Indexed OCR Text
Pages 481-500
ما كان يقرؤه تَّ﴾ في الصلوات / ٤ - صلاة المغرب
(١)
وتارة بـ: ﴿المرسلات﴾ (٧٧: ٥٠) ؛ قرأ بها في آخر صلاة صلاها
بتمامه؛ قرأه رسول الله تَ في المغرب؛ فلا يفيد حينئذ ليت ولعل ، ولأنه قد ورد في
حديث عائشة في ((سنن النسائي)) :
أن رسول الله تَ قرأ سورة ﴿الأعراف﴾ في المغرب؛ فَرَّقَها في ركعتين. ومن
المعلوم أن نصف ﴿الأعراف﴾ لا يبلغ مبلغ القصار؛ فلا يفيد التفريق لإثبات القصار.
وإن الجواب الصواب هو الثالث)» . اهـ كلامه .
(١) هو من حديث أم الفضل بنت الحارث رضي الله عنها ، وله عنها طريقان :
الأول : عن ابنها عبدالله بن عباس رضي الله عنه :
أنها سمعته وهو يقرأ: ﴿والمرسلات عرفاً﴾؛ فقالت له :
يا بني! لقد ذكَّرتني بقراءتك هذه السورةَ؛ إنها لآخرُ ما سمعت رسول الله لنَّ يقرأ
بها في المغرب .
أخرجه مالك (٩٩/١ - ١٠٠)، وعنه البخاري (١٩٥/٢)، ومسلم (٤٠/٢ - ٤١)،
ومحمد (١٤٢)، وأبو داود (١٢٩/١)، والطحاوي (١٢٤/١)، والبيهقي (٣٩٢/٢)،
وأحمد (٣٤٠/٦) - كلهم عن مالك - عن ابن شهاب عن عبيدالله بن عبدالله بن عُتبة
ابن مسعود عنه .
ثم أخرجه البخاري (١٠٥/٨)، ومسلم، والنسائي (١٥٤/١)، والدارمي
(٢٩٦/١)، وابن ماجه (٢٧٥/١)، والطحاوي، وأحمد (٣٣٨/٦ و٣٤٠) من طرق عن
الزهري به نحوه .
وأخرجه الترمذي (١١٢/٢) من طريق محمد بن إسحاقَ عن الزهري به بلفظ :
خرج إلينا رسولُ الله ◌َ، وهو عاصِبٌ رأسَهُ في مرضه، فصلى المغرب فقرأ بـ:
﴿المرسلات﴾.
٤٨١
في الصلوات / ٤ - صلاة المغرب
ما كان يقرؤه
قالت : فما صلاها بعد حتى لقي الله . وقال :
(حديث حسن صحيح)) .
الطريق الثاني : عن أنس عنها قالت :
صلى بنا رسول الله تَّهُ في بيته - متوشحاً في ثوبٍ - المغرب فقرأ: ﴿المرسلات).
ما صلى صلاةً بعدها حتى قُبض :
أخرجه النسائي ، والطحاوي (١٢٥/١)، وأحمد (٣٣٨/٦) عن موسی بن داود : ثنا
عبدالعزيز بن أبي سلمة الماجشون عن حُميد عنه .
وهذا سند صحيح على شرط مسلم .
وقد جاء في ((البخاري)) (١٣٧/٢) وغيره من حديث عائشة أن الصلاة التي صلاها
النبي له بأصحابه في مرض موته كانت الظهر .
وقد [جمع] الحافظ بين هذا ، وبين حديث أم الفضل هذا بأن الصلاة التي حَكَتْها
عائشةُ كانت في المسجد ، والتي حَكَتْها أُمُّ الفضل كانت في بيته - كما في الطريق
الثاني - .
ثم أَوَّلَ حديث ابن إسحاق - المذكور آنفاً - بأن معناه : خرج إلينا من مكانه الذي
كان راقداً فيه إلى من في البيت ، فصلى بهم .
قلت : وهذا جمعٌ حسنٌ ؛ لكن ابن إسحاق يخطئ أحياناً ، وقد تفرد بذكر الخروج
فيه دون جميع الثقات الذين رووه عن الزهري ؛ فلا يقوى حينئذ لمعارضة رواية أنس
الصحيحة ، وبالتالي لا حاجة إلى الجمع بينهما - كما لا يخفى ..
والحديث دليل - كغيره - على استحباب قراءة طِوَالِ المفصل أحياناً في المغرب - كما
سبق في الذي قبله -.
٤٨٢
..
في الصلوات / ٤ - صلاة المغرب
ما كان يقرؤه :
و((كان أحياناً يقرأ بطُولَى الطُّوَلَيَيْنِ (١): [﴿الأعراف﴾ (٧: ٢٠٦)](٢) [في
وقد أجاب عنه الحنفية بأنه محمول على أنه قرأ بعض هذه السورة لا كلها ، أو أنه
منسوخ - كما سبق عن الإمام محمد -:
والأول خلاف الظاهر - ولا يُخرج عنه إلا بدليل -، وغاية ما تمسك به علماؤنا في
ذلك حديث أبي هريرة المتقدم في أول الفصل؛ أنه مت ** كان يقرأ في المغرب بقصار
المفصل ، فعارض به الطحاوي وغيره هذه الأحاديثَ القاضية باستحباب قراءة طواله ،
وأولوها بما تقدم ، ولا مبرر لذلك؛ فالجمع ممكن بما هو أقرب إلى الالتئام من هذا التأويل ،
وهو حمل هذه الأحاديث على اختلاف الأحوال - كما سبق -، لاسيما وأن في بعض
هذه الأحاديث ما لا يقبل هذا التأويل مطلقاً - كما مضى عن اللكنوي - (*) .
