Indexed OCR Text

Pages 221-240

وضعهما على الصدر
= «روى عنه حماد بن سلمة ، ويزيد بن زياد بن أبي الجعد . ذكره أبي عن إسحاق بن منصور عن
يحيى بن معين أنه قال : عاصم الجحدري ثقة)) .
قلت : وقد روى عنه آخران ؛ أحدهما ثقة ؛ كما حققته في كتابي («تيسير انتفاع الخلان بـ (ثقات
ابن حبان)». يسر الله لي إتمامه .
الثالث: أقر المشارُ إليه ابنَ التركماني على قوله: ((في متنه اضطراب)).
قلت : وهو مردود ؛ لأن شرط الحديث المضطرب أن تكون وجوه الاضطراب فيه متساوية القوة
بحيث لا يمكن ترجيح وجه منها على وجه ، وليس الأمر كذلك هنا ؛ لاتفاق الجماعة على رواية
الزيادة - كما تقدم -؛ فرواية الحاكم التي ليس فيها الزيادة مرجوحة - كما هو ظاهر -.
وأما الاضطراب في السند؛ فهو مُسَلَّم ، فلا حاجة لإطالة الكلام ببيانه ، ولكن ذلك مما لا يمنع
من الاستشهاد به - كما فعلنا -؛ لأنه ليس شديد الضعف - كما هو ظاهر -. والله سبحانه وتعالى
أعلم .
وثمة حديث رابع: من حديث وائل بن حُجر، [وقد سبق (ص ٢١٠)]. أعله المومى إليه
بالشذوذ (٧/٣)، ولكنه تعامى عن كونه بمعنى الحديث الذي قبله عن وائل أيضاً مرفوعاً بلفظ:
ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرسغ والساعد . [وقد سبق (ص٢٠٩)].
وقد اعترف بصحة إسناده (٧/٣) ، فلو أنه حاول يوماً ما أن يحقق هذا النص الصحيح في نفسه
عملیاً - وذلك بوضع الیمنی علی الکف الیسری والرسغ والساعد ، دون أي تكلف ۔؛ لوجد نفسه قد
وضعهما على الصدر! ولعرف أنه يخالفه هو ومن على شاكلته من الحنفية حين يضعون أيديهم تحت
السرة ، وقريباً من العورة ! [انظر (ص٢١٨)]
وبمعنى حديث وائل هذا حديثُ سهل بن سعد قال :
كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة .
رواه البخاري وغيره . [وقد سبق (ص ٢١٠)] .
ولكن الرجل المشار إليه لا يهمه التفقُّه في الحديث؛ لأنه يخشى منه على مذهبه ؛ لذلك يراه
الناسُ لا يهتم باتباع السنة في الصلاة، فضلاً عن غيرها ، وإنما همُّه التخريح فقط . هدانا الله تعالى
وإياه}. [انتهى من ((صفة الصلاة)) المطبوع (ص١٢ - ١٧/المعارف) بتصرف يسير].
٢٢١

وضعهما على الصدر
= وأما وضعهما تحت السرة؛ فلم یرد فیه إلا حدیث واحد مسنداً ، تفرد بروايته رجل
ضعيف اتفاقاً ، واضطرب فيه ؛ فجعله مرة من حديث علي ، وأخرى من حديث أبي
هريرة ، وهو :
عبدالرحمن بن إسحاق الواسطي قال: ثني زياد بن زيد السُّوائي عن أبي جُحَيفة
عن علي رضي الله عنه قال :
إن من السنة في الصلاة وضعَ الكَفِّ على الكف تحت السُّرَّة.
أخرجه أبو داود (١٢٠/١)، والدارقطني (١٠٧)، وعنه البيهقي (٣١/٢)، وأحمد
(١١٠/١) وفي ((مسائل ابنه عبدالله)) من طرق عنه .
ثم أخرجه الدارقطني ، وعنه البيهقي من طريق حفص بن غياث عن عبدالرحمن
ابن إسحاق عن النعمان بن سعد عن علي .
ثم أخرجه أبو داود ، والدارقطني من طريق عبدالواحد بن زياد عن عبدالرحمن بن
إسحاق عن سَيَّار أبي الحكم عن أبي وائل قال: قال أبو هريرة :... فذكره.
وهذا اضطراب شديد ؛ مرة يقول : ثني زياد بن زيد السُّوائي عن أبي جُحَيفة عن
علي . ومرة : عن النعمان بن سعد عن علي . وأخرى : عن سَيَّار أبي الحكم عن أبي
وائل عن أبي هريرة .
وهذا اضطراب موهن للحديث ؛ لو كان من اضطرب فيه ثقةً ؛ فكيف به وهو
ضعیف اتفاقاً ! وهو عبدالرحمن بن إسحاق هذا ؛ قال أبو داود :
(«سمعت أحمد بن حنبل يُضَعَّف عبدالرحمن بن إسحاق الكوفي)) . وقال البيهقي :
((في إسناده ضعف)). ثم قال :
((عبد الرحمن هذا : جرحه أحمد بن حنبل ، ويحيى بن معين ، والبخاري
٢٢٢

