Indexed OCR Text

Pages 861-880

التشهد الأول / وجوبه ، ومشروعية الدعاء فيه
قائماً؛ لرجع رخ ؛ ولذلك أمر بالرجوع في هذه الحالة ، فهو وحده دليل مستقل على
وجوب التشهد هذا . وهو الحق . وقد ثبت الأمر به في غير ما حديث - كما يأتي -. وقال
الشوكاني (٢٢٨/٢) :
((وتجبيره بالسجود دائماً يكون دليلاً على عدم الوجوب ؛ إذا سلمنا أن سجود السهو
إنما يُجبر به المسنون دون الواجب؛ وهو غير مسلّم)) .
(٤) فيه أحاديث :
الأول : عن عبد الله ابن بُحَيْنَة أنه قال :
صلى لنا رسول الله تٍَّ ركعتين ، ثم قام فلم يجلس ، فقام الناس معه ، فلما قضى
صلاته ونظرنا تسليمه ؛ كبر ، ثم سجد سجدتين وهو جالس قبل التسليم ، ثم سلم .
أخرجه مالك (١١٨/١)، وعنه الإمام محمد (١٠٤)، والبخاري (١٧١/٣)،
ومسلم (٨٣/٢)، وأبو داود (١٦٢/١)، والنسائي (١٨١/١)، والطحاوي (٢٥٤/١)،
والبيهقي (٣٣٣/٢ و٣٤٣ و٣٥٢)، وأحمد (٣٤٥/٥) - كلهم عن مالك - عن ابن شهاب
عن الأعرج عنه .
وأخرجه الترمذي (٢٣٥/٢)، وابن ماجه (٣٦٤/١)، وكذا البخاري (٢٤٦/٢) ،
ومسلم ، والنسائي (١٨٦/١)، والطحاوي، والبيهقي (١٣٤/٢ و٣٥٢)، وأحمد
(٣٤٦/٥)؛ كلهم من طرق أخرى عن ابن شهاب به . وصححه الترمذي .
ثم أخرجه مالك ، وعنه البخاري (٧٢/٣)، ومسلم ، والنسائي (١٧٥/١ و٢٧٦)،
والدارمي (٣٥٣/١)، والدارقطني (١٤٤)، والبيهقي (٣٤٠ و٣٤٤)، وأحمد (٣٤٥/٥)؛
كلهم عن يحيى بن سعيد عن الأعرج به .
ثم أخرجه البخاري (٢٤٧/٢) عن جعفر بن ربيعة ، والطحاوي عن يحيى بن أبي كثير؛
٨٦١

التشهد الأول / وجوبه ، ومشروعية الدعاء فيه
كلاهما عن الأعرج به .
{وهو مخرج في ((إرواء الغليل)) (٣٣٨)}.
الحديث الثاني : عن المغيرة بن شعبة . وقد روي عنه من طرق :
١ - عن زياد بن علاقة قال :
صلى بنا المغيرة بن شعبة ، فلما صلى ركعتين ؛ قام ولم يجلس ، فسبح به مَنْ
خلفه ، فأشار إليهم : أن قوموا . فلما فرغ من صلاته ؛ سلم ، وسجد سجدتي السهو ،
وسلم ، وقال :
هکذا صنع رسول الله
أخرجه أبو داود (١٦٣/١)، والدارمي (٣٥٣/١)، وعنه الترمذي (٢٠١/٢)،
والطحاوي (٢٥٥/١)، والبيهقي (٣٣٨/٢)، وأحمد (٢٤٧/٤)؛ كلهم عن يزيد بن
هارون عن المسعودي عن زياد به . وقال الترمذي :
((حديث حسن صحيح)). وهو كما قال ، لكن من غير هذا الوجه ؛ فإن المسعودي
كان قد اختلط ، ويزيد بن هارون سمع منه في الاختلاط - كما قال ابن نمير -.
لكن تابعه عنه أبو داود الطيالسي؛ فأخرجه في ((المسند)) (٩٥): ثنا المسعودي به .
وقد قال الإمام أحمد :
((وإنما اختلط المسعودي ببغداد ، ومَنْ سمع منه بالكوفة والبصرة ؛ فسماعه جيد)).
قلت : والطيالسي بصري ؛ فلعله سمعه منه فيها .
٢ - عن عامر الشعبي قال :
صلى بنا المغيرة بن شعبة ، فنهض في الركعتين ؛ فسبح به القوم وسبح بهم ، فلما
صلى بقية صلاته ؛ سلم ، ثم سجد سجدتي السهو وهو جالس، ثم حدثهم أن رسول الله
٨٦٢

