Indexed OCR Text

Pages 21-40

المقدمة / منهج الكتاب
منهج الكتاب
ولما كان موضوع الكتاب إنما هو بيان هدي النبي تَ ﴿ في الصلاة ؛ كان من
البدهي أن لا أتقيد فيه بمذهب معين ؛ للسبب الذي مرَّ ذكره ، وإنما أُورد فيه ما
* - كما هو مذهب المحدِّثين(١) قديماً وحديثاً(٢)-، وقد أحسن من قال:
ثبت عنه
(١) قال أبو الحسنات اللكنوي في ((إمام الكلام فيما يتعلق بالقراءة خلف الإمام)»
(ص١٥٦) ما نصه :
((ومن نظر بنظر الإنصاف ، وغاص في بحار الفقه والأصول متجنباً الاعتساف؛ يعلم علماً
يقينياً أن أكثر المسائل الفرعية والأصلية التي اختلف العلماء فيها؛ فمذهب المحدِّثين فيها أقوى
من مذاهب غيرهم ، وإني كلما أسير في شُعَب الاختلاف ؛ أجد قول المحدِّثين فيه قريباً من
الإنصاف ، فلله دژُهم ، وعلیہ شکرهم ۔ کذا الأصل -، کیف لا؛ وهم ورثة النبي
حقاً ،
ونواب شرعه صدقاً؟! حشرنا الله في زمرتهم ، وأماتنا على حبهم وسيرتهم)) .
(٢) قال السبكي في ((الفتاوى)) (١٤٨/١):
((وبعد ؛ فإن أهم أمور المسلمين الصلاة ، يجب على كل مسلم الاهتمام بها ، والمحافظة على
أدائها، وإقامة شعائرها، وفيها أمور مُجْمَعٌ عليها؛ لا مندوحة عن الإتيان بها ، وأمور اختلف
العلماء في وجوبها ، وطريق الرشاد في ذلك أمران: إما أن يتحرى الخروج من الخلاف إن
أمكن، وإما ينظر ما صح عن النبي ◌َّه؛ فيتمسك به ، فإذا فعل ذلك ؛ كانت صلاته صواباً
صالحة داخلة في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كان يرجو لقاءَ رَبِّه فليعمل عملاً صالحاً﴾)).
قلت : والوجه الثاني أولى؛ بل هو الواجب؛ لأن الوجه الأول - مع عدم إمكانه في كثير
من المسائل - لا يتحقق به أمره
:
((صلوا كما رأيتموني أصلي))؛ لأنه في هذه الحالة ستكون صلاته - حتماً - على خلاف
، فتأمل .
صلاته ـ
٢١

المقدمة / منهج الكتاب
لم يَصْحبوا نَفْسَهُ أنفاسَهُ صَحِبوا(١)
أهلُ الحديث هُمُ أهلُ النبيّ وإنْ
ولذلك فإن الكتاب سيكون - إن شاء الله تعالى - جامعاً لشتات ما تفرق
في بطون كتب الحديث والفقه - على اختلاف المذاهب مما له علاقة بموضوعه -،
بينما لا يجمع ما فيه من الحق أيُّ كتاب أو مذهب ، وسيكون العامل به - إن
شاء الله - ممن قد هداه الله ﴿لما اخْتَلَفوا فيه مِنَ الحَقِّ بإذْنِه والله يهدي من
يشاءُ إلى صِرَاطٍ مستقيم﴾ (البقرة: ٢١٣).
ثم إني حين وضعت هذا المنهج لنفسي - وهو التمسك بالسنة الصحيحة -،
وجريت عليه في هذا الكتاب وغيره - مما سوف ينتشر بين الناس إن شاء الله
تعالى -؛ كنت على علم أنه سوف لا يُرْضِي ذلك كلَّ الطوائف والمذاهب ، بل
سوف يوجه بعضهم - أو كثير منهم - ألسنة الطعن ، وأقلام اللوم إليَّ ، ولا بأس
من ذلك عليّ؛ فإني أعلم أيضاً أن إرضاء الناس غاية لا تدرك ، وأن :
((من أرضى الناس بسخط الله؛ وكلّه الله إلى الناس))؛ كما قال رسول الله طي(٢)
ولله دَرُّ من قال :
ولو كنتُ في غارٍ على جبلٍ وعرٍ
ولست بناج من مقالةٍ طاعِن
ولو غاب عنهم بين خافِيَتَي نسٍ(٣)
ومن ذا الذي ينجو من الناسِ سالماً
(١) من إنشاد الحسن بن محمد النِّسَوي؛ كما رواه الحافظ ضياء الدين المقدسي في جزء
له في «فضل الحديث وأهله)) .
(٢) [أخرجه] الترمذي، والقُضَاعي، وابن بِشْران وغيرهم. وقد تكلمت على الحديث
وطرقه في تخريج أحاديث ((شرح العقيدة الطحاوية))، ثم في ((الصحيحة)) (٢٣١١)، وبينت أنه
لا یضره وقف من أوقفه ، وأنه صححه ابن حبان .
(٣) الخوافي : ريشات إذا ضم الطائر جناحيه ؛ خفيت ، وتكون وراء القوادم.
٢٢