وضعهما على الصدر
وغیرهم» . ثم قال :
((وهو متروك)). وكذا قال الحافظ في ((التلخيص)) (٥٢٦/٣). وقال الذهبي :
(«ضعفوه) . وفي موضع آخر :
((ضعيف)). وقال النووي في ((المجموع)) (٣١٣/٣)، وفي ((شرح مسلم)) وفي ((الخلاصة)) :.
((اتفقوا على تضعيف هذا الحديث ؛ لأنه من رواية عبدالرحمن بن إسحاق
الواسطي ، وهو ضعيف باتفاق أئمة الجرح والتعديل)). وقال الزيلعي (٣١٤/١) :
((قال البيهقي في ((المعرفة)): لا يثبت إسناده ؛ تفرد به عبدالرحمن بن إسحاق
الواسطي، وهو متروك)). وقال الحافظ في ((الفتح)) (١٧٨/٢) :
(«هو حديث ضعيف)). وقد أعرض عنه ؛ فلم يورده في كتابه ((بلوغ المرام))، وإنما أورد
في الباب حديث وائل في الوضع على الصدر .
وأما مذاهب العلماء في محل الوضع ؛ فذهبت الشافعية - قال النووي : («وبه قال
الجمهور)» ۔ إلی أن الوضع یکون تحت صدره ؛ فوق سرته . قال النووي :
((واحتج أصحابنا بحديث وائل)). قال الشوكاني (١٥٨/٢):
((والحديث لا يدل على ما ذهبوا إليه ؛ لأنهم قالوا : إن الوضع يكون تحت الصدر.
والحديث مصرِّح بأن الوضع على الصدر ، وكذلك حديث طاوس المتقدم ، ولا شيء في
الباب أصح من حديث وائل المذكور ، وهو المناسب لما أسلفنا من تفسير علي وابن عباس
لقوله تعالى: ﴿فصلٌّ لربك وانحر﴾ بأن (النحر): وضع اليمنى على الشمال في محل
النحر والصدر» . اهـ.
وذهب أبو حنيفة ، وسفيان الثوري وغيرهما إلى أن الوضع تحت السرة ، واحتجوا
بحديث علي المتقدم ، وقد علمت أنه حديث ضعيف اتفاقاً؛ فلا يجوز الاحتجاج به ،
٢٢٣

وضعهما على الصدر
لا سيما وقد ثبت عن راويه - أعني: علياً - من فعله خلافُه - كما سبق -؛ وهو الوضع
فوق السرة لا تحتها !
وقواعد الحنفية تقضي بترك الحديث الذي عمل راويه بخلافه - كما هو مقرر عندهم
في أصول الفقه -؛ فينبغي عليهم أن يتركوا حديث علي - لا سيما وهو ضعيف -، وأن
یأخذوا بفعله ، وهو أصح من مزْوِيُّهِ ، ومؤید بأحادیث أخرى في الباب - كما رأيت ..
وقد أنصف المحقق السندي رحمه الله ؛ حيث قال في ((حاشية ابن ماجه)) - بعد أن
ساق بعض الأحاديث التي أسلفنا ومنها حديث طاوس المرسل -:
((وهذا الحديث - وإن كان مرسلاً ؛ لكن المرسل - حجة عند الكل .
وبالجملة ؛ فكما صح أن الوضع هو السنة دون الإرسال ؛ ثبت أن محله الصدر ؛ لا
غیر . وأما حديث :
إن من السنة وضع الأكف على الأكف في الصلاة تحت السرة .
فقد اتفقوا على ضعفه . كذا ذكره ابن الهمام نقلاً عن النووي ، وسكت عليه)). اهـ.
وأما ما جاء في كتاب ((بدائع الفوائد)) لابن القيم (٩١/٣):
((قال - يعني : الإمام أحمد - في رواية المزني: ويكره أن يجعلهما على الصدر.
وذلك لما روي عن النبي تَ لهم أنه :
نهى عن التكفير. وهو وضع اليد على الصدر)) . اهـ.
فإنه استدلال عجيب ! فإن الحديث - إن صح - ليس فيه النهي عن التكفير في
الصلاة ، ولیس کل ما کان منھیاً عنه خارج الصلاة یکون منھیاً عنه فیها ؛ بل قد يكون
العکس ؛ فقد أمرنا - مثلاً - بالقيام فيها لله تعالى ، ونهينا عنه خارجها لغيره سبحانه
وتعالى ، فلا يبعد أن يكون الحديث كناية عن النهي عن الخضوع لغير الله تعالى ، كما
٢٢٤