التشهد الأول / وجوبه ، ومشروعية الدعاء فيه
فعل بهم مثل الذي فعل .
أخرجه الترمذي (١٩٨/٢ -١٩٩)، والبيهقي (٣٤٤/٢)، وأحمد (٢٤٨/٤) من
طريق ابن أبي ليلى عنه . قال الترمذي :
((وقد تكلم بعض أهل العلم في ابن أبي ليلى من قبل حفظه)).
قلت : لكنه لم ينفرد بهذا الطريق ؛ بل توبع عليه :
فأخرجه الطحاوي (٢٥٥/١) عن بكر بن بكار قال : ثنا علي بن مالك الرُّوَّاسي
۔ من أنفسهم - قال : سمعت عامراً یحدث به .
وعلي بن مالك هذا لم أعرفه ، إلا أن يكون هو البصري ، وهو ضعيف .
٣ - عن قيس بن أبي حازم عن المغيرة مثله.
أخرجه الطحاوي من طريق جابر عنه .
وجابر - هو الجعفي -: ضعيف ، لكن توبع عليه :
فقد ساقه بعده من طريق قيس بن الربيع وإبراهيم بن طَهْمان ؛ كلاهما عن المغيرة
:號
ابن شُبَيْل عن قيس بن أبي حازم به . وزاد : ثم قال
((إذا صلى أحدكم ، فقام من الجلوس ؛ فإن لم يستتم قائماً ؛ فليجلس ، وليس عليه
سجدتان ، فإن استوى قائماً ؛ فَلْيَمْضِ في صلاته ، ولْيَسجد سجدتين وهو جالس)) .
وهذا إسناد صحيح .
وقد روى المرفوعَ منه - من قوله عليه الصلاة والسلام - أبو داود (١٦٣/١)، وابن
ماجه (٣٦٥/١)، والبيهقي (٣٤٣/٢)، وأحمد (٢٥٣/٤) من طريق جابر الجُعْفي عن
المغيرة بن شبيل .
٨٦٣

التشهد الأول / وجوبه ، ومشروعية الدعاء فيه
ولذلك ضعفه النووي في ((المجموع)) (١٢٢/٤)، والحافظ في ((التلخيص))
(١٥٦/٤) ، وذهلا عن رواية الطحاوي هذه الصحيحة المروية من طريق إبراهيم بن طهمان
- وهو ثقة من رجال («الصحيحين)) - ، مع متابعة قيس بن الربيع له - وهو صدوق حسن
الحديث -. وهذه فائدة قلما تجدها في كتاب(*) . والله الموفق .
الحديث الثالث : عن سعد بن أبي وقاص :
أنه نهض في الركعتين ، فسبحوا به ؛ فاستتم ، ثم سجد سجدتي السهو حين
انصرف ، وقال :
أكنتم تروني كنت أجلس؟! إنما صنعت كما رأيتُ رسولَ الله تٍَّ يصنع.
أخرجه الحاكم (٣٢٢/١ -٣٢٣)، والبيهقي (٣٤٤/٢)، وابن حزم (١٧٤/٤) من
طريق إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عنه . وقال الحاكم :
((صحيح على شرط الشيخين)) . ووافقه الذهبي. وهو كما قالا .
ورواه الطحاوي (٢٥٦/١) من طريق بيانٍ أبي بِشْر الأحْمَسي قال: سمعت قيس
ابن أبي حازم به . دون قوله: إنما صنعت ... إلخ .
الحديث الرابع : عن أبي هريرة رضي الله عنه :
أن النبي ◌َ﴾ صلى بهم صلاة العصر أو الظهر فقام في ركعتين؛ فسبحوا له ،
فمضى في صلاته ، فلما قضى الصلاة ؛ سجد سجدتين ، ثم سلم. قال الهيثمي
(١٥١/٢):
(رواه البزار، ورجاله ثقات)).
(*) انظر الكلام على فقه الحديث - بتوسّع - في ((الصحيحة)) (٦٣٨/١ - ٦٣٩).
٨٦٤

التشهد الأول / وجوبه ، ومشروعية الدعاء فيه
((إذا قعدتم في كل ركعتين؛ فقولوا: (التحيات ... إلخ)، وليتخير
أحدكم من الدعاء أعجبه إليه ، فَلْيَدْعُ اللهَ عز وجل [به]))(١) .
(١) هو من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال :
كنا لا ندري ما نقول في كل ركعتين غير أن نسبح ، ونکبر ، ونحمد ربنا ، وإن
محمداً {﴿ عُلّمَ فواتحَ الخيرِ وخواتمه ؛ فقال:
((إذا قعدتم ... )) الحديث .
أخرجه النسائي (١٧٤/١)، والطحاوي (١٥٥/١)، والبيهقي (١٤٨/٢)،
والطيالسي (٣٩)، وأحمد (٤٣٧/١)، والطبراني في «الكبير» {(١/٢٥/٣)} وفي
(الصغير)) أيضاً (ص١٤٦) من طرق عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عنه .
وهذا سند صحيح على شرط مسلم .
ثم أخرجه أحمد (٤٢٣/١) من طريق سفيان عن الأعمش ومنصور وخُصَين بن
عبدالرحمن بن أبي هاشم وحماد عن أبي وائل ، وعن أبي إسحاق عن أبي الأحوص
والأسود عن عبدالله به .
وحديث الأعمش عن أبي وائل شَقِيق بن سلمة ؛ أخرجه الشيخان ، وأصحاب
(«السنن»، وغيرهم بلفظ :
((فإذا جلس أحدكم في الصلاة ؛ فليقل : التحيات ... )) إلخ .
وسيأتي لفظه بتمامه إن شاء الله تعالى [ص٨٩٣]. وهو بإطلاقه يؤيده رواية أبي
إسحاق المفصلة ؛ كما هو ظاهر .
{ قلت : وظاهر الحديث يدل على مشروعية الدعاء في كل تشهد ، ولو كان لا
يليه السلام. وهو قول ابن حزم رحمه الله تعالى} .
٨٦٥