وأما دعوى النسخ؛ فباطلة بشهادة هذا الحديث الصحيح؛ فإنه صريح في أنه قرأ
بذلك في آخر صلاة صلاها تٍَّ، فلو كان هناك مُبَرِّرٌ للمصير إلى النسخ ؛ لكان ادعاء
العكس أقربَ إلى الصواب ، وأحقَّ بالقبول عند ذوي الألباب ، ولكن لا مسوغ لذلك
طالما أن الجمع ممكن بما سبق . والله الموفق .
(١) أي: بأطول السورتين الطويلتين. و((طولى)) تأنيث ((أطول))، و((الطوليين)): تثنية
(«طولى))، وهما: ﴿الأعراف﴾ اتفاقاً، و﴿الأنعام﴾ على الأرجح. كما في ((فتح الباري)).
(٢) هو من حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه .
رواه عنه مروان بن الحكم ثم عروة بن الزبير.
أما الأول: فأخرجه البخاري (١٩٦/٢)، وأبو داود (١٢٩/١)، والنسائي
(١٥٤/١)، و{ابن خزيمة (٢/٦٨/١) =[٥١٦/٢٥٩/١]}، والبيهقي (٣٩٢/٢)، وأحمد
(١٨٨/٥ و١٨٩) من طرق عن ابن جريج قال: سمعت عبدالله بن أبي مليكة يحدث
(*) انظر ما تقدم (ص ٤٨٠).
٤٨٣
في الصلوات / ٤ - صلاة المغرب
ما كان يقرؤه #
يقول : أخبرني عروة بن الزبير : أن مروان أخبره قال : قال لي زيد بن ثابت :
ما لك تقرأ في المغرب بقصار المفصل؟! لقد كان رسول الله :﴿ يقرأ في صلاة
المغرب طولى الطوليين .
قال : قلت لعروة: ما طولى الطوليين؟ قال: ﴿الأعراف﴾.
والسیاق لأحمد . وزاد أبو داود قال :
وسألت أنا ابن أبي مُلَيكة؟ فقال لي من قِبَلِ نفسه: ﴿المائدة﴾ و﴿الأعراف﴾.
وهي عند [ابن خزيمة]، والبيهقي أيضاً؛ إلا أنه قال: ﴿الأنعام﴾ .. مكان:
﴿المائدة﴾. وكذلك رواه الجوزقي من الطريق التي أخرجها أبو داود ، كما ذكره الحافظ ،
وذکر بعض الروايات شاهدً لذلك ، ثم قال :
((فحصل الاتفاق على تفسير الطولى بـ: ﴿الأعراف﴾، وفي تفسير الأخرى ثلاثة
أقوال ؛ المحفوظ منها: ﴿الأنعام))). اهـ.
وقد تابعه هشام بن عروة عن عروة :
أخرجه أحمد (١٨٧/٥): ثنا سليمان بن داود: أنا عبدالرحمن بن أبي الزِّنَاد عن
هشام بن عروة عن أبيه عن مروان بن الحكم قال : قال لي زيد بن ثابت :
ألم أرك الليلة خفَّفت القراءة في سجدتي المغرب؟!
والذي نفسي بيده ! إن كان رسول الله ﴿ لَيقرأُ فيهما بطولى الطوليين.
وهذا إسناد جيد .
وأما رواية عروة بن الزبير عنه ؛ فأخرجها النسائي، والطحاوي (١٢٤/١) من طريق
أبي الأسود : أنه سمع عروة بن الزبير يقول : أخبرني زيد بن ثابت ؛ أنه قال لمروان بن الحكم :
يا أبا عبدالملك! ما يحملك على أن تقرأ في صلاة المغرب بـ: ﴿قل هو الله أحد﴾،
٤٨٤
ما كان يقرؤه في الصلوات / ٤ - صلاة المغرب
الرکعتین](١)».
وسورة أخرى صغيرة - وقال النسائي: و﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾ -؟! قال زيد :
فوالله ! لقد سمعت رسول الله ﴿ يقرأ في صلاة المغرب بأطول الطّوال؛ وهي ﴿المص﴾.
والسياق للطحاوي .
وهذا سند صحيح على شرطهما - كما قال النووي (٣٨٣/٣)، وابن القيم (٧٥/١) ..
ثم أخرجه الطحاوي عن حماد عن هشام عن أبيه به نحوه ؛ لكنه قال : زید بن
ثابت أو : أبو زيد الأنصاري - شك هشام - .
وكذلك أخرجه أحمد (١٨٥/٥) من طریق یحیی بن سعيد عن هشام به نحوه ،
لكنه قال : أو أبي أيوب . والظاهر أن عروة سمعه أولاً من مروان عن زيد ثم لقي زيداً،
فأخبره - كما في «الفتح» .. قال السندي :
((وفي الحديث أنه ينبغي للإمام أن يقرأ ما قرأه ﴿ أحياناً؛ تبركاً بقراءته
،
وإحياءً لسنته وآثاره الجميلة)) . ١ هـ. قال ابن القيم:
«فالمحافظة فيها على الآية القصيرة ، والسورة من قصار المفصل ؛ خلاف السنة ، وهو
فعل مروان بن الحكم ؛ ولهذا أنكر عليه زيد بن ثابت)) .