وضعهما على الصدر
يُخضع له تعالى بوضع اليدين على الصدر في الصلاة ، فيكون عليه الصلاة والسلام نهى
عن هذا الوضع لغير الله تعالى ؛ لما فيه من الخضوع وتعظيم غير الله تعالى .
وبهذا يتحقق أن هذا الحديث لا تعلق له بالصلاة مطلقاً ؛ على أن تفسير (التكفير) بما
ذكره الإمام أحمد مما لم نجده فيما عندنا من كتب اللغة ؛ بل قال الإمام ابن الأثير في ((النهاية)):
((التكفير: هو أن ينحنيَ الإنسان ويُطأطئ رأسه قريباً من الركوع، كما يفعل من
يريد تعظيم صاحبه)) . وفي القاموس :
(التكفير: أن يخضع الإنسان لغيره - وقال قبل أسطر : - والكَفْرُ - بالفتح -: تعظيم
الفارسيِّ مَلِكَه)» . زاد الشارح:
(«وهو إيماء بالرأس من غير سجود)».
وهذه النصوص من هؤلاء الأئمة تؤيد ما ذهبنا إليه من أن الحديث لا علاقة له
بالصلاة ، وأن المراد به النهي عن الخضوع لغير الله تعالى .
هذا يقال فيما إن صح الحديث ، وما أراه يصح ؛ فإنا لم نجد له أصلاً في شيء من
الكتب التي بين أيدينا . ﴿وفوق كل ذي علم عليم﴾ .
هذا ، وإني أستغرب من ابن القيم كيف مرَّ على كلام الإمام أحمد بدون أن يعرج
عليه بأدنى تعليق ! وهو من هو في اطلاعه على علم اللغة ، والشرع الشريف ؛ لا سيما
وأن كلام الإمام مخالف لما اعتمده ابن القيم نفسه في كتاب ((الصلاة))؛ حيث ذكر في
: أنه كان يضع يديه على صدره ! فالله تعالى أعلم بأسرار القلوب وخفاياها .
سیاق صلاته
ثم وجدت في ((مسائل الإمام أحمد)) (ص٦٢) رواية ابنه عبدالله عنه قال :
«رأيت أبي إذا صلى؛ وضع يديه إحداهما على الأخرى فوق السرة)).
{ وقد عمل بهذه السنة الإمام إسحاق بن راهويه؛ فقال المروزي في ((المسائل)) (ص٢٢٢):
٢٢٥

وضعهما على الصدر / النهي عن الاختصار في الصلاة
[النهي عن الاختصار]
ينهى عن الاختصار في الصلاة»(١) ، {وهو الصَّلْبُ الذي
و((كان
کان ینھی عنه} .
((كان إسحاق يوتر بنا ... ويرفع يديه في القنوت ، ويقنت قبل الركوع ، ويضع يديه
على ثَدْبَيْهِ أو تحت الثديين)) .
ومثله قول القاضي عياض المالكي في (مستحبات الصلاة) من كتابه ((الإعلام))
(ص١٥ - الطبعة الثالثة / الرباط) :
((ووضع اليمنى على ظاهر اليسرى عند النحر))} .
(١) هو من حديث أبي هريرة - {وهو مخرج في «الإرواء)) (٣٧٤)} - قال:
نهى رسول الله تسلي عن الاختصار في الصلاة .
أخرجه البخاري (٦٨/٣)، ومسلم (٧٢/٢)، وأبو داود (١٥٠/١)، والنسائي
(١٤٢/١)، وعنه ابن حزم في ((المحلى)) (١٨/٢)، والترمذي (٢٢٢/٢)، والدارمي
(٣٣٢/١)، والطبراني في ((الصغير)) (١٧٣)، والحاكم في ((المستدرك)) (٢٦٤/١)،
والبيهقي (٢٨٧/٢) ، وأحمد (٢٣٢/٢ و٢٩٠ و ٢٩٥ و٣٣١ و٣٩٩) من طرق عن محمد
ابن سيرين عنه به . واللفظ لأبي داود ، والحاكم ، وأحمد في رواية .
ولفظ الآخرين إلا الطبراني :
نهى أن يصلي الرجل مختصراً .
وقال الطبراني: أحدنا .. بدل : الرجل . وهو رواية لأحمد أيضاً . وزاد أحمد ،
والبيهقي في رواية :
قلنا لهشام : ما الاختصار؟ قال : يضع يده على خاصرته .
٢٢٦

وضعهما على الصدر / النهي عن الاختصار في الصلاة
وبهذا فسره أبو داود في ((سننه))، وكذا الترمذي . قال الحافظ :
«وهو المشهور من تفسيره)) . اهـ .
ثم إن الحديث أخرجه البيهقي من طريق ابن خزيمة : أنبأ علي بن عبدالرحمن بن
المغيرة المِصري : ثنا أبو صالح الحَرَّاني : ثنا عيسى بن يونس عن هشام عن ابن سيرين به
مرفوعاً بلفظ :
((الاختصار راحة أهل النار)) .
وهذا إسناد ظاهره الصحة - كما قال الحافظ العراقي؛ فيما نقله الشوكاني (٢٨٣/٢) -.
قلت : ورجاله كلهم ثقات رجال البخاري ، غير علي بن عبدالرحمن - وهو: ابن
محمد بن المغيرة؛ لقبه: عَلان. بالفتح ثم التشديد -، وهو ثقة - كما في ((التقريب)) ..
وأبو صالح الحَرَّاني: اسمه عبدالغفار بن داود بن مِهْران؛ لكن قال الذهبي في
«اختصار سنن البيهقي» :
((قلت : هذا منكر؛ قد رواه جماعة حفاظ عن هشام - كما تقدم )) . يعني : بلفظ
النهي دون هذه الزيادة .
وعزاه بهذا اللفظ المنذري في ((الترغيب)) (١٩٣/١) لابن خزيمة، وابن حبان في
((صحيحيهما)) .
وعزاه الهيثمي في ((المجمع)) (٨٥/٢) للطبراني في ((الأوسط))، وقال:
((وفيه عبدالله بن الأزور؛ ضعفه الأزدي ، وذكر له هذا الحديث ، وضعفه به)).
قلت : رواه ابن الأزور عن هشام بن حسان به ؛ كما في («الميزان)) ، وقال :
إنه «خبر منكر)» .
٢٢٧

