Indexed OCR Text
Pages 1-20
فِچيُ "الأدب المُعْرَدُ لِلإِقَامِ البُخَارِيُ" ٥ حقوق الطّبع مَحَفُوظَة لِلنّاشر الطّعَة الرابعة ١٤١٨هـ/١٩٩٧م مكتبة الدليل المملكة العربية السعودية - الجبيل الصناعية ص. ب .: (١٠٢٣٩) - ت: ٣٤٦٥٨٩٢ فِچيمُ "الأدب المُعْرَّد للإمَامِ البُخَارِيُ" بقلم محمَّد نَاصِم الدِّين الألبَانى مَكتبَة الَّكيل : مقدمة المؤلف إِنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذُ باللَّهِ من شرور أنفسنا، وسيِّئات أعمالنا ، مَن يهدِ اللَّهُ فلا مُضِلَّ لهُ ، ومَن يُضلِل فلا هاديَ لهُ . وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلّا اللَّه، وحده لا شريكَ لهُ . وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه . أما بعد ؛ فإنَّ من أعظم ما منَّ اللَّه تعالى به عليَّ، ووفَّقني إليه - وله الفضل والثناء والحمد - مشروعي الهام الذي مضى عليَّ أكثر من أربعين سنة ، وأنا أعمل فيه بكلّ جدِّ ونشاطٍ لا يعرف الكلل أو الملل، ألا وهو: (( تقريب السنَّة بين يديّ الأمَّة )) الخاص بحذف أسانيد كتب السنَّة ، وتمييز صحيحها من ضعيفها، وقد صدر من ذلك حتى الآن: (( مختصر صحيح البخاري)) المجلد الأول والثاني ، والثالث تحت الطبع، وتحقيق (( مختصر صحيح مسلم)) للحافظ المنذري ، وقد طبع عدة طبعات آخرها طبعة المكتبة الإسلامية ، و (( صحيح الجامع الصغير)) و ((ضعيف الجامع الصغير))، و((صحيح الترغيب والترهيب))، و((صحيح سنن أبي داود))، وبقية السنن الأربعة: ((صحيح الترمذي))، ((صحيح النسائي))، ((صحيح ابن ماجه))، و (( ضعيف سنن أبي داود )) وضعيف بقية السنن الأربعة ، على ما أصابها من القائم على طبعها من التبديل والتغيير وسوء التصرف بما لا مجال الآن لشرحه ، مما حملنا على = ٥ - النظر فيها ، وتقويم ما أفسده منها ، بعد أن انتقل حق طبعها ونشرها إليّ ، بناء على الاتفاق القائم بيني وبين مكتب التربية العربي الخليجي ، وذلك إعداداً لطبعها طبعة جديدة فريدة ومُنقَّحة بإذن اللَّه تبارك وتعالى . ومن ذلك المشروع العظيم: ((صحيح الأدب المفرد )) للإمام البخاري ، و (( ضعيف الأدب المفرد )) له رحمه الله تعالى. ويعود تاريخ اهتمامي بهذا الكتاب الفريد ((الأدب المفرد)) إلى ما قبل عشرين سنة أو يزيد ، من يوم قررت أن ألقي منه دروساً على طائفة من النساء المتجليبات ، وكما هي عادتي في أن لا أقدِّم إلى النَّاس إلّا ما صحَّ من الحديث عن رسول اللَّه عَّ له، فقد كان بدهياً أن ألترم هذا المنهج في تدريس الكتاب، ولذلك فقد كان لا بدّ لي من تحضير الدرس ، وتمييز ما صحَّ من أحاديث الكتاب وآثاره مما لم يصح ، ليتيسر لي تقديم ما صح منه إليهنّ ، تجاوباً منِّي مع حديث نبيّ اللَّه عَّهِ: ((الدِّين النصيحة))، قالوا: لمن؟ قال: ((للَّه، ولكتابه ، ولنبيّه، ولأئمّة المسلمين وعامتهم)). رواه مسلم وغيره ، وهو مخرج في ((الإرواء)) (٢٦)، و((غاية المرام)) (٣٣٢). ثم جرت أمور حالت دون الاستمرار في تدريسه ، غير أنني استمررت في التمييز المشار إليه على نوبات متفرقة حتى انتهيت منه بتاريخ ٨ جمادى الأولى سنة ( ١٣٩٤ ) وأنا في دمشق . ثم هاجرت إلى عَمان ، فأعدت النظر في ذلك كله ، ونقحته ، وفرزت منه ما ضُغِّف في جزء لطيف ، وما صحَّ في مجلد طريف ، وأضفت إلى كل منهما ، تعليقات مفيدة ، وفوائد فريدة ؛ حديثية ، وفقهية ، ولغوية استفدت ٦٠ ٠ بعضها من كتاب (( فضل اللَّه الصمد في توضيح الأدب المفرد )) للشيخ فضل اللَّه الجيلاني ، وهو شرعً وحيدٌ لهذا الكتاب العظيم . هذا ، ومن المعروف عند أهلِ العلم أنَّ كتاب البخاري هذا هو غير كتابه الذي هو ضِمنَ كتابه ((المسند الصحيح)) بعنوان ((كتاب الأدب)»، هكذا مطلقاً دون قيد أو وصف، فقوله: ((المفرد)) صفة كاشفة مميزة له عن (( أدب صحيحه))، لغزارة مادته ، فقد بلغت فيه الأحاديث المرفوعة والآثار الموقوفة (١٣٢٢) بترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي ، بينما بلغ عدد أحاديث ((أدب صحيحه)) (٢٥٦) بترقيمه أيضاً، وبعضها مكرر ، ولم أرَ فيه من الآثار الموقوفة شيئاً ، إلّا ما قد يأتي عرضاً ، في بعض الأحاديث المرفوعة ، وهذه كلها، قد أسندها في ( ١٢٨) باباً، وعدد أبواب ((الأدب المفرد)) (٦٤٤) باباً ، وبعد فرز الأحاديث والآثار الضعيفة صار عددها في هذا ((الصحيح )) (٥٥٩ ) باباً، و (٩٩٤) حديثاً وأثراً، وفي ((الضعيف)) ( ١٩٠ ) باباً، و (٢١٩ ) حديثاً وأثراً . وبهذا البيان يتجلى للقراء الكرام أهمية ((الأدب المفرد )) من جهة غزارة مادته أوّلاً ، وكثرة ما فيه من الأحاديث والآثار الصحيحة ، وقلة الضعيفة ثانياً ، أي بنسبة ثلاثة أرباع مقابل ربع تقريباً ، كما تبين أهمية تمييز الصحيح من الضعيف منه ثالثاً ، فيكون العاملون بآدابه على بصيرة من دينهم كما قال تعالى : ﴿ قُل هذهِ سَبيلي أَدْعُو إلى اللَّهِ على بصيرةٍ أَنَا وَمَن أَتَّبعني وسبحانَ اللَّه وما أنا مِن المشركين﴾ . ولتمام الفائدة أذكر هنا كلمة طيبة كتبها العلامة عبدالرحمن اليماني - ٧ - المُغُلَّمي رحمه الله في التعريف بِقَدْرِ كتاب البخاري هذا، قال رحمه الله: (١) ((قد أكثر العارفون بالإسلام المخلصون له من تقرير أنَّ كلّ ما وقع فيه المسلمون من الضعف والخور والتخاذل وغير ذلك من وجوه الانحطاط إنما كان لبعدهم عن حقيقة الإسلام ، وأرى أنَّ ذلك يرجع إلى أمور : الأول : التباس ما ليس من الدين بما هو منه . الثاني : ضعف اليقين بما هو من الدين . · الثالث : عدم العمل بأحكام الدين . وأرى أنَّ معرفة الآداب النبوية الصحيحة ؛ في العبادات والمعاملات ، والإقامة والسفر ، والمعاشرة والوحدة ، والحركة والسكون ، واليقظة والنوم ، والأكل والشرب ، والكلام والصمت ، وغير ذلك مما يعرض للإنسان في حياته ، مع تحرِّي العمل بها كما يتيسر ، هو الدواء الوحيد لتلك الأمراض ، فإنَّ كثيراً من تلك الآداب سهلٌ على النفس ، فإذا عمل الإنسان بما يسهل عليه منها تاركاً لما يخالفها لم يلبث إن شاء اللّه تعالى أن يرغب في الازدياد ، فعسى أن لا تمضي عليه مدةٌ إلّا وقد أصبح قدوةً لغيره في ذلك ، وبالاهتداء بذلك الهدي القويم ، والتخلق بذلك الخلق العظيم - ولو إلى حد ما - يستنير القلب ، وينشرح الصدر ، وتطمئن النفس ، فيرسخ اليقين ، ويصلح العمل ، وإذا كثر السالكون في هذا السبيل لم تلبث تلك الأمراض أن تزول إن شاء الله . ومن أبسط مجموعات كتب السنة في الأدب النبوي كتاب ((الأدب المفرد)) للإمام محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله، والإمام البخاري (١) من مقدمة ((فضل الله الصمد)) (١ / ١٧). - ٨ - كالشمس في رابعة النهار شهرةً ، وإلى مؤلفاته المنتهى في الجودة والصحة ، وكتابه هذا - أعني ((الأدب المفرد)) - هو بعد كتابه (( الجامع الصحيح )) أَوْلى كتبه بأن يعتني به من يريد اتباعَ السنة ، فإنَّه جمع فأوعى ، مع التحري والتَوَقِّي والتنبيه على الدقائق ، ولكن الأمّة - لسوء حظها - قصَّرت في حقّ هذا الكتاب ، فَتُسَخُهُ المخطوطة عزيزة جدّاً ، وقد طبع مراراً ، ولكن قريباً من العدم ؛ لأنّها مشحونة بالأغلاط الكثيرة في الأسانيد والمتون ، أغلاط لا يهتدي إلى صوابها إلّ الراسخون )). وأقول : هذا كلام جيد متين من رجل خبير بهذا العلم الشريف ، يعرف قدر كتب السنة وفضلها ، وتأثيرها في توحيد الأمة إلى ما يسعدها في دنياها وأخراها، وأنَّ العمل بما فيها من الأحكام والآداب الصحيحة هو الدواء الوحيد لما أصابها من الذل والهوان، كما قال عَطِّ: ((إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر ، ورضيتم بالزرع ، وتركتم الجهاد ، سلط الله عليكم ذلّاً؛ لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم)).(١) وإذا كان من المقطوع به ﴿إِنَّ الدِّينِ عندَ اللَّهِ الإسلام﴾، وأنَّ لا يُمكنُ فهمه كما أراد اللَّه، إلّا بواسطة رسول اللَّه، وأنَّه لا طريق لنا إليه إلّا بمعرفة سنته ، ولا سبيل إليها إلّا بعلم الحديث ، لذلك فمن الواجب على المسلمين حكاماً ومحكومين ، دعاة ومَدْعُوِّين ، أن يؤمنوا معنا أنَّه لا سبيل لنا إلى تحقيق ما ندعو إليه من تحقيق الأمن والعدل ، وإقامة حكم اللَّه في الأرض ، إلّ بالدعوة إلى السنة والعمل بها ، وتربية المسلمين عليها ، لا على الأحكام الأرضية ، (١) ((الأحاديث الصحيحة)) (١١). ! - - -٩- والقوانين الوضعية ، والآراء الشخصية ، والمناهج الحزبية ، فإنَّ ذلك كله مما يزيد الأمة تفرقاً وابتعاداً عن الهدف المنشود ، قال تعالى: ﴿ولا تكونوا مِن المشركين . مِن الَّذِين فرّقوا دينهم وكانوا شيعاً كلٌّ حزبٍ بما لديهم فَرِحون﴾، قُل هذه سبيلي أدعو إلى اللَّه على بصيرةٍ أنا ومَن اتَّبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين ﴾ . وإذ الأمر كذلك ، فإنِّي أحمد اللَّه تعالى على ما وفَّقني إليه منذ نحو ستين سنة من الدعوة إلى السنَّة تأليفاً وتحقيقاً وتدريساً وإحياءً لكثير مما دَرَسَ منها إهمالاً وجهلاً ، كما يشهد بذلك واقع العالم الإسلامي بصحوته العلمية المباركة ، التي أرجو أن يقترن بها تربيةٌ إسلاميةٌ سلفيةٌ صحيحةٌ من أفاضل العلماء القائمين بهذه الدعوة المباركة . وإنَّ من ذلك التوفيق الإلهي أن يشر لي أخيراً العناية بكتاب البخاري هذا ((الأدب المفرد )) وتمييز صحيحه من ضعيفه ، كما كان يسّر لي من قبل تقريب كتابه العظيم (( الجامع الصحيح )) إلى الأمة ، وتسهيل الانتفاع به بحذف أسانيده ومكرراته ، مع الاحتفاظ بكل أحاديثه وزيادات متونه وفوائده ومعلقاته ، بأسلوب علمي دقيق نادر، كما هو مبين في مقدمة مختصر (( الجامع الصحيح)) الذي صار لنا من بعده قدوة في تحري الصحيح من الحديث والآثار ، و ((صحيحي)) هذا الذي بين يديك أيها القارىء من الأدلَّة على ذلك، فللَّه الحمد والشكر والمنة . ولقد كان سبقني إلى خدمته الشيخ فضل الله الجيلاني بشرحه إياه كما تقدم ، وبالكلام على أسانيده ومتونه وتخريج أحاديثه المرفوعة ، ولذلك أثنى عليه - ١٠ - ! الشيخ المعلمي في تمام كلمته المتقدمة ، وهو أهلٌ لذلك ، ولكني لم أرَ من الفائدة ذكره ؛ فإنَّه يبدو لي أنَّه لم يُتَخْ له دراستُه من كل جوانبه دراسة دقيقة ، وإلّا لأشار إشارة - ولو سريعة - إلى ما وقع له فيه من الأوهام ، وبخاصة فيما يتعلق بتخريج الأحاديث كما سيأتي في التعليق عليها ، فقد وقعت له أخطاء عجيبة ، تدل على أنَّه لم يكن حافظاً عارفاً بهذا العلم وأصوله ، فهو بالإضافة إلى أنَّه سكت عن أحاديث كثيرة لم يبين مراتبها من الصحة أو الضعف ؛ فإنَّه وقعت له أوهام فاحشة ، شارك في الكثير منها محمد فؤاد عبدالباقي ؛ محقق الأصل الذي اعتمدته في مشروع التمييز هذا من الطبعة السلفية سنة ( ١٣٧٥ هـ ) ، وإليك بعض الأمثلة من أنواع مختلفة : الأول : الحديث رقم الأصل ( ١٩٦ ) عزاه للبخاري وليس عنده قوله فيه: (( تقول امرأتك : أنفق عليّ أو طلِّقني .. )) وهو في البخاري موقوف على أبي هريرة! ولذلك أوردته في ((ضعيف الأدب المفرد ))، وأوردته دون هذه الزيادة في ((صحيح الأدب المفرد))، وفيه أمثلة كثيرة ، فانظر الأرقام فيه : ( ٣٥٢، ٣٩٧، ٤٠١، ٤٩٩، ٥٠٨، ٥٠٧، ٥٤٣، ٥٩٩، ٦٤٣، ٧١٧، ٧٢٤، ٧٣٥، ٧٦٩، ٧٩٦، ٨٢١، ٨٤١، ٩١٤، ٩٤٣ ، ٩٤٤، ٩٤٦ ) وغيرها . الثاني : الحديث ( ٣٥٢ ) عزاه لغير الشيخين وهو عندهما ، فانظر إن شئت ( ٢٦٠، ٥٠٦ ، ٦٥٧ ) . وهناك نماذج أخرى من الأوهام ، كأن يعزو الحديث لمن روى طرفاً منه ، مثل الحديث (١٩٦، ٥٩١ )، أو يكون الحديث موقوفاً ، فيعزوه إلى من رواه - ١١ - مرفوعاً ، ويكون رفعه ضعيفاً مثل (٢٠٨)، وقد يعزوه إلى من لم يروه مطلقاً ، وإنما روى عن صحابيه حديثاً آخر له، مثل ( ٨٩٧ )، أو أن يعزوه إلى جمع لم يروه أحد منهم مثل (٩١٤ )! وقد يكون العزو صحيحاً ؛ لكنه عنده من فعله عَ ◌ّهِ، وهو في كتابنا من قوله عَّه مثل الحديث (٩٢٠ ). إلى غير ذلك من الأوهام الكثيرة التي سيأتي التنبيه عليها ، وهذه أرقام المهم منها : ( ٥٣٢، ٥٣٩، ٥٥٦، ٥٧٦، ٦١٩، ٦٣٠، ٦٦٩، ٦٩٨، ٧١٤، ٧٢١، ٨٢٧، ٨٩٤، ٨٩٧، ٩٣٨ ، ٩٤٠ ) . وثمة أوهام في اللغة والتحقيق ، أختار لك نماذج منها لأهميتها : الأول : في الحديث ( ٥٩٦ ) سقط من إسناده اسم صحابي الحديث ، وصار التابعي الراوي عنه صحابياً يماشي رسول اللَّه عَّه! ومحمد فؤاد عبدالباقي سبقه إلى هذا الوهم وغيره مما يأتي . الثاني: في الحديث ( ٧٠٢ / ٩١٤) تحرف لفظ ((الهام)) إلى ((الهوام))! وشتان ما بين اللفظين في المعنى ، ثم فسَر الجيلاني اللفظ الثاني بمعنى اللفظ الأول ، الأمر الذي يدلّ على ضعفه في اللغة ! الثالث : الحديث (٧٤١ / ٩٦٣) عن عُتَيّ بن ضَمْرة قال : رأيت عند أبي رجلاً ... خرجه الشيخ الجيلاني من رواية جمع عن عُتي ، ظنّاً منه أنَّ ضمرة هو صحابي الحديث، وأنَّ قوله فيه: ((أبي)) إنما يعني والده! وقد سبقه إلى هذا الوهم ، محقق الكتاب محمد فؤاد عبدالباقي فقال مشيراً إلى ضمرة والد عُتَي : (( ليس لهذا الصحابي ذكر عندي)) ! وإنما هو أَتَيّ بن كعب الصحابي المعروف ، ومن الغريب أنَّ الجيلاني عزاه - ١٢ - : : لـ ((مسند أحمد)»، وهو إنما رواه في مسند أتيّ بن كعب ! وللطحاوي ، وقد صرح بأنَّه أُتيّ بن كعب في ((مشكل الآثار)) (٤ / ٢٣٧)، وهذا مما يدل على أنَّه ينقل التخريج من بعض كتب التخريج ، ولا يرجع إلى الأصول ! الرابع: الحديث (٧٦٢ / ٩٩١) ((حق المسلم ... ست ... )) وقع في الأصل ((خمس))، وكذلك في نسخة الشارح الجيلاني ، وهو خطأ جلي دراية ورواية ، فانظر التعليق هناك . الخامس : الحديث (٨٠٥ / ١٠٥٤) - عن أم صُبَيَّة .. تحرفت على المحقق والشارح إلى ((أم حبيبة)) فلم يعرفاها ولذلك لم يُخَرِّج الأول حديثها ، ولم يترجم الشارح لها خلافاً لعادته ، مع أنَّه عزاه لأبي داود وابن ماجه ، وهو عندهما - كغيرهما - عن أم صُبَّة ، وهذا يؤكد ما ذكرته آنفاً أنَّه لا يرجع إلى الأصول ! السادس : الحديث (٩١٣ / ١٢٠٣) فيه: ((ربِّ كلّ شيء ومليكه)) وقع في الأصل و((الشرح)): (( ... بكفيك)) مكان ((ومليكه))! فمن الغرابة بمكان أن يخفى ذلك على الشيخ الجيلاني ، فإنَّ هذا الدعاء معروفٌ مُخَرَّتجٌ في عديد من كتب السنة المشهورة ، وذكرت هناك - كما سترى - خمسة عشر مصدراً !! وبقية الأوهام يأتي التنبيه عليها في مواضعها ، فمن شاء راجع الأرقام التالية من هذا (( الصحيح)): ( ٢٢٩، ٣٠٦، ٣١٠، ٣٢٠، ٣٤١، ٣٥٣، ٣٨٧، ٤٠٥، ٤٤١، ٤٦٧، ٤٩٤، ٤٩٩، ٥٤٠، ٥٧١، ٥٧٢، ٦١٦، ٦٧٤، - ١٣ - : ٦٧٧، ٦٨٧، ٧٢٠، ٧٢١، ٧٣٤، ٧٤٩، ٧٦٥، ٨٠٣، ٨١٧، ٨٢١، ٨٢٢، ٨٤٥، ٨٤٦، ٨٧٥، ٨٩٤، ٩٣٤) . ومما تقدم من الأمثلة - ومما سيأتي تحقيق الكلام عليه من الأمثلة الأخرى المشار إلى أرقامها - يتبين للقراء الكرام أنَّ اللَّه تعالى قد وفّقني لخدمة هذا الكتاب ليس فقط من جهة ما وجّهت إليه همتي من تمييز صحيحه من ضعيفه ، وإنما أيضاً من جهة ضبط كثير من نصوصه ورجاله ، وتصحيح كثير من أخطاء رواته ونُسَّاخه ، وقد عجز عن القيام بها من صرف عنايته الخاصة سنين عديدة إلى ((تحقيق كلماتِه أسانيدَ ومتوناً حتى أقامها على الصواب)) في حدود استطاعته . وعلى الرغم من تلك الأخطاء المتنوعة التي تبينت لي في (( شرح الشيخ الجيلاني))؛ أثناء تَبييضي ((صحيح الأدب المفرد)) و((ضعيفه))، فقد حمدت له أنَّه لم يخض فيما لا يحسنه من التصحيح والتضعيف ، وإن كان تكلم في بعض الرواة ، وما ذلك إلّا لعلمه بصعوبته إلّا على الراسخين في هذا العلم المتخصصين فيه ، وهذا هو السبب في قلَّة مَن عُرف مِن العلماء المتأخرين بنقد الأحاديث