التشهد الأول / وجوبه ، ومشروعية الدعاء فيه
وفي لفظ: ((قولوا في كل جلسة: التحيات ... ))(١). وأمر به (المسيء
صلاته) أيضاً - كما تقدم آنفاً ..
(١) أخرجه النسائي (١٧٤/١) من طريق زيد ابن أبي أُنيسة الجَزَري : أن أبا
إسحاق حدثه عن الأسود وعلقمة عن عبد الله بن مسعود قال :
كنا مع رسول الله ◌َّهٍ لا نعلم شيئاً، فقال لنا رسول الله في
:... فذكره .
وسنده صحيح أيضاً على شرط مسلم .
وقد استدل بالحديث من ذهب إلى وجوب التشهد الأول - وقد سبق ذكرهم قريباً -.
وممن ذهب إلى ذلك ابن حزم في ((المحلى)) (٢٧٠/٣). ورواه النووي في ((شرح
مسلم)) عن فقهاء أصحاب الحديث ؛ وذلك لأن الأصل في الأمر الوجوب ، ولم يأتٍ ما
يصلح أن يكون صارفاً له عن الوجوب . وقول النووي :
((إن النبي ◌َل﴾ لم يعلّمه الأعرابيّ حين علمه فروض الصلاة)).
علَّمه ذلك - كما في بعض الروايات في ((سنن أبي داود» ..
ذهول منه ؛ فإنه
وقد سبق بلفظ :
(«فإذا جلست في وسط الصلاة ؛ فاطمئن ، وافترش فخذك اليسرى ، ثم تشهد)).
والعجب من النووي كيف يجعل عدم ذكر هذا التشهد في حديث (المسيء) - بزعمه
- صارفاً للأمر به عن الوجوب ، ثم لا يجعل عدم ذكر التشهد الأخير فيه صارفاً عن
الوجوب! بل يصرح في ((المجموع)) (٤٦٢/٣) بأن هذا فرض لا تصح الصلاة إلا به ،
ویجیب عن حدیث (المسيء) بقوله :
«قال أصحابنا : إنما لم يذكره له ؛ لأنه كان معلوماً عنده)) .
وهذه الحجة يستطيع كل أحد أن يقولها في كل ما هو واجب لم يأت ذكره في
حديث (المسيء). قال الشوكاني (٢٢٨/٢):
٨٦٦

التشهد الأول / وجوبه ، ومشروعية الدعاء فيه
و((كان ◌َيُ يعلمهم التشهد كما يعلمهم السورة من القرآن))(١).
((والحاصل أن حكمه حكم التشهد الأخير - وسيأتي -، والتفرقة بينهما ليس عليها
دليل يرتفع به النزاع ، على أنه يدل على مزيد خصوصية للتشهد الأوسط ذكره في
حديث (المسيء) - كما تقدم ).
(١) هو من حديث جمع من الصحابة رضي الله عنهم:
منهم : عبد الله بن مسعود قال :
كان رسول الله ◌َّ يعلمنا التشهد، كما يعلمنا السورة من القرآن .
أخرجه أحمد (٣٩٤/١) من طريق شَرِيك عن جامع بن أبي راشد عن أبي وائل عنه .
وهذا سند حسن. وذكره في ((المجمع)) (١٤٠/٢) بزيادة :
ويقول: ((تعلموا ؛ فإنه لا صلاة إلا بتشهد)) . وقال :
(رواه الطبراني في ((الأوسط))، وفيه سعد بن سِنَّان: ضعفه ابن معين . ورواه البزار
برجال موثقين ، وفي بعضهم خلاف لا يضر إن شاء الله)).
وهو في «الصحيحين)) من طريق أخرى بنحوه . وسيأتي قريباً إن شاء الله تعالى .
ومنهم : عبد الله بن عباس بلفظ ابن مسعود .
أخرجه مسلم (١٤/٢)، والنسائي (١٨٨/١)، وأحمد (٣١٥/١) من طريق
عبدالرحمن بن حُمَيد : ثنا أبو الزبير عن طاوس عنه .
ورواه اللیث عن أبي الزبير عن سعيد بن جُبير وعن طاوس عنه به .
رواه مسلم وغيره - كما يأتي [ص٨٩٥] ..
ومنهم : جابر بن عبدالله .
أخرج حديثه النسائي (١٧٥/١)، وابن ماجه (٢٩٢/١)، والطحاوي (١٥٦/١)،
٨٦٧

التشهد الأول / وجوبه ، ومشروعية الدعاء فيه
و((السنة إخفاؤه))(١).
والحاكم (٢٦٦/١)، وعنه البيهقي (١٤٢/٢) من طرق عن أيمن بن نابل عن أبي الزبير
عنه به بزيادة :
((باسم الله ، وبالله ، التحيات ... )) إلخ .
ورواه أحمد (٣٦٣/٥) من هذا الوجه ، إلا أنه لم يسم الصحابي ، ولم يذكر الزيادة.
وقال الحاكم - ووافقه الذهبي -:
((صحيح على شرط البخاري)) .
وليس كما قال ؛ فإن أيمن بن نابل حديثه في البخاري متابعة - كما في ((التهذيب)) -.
ثم إن الأئمة قد حكموا بخطئه في هذا الحديث ؛ لقوله : عن أبي الزبير عن جابر .
وإنما هو عن أبي الزبير عن طاوس وسعيد بن جبير عن ابن عباس - كما سبق -. وخطَّؤوه
أيضاً في ذكره التسمية في التشهد .
وقد قال النووي في ((المجموع)) (٤٥٧/٣):
هو حديث ((ضعيف عند أهل الحديث؛ كما نقله المصنف عنهم ، وكذا نقله
البغوي ، ويمن ضعفه: البخاري، والنسائي)) . قال :
((وذكر الحاكم أنه حديث صحيح . ولا يقبل ذلك منه ؛ فإن الذين ضعفوه أَحْمَلُ
من الحاكم وأتقن)) .
وقد بسط الكلام على الحديث الحافظ في ((التلخيص)) (٥١٢/٣ - ٥١٣). فليراجعه
من شاء .
(١) هو من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال:
من السنة أن يُخفى التشهد .
٨٦٨