وضعهما على الصدر / النهي عن الاختصار في الصلاة
هذا ، وللحديث شاهد من رواية ابن عمر .
أخرجه أبو داود (١٤٣/١)، والنسائي (١٤١/١)، والبيهقي (٢٨٨/٢)، وأحمد
(١٠٦/٢) من طريق سعيد بن زياد عن زياد بن صُبيح الحنفي قال :
صليت إلى جنب ابن عمر ، فوضعت يديَّ على خاصرتي ؛ فضرب يديَّ، فلما
صلى ؛ قال :
هذا الصلب في الصلاة ، وكان رسول الله ◌ُُّ ينهى عنه .
وهذا إسناد جيد، رجاله كلهم ثقات. وصححه العراقي (١٣٩/١)، وسكت عنه
الحافظ ، ثم قال :
«وهو يؤيد المشهور من تفسير الاختصار)).
وقد اختلف في حكمة النهي عنه على أقوال كثيرة ، ولو صحت الزيادة المتقدمة
برواية البيهقي ، والطبراني ؛ لأغنت عن كل هذه الأقوال ، ولكنها زيادة منكرة - كما سبق -.
وقد أخرجها ابن أبي شيبة عن مجاهد من قوله .
ولعله الصواب .. فوهم من رواه مرفوعاً . قال الحافظ :
((وأعلى ما ورد في ذلك قول عائشة: فيما أخرجه البخاري (٣٨٧/٣) عنها:
كانت تكره أن يجعل المصلي يده في خاصرته ، وتقول :
إن اليهود تفعله .
ورواه أبو نعيم من طريق شيخ البخاري فيه بلفظ :
إنها كرهت الاختصار في الصلاة ، وقالت :
إنما يفعل ذلك اليهود. قال الصنعاني في ((السبل)) (٢٠٧/١):
٢٢٨

وضعهما على الصدر / النهي عن الاختصار في الصلاة
((وقد نُهينا عن التشبه بهم في جميع أحوالهم ؛ فهذا وجه حكمة النهي ، لا ما قيل
من أنه فعل الشيطان ، أو أن إبليس أُهبط من الجنة كذلك ، أو أنه فعلُ المتكبرين ؛ لأن
هذه علل تخمينية ، وما ورد منصوصاً - أي : عن الصحابي - هو العمدة؛ لأنه أعرف
بسبب الحديث ، ويحتمل أنه مرفوع ، وما ورد في ((الصحيح)) مقدم على غيره ؛ لورود هذه
الأشياء أثراً» . اهـ. قال الشوكاني :
((والحديث يدل على تحريم الاختصار. وقد ذهب إلى ذلك أهل الظاهر. وذهب
الأوزاعي ، والشافعي ، وأهل الكوفة وآخرون إلى أنه مكروه . والظاهر ما قاله أهل الظاهر؛
لعدم قيام قرينة تصرف النهي عن التحريم ، الذي هو معناه الحقيقي ؛ كما هو الحق)). اهـ.
وبالغ ابن حزم (١٨/٤) كعادته في المنهيات ؛ فقال :
((من صلى متعمداً ، واضعاً يده على خاصرته ؛ فصلاته باطلة)) .
*
٢٢٩

النَّظَرُ إلى مَوْضع السُّجُودِ ، والخُشُوعُ
و((كان ◌َُّ إذا صلى؛ طأطأ رأسه، ورمى ببصره نحو الأرض))(١).
(١) أخرجه الحاكم (٣٩٣/٢)، ومن طريقه البيهقي (٢٨٣/٢)، والحازمي في
(الاعتبار)) (ص ٦٠) من طريق أبي شعيب الحراني: ثني أبي: ثنا إسماعيل ابن عُلَيّة
عن أيوب عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه :
أن رسول الله عَه كان إذا صلى؛ رفع بصره إلى السماء، فنزلت: ﴿الذين هم في
صلاتهم خاشعون﴾ ؛ فطأطأ رأسه . وقال الحاكم :
((صحيح على شرط الشيخين ؛ لولا خلاف فيه على محمد ، فقد قيل عنه
مرسلاً)» .
قلت : هو على شرط مسلم فقط ؛ فإن والد أبي شعيب - وهو: عبدالله بن الحسن بن
أحمد بن أبي شعيب - لم يخرج له سوى مسلم ، وهو من شيوخه . وابنه عبدالله : ثقة ،
له ترجمة في («تاريخ بغداد)» (٤٣٥/٩ -٤٣٧)، وفي «لسان الميزان».
وأما المرسل الذي أشار إليه الحاكم؛ فأخرجه البيهقي من طريق سعيد بن منصور :
ثنا إسماعيل بن إبراهيم - وهو: ابن عُلَيّة - عن أيوب عن محمد قال :
ثبت أن رسول الله ﴾﴾ كان إذا صلى ... فذكره بنحوه ؛ وزاد :
فكان محمد بن سيرين يحب أن لا يجاوز بصره مصلاه . وقال :
«هذا هو المحفوظ ؛ مرسل)).
ثم أخرجه من طريق يونس بن بكير ، والحازمي من طريق أبي شهاب - وهو
الأصغر، واسمه : عبد ربه بن نافع -؛ كلاهما عن عبدالله بن عون عن محمد قال : ...
فذكره بنحوه .
٢٣٠