(١) هو رواية عن زيد بن ثابت في حديثه المتقدم من طريق هشام بن عروة عن أبيه
عنه ؛ أنه قال لمروان :
يقرأ
إنك تُخِفُ القراءةَ في الركعتين من المغرب . فوالله ! لقد كان رسول الله :
فيهما بسورة ﴿الأعراف﴾ في الركعتين جميعاً.
أخرجه ابن خزيمة { (١/٦٨/١) = [٥١٨/٢٦٠/١]}(*).
(*) وعزاه الشيخ رحمه الله في «الصفة» المطبوع (ص١١٦) للسرّاج، والمخلّص.
٤٨٥
في الصلوات / ٤ - صلاة المغرب
ما كان يقرؤه
وقد أخرجه {ابن خزيمة [٥١٧/٢٦٠/١]}، والحاكم (٢٣٧/١) من طريق مُحاضِر
ابن المُوَرِّع : ثنا هشام بن عروة به نحوه . وقال :
((صحيح على شرط الشيخين؛ إن لم يكن فيه إرسال)) . وقال الذهبي :
((فيه انقطاع)) . كذا قال ! ويعني : بين عروة وزيد ، وليس كذلك ؛ فقد سبق
تصريحه بسماعه منه في رواية الطحاوي ؛ فالحديث موصول صحيح، وهو على شرط
مسلم فقط ؛ فإن محاضر بن المورِّع إنما روى له البخاري تعليقاً .
وقد ذكره البيهقي (٣٩٢/٢) من طريقه ، ثم قال :
((والصحيح هي الرواية الأولى)) . يعني: رواية ابن جريج السابقة ، التي ليس فيها
تفريقها في الركعتين .
قلت: لكنه لم يتفرد به محاضر؛ فقد قال أحمد (٤١٨/٥): ثنا وكيع : ثنا هشام
ابن عروة عن أبيه عن أبي أيوب ۔ أو عن زيد بن ثابت -:
أن النبي تُ قرأ في المغرب بـ ﴿الأعراف﴾ في الركعتين.
وهذا إسناد صحيح على شرطهما ، والشك في الصحابي لا يضر.
ورواه شعيب بن أبي حمزة قال : ثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة :
أن رسول الله عَ ليه ... به؛ إلا أنه قال:
فَرَّقَها في ركعتين .
أخرجه النسائي (١٥٤/١)، والبيهقي من طريق أبي حَيْوَةَ وبقيّة بن الوليد قالا: ثنا
شعيب به .
وهذا سند صحیح . وقول النووي (٣٨٣/٣):
٤٨٦
في الصلوات / ٤ - صلاة المغرب
ما كان يقرؤه
وتارة: بـ: ﴿الأنفال﴾ (٨: ٧٥) في الركعتين (١).
(حسن)). قصور؛ فإن بقية إنما يُخشى من تدليسه ، وهو قد صرح بالتحديث .
وتابعه أبو حَيْوَةَ ، واسمه شريح بن يزيد ، وهو ثقة - كما قال الشوكاني (١٩٦/٢) ..
ثم إن الظاهر أن الحديث واحد ، اختلف الرواة فيه عن هشام في صحابيه . والمحفوظ
عن عروة: أنه زيد بن ثابت - كما قال الحافظ -؛ فحمل رواية هشام المختلفة على الرواية
المحفوظة أولى . والله أعلم .
(١) هو من حديث أبي أيوب رضي الله عنه :
كان يقرأ في المغرب سورة ﴿الأنفال﴾.
أن النبي
رواه الطبراني في «الكبير» {بسندٍ صحيح}، ورجاله رجال («الصحيح)).
وعن زيد بن ثابت :
كان يقرأ في الركعتين من المغرب بـ: سورة ﴿الأنفال﴾.
أخرجه أيضاً في ((الكبير))، ورجاله رجال ((الصحيح)). كذا في ((المجمع)) (١١٨/٢).
قلت : وإسناد الأول هكذا في ((الكبير)): ثنا عبدالرحمن بن سلم الرازي : نا سهل
ابن عثمان : نا عُقبة بن خالد عن هشام بن عروة عن أبيه عنه بزيادة :
في الركعتين .
٤٨٧
في الصلوات / ٤ - صلاة المغرب / القراءة في سنة المغرب
ما كان يقرؤه
القراءة في سُنَّة المغرب
وأما سُنَّةُ المغرب البَعْدِيَّة؛ فـ ((كان يقرأ فيها: ﴿قل يا أيها الكافرون﴾
(١٠٩: ٦) و: ﴿قل هو الله أحد﴾ (١١٢ : ٤)(١).
(١) هو من حديث ابن عمر رضي الله عنه قال :
رَمَقْتُ النبيِّ :﴿ أربعاً وعشرين مرة ، أو خمساً وعشرين مرة يقرأ في الركعتين قبل
الفجر وبعد المغرب: ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ و: ﴿قل هو الله أحد﴾ .
أخرجه أحمد (٥٨/٢ ,٩٥)، والمقدسي في ((المختارة))، والطبراني في ((الكبير)) من
حديث إسرائيل عن أبي إسحاق عن مجاهد عنه .