تصحيحاً وتضعيفاً ، بخلاف ما عليه كثيرٌ من الطلبة اليوم ، الذين استسهلوا هذا العلم ولم يُقَدِّروه حق قَدرِه ، ولم يتنبهوا للسبب الذي ذكرته من ترك العلماء الخوض فيه ، فكثر فيهم من ألّف فيه وكتب ، فكثرت أخطاؤهم جدّاً وتنوعت ، بحيث صار من العسير تتبعها وبيان زيفها ، والأمثلة على ذلك من الكثرة بحيث لا يمكن إحصاؤها ، ويجد القرّاء نماذج منها في كتبي التي تطبع مجدداً . - ١٤ - 1 ولكن لا بأس بهذه المناسبة أن أذكر مثالين جديدين لكتابين صدرا حديثاً : أحدهما بعنوان: ((صحيح الأدب المفرد )) بقلم محمد حسيني عفيفي ، نشر ( دار الخاني - الرياض ، الطبعة الأولى ١٤٠٩ هـ - ١٩٨٨م ). وأنا لم أسمع بالعفيفي هذا ، ولا أستبعد أن يكون اسماً مستعاراً ! ولا أعرف صاحب الدار المذكورة ، ومن الممكن أن يكون هو الآمر لأحد المستأجرين عنده بوضع هذا الكتاب لتشغيل موظفي الدار ، غير مبالٍ بجهله ، واعتدائه على حديث رسول اللَّه عَ لِ؛ في سبيل إرضاء آمره، فقد ذكر في مقدمته ( ص ٨ ) ما نصه : (( قمت باختيار الأحاديث الصحيحة فيه ، وتخلّلتها عشرة أحاديث حسنة ... )) ! كذا قال ! فلم يذكر على أي قاعدة ومنهاج كان هذا الاختيار ، أهو على قواعد علم الحديث ، والجرح والتعديل ، وهذا عنه بعيد جدّاً ، لكثرة الأحاديث الضعيفة الواردة فيه كما يأتي ، أو أنَّه اعتمد في ذلك على بعض العلماء والمحدثين ، وعليه ؛ فإنَّه كان ينبغي أن يسميهم ، ويذكر مؤلفاتهم التي اعتمد عليها ، وهذا ما لم يفعله ، أو أنَّه اعتمد على رأيه الخاص فصحّح ما وافق جهله أو ذوقه أو هواه ، وهذه هي الطامة الكبرى ، لأَنَّها طريقة غير إسلامية كما لا يخفى على أولي النهى . لقد اختار من كتاب (( الأدب المفرد)) نحو خمسمائة حديث ، أي : قريباً من نصف عدد (( صحيحي)) هذا ، وحذف أسانيدها دون أي تخريج أو تعليق ، الأمر الذي لا يعجز عن مثله أي طالب صغير ! ومع ذلك ، فقد وقع فيه طامّاتٌ - ١٥ - تدل على أنَّه جاهلٌ مُتَشَبِّعْ بما لم يُعطَ ، ولا بأس من الإشارة إلى ما تيسر لي الوقوف عليه منها : أولاً : فيه نحو عشرين حديثاً ضعيفاً يناقض ما ادعاه من الصحة ، وسأشير إليها في مقدمة ((ضعيف الأدب المفرد)) إن شاء اللّه تعالى. ثانياً: أورد فيه ( ص ١٠٤) حديث: ((حق المسلم .. ست .. )) بلفظ: ((خمس))، وهو خطأ مزدوج كما تقدمت الإشارة إلى ذلك في ذكر أوهام الشيخ الجيلاني ( ص ١٣ ) . ثالثاً : وفي ( ص ٨٤ ) وقع في نفس الوهم الذي وقع فيه الجيلاني وابن عبدالباقي الذي صار فيه التابعي صحابياً ! ( انظر الحديث الأول ص ١٢ ). رابعاً: ( ص ١١٩) فيه ((بكفيك)) مكان ((ومليكه)) ! نفس الخطأ الذي وقع فيه المذكوران آنفاً ، انظر الحديث السادس ( ص ١٣ ) . خامساً : لم يذكر الحديث المتفق على صحته بلفظ: ((الفطرة خمس : الختان ... )) إلخ، وإنما ذكره (ص ١٢٣) بلفظ: ((السواك)) مكان ((الختان)) وهو منكر كما نبهت عليه تحت اللفظ الأول الآتي برقم ( ٩٧٥ / ١٢٩٢)، وأوردته في ((الضعيف)) باللفظ الآخر (٢٠٢ / ١٢٥٧). سادساً: قال ( ص ١٢٤): ((عن أبي بُريدة عن أبيه، عن