التشهد الأول / وجوبه ، ومشروعية الدعاء فيه
أخرجه أبو داود (١٥٦/١)، والترمذي (٨٤/٢ - ٨٥)، والحاكم (٢٦٧/١)، وعنه
البيهقي (١٤٦/٢) من طريق محمد بن إسحاق عن عبدالرحمن بن الأسود عن أبيه
عنه . وقال الترمذي :
((حسن غريب)) . والحاكم :
((صحيح على شرط مسلم)) . ووافقه الذهبي . كذا قالا !
لكن أخرجه الحاكم (٢٣٠/١)، وعنه البيهقي من طريق أخرى عن العلاء بن
عبدالجبار العطار: ثنا عبد الواحد بن زياد: ثنا الحسن بن عُبيدالله عن عبدالرحمن بن
الأسود به . وقال :
((صحيح على شرطهما)). ووافقه الذهبي. وليس كما قالا ؛ فإن الحسن بن عُبيد الله
- وهو: النَّخَعي - ليس من رجال البخاري ، والعلاء بن عبدالجبار العَطَّار ليس من رجال
مسلم .
فالحديث صحيح فقط . وإنما رجاله رجال الصحيح. ثم قال الترمذي :
((والعمل عليه عند أهل العلم». وقال النووي (٤٦٣/٣):
(«أجمع العلماء على الإسرار بالتشهدين ، وكراهة الجهر بهما ، واحتجوا له بحديث
ابن مسعود هذا)) .
٠٠
٨٦٩

التشهد الأول / صيغ التشهد / الصيغة الأولى
صِيَغُ التشهد
وعلمهم ﴿ أنواعاً من صيغ التشهد :
١ - تشهد ابن مسعود : قال :
باتفاق المحدثين ؛ قال الترمذي - بعد أن
١- وهو أصح التشهدات الواردة عنه
ساقه ۔ :
«حديث ابن مسعود قد رُوي عنه من غير وجه ، وهو أصح حديث روي عن
النبي ◌َّ في التشهد، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي تَ له ، ومَن
بعدهم من التابعين ، وهو قول سفيان الثوري ، وابن المبارك ، وأحمد ، وإسحاق)) . قال
الحافظ في ((الفتح)) (٢٥١/٢) :
((وقال البزار - لما سئل عن أصح حديث في التشهد؟ قال -: هو عندي حديث ابن
مسعود ، وروي من نيف وعشرين طريقاً . ثم سرد أكثرها ، وقال : لا أعلم في التشهد
أثبت منه ولا أصح أسانيدَ ولا أشهر رجالاً . اهـ .
ولا خلاف بين أهل الحديث في ذلك ، وممن جزم بذلك البغوي في ((شرح السنة)).
ومن رجحانه أنه متفق عليه دون غيره ، وأن الرواة عنه من الثقات لم يختلفوا في
تلقيناً)) .
ألفاظه ؛ بخلاف غيره ، وأنه تلقاه عن النبي ټپ﴾
والحديث أخرجه الإمام أحمد (٤١٤/١) قال: ثنا أبو نُعيم: ثنا سَيف قال:
سمعت مجاهداً يقول: ثني عبدالله بن سَخْبَرة أبو مَعْمَر قال : سمعت ابن مسعود
يقول :... فذكره .
وهذا إسناد صحيح جداً؛ مسلسل بالتحديث والسماع ، وهو على شرط الشيخين .
وهكذا ، وبهذا الإسناد أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في ((مسنده)) وفي ((مصنفه))
٨٧٠
.

التشهد الأول / صيغ التشهد / الصيغة الأولى
{(٢/٩٠/١)}، وعنه أخرجه الإسماعيلي، وأبو نعيم - كما في ((الفتح)) (٤٧/١١) -،
ومن طريقه أيضاً رواه مسلم (١٤/٢)؛ إلا أنه لم يسق لفظه، {وأبو يعلى في («مسنده))
(٢/٢٥٨) = [٥٣٢٦/٤٦٤/٤]. وهو مخرج في «الإرواء)» (٣٢١)}.
ورواه البخاري (٤٧/١١) بسند أحمد ، لكنه قال:
. فزاد لفظة : (يعني) . وقائلها هو البخاري ؛
قلنا : السلام - يعني : - على النبي ثـ
كما جزم به الحافظ ؛ لرواية أحمد وابن أبي شيبة بدون هذه الزيادة ، وطريقهما واحد .
وكذلك أخرجه البيهقي (١٣٨/٢)، وكذا أبو عوانة في ((صحيحه))، والسراج،
والجَوْزَقي ، وأبو نعيم الأصبهاني من طرق متعددة إلى أبي نُعيم شيخ البخاري فيه بلفظ:
فلما قُبِضَ ؛ قلنا: السلام على النبي . بحذف لفظة: (يعني). كما في ((الفتح))
أيضاً (٢٥٠/٢).
وأخرجه النسائي (١٧٤/١ - ١٧٥) من طريق إسحاق بن إبراهيم - وهو ابن راهويه -
قال: أنبأنا الفَضْل بن دُكَين - وهو أبو نُعيم - به نحوه دون هذه الزيادة . والزيادة الأولى
عنده ، وكذا البخاري .
وللحديث طرق أخرى ، جاء في بعضها مسلسلاً بالأخذ باليد :
فقال الإمام أحمد (٤٥٠/١): ثنا حسين بن علي عن الحسن بن الحُرّ عن القاسم
ابن مُخيمرة قال : أخذ علقمةُ بيدي قال : أخذ عبدالله بيدي قال :
أخذ رسول الله صل بيدي؛ فعلمني التشهد في الصلاة: «التحيات ... )) إلخ.
وهذا سند صحيح .
وهكذا أخرجه الدارقطني (١٣٤) من طرق عن الحسين بن علي .
٨٧١