وقد تابعه سفيان الثوري عن أبي إسحاق ، لكنه لم يذكر القراءة في ركعتي
المغرب .
أخرجه الترمذي ، وابن ماجه - كما سبق في (سنة الفجر) ..
وعمار بن رُزَيق عن أبي إسحاق عن إبراهيم بن مُهاجِر عن مجاهد به - كاملاً ..
فأدخل بين أبي إسحاقَ ومجاهدٍ إبراهيمَ بن مهاجر.
أخرجه النسائي (١٥٤/١)، والطبراني في ((الكبير)).
وإبراهيم هذا: صدوق لين الحفظ - كما في ((التقريب)) - وإليه أشار النووي حينما
قال (٣٨٥/٣) :
«رواه النسائي بإسناد جيد ، إلا أن فيه رجلاً اختلفوا في توثيقه وجرحه ، وقد روى
له مسلم» .
قلت : وقد وجدت له متابعاً عن نافع :
٤٨٨
في الصلوات / ٤ - صلاة المغرب / القراءة في سنة المغرب
ما كان يقرؤه
أخرجه ابن نصر (٣١) من طريق أسباط عن ليث عن نافع به .
ولیث : ضعیف ، ولکنه في الشواهد لا بأس به .
وله طريق أخرى؛ أخرجها الطبراني في «الكبير» عن إسماعيل بن عَمْرو البَجَلي :
نا إسرائيل عن ثُوير بن أبي فَاخِتَة عن ابن عمر رضي الله عنه به .
وإسماعيل البَجَلي : ضعيف .
وبالجملة ؛ فالحديث قويٌّ بهذه المتابعة والطريق . وأعله ابن نصر بقوله :
((وهذا غير محفوظ عندي ؛ لأن المعروف عن ابن عمر أنه روى عن حفصة رضي الله
عنها :
كان يصلي الركعتين قبل الفجر ، وقال : تلك ساعة لم أكن أدخل
أن النبي
على النبي ◌َّصل فيها)).
قلت : وهذا من قبيل معارضة الخاص بالعام ، وليس بجيد ؛ فإنه يجوز أن يكون
ذلك في ظرف خاص ؛ كسفر أو غيره ، استطاع فيه أن يراقبه هذه المراقبة الدقيقة . والله
أعلم .
وقد سبق (ص٤٥٥) أن السلف كانوا يستحبون قراءة هاتين السورتين في ركعتي
المغرب وركعتي الفجر .
ثم الحديث رواه الطيالسي (٢٥٧) - وعنه المقدسي في ((المختارة)) - وعن غيره عن أبي
الأحوص سلام بن سُليم عن أبي إسحاق به مثلَ روايةٍ إسرائيل .
وله شاهد من حديث ابن مسعود : عند ابن ماجه (١١٦٦).
٤٨٩
في الصلوات / ٥ - صلاة العشاء
ما كان يقرؤه
٥ - صلاة العشاء
كان ◌َ﴾ يقرأ في الركعتين الأوليين من وسط المُفَصِّل(١)؛ فـ ((كان تارةً
يقرأ بـ: ﴿الشمس وضحاها﴾ (٩١: ١٥)، وأشباهها من السور))(٢).
(١) هو قطعة من حديث أبي هريرة المتقدم في (صلاة الفجر).
قال السيوطي في ((الإتقان)) (٦٣/١):
(((الْمُفَصّل): طوال، وأوساط، وقصار. قال ابن مَعْن: فطواله إلى ﴿عم﴾ ،
وأوساطه منها إلى ﴿الضحى﴾، ومنها إلى آخر القرآن قصاره . هذا أقرب ما قيل
فیه)) .
(٢) هو من حديث بُريّدة بن الحُصّيب.
أخرجه أحمد (٣٥٤/٥) : ثنا زيد بن حُبَاب : ثني حسين بن واقد : ثني عبدالله بن
بريدة عن أبيه به .
وهذا سند صحيح على شرط مسلم .
وقد أخرجه الترمذي (١١٤/٢): ثنا عبدة بن عبدالله الخُزَاعي: ثنا زيد بن الحُبَاب
به . وقال :
«حديث حسن)) .
وأخرجه النسائي (١٥٤/١)، والطحاوي (١٢٦/١) من طريق علي بن الحسن بن
شَقِيق : ثنا الحسين بن واقد به .
وهذا صحيح أيضاً كالأول .
٤٩٠
في الصلوات / ٥ - صلاة العشاء
ما كان يقرؤه
و((تارة بـ: ﴿إذا السماء أنشقّت﴾ (٨٤: ٢٥)، وكان يسجد بها))(١).
(١) هو من حديث أبي هريرة رضي الله عنه . رواه عنه أبو رافع قال:
صليت مع أبي هريرة العَتَمة ، فقرأ: ﴿إذا السماء انشقت﴾، فسجد. فقلت: ما
هذه؟! قال :
سجدت بها خلف أبي القاسم ؛ فلا أزال أسجد بها حتى ألقاه .
أخرجه البخاري (١٩٩/٢ و٤٤٨)، ومسلم (٨٩/٢)، وأبو داود (٢٢٢/١)،
والنسائي (١٥٢/١)، والطحاوي (٢١٠/١)، والبيهقي (٣٢٢/٢)، والطيالسي (٣٢١)،
وأحمد (٢٢٩/٢ و٤٥٦ و٤٥٩ و٤٦٦) من طرق عنه. وهذا لفظ سُليمان التَّيْمي عنه .