النَّبي عَ ظله ... )) فذكر الحديث الآتي (٩٥٩ / ١٢٧١)، وأبو بريدة هذا لا وجود له في الرواة ، وإنما أتي من جهله بتراجم الرجال ، وتقليده للمطبوعات غير المحققة؛ فإنَّه وقع كذلك في ((الأدب المفرد )) بتحقيق ابن عبدالباقي رقم (١٢٧١)، وهو خطأ، والصواب: ((ابن بريدة))، وهو سليمان بن بُريدة - ١٦ - كما هو مُصرَّح به في رواية مسلم وغيره ، وبُريدة هو ابن الحُصَيب ، صحابي معروف ، ثم ما فائدة ابتدائه الحديث من عند (( ابن بريدة )) ؟ أَلَا حَذَفَ أداةً النسبة ((ابن)) وابتدأ من عند ((بريدة))؟ لأنَّ هذا هو طريق الاختصار للسند لو كان يعلم ؟! سابعاً : لمّا ذكر (ص ٦٢ ) حديث أبي أسماء الآتي (٤٠٦ / ٥٢١)، ذكر الطرف الأول منه وهو موقوف ، ولم يذكر تمامه الصريح في الرفع ، وإنما أتبع الموقوف بقوله : (( وروي مرفوعاً إلى النَّبِي))! وهذا فيه آفات وجهالات : الأولى : تصرفه في متن الحديث تصرفاً سيئاً أضاع على القراء فائدته ، وهي رفعه إلى النَّبِي عَ ◌ِّ ، فماذا كان عليه لو ساقه بتمامه ، وهو : (( قلت : لأبي قلابة : عمن حدثه أبو أسماء ؟ قال : عن ثوبان ، عن رسول اللَّه عٍَّ))؟ الثانية : أنَّه بذاك الاختصار المُخُلّ ، أوهم القراء أنَّ الحديث مقطوع موقوف على أبي أسماء ، وهذا تابعي ، فلو أنَّه رفعه إلى النَّبِي عَِّ لصار مرسلاً ، والمرسل من أقسام الحديث الضعيف عند المحدثين ، فكيف وهو موقوف فيما ساقه هذا المعتدي على حديث رسول اللَّه عَّهِ ؟! الثالثة: أنَّ قوله: ((وروي مرفوعاً ... )) فيه إشارةٌ إلى أنَّ الحديث ضعيف، لأنَّ صيغة ((روي)) من صيغ التمريض عندهم ، والواقع أنَّه صحيح ، رواه مسلم في ((صحيحه)) فهل هو على علم بهذا كله ؟ - ١٧ - فإن كنت لا تدري فتلك مصيبةٌ وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم ثامناً : لقد أوهم القراء بأنَّ ما لم يورده من الحديث في كتابه ؛ كله ضعيف ، وهو مما يُكَذِّبهُ الواقع ، فهناك أحاديث أخرى صحيحة كثيرة لم يذكرها لجهله بها ، أو لتجاهله إياها - وأحلاهما مرّ - مثل حديث أنس في كراهة النَّبِي عَّةِ القيام له (رقم ٧٢٤ / ٩٤٦)، وحديث ( ٧٤١ / ٩٦٣): ((من تعزَّى بعزاء الجاهلية ... ))، وغيره كثير ، مثل حديث ابن عباس : (( الهدي الصالح ، و ... جزء من خمسة وعشرين جزءاً من النبوة )) ( رقم ٦٠٧ / ٧٩١)، وهو إذ لم یورد هذا في كتابه أورد ( ص ٨٥ ) بدیله ، وهو مما لا يصح من حديث ابن عباس المذكور بلفظ: ((سبعين)) مكان ((خمسة وعشرين))! انظر ((ضعيف الأدب)) (رقم ٧٢ / ٤٦٨). وليس هذا فقط ، بل إنَّه كرّر هذا الضعيف في كتابه ، فذكره في الصفحة (٥٧) أيضاً ، كما كرّر أحاديث أخرى في الصفحة الواحدة ، مثل حديث أبي هريرة ( ص ٢٦ )، وحديث سويد بن مُقَرِّن (ص ٢٨ ) ، إلى غير ذلك من الأمور والعلل الخفية التي لا يعرفها إلا أهل الاختصاص في هذا العلم الشريف ، كمثل زيادة (( أمَا وأبيك)) في الحديث الصحيح الذي أورده ( ص ٨٤ - ٨٥ ) فإنها زيادة شاذة ، فمن كان عن تلك الأمور الجلية الظاهرة أعشى ، فهو عن مثل هذه العلل الخفية أعمى ، ﴿ومَن لم يجعل