المقدمة / منهج الكتاب
أقوال الأئمة في اتباع السنة ...
١ - أبو حنيفة
فحسبي أنني معتقد أن ذلك هو الطريق الأقوم ، الذي أمر الله تعالى به المؤمنين ،
وبيَّنه نبينا محمد سيد المرسلين ، وهو الذي سلكه السلف الصالح من الصحابة
والتابعين ومن بعدهم، وفيهم الأئمة الأربعة - الذين ينتمي اليوم إلى مذاهبهم
جمهور المسلمين -، وكلهم متفق على وجوب التمسك بالسنة ، والرجوع إليها ، وترك
كل قول يخالفها، مهما كان القائل عظيماً؛ فإن شأنه ﴿ ** أعظم، وسبيله أقوم .
ولذلك فإني اقتديت بهداهم ، واقتفيت آثارهم ، وتبعت أوامرهم
بالتمسك بالحديث ؛ وإن خالف أقوالهم ، ولقد كان لهذه الأوامر أكبر الأثر في
نهجي هذا النهج المستقيم ، وإعراضي عن التقليد الأعمى . فجزاهم الله تعالى
عني خيراً .
أقوال الأئمة في اتّباع السُّنَّةِ وتَركِ أقوالِهِم المخالفَةِ لَها
ومن المفيد أن نسوق هنا ما وقفنا عليه منها أو بعضها ، لعلَّ فيها عظةً
وذكرى لمن يقلدهم - بل يقلد من دونهم بدرجات - تقليداً أعمى (١) ، ويتمسك
بمذاهبهم وأقوالهم؛ كما لو كانت نزلت من السماء، والله عزَّ وجلّ يقول: ﴿اتَّبِعُوا
ما أَنْزِلَ إليكُم من ربِّكُم ولا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قليلاً ما تَذَكَّرُونَ﴾ (الأعراف: ٣).
١ - أَبُو حَنِيفة رحمه الله :
فأولهم الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت رحمه الله ، وقد روى عنه
أصحابه أقوالاً شتى ، وعبارات متنوعة ؛ كلها تؤدي إلى شيء واحد وهو :
وجوب الأخذ بالحديث ، وترك تقليد آراء الأئمة المخالفة له :
(١) وهذا التقليد هو الذي عناه الإمام الطحاوي حين قال:
((لا يقلد إلا عصبي أو غبي)). نقله ابن عابدين في ((رسم المفتي)) (ص٣٢ ج١) من
«مجموعة رسائله)).
٢٣

المقدمة / منهج الكتاب
أقوال الأئمة في اتباع السنة ...
١ - أبو حنيفة
١ - ((إذا صح الحديث؛ فهو مذهبي))(١).
٢ - ((لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا؛ ما لم يعلم من أين أخذناه))(٢).
وفي رواية: ((حرام على مَن لم يعرف دليلي أن يُفتي بكلامي)) .
(١) ابن عابدين في ((الحاشية)) (٦٣/١) وفي رسالته ((رسم المفتي)) (٤/١ من مجموعة
رسائل ابن عابدين)، والشيخ صالح الفُلأَّني في ((إيقاظ الهمم)» (ص٦٢) وغيرهم ، ونقل ابن
عابدين عن ((شرح الهداية)) لابن الشِّحْنَة الكبير - شيخ ابن الهُمَام - ما نصه :
((إذا صح الحديث ، وكان على خلاف المذهب ؛ عُمِل بالحديث ، ويكون ذلك مذهبه ، ولا
يخرج مقلده عن كونه حنفيّاً بالعمل به ؛ فقد صح عن أبي حنيفة أنه قال :
إذا صح الحديث ؛ فهو مذهبي . وقد حكى ذلك الإمام ابن عبدالبر عن أبي حنيفة ،
وغيره من الأئمة)» .
قلت : وهذا من كمال علمهم وتقواهم؛ حيث أشاروا بذلك إلى أنهم لم يحيطوا بالسنة
كلها - وقد صرح بذلك الإمام الشافعي ؛ كما يأتي -؛ فقد يقع منهم ما يخالف السنة التي لم
تبلغهم ؛ فأمرونا بالتمسك بها ، وأن نجعلها من مذهبهم رحمهم الله تعالى أجمعين .
(٢) ابن عبدالبر في ((الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء)) (ص ١٤٥)، وابن القيم
في («إعلام الموقعين)) (٣٠٩/٢)، وإبن عابدين في ((حاشيته)) على ((البحر الرائق)) (٢٩٣/٦)
وفي ((رسم المفتي)) (ص٢٩ و٣٢)، والشعراني في («الميزان)) (٥٥/١) بالرواية الثانية ، والرواية
الثالثة رواها عباس الدوري في ((التاريخ)) لابن معين (١/٧٧/٦) بسند صحيح عن زُفَر ، وورد
نحوه عن أصحابه: زُفَر ، وأبي يوسف، وعافية بن يزيد - كما في ((الإيقاظ» (ص٥٢) -، وجزم
ابن القيم (٣٤٤/٢) بصحته عن أبي يوسف، والزيادة في التعليق على ((الإيقاظ)) (ص٦٥)
نقلاً عن ابن عبدالبر، وابن القيم وغيرهما .
قلت : فإذا كان هذا قولهم فيمن لم يَعلم دليلَهم ؛ فليت شعري ! ماذا يقولون فيمن علم أن =
٢٤