وظاهره أنه سجد بها في الصلاة .
ويؤيد ذلك رواية ابن خزيمة من طريق أبي الأشعث عن مُعتمِر عن أبيه بلفظ :
صليت خلف أبي القاسم؛ فسجد بها .
ومثله رواية يزيد بن هارون عن سليمان بلفظ :
صليت مع أبي القاسم؛ فسجد فيها. كما في ((الفتح)).
ولذلك ترجم له البخاري بـ: (باب القراءة في العشاء بالسجدة) .
وأخرجه البخاري (٤٤٥/٢)، ومسلم، والنسائي، والدارمي (٣٤٣/١)،
والطحاوي ، والبيهقي (٣١٥/٢)، والطيالسي (٣٠٧)، وأحمد (٤١٣/٢ و٤٣٤ و٤٤٩
و٤٥٤ و٤٦٦ و٤٨٧ و٥٢٩)، وكذا مالك (٢٠٩/١ - ٢١٠)، وعنه محمد (١٤٦ و١٤٨)
من طرق عن أبي سلمة١ .
ومسلم ، وأبو داود، والترمذي (٤٦٢/٢ - ٤٦٣)، وابن ماجه (٣٢٧/١)،
والطحاوي ، وأحمد (٢٤٩/٢ و٤٦١) عن عطاء بن ميناء٢ً .
٤٩١
٠
في الصلوات / ٥ - صلاة العشاء
ما كان يقرؤه
ومسلم ، والطحاوي ، عن عبدالرحمن بن سعد الأعرج".
والنسائي ، والطحاوي ، وكذا أحمد (٢٨١/٢) عن ابن سيرين٤.
والنسائي ، والترمذي ، وابن ماجه، وأحمد (٢٤٧/٢) عن أبي بكر بن
عبدالرحمن° .
والطحاوي ، وأحمد (٤٥١/٢) عن نعيم المُجْمِرة.
رواه ستتُهم عن أبي هريرة نحوه . وقال الترمذي :
(«حديث حسن صحيح ، والعمل على هذا عند أهل العلم ؛ يرون السجود في : ﴿إذا
السماء انشقت﴾)) .
قلت: وهو قول أئمتنا الثلاثة - كما في ((شرح الطحاوي)) وغيره -. وقال الإمام
محمد في ((الموطأ):
((وبه نأخذ ، وهو قول أبي حنيفة)) . قال أبو الحسنات :
«وبه أخذ الخلفاء الأربعة والأئمة الثلاثة وجماعة ، ورواه ابن وهب عن مالك ،
وروى ابن القاسم والجمهور عنه أنه لا سجود؛ لأن أبا سلمة قال لأبي هريرة لما سجد :
لقد سجدت في سورة ما رأيت الناس يسجدون فيها .
فدلَّ هذا على أن الناس تركوه ، وجرى العمل بتركه . وردّه ابن عبدالبر بما حاصلُه :
أيَّ عمل يَدعي مع مخالفة المصطفى والخلفاء بعده؟!)).
(تنبيه): روى الإمام أحمد (٣٢٦/٢ - ٣٢٧) من طريق رزيق - يعني : ابن أبي
سلمى -: ثنا أبو الْمُهَزِّم عن أبي هريرة :
أن رسول الله كان يقرأ في العشاء الآخرة بـ: ﴿السماء﴾ - يعني: ﴿ذات البروج﴾.
و: ﴿السماء والطارق﴾ .
٤٩٢
في الصلوات / ٥ - صلاة العشاء
ما كان يقرؤه ؟
و ((قرأ مرة في سَفَربـ: ﴿التين والزيتون﴾ (٩٥: ٨) (١) [في الركعة
ثم رواه (٣٢٧/٢ و٥٣١) من طريق حماد بن عَبّاد السَّدُوسي قال :
سمعت أبا الْمُهَزِّم به بلفظ :
أن رسول الله هم أمر أن يقرأ بـ (السماوات) في العشاء.
ولكنَّ أبا المهزم هذا متروك - كما في ((التقريب)) ..
(١) هو من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه :
* كان في سفر، فقرأ في العشاء في إحدى الركعتين بـ: ﴿التين
أن النبي
والزيتون ﴾ .
أخرجه البخاري (١٩٩/٢ و٥٧٩/٨)، ومسلم (٤١/٢)، وأبو داود (١٩٠/١)،
والنسائي (١٥٥/١)، والبيهقي (٣٩٣/٢)، وأحمد (٢٨٤/٤ و٣٠٢) من طرق عن شعبة
عن عدي بن ثابت عنه به . إلا أن النسائي قال :
في الركعة الأولى .
وأوردها الحافظ ساكتاً عليها .
وإسنادها صحيح .
وأخرجه مسلم ، ومالك (١٠١/١)، وعنه النسائي، والترمذي (١١٥/٢)، وابن
ماجه (٢٧٦/١)، والبيهقي، وأحمد (٢٨٦/٤ و٣٠٣) من طريق يحيى بن سعيد عن
عدي به مختصراً ؛ دون ذكر السفر والركعة .
وكذلك رواه مِسْعَرٌ عن عدي ، وزاد :
فما سمعت أحداً أحسن صوتاً منه .