التشهد الأول / صيغ التشهد / الصيغة الأولى
وقد تابعه زهير بن معاوية عن الحسن بن الحُرّ به . وزاد في آخره :
إذا قلتَ هذا - أو قضيتَ هذا -؛ فقد قضيت صلاتك ، إن شئت أن تقوم ؛ فقم ، وإن
شئت أن تقعد ؛ فاقعد .
أخرجه أبو داود (١٥٣/١)، والدارمي (٣٠٩/١)، والطحاوي (١٦٢/١)، والدارقطني
(١٣٥)، والطيالسي (٣٦)، وأحمد (٤٢٢/١) من طرق عنه به .
لكن هذه الزيادة رفعها ضعيف ، والصواب - كما بينه الدارقطني وغيره - أنها
مدرجة ، وأنها من قول ابن مسعود نفسه ؛ فقد رواه شبابة بن سوّار: ثنا زهير بن معاوية
به بلفظ : قال عبد الله : فإذا قلت هذا ... إلخ.
أخرجه الدارقطني (١٣٥)، والبيهقي (١٧٤/٢) عنه . ثم قال الدارقطني:
((شبابة : ثقة ، وقد فصل آخر الحديث ؛ جعَلَه من قول ابن مسعود، وهو أصح من
رواية من أدرج آخره في کلام النبي
٠
وقد تابعه غسان بن الربيع وغيره ؛ فرووه عن ابن ثوبان عن الحسن بن الحُرّ كذلك ،
وجعل آخر الحديث من كلام ابن مسعود، ولم يرفعه إلى النبي تَيم)).
ثم ساق حديث غسان في ذلك . وقد ذكر النووي (٤٨١/٣) اتفاق الحفاظ على أن
، وتبعه على ذلك الحافظ في ((الدراية))
هذه الزيادة مدرجة ؛ ليست من كلام النبي
(٨٨) ، ونص كلامه :
«واتفق الحفاظ على أن هذه الزيادة مدرجة من كلام ابن مسعود ؛ منهم : ابن
حبان ، والدارقطني ، والبيهقي ، والخطيب، وأوضحوا الحجة في ذلك)) .
وقد ذكر كلماتهم الإمامُ الزيلعي في «نصب الراية)» (٤٢٤/١ - ٤٢٥). فليراجعها
من شاء .
٨٧٢

التشهد الأول / صيغ التشهد / الصيغة الأولى
وقد أخرج الحديث النسائي (١٧٤/١)، والطحاوي (١٦٢/١) من طرق عن إبراهيم
عن علقمة به بلفظ :
كنا لا ندري ما نقول إذا صلينا، فعلمنا نبي الله عَ ﴾ جوامع الكلم؛ فقال لنا :
«قولوا : التحيات ... )). الحديث . واللفظ للنسائي وزاد :
قال علقمة : لقد رأيت ابن مسعود يعلمنا هؤلاء الكلمات؛ كما يعلمنا القرآن .
وسنده جيد . وزاد الطحاوي : وقال :
((لا صلاة إلا بتشهد)) . وروى هذه الزيادة الطبراني - كما مضى قريباً -.
رواها الطحاوي من طريق أبي معشر البَرّاء عن أبي جمرة - بالجيم والراء ، وفي
نسخة: حمزة؛ بالحاء المهملة والزاي - عن إبراهيم . ويراجع ((تهذيب التهذيب)) لمعرفة
الصواب من النسختين(*).
وتابعه أبو إسحاق عن علقمة - وقد سبق لفظه -.
ومن طرق الحديث ما في ((المسند)) (٣٧٦/١) عن خُصَيف الجَزَري قال : ثني أبو
عُبيدة بن عبدالله عن عبدالله قال :
علمه رسول الله ◌َ له التشهد، وأمره أن يعلمه الناس: ((التحيات ... )) إلخ.
وهذا إسناد فيه ضعف وانقطاع. وسكت عليه الحافظ في ((الفتح)) (٢٥٢/٢)،
وليس بجيد .
وبقية طرق الحديث تراجع فيه (٣٩٣/١ و ٤٠٨ و ٤١٣ و٤٤٠) ، والنسائي ، وابن
ماجه ، والطحاوي، و(المعجم الكبير)) للطبراني. و((الأدب المفرد)» (١٤٤) [للبخاري].
(*) هو أبو حمزة كما في ((تراجم الأحبار من رجال شرح معاني الآثار)) (٣٧٧/٤).
٨٧٣