المقدمة / منهج الكتاب
أقوال الأئمة في اتباع السنة ...
١ - أبو حنيفة
زاد في رواية: «فإننا بَشَر؛ نقول القول اليوم ، ونرجع عنه غداً» .
وفي أخرى : (ويحك يا يعقوب ! - وهو أبو يوسف - لا تكتب كل ما
تسمح مني ؛ فإني قد أرى الرأي اليوم ، وأتركه غداً ، وأرى الرأي غداً ، وأتركه
بعد غد))(١) .
= الدليل خلاف قولهم ، ثم أفتى بخلاف الدليل؟! فتأمل في هذه الكلمة ؛ فإنها وحدها كافية
في تحطيم التقليد الأعمى ؛ ولذلك أنكر بعض المقلدة من المشايخ نسبتها إلى أبي حنيفة ؛
حین أنکرتُ علیه إفتاءه بقولٍ لأبي حنيفة لم يعرف دلیله !
(١) قلت : وذلك لأن الإمام كثيراً ما يبني قوله على القياس ، فيبدو له قياس أقوى ، أو
** ؛ فيأخذ به، ويترك قوله السابق. قال الشعراني في ((الميزان))
يبلغه حديث عن النبي
(٦٢/١) ما مختصره :
((واعتقادنا واعتقاد كل منصف في الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه ؛ أنه لو عاش حتى
دُوَّنَت الشريعة ، وبعد رحيل الحفاظ في جَمْعِها من البلاد والثغور، وظفر بها ؛ لأخذ بها ، وترك
كل قياس كان قاسه ، وكان القياس قلّ في مذهبه ، كما قل في مذهب غيره بالنسبة إليه ،
لكن لما كانت أدلة الشريعة مفرقة في عصره مع التابعين وتابعي التابعين في المدائن والقرى
والثغور؛ كثر القياس في مذهبه بالنسبة إلى غيره من الأئمة ضرورةً ؛ لعدم وجود النص في
تلك المسائل التي قاس فيها ؛ بخلاف غيره من الأئمة ؛ فإن الحفاظ كانوا قد رحلوا في طلب
الأحاديث وجمعها في عصرهم من المدائن والقرى ، ودوّنوها ؛ فجاوبت أحاديث الشريعة
بعضها بعضاً ، فهذا كان سبب كثرة القياس في مذهبه ، وقلته في مذاهب غيره)).
ونقل القسم الأكبر منه أبو الحسنات في ((النافع الكبير» (ص١٣٥)، وعلق عليه بما يؤيده
ويوضحه . فليراجعه من شاء .
قلت : فإذا كان هذا عذر أبي حنيفة فيما وقع منه من المخالفة للأحاديث الصحيحة دون
قصد - وهو عذر مقبول قطعاً ؛ لأن الله تعالى لا يكلف نفساً إلا وسعها -؛ فلا يجوز الطعن =
٢٥

المقدمة / منهج الكتاب
أقوال الأئمة في اتباع السنة ...
٢ - مالك بن أنس
٣ - ((إذا قلتُ قولاً يخالف كتاب الله تعالى، وخبر الرسول ◌َله؛ فاتركوا
قولي)» (١) .
٢ - مالك بن أنس رحمه الله :
وأما الإمام مالك بن أنس رحمه الله ؛ فقال :
١ - ((إنما أنا بشر أخطئ وأصيب ، فانظروا في رأيي؛ فكل ما وافق الكتاب
= فيه - كما قد يفعل بعض الجهلة -، بل يجب التأدب معه ؛ لأنه إمام من أئمة المسلمين
الذين بهم حُفِظ هذا الدين ، ووصل إلينا ما وصل من فروعه ، وأنه مأجور على كل حال ؛
أصاب أم أخطأ، كما أنه لا يجوز لمعظّميه أن يظلوا متمسكين بأقواله المخالفة للأحاديث ؛ لأنها
ليست من مذهبه - كما رأيت نصوصه في ذلك -، فهؤلاء في واد ، وأولئك في واد ، والحق بين
هؤلاء وهؤلاء، ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لنا ولإخوانِنا الذين سَبَقُونا بالإيمان ولا تجعلْ في قُلوبنا غِلاً للذين
آمنوا ربَّنا إنك رؤوف رحيمٌ﴾ .
(١) الفلاني في ((الإيقاظ)) (ص٥٠)، ونسبه للإمام محمد أيضاً، ثم قال:
«هذا ونحوه ليس في حق المجتهد ؛ لعدم احتياجه في ذلك إلى قولهم ؛ بل هو في حق المقلد)).
قلت: وبناءً على هذا قال الشعراني في «الميزان» (٢٦/١):
(«فإن قلت: فما أصنع بالأحاديث التي صحت بعد موت إمامي ، ولم يأخذ بها؟
فالجواب : الذي ينبغي لك : أن تعمل بها ؛ فإن إمامك لو ظفر بها ، وصحت عنده ؛ لربما كان
أَمَرَك بها ؛ فإن الأئمة كلهم أسرى في يد الشريعة ، ومن فعل ذلك ؛ فقد حاز الخير بكلتا يديه ،
ومن قال: (لا أعمل بحديث إلا إن أخذ به إمامي)؛ فاتهَ خير كثير؛ كما عليه كثير من
المقلدين لأئمة المذاهب ، وكان الأولى لهم العمل بكل حديث صح بعد إمامهم ؛ تنفيذاً لوصية
الأئمة ؛ فإن اعتقادنا فيهم أنهم لو عاشوا ، وظفروا بتلك الأحاديث التي صحت بعدهم ؛
لأخذوا بها ، وعملوا بما فيها ، وتركوا كلٌّ قیاس كانوا قاسوه ، وكلَّ قول كانوا قالوه» .
٢٦