النظر إلى موضع السجود ، والخشوع
و((لما دخل الكعبة ما خلف بصره موضع سجوده حتى خرج منها))(١).
وكذلك رواه أحمد في («الناسخ والمنسوخ)» مرسلاً؛ كما في ((المنتقى من أخبار
المصطفى)) (٣٦٤/١) . قال :
«ورواه سعيد بن منصور في «سننه» بنحوه ؛ وزاد فيه :
وكانوا يستحبون للرجل أن لا يجاوز بصره مصلاه)) .
ونحوه ابن أبي شيبة - كما في ((الفتح)) (١٨٥/٢) .. قال الحافظ في ((الفتح)) (١٨٤/٢):
((ورجاله ثقات)). {وانظر «الإرواء)» (٣٥٤)}.
ثم أخرجه البيهقي موصولاً من طريق أبي علي حامد بن الرَّفَّاء الهروي : ثنا محمد
ابن يونس : ثنا سعيد أبو زيد الأنصاري عن ابن عون عن ابن سيرين عن أبي هريرة
موصولاً . ثم قال :
((والصحيح هو المرسل)) . فتعقبه ابن التركماني بقوله :
((قلت : ابن أوس ثقة، وقد زاد الرفع ، كيف وقد شهد له روايةُ ابن عُلَيّة لهذا
الحديث موصولاً عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة ؟!)) .
قلت : والاعتماد على هذه الرواية ؛ فإن إسنادها صحيح - كما سبق -.
وأما رواية ابن أوس ؛ ففيها محمد بن يونس ، وهو أبو العباس الكُدَيمي ، وهو أحد
المتروكين - كما قال الذهبي -، والراوي عنه أبو علي حامد بن الرَّفَّاء: وثقه الخطيب في
((تاريخه)) (١٧٢/٨). والظاهر أن ابن سيرين كان يرسل الحديث مرة ، ويوصله أخرى .
والعمدة على من وصله . والله أعلم .
(١) أخرجه البيهقي (٢٨٣/٢)، {وابن عساكر (٢/٣٠٢/٧) = [٢٩٤/٢٨]} عن
صَدَّقة بن عبدالله عن سليمان بن داود الخولاني قال : سمعت أبا قلابة الجَرْمي يقول :
٢٣١

النظر إلى موضع السجود ، والخشوع
: ؛ في قيامه
ثني عشرة من أصحاب رسول الله عزال عن صلاة رسول الله عَ لا
وركوعه وسجوده بنحو من صلاة أمير المؤمنين - يعني : عمر بن عبدالعزيز -. قال
سليمان :
رمقت عمر في صلاته فكان بصره إلى موضع سجوده ... وذکر باقي الحديث . قال
البيهقي :
((وليس بالقوي)» .
قلت : وعلته صَدَقَةُ هذا، وهو أبو معاوية السمين؛ قال في ((التقريب)):
((ضعيف)) .
قلت : ويشهد للحديث ويقويه حديث عائشة رضي الله عنها قالت :
﴿ الكعبة ما خلف بصره موضع سجوده حتى خرج منها .
دخل رسول الله
أخرجه الحاكم (٤٧٩/١)، وعنه البيهقي (١٥٨/٥). ثم قال :
((صحيح على شرط الشيخين)). ووافقه الذهبي . وهو كما قالا.
ثم أخرجه البيهقي (٢٨٤/٢) من طريق الربيع بن بدر - عُليلة - عن عُنْطُوانة عن
الحسن عن أنس قال : قال رسول الله
:
((يا أنس ! اجعل بصرك حيث تسجد)) . قال البيهقي :
((والربيع بن بدر: ضعيف)) . ومن طريقه أخرجه العقيلي ، وقال :
((هو متروك. وعنطوانة: مجهول بالنقل، حديثه غير محفوظ)). لكن قال الشيخ
علي القاري في «المرقاة)) (٣٧/٢):
٢٣٢

