حياً وصوته مدوياً ، من ثم حرص الشيوخ على التعليم حرصهم على
التعلم ، وفوق هذا فالاسلام قد وصى العالم أن ينشر علمه كما وصى المسلم أن
يتعلم يقول وسلم: (( من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم
القيامة(١)))، وقال: ((طلب العلم فريضة على كل مسلم(٢))).
وبیّن الاسلام أن تلاميذ الشيخ هم مصادر حسنات تجري له بعد موته إذا
يقول وقال: ((إذا مات الانسان انقطع عمله إلا من ثلاثة أشياء ، من صدقة جارية
(١) أخرجه الحاكم ١٠١/١، ١٠٢ عن أبي هريرة وعبد الله بن عمرو والترمذي في العلم باب ما
جاء في كتمان العلم ٤٠٧/٧ وقال حديث أبي هريرة حديث حسن وأبو داود في العلم باب
كراهية منع العلم ٩١/١٠ عن أبي هريرة وابن ماجه في المقدمة باب من سئل عن علم
فكتمه ٩٦/١، ٩٧، ٩٨ عن أبي هريرة وجابر وأنس وأبي سعيد الخدري .
(٢) أخرجه ابن ماجه في المقدمة باب فضل العلماء والحث على طلب العلم ٨١/١ وابن عبد
البر في جامع بيان العلم ٨/١ .
- ١١٩ -

أو علم ينتفع به بعده أو ولد صالح يدعو له(١))) ، والاسلام بذلك قد کون مدارس
علمية العالم والمتعلم فيها حريص على الآخر .
من هنا نجد مدارس الحدیث قد تكونت بدون تجهيز من الدولة، ورحل
الأئمة بدون تكليف من الخلافة، وسارت قافلة العلم زاحفة إلى الأمام ابتغاء وجه
الله تعالى وهذا ما يعجز عنه أي تنظيم وضعي مهما أحكمت نظمه وقويت الدوافع
فيه .
وكان ممن ارتحلوا وحدثوا ودونوا الامام الحافظ علي بن الجعد فلقد تتلمذ
العديد عليه سماعاً وقراءة ثم اطلاعا على كتبه ونسخا عنها حتى أخذ عنه العديد
من جهابذة علم الحديث ورواده وها أنا ذاكراً ما وقفت عليه من تلاميذه مرتبين
على حروف المعجم ثم أترجم لعدد من أشهرهم :
١ - ابراهيم بن اسحاق بن ابراهيم بن بشير وأبو اسحاق الحربي ، ثقة
مصنف عالم بكل شيء بارع في كل علم يقاس بأحمد في زهده وعلمه وورعه
( توفي ٢٨٥ )(٢) .
٢ - ابراهيم بن هاشم بن الحسين بن هاشم أبو اسحاق البيع البغوي ثقة
( توفي ٢٩٧ )(٣) .
٣ - أحمد بن ابراهيم الدورقي ثقة حافظ (توفي ٢٤٦) (٤).
(١) أخرجه مسلم في الوصية باب ما يلحق الانسان من الثواب بعد وفاته ١٦٧/٤ والترمذي في
الاحكام باب ما جاء في الوقف ٦٢٧/٤ وقال حسن صحيح وابو داود والنسائي في الوصايا
وأحمد ٣٧٢/٢ .
(٢) تاريخ بغداد ٢٧/٦ العبر ٧٤/٢ .
(٣) تاريخ بغداد ٢٠٣/٦.
(٤) تهذيب ١ /١٠ تقريب ٩/١ طبقات الحنابلة ٢١/١.
- ١٢٠ -