المقدمة / منهج الكتاب
أقوال الأئمة في اتباع السنة ...
٢ - مالك بن أنس
والسنة؛ فخذوه ، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة ؛ فاتركوه)(١).
٢ - ((ليس أحد - بعد النبي ◌َّ - إلا ويؤخذ من قوله ويترك؛ إلا
))(٢) .
النبي
٣ - قال ابن وهب :
سمعت مالكاً سئل عن تخليل أصابع الرجلين في الوضوء؟ فقال :
((ليس ذلك على الناس)) .
قال : فتركته حتى خفِّ الناس ، فقلت له : عندنا في ذلك سنة . فقال :
((وما هي؟)).
:
قلت : حدثنا الليث بن سعد وابن لهيعة وعمرو بن الحارث عن يزيد بن
عمرو المعافري عن أبي عبدالرحمن الحُبُلي عن المستورد بن شداد القرشي قال :
(١) ابن عبدالبر في ((الجامع)) (٣٢/٢)، وعنه ابن حزم في «أصول الأحكام)) (١٤٩/٦)،
وكذا الفلاني (ص٧٢) .
(٢) نسبةُ هذا إلى مالك هو المشهور عند المتأخرين ، وصححه عنه ابن عبدالهادي في
((إرشاد السالك)) (١/٢٢٧)، وقد رواه ابن عبدالبر في ((الجامع)) (٩١/٢)، وابن حزم في
(«أصول الأحكام)) (١٤٥/٦ و١٧٩) من قول الحكم بن عُتّيبة ومجاهد ، وأورده تقي الدين
السبكي في ((الفتاوى)) (١٤٨/١) من قول ابن عباس - متعجباً من حسنه -، ثم قال :
«وأخذ هذه الكلمة من ابن عباسٍ مجاهدٌ، وأخذها منهما مالك رضي الله عنه ،
واشتهرت عنه» .
قلت: ثم أخذها عنهم الإمام أحمد ؛ فقد قال أبو داود في ((مسائل الإمام أحمد»
(ص٢٧٦) :
((سمعت أحمد يقول: ليس أحد إلا ويؤخذ من رأيه ويترك؛ ما خلا النبي لة)).
٢٧

المقدمة / منهج الكتاب
أقوال الأئمة في اتباع السنة ...
٣ - الشافعي
يدلُك بخنصره ما بين أصابع رجليه . فقال :
رأيت رسول الله
((إن هذا الحديث حسن ، وما سمعت به قط إلا الساعة)).
ثم سمعته بعد ذلك يُسأل، فيأمر بتخليل الأصابع(١) .
٣ - الشافعي رحمه الله :
وأما الإمام الشافعي رحمه الله؛ فالنقول عنه في ذلك أكثر وأطيب(٢)،
وأتباعه أکثر عملاً بها وأسعد ؛ فمنها :
١- «ما من أحد إلا وتذهب عليه سنة لرسول الله عالية
: وتعزُّبُ عنه ،
خلاف ما
فمهما قلتُ من قول ، أو أصلت من أصل ، فیه عن رسول الله
قلت؛ فالقول ما قال رسولُ الله ◌َالٍ، وهو قولي)(٣).
؛ لم
٢ - ((أجمع المسلمون على أن من استبان له سنة عن رسول الله
يَحِلِّ له أن يَدَعَهَا لقول أحد))(٤) .
(١) مقدمة ((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم (ص٣١ - ٣٢)، ورواها تامة البيهقي في
(«السنن)) (٨١/١).
(٢) قال ابن حزم (١١٨/٦) :
((إن الفقهاء الذين قُلِّدوا مبطلون للتقليد، وإنهم نهوا أصحابهم عن تقليدهم ، وكان
أشدهم في ذلك الشافعي ؛ فإنه رحمه الله بلغ من التأكيد في اتباع صحاح الآثار، والأخذ بما
أوجبته الحجة ، حيث لم يبلغ غيره ، وتبرّاً من أن يُقَلِّدَ جملة ، وأعلن بذلك ، نفع الله به ،
وأعظم أجره ؛ فلقد كان سبباً إلی خیر کثیر)» .
(٣) رواه الحاكم بسنده المتصل إلى الشافعي؛ كما في ((تاريخ دمشق)) لابن عساكر
(٣/١/١٥)، و((إعلام الموقعين)) (٣٦٣/٢ و٣٦٤)، و(«الإيقاظ)» (ص١٠٠).
(٤) ابن القيم (٣٦١/٢)، والفلاني (ص٦٨).
٢٨