التشهد الأول / صيغ التشهد / الصيغة الأولى
علِّمني رسولُ الله ◌َِّ التشهد -، [و] كَفِّي بين كَفَيْه(١) -؛ كما يعلمني
السورة من القرآن (٢):
(١) ترجم له البخاري بقوله: (باب الأخذ باليدين. وصافح حمادُ بنُ زيد ابنَ
المبارك بيديه) . قال ابن بطال :
((الأخذ باليد هو مبالغة المصافحة ، وذلك مستحب عند العلماء)).
قلت : والحديث ليس نصاً في ذلك ؛ لأنه لم يرد في المصافحة عند اللقاء ؛
فالدعوى أعم من الدليل ، والظاهر عندي أنه تنبيه: إنما أخذ بكفيه كفَّ ابن مسعود زيادة
اعتناء بتعليمه ، ولَفْتَ اهتمامه إلى ذلك. فيستحب ذلك في مثل هذا الموضع .
وأما المصافحة المسنونة عند اللقاء ؛ فإنما هي باليد الواحدة - كما تقتضيه اللغة -؛
ففي ((النهاية)) :
(«المصافحة هي: مفاعلة؛ من إلصاق صفح الكف بالكف ، وإقبال الوجه على الوجه)) .
ويشهد لذلك الأحاديث الواردة في فضل المصافحة ؛ كقوله :
لو :
((إن المسلم إذا لقي أخاه، فأخذ بيده؛ تَحَاتَّتْ عنهما ذنوبهما؛ كما يَتَحَاتُ الورق
عن الشجرة اليابسة في يوم ريح عاصف ، وإلا ؛ غفر لهما ولو كانت ذنوبهما مثل زبد البحر)).
رواه الطبراني بإسناد حسن(*) عن سلمان الفارسي. ورواه أحمد وغيره عن أنس بلفظ:
«ما من مسلمين التقيا ، فأخذ أحدهما بيد صاحبه ... )) . الحديث نحوه .
وفي الباب عن البراء .
رواه أحمد (٢٨٩/٤) وغيره .
الأخذ باليد الواحدة ؛ فينبغي الوقوف عنده، وعدم
وانظر ((الترغيب)) ؛ فقد ذکر
الزيادة عليه إلا بنص من عنده .
(٢) قال في ((المرقاة)) (٥٥٧/١):
(*) وهو في ((ضعيف الترغيب والترهيب)) (١٦٢٨)، ويغني عنه أحاديث أخرى في ((صحيح
الترغيب» (٣٢/٣ -٣٣).
٨٧٤

التشهد الأول / صيغ التشهد / الصيغة الأولى
((التحيات (١) لله، والصلوات(٢)، والطيبات (٣)، السلام عليك (٤) أيها النبي!
((فيه دلالة على اهتمامه ، وإشارة إلى وجوبه)).
(١) هي: جمع (تحية). قيل: أراد بها السلام؛ يقال: حَيَّاك الله ؛ أي: سلّم
عليك . وقيل : (التحية) : الملك . وقيل : البقاء .
وإنما جمع التحية ؛ لأن ملوك الأرض يُحَيَّوْن بتحيات مختلفة ، فيقال لبعضهم :
أبيت اللعن . ولبعضهم: أنعم صباحاً . ولبعضهم: اسلم كثيراً. ولبعضهم: عش ألف
سنة. فقيل للمسلمين: قولوا: ((التحيات لله ... ))؛ أي : الألفاظ التي تدل على
السلام ، والملك، والبقاء هي الله تعالى. والتحية: تَفْعِلة من (الحياة)، وإنما أدغمت ؛
لاجتماع الأمثال، والهاء لازمة، والتاء زائدة. كذا في ((النهاية)).
(٢) أي : الأدعية التي يراد بها تعظيم الله تعالى، هو مستحقها ، لا تليق بأحد
سواه . اهـ . منه .
وقد قيل في تفسيرها غيرُ ذلك ، فإن شئت؛ فراجعها في المطولات؛ كـ ((فتح
الباري)) ، و((مرقاة المفاتيح)) وغيرها .
(٣) أي : ما طاب من الكلام ، وحسن أن يُثنى به على الله ، دون ما لا يليق
بصفاته ؛ مما كان الملوك يُحَيَّوْن به . وقيل: الطيبات: ذكر الله . وقيل: الأقوال الصالحة ؛
كالدعاء والثناء. وقيل : الأعمال الصالحة . وهو أعم. قال ابن دقيق العيد: ولعل
تفسيرها بما هو أعم أولى. ذكره في ((الفتح)) (٢٤٩/٢).
(٤) قيل : معناه : التعويذ بالله، والتحصين به ؛ فإن السلام اسم له سبحانه ، تقديره :
الله عليك حفيظ وكفيل. كما يقال: ((الله معك))؛ أي: بالحفظ والمعونة واللطف (*).
(*) رجح هذا المعنى الشيخ رحمه الله في ((الصفة)) المطبوع.
٨٧٥