النظر إلى موضع السجود ، والخشوع
مَلَى اللهُ
{ وقال
((لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يَشغل المصلي)) (١)}
((قال ابن حجر - يعني: المكي الفقيه -: وله طرق تقتضي حسنه)). والله أعلم .
وقد اختلف العلماء في الجهة التي ينبغي للمصلي أن يتوجه بنظره إليها ؛ فذهب
مالك إلى أن نظر المصلي يتجه إلى جهة القبلة . وترجم له البخاري في «صحيحه)):
(باب رفع البصر إلى الإمام في الصلاة) (١٨٤/٢)، وساق فيه عدة أحاديث في أن
الصحابة كانوا ينظرون إلى الرسول :﴿ وهم في الصلاة في أحوال مختلفة . وذهب
الشافعي ، والكوفيون - وهو الصحيح من مذهب الحنفية - إلى أنه يستحب للمصلي النظر
إلى موضع سجوده ؛ لأنه أقرب إلى الخشوع . وهو الصواب ؛ لدلالة الأحاديث السابقة
عليه . وفصِّل الحافظ ابن حجر ؛ فقال :
((ويمكن أن نفرق بين الإمام والمأموم ؛ فيستحب للإمام النظر إلى موضع السجود وكذا
للمأموم؛ إلا حيث يحتاج إلى مراقبة إمامه. وأما المنفرد؛ فحكمه حكم الإمام)). اهـ.
وبهذا يُجمع بين الأحاديث التي ساقها البخاري وبين أحاديث النظر إلى موضع
السجود ، وهو جمع حسن . والله تعالى أعلم(١) .
{(تنبيه): في هذين الحديثين أن السنة : أن يرمي ببصره إلى موضع سجوده من
الأرض ، فما يفعله بعض المصلين من تغميض العينين في الصلاة ؛ فهو تورع بارد ! وخير
الهدي هدي محمد
(١) {رواه أبو داود وأحمد بسند صحيح. وهو مخرج في ((صحيح أبي داود))
(١٧٧١) .
والمراد بـ ((البيت)) هنا الكعبة ؛ كما يدل عليه سبب ورود الحديث} .
٢٣٣

النظر إلى موضع السجود ، والخشوع
و((كان ينهى عن رفع البصر إلى السماء)»، ويؤكد في النهي حتى قال :
((لينتهِيَنَّ أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة؛ أو لا ترجع
إليهم (وفي رواية: أو لتخطفن أبصارهم))(١).
(١) أخرجه مسلم (٢٩/٢)، وأبو داود (١٤٤/١)، وابن ماجه (٣٣٣/١)، والبيهقي
(٢٨٣/٢)، وأحمد (٩٠/٥ ٩٣ ١٠١ و١٠٨)، والطبراني في ((الكبير))(*) من طرق عن
الأعمش عن المسيب عن تميم بن طَرَفَّةَ عن جابر بن سمرة مرفوعاً به .
وفي رواية لأبي داود من طريق جرير عن الأعمش به بلفظ :
دخل رسول الله صل المسجد، فرأى فيه ناساً يصلون رافعي أبصارهم إلى السماء؛
فقال : ... فذكره .
وهذا إسناد صحيح .
وقد أخرجه الدارمي (٢٩٨/١) عن علي بن مُسْهِر: أنا الأعمش به نحوه .
وأما الرواية الأخرى ؛ فهي من حديث أنس قال : قال النبي ◌ُ
:雞
«ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم؟!» . فاشتد قوله في ذلك
حتى قال :
(لَيَنْتَهُنَّ عن ذلك، أو لتُخطفن أبصارهم».
أخرجه البخاري (١٨٠/٢)، وأبو داود، والنسائي أيضاً (١٧٧/١)، وكذا ابن
ماجه ، والدارمي، والبيهقي، والطيالسي (٢٧٠)، وأحمد (١٠٩/٣ و١١٢ و١١٥ و١١٦
و١٤٠ و٢٥٨) من حديث قتادة عنه .
وفي الباب عن ابن عمر بلفظ :
((لا ترفعوا أبصاركم إلى السماء أن تُلْتَمَعَ)). يعني: في الصلاة .
(*) وعزاه الشيخ رحمه الله في («الصفة» المطبوع للسراج أيضاً.
٢٣٤

النظر إلى موضع السجود ، والخشوع
وفي حديث آخر(*):
أخرجه ابن ماجه ، والطبراني في «الكبير))، وعنه المقدسي في ((المختارة)).
وإسناده صحيح على شرط الشيخين، وقد صححه ابن حزم في ((المحلى)) (١٦/٤)،
والبوصيري في ((الزوائد))، وأخرجه ابن حبان في ((صحيحه)) - كما في ((الترغيب))
(١٨٨/١) ..
وعن رجل من أصحاب النبي
أخرجه النسائي ، وأحمد (٤٤١/٣) بنحو حديث ابن عمر.
وإسناده صحيح أيضاً على شرطهما .
وعن أبي هريرة: عند أحمد (٣٣٣/٢ و٣٦٧).
قال ابن بطال :
(«أجمعوا على كراهة رفع البصر في الصلاة ، واختلفوا فيه خارج الصلاة في الدعاء ،
فكرهه شُريح وطائفة ، وأجازه الأكثرون ؛ لأن السماء قبلة الدعاء(*) ، كما أن الكعبة قبلة
الصلاة . قال عِيَاض : رفع البصر إلى السماء في الصلاة فيه نوع إعراض عن القبلة ،
وخروج عن هيئة الصلاة)). كذا في ((الفتح)).
وأما رفع اليدين في الدعاء نحو السماء ؛ فمشروع ، وفيه أحاديث كثيرة متواترة في
((الصحيحين)) وغيرهما، وقد ساق جملة منها النووي في ((المجموع)) (٣ /٥٠٧ - ٥١١).
من شاء ؛ فليراجعها . وراجع أيضاً ((رفع اليدين)) للبخاري (٢٢ - ٢٣).
(*) من هنا إلى آخر هذا المبحث غير موجود في أصل الشيخ رحمه الله ،
يو)) - المطبوعة ..
واستدركناه بحواشيه من ((صفة صلاة النبي ثم
(*) هذا من الاعتقادات الفاسدة للأشاعرة وغيرهم. انظر الرد عليهم في ((شرح العقيدة
الطحاوية)) (ص ٢٦٥/ط ٤ - المكتب الإسلامي).
٢٣٥