المقدمة / منهج الكتاب
أقوال الأئمة في اتباع السنة ...
٣ - الشافعي
صَالله ؛ فقولوا بسنة رسول
٣ - ((إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله
اللّه ◌َّهِ، وَدَعُوا ما قلت)).
وفي رواية: ((فاتبعوها، ولا تلتفتوا إلى قول أحد))(١).
٤ - ((إذا صح الحديث؛ فهو مذهبي)) (٢).
(١) الهروي في «ذم الكلام)» (١/٤٧/٣)، والخطيب في ((الاحتجاج بالشافعي» (٢/٨)،
وابن عساكر (١/٩/١٥)، والنووي في «المجموع)» (٦٣/١)، وابن القيم (٣٦١/٢)، والفلاني (ص١٠٠).
والرواية الأخرى لأبي نعيم في «الحلية)) (١٠٧/٩)، وابن حبان في (صحيحه))
(٢٨٤/٣ - الإحسان) بسنده الصحيح عنه نحوه .
(٢) النووي في المصدر السابق، والشعراني (٥٧/١)، وعزاه للحاكم، والبيهقي،
والفلاني (ص١٠٧)، وقال الشعراني :
((قال ابن حزم: أي : صح عنده، أو عند غيره من الأئمة)).
قلت : وقوله الآتي عقب هذا صريح في هذا المعنى ، قال النووي رحمه الله ما مختصره :
((وقد عمل بهذا أصحابنا في مسألة التثويب ، واشتراط التحلل من الإحرام بعذر المرض
وغيرهما مما هو معروف في كتب المذهب ، ومن حُكي عنه أنه أفتى بالحديث من أصحابنا :
أبو يعقوب البُويطي، وأبو القاسم الدَّاركي، ومن استعمله من أصحابنا المحدثين: الإمام أبو بكر
البيهقي وآخرون ، وكان جماعة من متقدمي أصحابنا إذا رأوا مسألة فيها حديث ، ومذهب
الشافعي خلافه ؛ عملوا بالحديث ، وأفتوا به قائلين :
مذهب الشافعي ما وافق الحديث .
قال الشيخ أبو عمرو :
فمن وجد من الشافعية حديثاً يخالف مذهبه ؛ نظر: إن كملت آلات الاجتهاد فيه
مطلقاً - أو في ذلك الباب ، أو المسألة -؛ كان له الاستقلال بالعمل به ، وإن لم تكمل - وشَقّ
عليه مخالفة الحديث بعد أن بحث فلم يجد لمخالفه عنه جواباً شافياً -؛ فله العمل به ، إن =
٢٩

المقدمة / منهج الكتاب
أقوال الأئمة في اتباع السنة ...
٣ - الشافعي
٥ - («أنتم(١) أعلم بالحديث والرجال مني ، فإذا كان الحديث الصحيح؛
فَأعْلِموني به - أي شيء يكون: كوفيّاً ، أو بصرياً ، أو شامياً -؛ حتى أذهب إليه
إذا كان صحيحاً)) .
= كان عَمِل به إمام مستقل غير الشافعي ، ويكون هذا عذراً له في ترك مذهب إمامه هنا .
وهذا الذي قاله حسن متعين . والله أعلم» .
قلت : وهناك صورة أخرى لم يتعرض لذكرها ابن الصلاح، وهي فيما إذا لم يجد من
عمل بالحديث؛ فماذا يصنع؟ أجاب عن هذا تقي الدين السبكي في رسالة ((معنى قول
الشافعي ... إذا صح الحديث ... )) (ص١٠٢ ج٣) ؛ فقال :
ء ، وقد سمع
((والأولى عندي اتباع الحديث ، وليفرض الإنسان نفسه بين يدي النبي
ذلك منه؛ أيسعه التأخر عن العمل به؟ لا والله !... وكل واحد مكلف بحسب فهمه)) .
وتمام هذا البحث وتحقيقه تجده في ((إعلام الموقعين)) (٣٠٢/٢ و٣٧٠)، وكتاب الفلاني
المسمى ((إيقاظ همم أولي الأبصار، للاقتداء بسيد المهاجرين والأنصار، وتحذيرهم عن
الابتداع الشائع في القرى والأمصار، من تقليد المذاهب مع الحمية والعصبية بين فقهاء
الأعصار)» ، وهو کتاب فَذّ في بابه ، یجب علی کل محب للحق أن يدرسه دراسة تفھُم وتدبرُ .
(١) الخطاب للإمام أحمد بن حنبل رحمه الله. رواه ابن أبي حاتم في ((آداب الشافعي))
(ص٩٤ - ٩٥)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (١٠٦/٩)، والخطيب في ((الاحتجاج بالشافعي))
(١/٨)، وعنه ابن عساكر (١/٩/١٥)، وابن عبدالبر في ((الانتقاء)) (ص ٧٥) ، وابن الجوزي
في ((مناقب الإمام أحمد)» (ص٤٩٩)، والهروي (٢/٤٧/٢) من ثلاثة طرق عن عبدالله بن
أحمد بن حنبل عن أبيه : أن الشافعي قال له :... . فهو صحيح عنه ؛ ولذلك جزم بنسبته
إليه ابن القيم في «الإعلام)) (٣٢٥/٢)، والفلاني في ((الإيقاظ)) (ص١٥٢)، ثم قال:
(قال البيهقي : ولهذا كَثُر أخذه - يعني: الشافعي - بالحديث ، وهو أنه جمع علم أهل
الحجاز، والشام ، والیمن ، والعراق ، وأخذ بجميع ما صح عنده من غیر محاباة منه ، ولا میل
إلى ما استحلاه من مذهب أهل بلده؛ مهما بان له الحق في غيره ، وفیمن كان قبله من =