التشهد الأول / صيغ التشهد / الصيغة الأولى
ورحمة الله وبركاته(١)، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين(٢) - [فإنه إذا
وقيل : معناه السلام والنجاة لكم . ويكون مصدراً؛ كاللذاذة واللذاذ ؛ كما قال الله
تعالى: ﴿فسلام لك من أصحاب اليمين﴾. كذا في ((شرح مسلم)) للنووي ، ثم قال :
((واعلم أنه يجوز فيه حذف الألف واللام ؛ فيقال : سلامٌ عليك أيها النبي !
و: سلام علينا . ولا خلاف في جواز الأمرين هنا، ولكن الألف واللام أفضل ، وهو
الموجود في روايات ((الصحيحين))). قال الحافظ (٢٤٩/٢) :
((لم يقع في شيء من طرق حديث ابن مسعود بحذف اللام ، وإنما اختلف ذلك في
حديث ابن عباس ، وهو من أفراد مسلم)) .
(١) هو اسم لكل خير فائض منه تعالى على الدوام. وقيل: (البركات) : الزيادة
في الخير. ((مرقاة)).
(٢) الأشهر في تفسير (الصالح): أنه القائم بما يجب عليه من حقوق الله ، وحقوق
عباده ، وتتفاوت درجاته . قال الترمذي الحكيم :
((من أراد أن يحظى بهذا السلام الذي يسلِّمُه الخلقُ في الصلاة؛ فليكن عبداً
صالحاً ، وإلا ؛ حُرم هذا الفضل العظيم)).
قال القفال في «فتاويه» :
((ترك الصلاة يضر بجميع المسلمين ؛ لأن المصلي يقول : اللهم! اغفر لي وللمؤمنين
والمؤمنات ، ولا بد أن يقول في التشهد: ((السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين)).
فيكون مقصراً بخدمة الله ، وفي حق رسوله ، وفي حق نفسه ، وفي حق كافة المسلمين ؛
ولذلك عظمت المعصية بتركها)). كذا في ((الفتح)).
(فائدة): اشتهر أنه ◌َّهُ لما عُرج به؛ أثنى على الله تعالى بهذه الكلمات؛ فقال الله
تعالى :
٨٧٦

التشهد الأول / صيغ التشهد / الصيغة الأولى
قال ذلك؛ أصاب كُلَّ عبد صالح في السماء والأرض](*)-، أشهد أن لا إله
إلا الله(١) ،
«السلام عليك أيها النبي ! ورحمة الله وبركاته)) . فقال
:
(« السلام علينا، وعلى عباد الله الصالحين)).
فقال جبريل : ((أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)).
ولكني لم أقف على هذه الرواية في شيء من كتب السنة المعتبرة ، وقد أوردها
الشيخ علي القاري في «المرقاة)) (٥٥٦/١) نقلاً عن ابن الملك ، مشيراً إلى ضعفها بقوله :
«رُوي أنه ﴿لا ... )).
(*) زيادة من ((صفة الصلاة))، وهي في سياق الحديث الآتي (ص٨٩٤).
(١) أي: لا معبود بحق في الوجود إلا الله الواجب الوجود لذاته تعالى. ذكره
القاري وغيره .
هذا هو معنى هذه الشهادة التي تحقن دم قائلها ، وتنجيه يوم لقائه الله تعالى ؛ إذا
عمل بمقتضاها ، ولم يقتصر على التلفظ بها .
ولقد ضل كثير من المسلمين حين فهموا منها : أنه لا رب ولا خالق إلا الله تعالى .
وبنوا على ذلك : أن من عَبْدَ غيره تعالى بنوع من أنواع العبادات ؛ كالاستغاثة بغيره
سبحانه ، والذبح لغيره ، وما شابه ذلك أنه صحيح الاعتقاد ، سليم الإيمان ! مع أن
حقيقة هذه الشهادة : توحيد الإله في هذه العبادات ، وغيرها ؛ فإنه هو الفارق بين المؤمن
الموحد، وبين الكافر المشرك؛ ذلك لأن المشركين الذين بعث إليهم رسول الله تم ﴿﴿ كانوا
يعتقدون هذا المعنى الخاطئ لهذه الشهادة ، ولكنهم كانوا يقتصرون على ذلك ؛ فلا
يؤمنون بأن لا معبود بحق في الوجود إلا الله تعالى . فهم موحدون من ناحية ، مشركون
من ناحية أخرى ؛ موحدون في توحيد الربوبية ، كافرون بتوحيد الألوهية . هذا هو الذي
٨٧٧
....

التشهد الأول / صيغ التشهد / الصيغة الأولى
دل عليه القرآن الكريم بنصوصه الصريحة .
أما إيمانهم بتوحيد الربوبية وأنه : المتفرد بالخلق والرزق ؛ فقال تعالى: ﴿ولئن سألتهم
من خلقهم ليقولن الله﴾. وقال: ﴿ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن
خلقهن العزيز العليم). وقال تعالى: ﴿قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون .
سيقولون لله قل أفلا تتذكرون . قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم
سيقولون لله قل أفلا تتقون . قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يُجير ولا يجار عليه إن
كنتم تعلمون سيقولون لله قل فأنى تُسحَرون﴾. وقال تعالى: ﴿قل من يرزقكم من
السماء والأرض أمَّنْ يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من
الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون) .
وأما كفرهم بتوحيد الألوهية - الذي هو المراد من هذه الشهادة -؛ فاقرأ قوله تعالى :
﴿إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون﴾. وكانوا إذا دعاهم إلى الإيمان
بهذه الشهادة؛ يقولون: ﴿أَجَعَلَ الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب﴾ [سورة ﴿ص﴾] .
وكذلك كان كفر من قبلهم من المشركين ؛ كانوا يكفرون بتوحيد الألوهية ، وإلى هذا
التوحيد كان يدعوهم أنبياؤهم صلى الله عليهم وسلم؛ كما قال تعالى: ﴿وإلى عاد
أخاهم هوداً قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون﴾ [٧: ١٥]. ﴿قالوا
أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا﴾ [٧٠:٧]. وقال تعالى: ﴿وإلى ثمود
أخاهم صالحاً قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره﴾ الآية [١١: ٦١]. ﴿قالوا يا
صالح قد كنت فينا مَرْجُواً قبل هذا أتنهانا أن نعبد ما كان يعبد آباؤنا وإنا لفي شك مما
تدعونا إليه مريب﴾ [١١: ٦٢]. وقال تعالى: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا
الله﴾. أي قائلين لأممهم: أن اعبدوا الله وحده . فأفاد بقوله : في كل أمة : أن جميع
الأمم لم تُرسل إليهم الرسل إلا لطلب توحيد العبادة ، لا للتعريف بأنه هو الخالق للعالَم ،
٨٧٨
٧٠٠