النظر إلى موضع السجود ، والخشوع
((فإذا صليتم؛ فلا تلتفتوا؛ فإن الله يَنْصُبُ وجهه لوجه عبده في
صلاته؛ ما لم يلتفت))(١) . وقال أيضاً عن التلفُّت:
((اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد))(٢).
وقال:
:
((لا يزال الله مقبلاً على العبد في صلاته ؛ ما لم يلتفت ، فإذا صرف
وجهه ؛ انصرف عنه))(٣) .
و((نهى عن ثلاث: عن نُقرة كنقرة الديك، وإقعاء كإقعاء الكلب،
والتفات كالتفات الثعلب)) (٤).
وكان ما يقول :
((صل صلاة مُوَدِّع كأنك تراه ، فإن كنت لا تراه ؛ فإنه يراك))(٥) .
ويقول :
((ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة ، فيحسن وضوءها ، وخشوعها ،
وركوعها ؛ إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ؛ ما لم يُؤْتٍ كبيرةً ، وذلك
الدهرَ كلَّه))(٦) .
(١) [أخرجه] الترمذي، والحاكم؛ وصححاه. ((صحيح الترغيب)) (٥٥٢).
(٢) [أخرجه] البخاري ، وأبو داود .
(٣) رواه أبو داود وغيره، وصححه ابن خزيمة وابن حبان. ((صحيح الترغيب)) (٥٥٤).
(٤) [رواه] أحمد ، وأبو يعلى. ((صحيح الترغيب) (٥٥٥).
(٥) [رواه] المُخَلِّص في «أحاديث منتقاة))، والطبراني، والروياني، والضياء في ((المختارة))،
وابن ماجه ، وأحمد ، وابن عساكر، وصححه الهيتمي الفقيه في «أسنى المطالب)).
(٦) [رواه] مسلم .
٢٣٦

النظر إلى موضع السجود ، والخشوع
في خَمِيصة (١) لها أعلام ، فنظر إلى أعلامها نظرة،
وقد ((صلى
فلما انصرف ؛ قال :
((اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم، وائتوني بأَنْبِجانِيَّة (٢) أبي
جهم ؛ فإنها ألهتني آنفاً عن صلاتي (وفي رواية : فإني نظرت إلى عَلَمِها
في الصلاة ، فكاد يفتِنُني)) (*).
وكان لعائشةَ ثوبٌ فيه تصاوير ممدود إلى سهوة (٣)، فكان النبي
يصلي إليه ، فقال :
((أُخِّرِيه عني؛ [فإنه لا تزال تصاويره تعرض لي في صلاتي])) (٤).
وكان يقول :
((لا صلاة بحضرة طعام ، ولا وهو يدافعه الأخبثان)) (٥).
(١) ثوب خَزّ أو صوف مُعَلّم .
(٢) كساء غليظ لا عَلَمَ له .
(*) متفق عليه . سبق تخريجه (ص ١٧٠).
(٣) بيت صغير منحدر في الأرض قليلاً شبيه بالخدع والخزانة. ((نهاية)).
(٤) [أخرجه] البخاري ، ومسلم ، وأبو عوانة .
وإنما لم يأمر النبي زادٍ بنزع التصاوير وهتكها ، واكتفى بتنحيتها ؛ لأنها - والله أعلم -
لم تكن من ذوات الأرواح؛ بدليل هتكه ◌َ ل غيرها من التصاوير؛ كما هو في عدة
روايات في «الصحيحين». ومن شاء التوسع في هذا؛ فليراجع ((فتح الباري)) (٣٢١/١٠)،
و(«غاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام» (١٣١ - ١٤٥).
(٥) [أخرجه] البخاري ، ومسلم .
*
٢٣٧

أدعية الاستفتاح
ثم كان * يستفتح القراءة بأدعية كثيرة متنوعة ، {يحمد الله تعالى
فيها ، ويمجده ويثني عليه ، وقد أمر بذلك (المسيء صلاته) ، فقال له :
((لا تتم صلاة لأحد من الناس حتى يُكَبِّر ، ويَحْمَد الله جل وعزّ ، ويثني
عليه ، ويقرأ بما تيسر من القرآن ... ))(١)}، وكان يقرأ تارة بهذا، وتارة بهذا؛
فكان يقول :
١ - ((اللهم !
(١) {[رواه] أبو داود، والحاكم، وصححه، ووافقه الذهبي. [وسبق (ص١٨٩)]}.
١ - رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال :
كان رسول الله ◌َ هُ إذا كبِّر في الصلاة؛ سكتَ هُنيّة قبل أن يقرأ . فقلت : يا رسول
الله! بأبي أنت وأمي ؛ أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ؛ ما تقول؟ قال :
(«أقول : ... )) فذكره .
أخرجه البخاري (١٨٢/٢)، ومسلم (٩٨/٢)، ومن طريقه ابن حزم (٩٦/٤)، وأبو
داود (١٢٥/١)، والنسائي (٢١/١، ١٤٢)، وابن ماجه (٢٦٩/١)، {وابن أبي شيبة
(٢/١١٠/١٢) = [٢٩١٩٩/٢٧/٦]}، وأحمد (٢٣١/٢) عنه .
وقوله : ((سكت هنية))؛ بضم الهاء وفتح النون وتشديد الياء ؛ أي : قليلاً من الزمان .
وهو تصغير (هَنّة) . ويقال: (هُنَيهة) . قال السندي :
((أراد بالسكوت: أن لا يقرأ القرآن جهراً، ولا يُسمع الناس، وإلا ؛ فالسكوت
الحقيقي ينافي القول ؛ فلا يصح السؤال بقوله : ما تقول؟ أي : في سكوتك)).
وقد ذهب إلى مشروعية الاستفتاح بهذا الدعاء ابن حزم في ((المحلى)) ، والشافعي
٢٣٨