المقدمة / منهج الكتاب
أقوال الأئمة في اتباع السنة ...
٤ -أحمد بن حنبل
عند أهل النقل
٦ - ((كل مسألة صح فيها الخبر عن رسول الله يط
بخلاف ما قلت؛ فأنا راجع عنها في حياتي ، وبعد موتي))(١).
خلافُه ؛ فاعلموا أن
٧ - ((إذا رأيتموني أقول قولاً، وقد صحَّ عن النبي:
عقلي قد ذهب))(٢).
٨ - ((كل ما قلت ؛ فكان عن النبي
خلاف قولي مما يصح ؛ فحديث
النبي أولى ، فلا تقلدوني)(٣) .
٩ ـ ((كل حديث عن النبي {؛ فهو قولي، وإن لم تسمعوه مني))(٤).
٤ - أحمد بن حنبل رحمه الله :
وأما الإمام أحمد؛ فهو أكثر الأئمة جمعاً للسنة وتمسكاً بها، حتى ((كان
يكره وضع الكتب التي تشتمل على التفريع والرأي٥) ؛ ولذلك قال :
= اقتصر على ما عهده من مذهب أهل بلده ، ولم يجتهد في معرفة صحة ما خالفه ، والله
یغفر لنا ولهم» .
ـا (١) أبو نعيم في ((الحلية)) (١٠٧/٩)، والهروي (١/٤٧)، وابن القيم في ((إعلام
الموقعين)) (٣٦٣/٢)، والفلاني (ص١٠٤).
(٢) رواه ابن أبي حاتم في ((آداب الشافعي)) (ص٩٣)، وأبو القاسم السمرقندي في
(الأمالي)) - كما في ((المنتقى منها)) لأبي حفص المؤدب (١/٢٣٤) -، وأبو نعيم في ((الحلية))
(١٠٦/٩)، وابن عساكر (١/١٠/١٥) بسند صحيح.
(٣) ابن أبي حاتم (ص٩٣)، وأبو نعيم ، وابن عساكر (٢/٩/١٥) بسند صحيح .
(٤) ابن أبي حاتم (ص٩٣ - ٩٤).
(٥) ابن الجوزي في ((المناقب)) (ص١٩٢).
٣١

المقدمة / منهج الكتاب
أقوال الأئمة في اتباع السنة ...
٤ - أحمد بن حنبل
١ - ((لا تقلدني، ولا تقلد مالكاً، ولا الشافعي ، ولا الأوزاعي، ولا الثوري،
وخذ من حيث أخذوا)»(١) . وفي رواية :
له وأصحابه ؛ فَخُذ
((لا تقلد دينك أحداً من هؤلاء ، ما جاء عن النبي :
به ، ثم التابعين بَعْدُ؛ الرجلُ فيه مخيّر)). وقال مرة :
((الاتّباع: أن يتبع الرجل ما جاء عن النبي ◌َّي وعن أصحابه ، ثم هو من
بعد التابعين مخيّر))(٢) .
٢ - («رأي الأوزاعي ، ورأي مالك ، ورأي أبي حنيفة ؛ كله رأي ، وهو
عندي سواء ، وإنما الحجة في الآثار)) (٣).
٣ - ((من رد حديث رسول الله ﴿؛ فهو على شفا هَلَكة))(٤).
تلك هي أقوال الأئمة رضي الله تعالى عنهم في الأمر بالتمسك
بالحديث ، والنهي عن تقليدهم دون بصيرة ، وهي من الوضوح والبيان بحيث
لا تقبل جدلاً ولا تأويلاً .
وعليه ؛ فإن من تمسك بكل ما ثبت في السنة ، ولو خالف بعض أقوال الأئمة ؛
لا يكون مبايناً لمذهبهم، ولا خارجاً عن طريقتهم؛ بل هو متبع لهم جميعاً،
ومتمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها ، وليس كذلك من ترك السنة الثابتة
لمجرد مخالفتها لقولهم؛ بل هو بذلك عاص لهم ، ومخالف لأقوالهم المتقدمة ، والله
تعالى يقول: ﴿فَلا ورَبِّك لا يُؤْمِنُون حتَّى يُحَكِّمُوكَ فيما شَجَرَ بَينَهُمْ ثمَّ لا يَجِدُوا
(١) الفلاني (١١٣)، وابن القيم في «الإعلام)) (٣٠٢/٢).
(٢) أبو داود في ((مسائل الإمام أحمد)) (ص٢٧٦ و٢٧٧).
(٣) ابن عبدالبر في ((الجامع)) (١٤٩/٢).
(٤) ابن الجوزي (ص١٨٢).
٣٢