التشهد الأول / صيغ التشهد / الصيغة الأولى
وأنه رب السماوات والأرض؛ فإنهم كانوا مُقِرّين بهذا بباعث الفطرة - كما سبق عن
الجاهليين - ؛ ولهذا لم ترد الآيات في ذلك في الغالب؛ إلا بصيغة استفهام التقرير؛
نحو: ﴿أفي الله شك فاطر السماوات والأرض﴾. ﴿أفمن يخلق كما لا يَخلق﴾.
﴿هل من خالق غير الله﴾ .
ومما سبق تعلم أن المشركين لم يتخذوا الأصنام والأوثان شركاء لله تعالى في
الربوبية ؛ أي : أنهم [ ما] اعتقدوا فيهم أنهم شركاء لله في الخلق ، والرزق ، والإحياء ،
والإماتة ، كلا ؛ فإنهم نفوا ذلك بأنفسهم ، وإنما اتخذوهم شركاء لله سبحانه في العبودية
والألوهية ؛ كما قال تعالى : ﴿والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى
الله زلفى﴾ [٣٨: ٣]. فهم مُقِرّون بأن المقصود بالذات هو الله تعالى، وأنهم إنما عبدوا
أوثانهم ؛ وسيلة توصلهم إلى الله .
وفي ((صحيح مسلم)) (٨/٤)، و((المختارة)) للضياء المقدسي عن ابن عباس:
كان المشركون يقولون : لبيك لا شريك لك . قال : فيقول رسول الله
: :
((ويلكم قَدْ قَدْ)). فيقولون : إلا شريكاً هو لك ، تملكه ، وما ملك . يقولون هذا ، وهم
يطوفون بالبيت !
ومعنى عبادة المشركين لأوليائهم وأصنامهم هو: أنهم خَصُوهم بنوع من العبادات :
كالاستغاثة بهم ، والنذر ، والنحر لهم ، وغيرها ؛ مما يدل على منتهى الخشوع والخضوع ،
وهم لم يفعلوا ذلك إلا لاعتقادهم أنها تقربهم إلى الله تعالى ، وتشفع لهم لديه . فأرسل
الله الرسل تأمر بترك عبادة كل ما سواه . وأن هذا الاعتقاد الذي يعتقدونه في الأنداد
باطل ، والتقرب إليهم باطل ، وأن ذلك لا يكون إلا لله وحده ، وهو توحيد العبادة .
وقد كان المشركون ، منهم: من يعبد الملائكة ، وينادونهم عند الشدائد ، ومنهم: من
يعبد تماثيل لبعض الصالحين ، ويهتف بها عند الشدائد، فبعث الله إليهم محمداً
٨٧٩

التشهد الأول / صيغ التشهد / الصيغة الأولى
يدعوهم إلى الله وحده بأن يفردوه بالعبادة - كما أفردوه بالربوبية -، وأن لا يدعوا مع الله
أحداً ؛ قال تعالى : ﴿له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء﴾ .
وأمر عباده أن يقولوا: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾. ولا يصدق قائل هذا إلا إذا أفرد
العبادة لله تعالى ؛ وإلا كان كاذباً ، منهياً عن أن يقول هذه الكلمة ؛ إذ معناها : نخصك
بالعبادة ونفردك بها ، وهو معنى قوله : ﴿فإياي فاعبدون﴾. ﴿وإياي فاتقون﴾. كما
عرف من علم البيان : أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر ؛ أي : اعبدوا الله ، ولا تعبدوا
غيره . واتقوه ولا تتقوا غيره .
فإفراد الله تعالى بتوحيد العبادة لا يتم إلا بأن يكون الدعاء كله له ، والنداء في
الشدائد والرخاء لا يكون إلا الله وحده ، والاستعانة بالله وحده ، واللجوء إلى الله ، والنذر
والنحر له تعالى ، وجميع أنواع العبادات من الخضوع ، والقيام لله تعالى ، والركوع ،
والسجود ، والطواف، والتجرد عن الثياب ، والحلق ، والقصر كله لا يكون إلا لله عز
وجل ، ومن فعل ذلك لمخلوق حي ، أو ميت ، أو جماد ، أو غيره ؛ فهذا شرك في العبادة
والألوهية ، وفي النهي عن ذلك نزل قوله تعالى: ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي إنما
إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه
أحداً﴾. وصار من يُفعل له هذه الأمور إلهاً لعابده سواء كان ملكاً ، أو نبياً، أو ولياً ، أو
قبراً ، أو غير ذلك ، وصار بهذه العبادة ، أو بأي نوع منها عابداً لذلك المخلوق ، وإن أقر بالله
وحده وعبده ؛ فإن إقرار المشركين بالله ، وتقربهم إليه ؛ لم يخرجهم عن الشرك ؛ قال الله
عز وجل في الحديث القدسي :
((أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً، وأشرك فيه معي غيري ؛ تركته
وشرکه)» .
أخرجه مسلم وغيره .
٨٨٠