أخرجه البخاري (١٩٩/٢ و١٣/ ٤٤٥) وفي ((أفعال العباد)» (ص ٨٠)، ومسلم ،
٤٩٣
ما كان يقرؤه في الصلوات / ٥ - صلاة العشاء
الأولى])»(١).
(١)
وابن ماجه، وأحمد (٢٩١/٤ و٢٩٨ و٣٠٢ و٣٠٤) من طرق عنه .
وقد أخرجه الطيالسي عن شعبة بلفظ :
المغرب في الركعة الثانية .
وکذلك هو عند أحمد في رواية عن یحیی بن سعید ،لكنه لم یذکر الركعة - كما
سبق في (صلاة المغرب)، ورجَّحنا - هناك - أنهما روايتان لا تعارض بينهما . فراجعه .
قال الحافظ :
((وإنما قرأْ تَّه في العشاء بقصار المُفَصّل؛ لكونه كان مسافراً، والسفر يُطْلَب فيه
التخفيف . وحديث أبي هريرة محمول على الحضر ؛ فلذلك قرأ فيها بأوساط
المفصل)».
(١) ذكر هذه الزيادة الحافظ - كما سبق -، ثم ذهل عن ذلك؛ فقال في (التفسير)
(٥٨٠/٨) :
((وقد كثر سؤال بعض الناس : هل قرأ بها في الركعة الأولى ، أو الثانية ، أو قرأ بها
فيهما معاً ، أو قرأ فيها غيرها ؛ فهل عُرِف؟ وما كنت أستحضر لذلك جواباً ؛ إلى أن رأيت
في ((كتاب الصحابة)) لأبي علي بن السَّكّن في ترجمة زُرعة بن خليفة - رجلٍ من أهل
اليمامة - ؛ أنه قال :
سمعنا بالنبي ◌َ، فأتيناه ، فعرض علينا الإسلام؛ فأسلمنا ، وأسهم لنا ، وقرأ في
الصلاة بـ: ﴿التين والزيتون﴾ و: ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾.
فيمكن إن كانت هي الصلاةَ التي عيَّن البراء بن عازب أنها العشاء ؛ أن يقال : قرأ
في الأولى بـ: ﴿التين﴾، وفي الثانية بـ: ﴿القدْر﴾، ويحصل بذلك جواب السؤال.
٤٩٤
في الصلوات / ٥ - صلاة العشاء
ما كان يقرؤه
و{ نهى عن إطالة القراءة فيها، وذلك حين} ((صلى معاذ بن جبل
لأصحابه العشاء فطوّل عليهم ؛ فانصرف رجل من الأنصار فصلى ، فأُخبر
معاذ عنه ، فقال : إنه منافق . ولما بلغ ذلك الرجلَ ؛ دخل على رسول
الله :
:
فأخبره ما قال معاذ ؛ فقال له النبي
((أتريد أن تكون فتاناً يا معاذ؟! إذا أممتَ الناس؛ فاقرأ بـ: ﴿الشمس
وضحاها﴾ (٩١: ١٥)، و: ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ (٧٧: ١٩)، و: ﴿اقرأ
باسم ربك﴾، (١٩:٩٦) و: ﴿الليل إذا يغشى﴾ (٩٢: ٢١)؛ [فإنه يصلي
وراءك الكبير، والضعيف ، وذو الحاجة]))(١) .
ويقوي ذلك أنَّا لا نعرف في خبر من الأخبار أنه قرأ بـ: ﴿التين والزيتون﴾، إلا في
حديث البراء ، ثم حديث زرعة هذا)).
(١) ورد ذلك عن جمع من الصحابة (١)؛ منهم: جابر بن عبد الله الأنصاري ، وله
عنه طرق :
الأولى : عن الليث عن أبي الزبير عنه ؛ أنه قال :
صلى معاذ بن جبل الأنصاري لأصحابه العشاء ... الحديث .
أخرجه مسلم (٤٢/٢)، والنسائي (١٥٥/١)، وابن ماجه (٢٧٦/١ و٣١١)،
والبيهقي (٣٩٢/٢ - ٣٩٣) .
الثانية : عن عمرو بن دينار: ثنا جابر به نحوه، وفيه : أنه قرأ بهم ﴿البقرة﴾،
ـل* [أمره] بسورتين من أوسط المفصل . قال عمرو : ولا أحفظهما .
وأنه
أخرجه البخاري (١٥٥/٢ - ١٥٦ و٤٢٤/١٠)، ومسلم (٤١/٢ - ٤٢)، والنسائي
(١٣٤/١)، والدارمي (٢٩٧/١)، وأحمد (٣٠٨/٣ و٣٦٩) - ومن طريقه أبو داود
(١) {وهو مخرج في ((الإرواء» (٢٩٥)}.
٤٩٥
في الصلوات / ٥ - صلاة العشاء
ما كان يقرؤه
(١٢٦/١ -١٢٧) -، وسنده عنده ثلاثي . وزاد هو ومسلم:
قال سفيان: فقلت لعمرو: إن أبا الزبير حدثنا عن جابر؛ أنه قال : اقرأ: ﴿والشمس
وضحاها﴾، ﴿والضحى﴾، ﴿والليل إذا يغشى﴾، و﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾؟ فقال
عمرو : نحو هذا .