المقدمة / منهج الكتاب
أقوال الأئمة في اتباع السنة ...
في أنفسِهِمْ حَرَجاً ما قَضْيْتَ ويُسلِّمُوا تسليماً﴾ (النساء: ٦٥)، وقال: ﴿فَلْيَحْذَر
الذين يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أو يُصِيبَهُمْ عذابٌ أَلِيمٌ﴾ (النور: ٦٣).
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالی :
ـلُ ، وعرفه ؛ أن يبينه للأمة ،
«فالواجب علی کل من بلغه أمر الرسول
وينصح لهم ، ويأمرهم باتباع أمره ، وإن خالف ذلك رأي عظيم من الأمة ؛ فإن
أمر رسول الله ﴿ أحق أن يُعَظّم ويُقتدى به من رأي أي معظّم قد خالف أمره
في بعض الأشياء خطأً ، ومن هنا رد الصحابة ومن بعدهم على كل مخالف
سنة صحيحة ، وربما أغلظوا في الرد(١)، لا بغضاً له ؛ بل هو محبوب عندهم
معظّم في نفوسهم ، لكن رسول الله أحب إليهم ، وأمره فوق أمر كل مخلوق ،
فإذا تعارض أمر الرسول وأمر غيره ؛ فأمر الرسول أولى أن يقدم ويتبع ، ولا يمنع
(١) قلت: حتى ولو على آبائهم وعلمائهم؛ كما روى الطحاوي في ((شرح معاني الآثار))
(٣٧٢/١)، وأبو يعلى في «مسنده)) (١٣١٧/٣ - مصورة الكتب) بإسناد جيد رجاله ثقات
عن سالم بن عبدالله بن عمر قال :
((إني لجالس مع ابن عمر رضي الله عنه في المسجد إذ جاءه رجل من أهل الشام ، فسأله
عن التمتع بالعمرة إلى الحج؟ فقال ابن عمر:
حسن جميل . فقال : فإن أباك كان ينهى عن ذلك؟ فقال :
، وأمر به ؛ فبقول أبي
ویلك ! فإن كان أبي قد نهى عن ذلك ، وقد فعله رسول الله
تأخذ، أم بأمر رسول الله تَاء؟! قال: بأمر رسول اللّه ◌َلٍ. فقال:
فقم عني)) .
وروی أحمد (رقم ٥٧٠٠) نحوه، والترمذي (٨٢/٢ - بشرح التحفة) وصححه .
وروی ابن عساکر (١/٥١/٧) عن ابن أبي ذئب قال :
٣٣

المقدمة / منهج الكتاب
أقوال الأئمة في اتباع السنة ...
من ذلك تعظيم من خالف أمره ، وإن كان مغفوراً له (١)، بل ذلك المُخَالَف
المغفور له لا يكره أن يخالف أمره؛ إذا ظهر أمر الرسول تَ﴿ بخلافه))(٢).
قلت : كيف يكرهون ذلك ؛ وقد أمروا به أتباعهم - كما مر - ، وأوجبوا عليهم
أن يتركوا أقوالهم المخالفة للسنة؟! بل إن الشافعي رحمه الله أمر أصحابه أن
ينسبوا السنة الصحيحة إليه ، ولو لم يأخذ بها ، أو أخذ بخلافها؛ ولذلك لما جمع
المحقق ابن دقيق العيد رحمه الله المسائل التي خالف مذهب كل واحد من الأئمة
الأربعة الحديث الصحيح فيها - انفراداً ، واجتماعاً - في مجلد ضخم ؛ قال في أوله :
(إن نسبة هذه المسائل إلى الأئمة المجتهدين حرام ، وإنه يجب على
الفقهاء المقلدين لهم معرفتها ؛ لئلا يعزوها إليهم؛ فيكذبوا عليهم)) (٣).
= قضى سعد بن إبراهيم (يعني: ابن عبدالرحمن بن عوف) على رجل برأي ربيعة بن
بخلاف ما قضى به ، فقال سعد لربيعة :
أبي عبدالرحمن ، فأخبرته عن رسول الله عز
بخلاف ما قضيت به . فقال
هذا ابن أبى ذئب - وهو عندي ثقة - يحدث عن النبي
له ربيعة : قد اجتهدت ، ومضى حكمك . فقال سعد :
واعجباً ! أُنَفذّ قضاء سعد و[لا] أُنَفّذ قضاء رسول الله تَّاء؟! بل أرد قضاء سعد ابن
أم سعد ، وأنفذ قضاء رسول الله چ .
فدعا سعد بكتاب القضية فشقه ، وقضى للمقضي عليه .
:
(١) قلت : بل هو مأجور ؛ لقوله
«إذا حكم الحاكم فاجتهد، فأصاب ؛ فله أجران ، وإذا حكم فاجتهد ، فأخطأ ؛ فله أجر
واحد)) . رواه الشيخان وغيرهما .
(٢) نقله في التعليق على ((إيقاظ الهمم)) (ص٩٣).
(٣) الفلاني (ص٩٩).
٣٤