أدعية الاستفتاح / النوع الأول
وأصحابه ، وقالوا :
((إنه أفضل الأدعية بعد حديث علي الآتي بعده)) - كما في ((المجموع)) (٣٢١/٣) ..
وذهب إليه جمع من علمائنا المحققين ؛ قال أبو الحسنات اللكنوي في ((إمام الكلام
فيما يتعلق بالقراءة خلف الإمام)) (ص١٧١):
((صرح جمع من أصحابنا بعدم شرعية الأذكار الواردة في الركوع والسجود والقومة ،
غير التسبيح ، والتحميد ، والتسميع ، وفي الجلسة بين السجدتين ، وفيما بعد التكبير ،
غير الثناء والتوجيه ، وحملوا الأحاديث الواردة فيها على النوافل ، ولم يُجَوِّزوها في
الفرائض . ومنهم من حملها على بعض الأحيان . وهما قولان من غير برهان !
والذي يقتضيه النظر الخفي - وبه صرح جمع من محققي أصحابنا؛ منهم : ابن أمير
حاج مؤلف «حَلبْةُ الْمُجَلِّي شرح منية المصلي)) - استحباب أداء الأذكار الواردة في
الأحاديث في مواضعها في النوافل والفرائض كلها)). اهـ.
وفيه - وفي الأحاديث الآتية - دليل على استحباب الاستفتاح ، وقد قال به جمهور
العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم . قال النووي :
((ولا يُعرف من خالف فيه، إلا مالكاً رحمه الله ؛ فقال: لا يأتي بدعاء الاستفتاح،
ولا بشيء بين القراءة والتكبير أصلاً؛ بل يقول: الله أكبر، ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ إلى
آخر ﴿الفاتحة﴾. ولا جواب له عن واحد من هذه الأحاديث الصحيحة)). اهـ. ملخصاً.
وقول مالك هذا یلزم منه إبطال ثلاث سنن :
الأولى : دعاء الاستفتاح .
الثانية : الاستعاذة .
الثالثة : البسملة .
٢٣٩

أدعية الاستفتاح / النوع الأول
باعد بيني وبين خطاياي(١) ؛ كما باعدت بين المشرق والمغرب . اللهم !
نَقِّنِي(١٢) من خطاياي؛ كما يُنْقَّى الثوب الأبيض من الدَّنَسِ . اللهم !
اغسلني من خطاياي بالماء والثّلْج والبَرَدِ(٣))، وكان يقوله في الفرض .
وهو أصح أدعية الاستفتاح سنداً(٤).
وهي سنن ثابتة متواترة عنه ، والظاهر أنها لم تبلغ الإمام مالكاً رحمه الله ، أو
بلغته ؛ ولكن لم يأخذ بها لسبب عنده .
وأما أنت أيها المالكي ! فلا يمنعك التعصب لمذهبك من الأخذ بها ؛ فإنه لا عذر لك
في ذلك أبداً .
(١) أي : بين أفعال لو فعلتها تصير خطايا. فالمطلوب الحفظ ، وتوفيق الترك . أو:
بين ما فعلتها من الخطايا . والمطلوب المغفرة .
وأمثال هذا السؤال منه ◌َّ من باب إظهار العبودية وتعظيم الربوبية ، وإلا ؛ فهو
- مع عصمته - مغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر .
(٢) بالتشديد ؛ أي : طهرني منها بأتم وجه وأوكده .
(٣) بفتح الراء: حَبُّ الغمام ؛ أي: بأنواع المطهرات . والمراد مغفرة الذنوب ، وسترها
بأنواع الرحمة والألطاف .
قيل : والخطايا لكونها مؤدية إلى نار جهنم نزلت منزلتها؛ فاستُعمل في محوها من
المبردات ما يستعمل في إطفاء النار . ذكره السندي .
(٤) ذكر ذلك الحافظ في ((الفتح)) (١٨٣/٢)، وسبقه إليه شيخ الإسلام ابن تيمية
رحمه الله في رسالة ((تنوع العبادات)) (٨٥)، وقال (٨٧) :
((ومع هذا؛ فعامة العلماء من الصحابة ومن بعدهم يستحبون الاستفتاح بغيره ، كما
يستحب جمهورهم الاستفتاح بقوله: ((سبحانك اللهم !... ))، وسبب ذلك هو : أن
٢٤٠