الثالثة : عن مُحارِب بن دَثارٍ قال: سمعت جابراً به نحوه مختصراً ، وفيه :
ء
«فلو صلیت بـ: ﴿سبح اسم ربك﴾، و: ﴿الشمس وضحاها﴾ ، و: ﴿اللیل إذا
يغشى﴾ ؛ فإنه يصلي وراءك الكبير، والضعيف ، وذو الحاجة - أحسب هذا في الحديث ..
أخرجه البخاري (١٥٩/٢ - ١٦٠)، وكذا النسائي (١٥٥/١)؛ لكن ليس عنده :
.)) إلخ . وقد قال الحافظ :
((فإنه يصلى ..
((إن في ثبوت هذه الزيادة نظراً؛ لقوله بعدها : أحسب هذا في الحديث . يعني : هذه
الجملة ... وقائل ذلك هو شعبةُ الراوي عن محارب . وقد رواه غير شعبة من أصحاب
محارب عنه بدونها ، وكذا أصحاب جابر)) .
ورواه النسائي (١٣٣/١) عن محارب - أيضاً - مقروناً بأبي صالح عن جابر نحوه؛
لكن ليس فيه قوله :
((فلو صليت ... )) إلخ .
الرابعة : عن محمد بن عجلان عن عبيدالله بن مِقْسَم عنه .
أخرجه البخاري (١٦٠/٢) تعليقاً عن عبيدالله ، ووصله أبو داود (١٢٧/١) ، وابن
خزيمة - كما في ((الفتح)) (١٥٣/٢ و١٦٠) -، ولم يسق البخاري - وكذا أبو داود - لفظه.
ومنهم : أنس بن مالك رضي الله عنه .
٤٩٦
فى الصلوات / ٥ - صلاة العشاء
ما كان يقرؤه علي
أخرجه أحمد (١٢٤/٣): ثنا إسماعيل بن إبراهيم: ثنا عبدالعزيز بن صهيب ،
وقال مرة : أخبرنا عبدالعزيز بن صهيب عن أنس نحوه ؛ وفيه :
((لا تُطَوِّل بهم؛ اقرأ بـ: ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ و: ﴿الشمس وضحاها)
ونحوهما)» .
وهذا إسناد صحيح على شرط الستة . وهو من ثلاثيات ((المسند)).
وإسماعيل هذا: هو المعروف بابن عُلَيّة .
والحديث؛ قال في ((الفتح)) (١٥٤/٢):
((رواه أحمد، والنسائي، وأبو يعلى، وابن السّكّن بإسناد صحيح)).
ومنهم : بريدة بن الحَصِيب .
أخرجه أحمد (٣٥٥/٥) بإسناده الصحيح على شرط مسلم - المتقدم قبيل هذا
الحديث -. وقال الحافظ :
((إسناده قوي)).
واعلم أن في الحديث دلالةٌ على أنه لا يجوز للإمام أن يطيل القراءة بأكثر مما كان
رسول الله ◌َ لهُ يطيلها، أو بأكثر من التي حدَّدها؛ وذلك خشية أن يفتنهم عن دينهم ،
ويُنَفّرهم عن صلاة الجماعة .
وقد جاء في الأمر بالتخفيف أحاديث كثيرة في (الصحيحين)) وغيرهما ، وفيها
تعليل ذلك بأن في الجماعة السقيمَ ، والضعيف ، والكبير ، وذا الحاجة .
والذي يهمُّنا في هذا الصدد ، وينبغي أن نشرح القول فيه هو النظر فيما لو كان
بعض هؤلاء المذكورين هَوَاهُم القراءة بأقصر سورة في أطول صلاة - كالصبح مثلاً ، وما
قاربها -؛ فهل على الإمام الاقتداءُ بهم أو بأضعفهم - كما جاء في بعض الأحاديث -،
٤٩٧
في الصلوات / ٥ - صلاة العشاء
ما كان يقرؤه.
** من إطالة القراءة فيها؟
ولو كان في ذلك مخالفةٌ لعادته
فالذي يظهر : أنه ليس له ذلك ، وأن الأحاديث المشار إليها لا تشمل هذا
التخفيف ؛ لأنه يؤدي إلى تعطيل السنن النبوية ، إذ التخفيف من الأمور الإضافية ؛ فقد
يكون الشيء خفيفاً بالنسبة إلى عادة قوم ، طويلاً بالنسبة لعادة آخرين - كما قال ابن
دقیق العید - .