اللَّه لهُ نوراً فما له من نور﴾ . وإنَّ مما يدلُّ على جهل الرجل ، وأنَّه تولى عملاً لا يحسنه ، وأنَّ الغاية تجارية محضة وليست علمية نافعة ، فهرسه الذي وضعه لكتابه ، فقد عنون له - ١٨ - ! بقوله : ((فهرس أوائل الأحاديث والآثار)) ! وهذا كذب مكشوف ؛ لأنَّ كتابه ليس فيه شيء من الآثار التي في أصله ((الأدب المفرد))، وهي فيه مئات ! هذا من جهة . ومن جهة أخرى ، فقد جرى العُرفُ العام بين المؤلفين تيسيراً على القارئين والمراجعين أن يضعوا أرقاماً متسلسلة لأحاديث الكتاب في أوائلها ، وأما هذا ، فلم يفعل ذلك ، وإنما وضع في آخرها أحاديثَ أصلِه ((الأدب المفرد ))! ثم أعاد ذلك في آخر أطرافها في فهرسه ! - ففي أوَّل الفهرس - على سبيل المثال هذا الطرف: ((آمين، آمين، آمين ٦٤٦))، فهذا الرقم رقم الأصل ! فإذا أراد القارىء الرجوع إلى الحديث فعليه أن يتبع أرقام أواخر الأحاديث وليس أوائلها ، فهل هذا فِعلُ شُنِّيَّ أم رافضيٍّ ؟! هذا آخِر الكلام على الكتاب الأول من المثالين الجديدين المشار إليهما فيما تقدم . وأما المثال الآخرَ، فهو ((كتاب الأدب المفرد )» في طبعة جديدة بتحقيق وتخريج وتعليق فلاح عبدالرحمن عبدالله ، الجزء الأول ، الطبعة الأولى ( ١٤٠٨هـ - ١٩٨٨م)، مطبعة الحوادث - بغداد . لم أسمع أيضاً بهذا المحقق ، ولم أقف على غير هذا الجزء ، وهو في أكثر من مائتي صفحة ، وأحاديثه إلى رقم ( ١٤٨)، ومقدمته فقط في ( ٧٢ ) صفحة ، وغالبها نَقلٌ ، لا فائدة من التحدَّث عنه ، وإنما الغرض النُّصح له ولأمثاله ممن تزئَّوا قبل أن يتحصرموا ، ولقرائهم الذين قد يظنُّون أنَّ على كل - ١٩ - عظم لحماً ، وفي كل كتاب علماً ، ولا يعلمون أنَّ في كثير من الدسم سُمّاً ! لقد وجدت في تعليقات هذا الرجل أخطاء عجيبة ، وهي وإن كانت قليلة في عددها ، فإنّها كبيرة في حجمها ، تدل دلالة قاطعة أنَّه ليس أهلاً لمثل ما ذكر هو عن نفسه من التحقيق والتخريج والتعليق ! أقول هذا مع أنّني رأيته كثير النقل عني ، والاستفادة من كتبي ، ولعله هو الذي أهدى إلي الجزء المذكور ، وإنما قلت: ((ولعله )) لأنَّ توقيعه تحت إهدائه غير مقروء، إلّا أنَّ ذلك لا يمنعني أنْ أصدع بالحق الذي أعتقده وإن كان ثقيلاً كما في وصية النَّبِي عَّهِ لأبي ذر، قال : ((وأمرني أن أقول الحق وإن كان مُرّاً)). وإليك البيان : أولاً : ساق ( ص ٣٩ - ٤٠ ) أثراً من طريق أبي الخير قال : ((سألنا عقبة بن عامر .. )) إلخ، وقال عَقِبَهُ: ((إسناده صحيح إلى أبي الخير واسمه زهير بن حرب))! كذا قال ، وهذا جهلٌ لا يُطاق ، فإنَّ أبا الخير هذا تابعيّ كما ترى ، وزهير ابن حرب ولد سنة ( ١٦٠ )، وُقبة مات في حدود الستين ! فكيف يمكن أن يسأله ؟! ثم إنَّ زهيراً هذا كنيته أبو خيثمة ! فالتبست عليه بكنية أبي الخير ، وهذا تابعي معروف اسمه مَرَد بن عبداللَّه اليَزَني ، كثير الرواية عن عُقبة بن عامر رضي اللَّه عنه ، فمن كان بهذه المنزلة من الجهل بالرواة مع سهولة معرفة من هو أبو الخير من كتب الرجال ، كيف ينتصب لمثل هذا العلم الذي انصرف عنه - ٢٠ -