ويختلف ذلك - أيضاً - بالنسبة لنشاط بعضهم في التمسك بالسنة ومتابعته ريج ،
وضعف هِمَم الآخرين في ذلك ، وقوة بعضهم على القيام ، وضعف بعضهم عنه ، إلى
غير ذلك من الفوارق ؛ ولذلك كان لا بد من وضع حدّ للتخفيف المأمور به ؛ وهو ما قد
أشرت إليه في صدد هذا الكلام: من الاقتصار على هديه :﴿ في القراءة ، فمن فعل
ذلك ؛ فقد خفف ، ومن زاد على ذلك ؛ فقد أطال ، وخالف أمر الرسول
ولذلك لما شكا ذلك الرجل معاذاً إليه *؛ أمره أن يقرأ بمثل ما كان { ﴿ يقرأ ، فلم
يأمره بأقل من ذلك . وقد استفدنا هذا البحث من كلام ابن القيم رحمه الله ، وجزاه عن
السنة خير الجزاء ؛ حيث قال في صدد الرَّدِّ على النَّقَّارِيْن للصلاة؛ المخففين لها تخفيفاً
مخالفاً لسنته ﴿ (٧٦/١) :
«وأما قوله :
:
((أيكم أمَّ؛ فليخفف)) (أخرجه الستة) ، وقول أنس رضي الله عنه :
كان رسول اللّه ◌َ ي أخف الناس صلاة في تمام (أخرجاه). فالتخفيف أمر نسبي
يرجع إلى ما فعله النبي ته وواظب عليه، لا إلى شهوة المأمومين؛ فإنه ت﴿﴿ لم يكن
يأمرهم بأمر ثم يخالفه ، وقد عَلِمَ أن من ورائه الكبيرَ ، والضعيفَ ، وذا الحاجة ؛ فالذي
فعله هو التخفیف الذي أمر به ؛ فإنه كان يمكن أن تكون صلاته أطول من ذلك بأضعاف
٤٩٨
في الصلوات / ٦ - صلاة الليل
ما كان يقرؤه
٦ - صلاة الليل
ـانه {ربما جهر بالقراءة فيها، وربما أسرَ(*)}؛ يقصر القراءة فيها
و کان
تارة ، ويطيلها أحياناً ، ويبالغ في إطالتها أحياناً أخرى ، حتى قال ابن
مسعود :
((صليت مع النبي ﴿ ليلة، فلم يزل قائماً حتى هَمَمْتُ بأمر سوء !
قيل: وما هَمَمْتَ؟! قال: هَمَمْتُ أن أقعد وأَذَرَ النبيّ ﴿ٍ))(٢).
مضاعفة ؛ فهي خفيفة بالنسبة إلى أطولَ منها ، وهديه الذي كان واظب عليه هو الحاكمُ
على كل ما تنازع فيه المتنازعون .
ويدل عليه ما رواه النسائي وغيره عن ابن عمر رضي الله عنه قال :
يأمرنا بالتخفيف ، ويَؤُمُّنَا بـ: ﴿الصافات﴾ .
کان رسول الله
فالقراءة بـ: ﴿الصافات﴾ من التخفيف الذي كان يأمر به)).
قلت : وحديث ابن عمر هذا إسناده حسن ، وقد سبق الكلام عليه في (القراءة في
الفجر) .
وفي الحديث فوائد أخرى ذكرها النووي في ((شرح مسلم))، والحافظ في ((الفتح)).
فليراجعها من شاء .
(*) انظر تخريجه فيما سبق (ص٤١٩)، وكذلك يُستدل له بحديث حذيفة الآتي.
(٢) أخرجه البخاري (١٤/٣ - ١٥)، ومسلم (١٨٦/٢)، وأحمد (٣٨٥/١) من
طرق عن الأعمش عن أبي وائل عنه .
ورواه البيهقي (٨/٣).
٤٩٩
في الصلوات / ٦ - صلاة الليل
ما كان يقرؤه
وقال حذيفة بن اليمان :
((صلّيت مع النبي ◌َّ ذات ليلة، فافتتح ﴿البقرة). فقلت: يركع عند
المئة . ثم مضى. فقلت: يصلي بها في ركعة (١) . فمضى . فقلت: يركع
بها. ثم افتتح ﴿النساء﴾، فقرأها، ثم افتتح ﴿آل عمران﴾(٢)، فقرأها. يقرأ
مترسلاً: إذا مر بآية فيها تسبيح؛ سبح، وإذا مر بسؤال ؛ سأل ، وإذا مَرَّ
(١) أي: في ركعتين . أفاده النووي؛ فيعاد النظر في ألفاظ الحديث!
ثم راجعت ابن نصر ؛ فإذا فيه : ركعتين .
(٢) هكذا الرواية؛ بتقديم: ﴿النساء) على: ﴿آل عمران﴾؛ خلافاً للترتيب
العثماني عند جميع من أخرج الحديث ، إلا رواية لأحمد؛ فذكر: ﴿آل عمران﴾، ثم:
﴿النساء﴾. وهي من رواية أبي معاوية عن الأعمش، والرواية الأولى من رواية عبدالله
ابن نُمَير وجرير؛ كلاهما عن الأعمش . على أن مسلماً قرن بهما رواية أبي معاوية - وكذا
البيهقي -، ولم يذكر خلافاً بينه وبينهما في هذه الكلمة . والله أعلم .
وأيما كان ؛ فالرواية الأولى أصح؛ لاتفاق ثقتين عليها عن الأعمش ، ولمجيئها كذلك
من وجه آخر عند أحمد - كما سبق -.
وقد وهم الحافظ في ((الفتح)) (١٥/٣)، وتبعه الشيخ القاري وغيره في ((شرح
الشمائل)» (٩٥/٢)؛ حيث عزَوا الحديث باللفظ الثاني إلى ((صحيح مسلم))! وليس هو
فیه ؛ بل ولا عند أحد من مخرجیه ، حاشا أحمد في رواية - كما ذكرنا -. وقد رجح هذه
الرواية الشيخ القاري ؛ فقال :
((إنها الصواب؛ على ما هو المعروف المستقر من أحواله ني، وما استقر عند
الصحابة من الإجماع على ترتيب السور، على خلاف في أنه توقيفي ، بخلاف ترتيب
الآي ؛ فإنه قطعي». اهـ .
٥٠٠