المقدمة / منهج الكتاب ترك الأتباع بعض أقوال أئمتهم ... ١ - محمد بن الحسن
ترك الأتباع بعضَ أقوالِ أئمتِهِمُ اتباعاً لِلسُّنَّةِ
ولذلك كله كان أتباع الأئمة ﴿ثُلّةٌ مِنَ الأوّلِينَ. وَقَليلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾
(الواقعة: ١٣ - ١٤) لا يأخذون بأقوال أئمتهم كلها؛ بل قد تركوا كثيراً منها لمَّا
ظهر لهم مخالفتُها للسنة ، حتى إن الإمامين : محمد بن الحسن ، وأبا يوسف
رحمهما الله قد خالفا شيخهما أبا حنيفة (في نحو ثلث المذهب)(١) ، وكتب
الفروع كفيلة ببيان ذلك ، ونحو هذا يقال في الإمام المزني (٣)، وغيره من أتباع
الشافعي وغيره ، ولو ذهبنا نضرب على ذلك الأمثلة ؛ لطال بنا الكلام ، ولخرجنا
به عما قصدنا إليه في هذا البحث من الإيجاز؛ فلنقتصر على مثالين اثنين :
١ - قال الإمام محمد في ((موطئه))(٣) (ص١٥٨) :
((قال محمد: أما أبو حنيفة رحمه الله ؛ فكان لا يرى في الاستسقاء
(١) ابن عابدين في ((الحاشية)) (٦٢/١)، وعزاه اللكنوي في ((النافع الكبير)) (ص٩٣)
للغزالي .
(٢) وهو القائل في أول ((مختصره في فقه الشافعي)» المطبوع بهامش ((الأم)) للإمام ما
نصه :
((اختصرت هذا الكتاب من علم محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله ، ومن معنى قوله ؛
لأُقْرَبُه على من أراده ، مع إعلامِه نهيّه عن تقليدِه وتقليدٍ غيرِهِ ؛ لينظر فيه لدينه ، ويحتاط فيه
لنفسه)).
(٣) وقد صرح فيه بمخالفة إمامه في نحو عشرين مسألة ، نشير إلى مواطنها منه: (٤٢
و٤٤ و ١٠٣ و١٢٠ و١٥٨ و١٦٩ و١٧٢ و ١٧٣ و٢٢٨ و ٢٣٠ و٢٤٠ و٢٤٤ و٢٧٤ و٢٧٥ و٢٨٤
و٣١٤ و٣٣١ و٣٣٨ و٣٥٥ و٣٥٦)؛ من ((التعليق الممجد على موطأ محمد».
٣٥
٠

المقدمة / منهج الكتاب ترك الأتباع بعض أقوال أئمتهم ...
٢ - عصام البلخي
صلاة ، وأما في قولنا ؛ فإن الإمام يصلي بالناس ركعتين ، ثم يدعو ، ويُحَوِّل
رداءه ... )) إلخ .
٢ - وهذا عصام بن يوسف البَلْخي ـ من أصحاب الإمام محمد(١) ، ومن
الملازمين للإمام أبي يوسف(٢) - ((كان يفتي بخلاف قول الإمام أبي حنيفة
كثيراً؛ لأنه لم يعلم الدليل ، وكان يظهر له دليل غيره ؛ فيفتي به)) (٣)؛ ولذلك
((كان يرفع يديه عند الركوع، والرفع منه))(٤)؛ كما هو في السنة المتواترة
(١) ذكره فيهم ابن عابدين في ((الحاشية)) (٧٤/١)، وفي ((رسم المفتي)) (١٧/١)،
وأورده القرشي في ((الجواهر المضية في طبقات الحنفية)) (ص٣٤٧) وقال :
((كان صاحب حديث ، ثبتاً ، وكان هو وأخوه إبراهيم شيخي بَلْخ في زمانهما)).
(٢) ((الفوائد البهية في تراجم الحنفية)) (ص١١٦).
(٣) ((البحر الرائق)) (٩٣/٦)، و((رسم المفتي)) (٢٨/١).
(٤) ((الفوائد)) (ص١١٦) ثم علق عليه بقوله - وقد أجاد -:
((قلت: يُعلم منه بطلان رواية مكحول عن أبي حنيفة -: ((أن من رفع يديه في الصلاة فسدت
صلاته)» ۔، التى اغتر بها أمیر کاتب الإتقاني - کما مر في ترجمته -؛ فإن عصام بن يوسف كان من
ملازمي أبي يوسف ، وكان يرفع ، فلو كان لتلك الرواية أصل ؛ لعلم بها أبو يوسف وعصام)) . قال :
((ويُعلم أيضاً أن الحنفي لو ترك في مسألة مذهب إمامه لقوة دليل خلافه ؛ لا يخرج به
عن ربقة التقليد ، بل هو عين التقليد في صورة ترك التقليد ، ألا ترى أن عصام بن يوسف ترك
مذهب أبي حنيفة في عدم الرفع ، ومع ذلك هو معدود في الحنفية؟!)) . قال :
((وإلى الله المشتكى من جهلة زماننا؛ حيث يطعنون على من ترك تقليد إمامه في مسألة
واحدة ؛ لقوة دليلها ، ويخرجونه عن جماعة مقلديه !! ولا عجب منهم؛ فإنهم من العوام ، إنما
العجب ممن يتشبه بالعلماء ، ويمشي مشيهم كالأنعام!)) .
٣٦

المقدمة / منهج الكتاب
عنه ، فلم يمنعه من العمل بها أن أثمته الثلاثة قالوا بخلافها ، وذلك ما
يجب أن يكون عليه كل مسلم - بشهادة الأئمة الأربعة وغيرهم ؛ كما تقدم ..
وخلاصة القول : إنني أرجو أن لا يبادر أحد من المقلدين إلى الطعن في
مشرب هذا الكتاب ، وترك الاستفادة مما فيه من السنن النبوية بدعوى
مخالفتها للمذهب ؛ بل أرجو أن يتذكر ما أسلفناه من أقوال الأئمة في وجوب
العمل بالسنة ، وترك أقوالهم المخالفة لها ، وليعلم أن الطعن في هذا المشرب؛
إنما هو طعن في الإمام الذي يقلده أيّاً كان من الأئمة ، فإنما أخذنا هذا المنهج
منهم - كما سبق بيانه -، فمن أعرض عن الاهتداء بهم في هذا السبيل ؛ فهو
على خطر عظيم ؛ لأنه يستلزم الإعراض عن السنة ، وقد أمرنا عند الاختلاف
بالرجوع إليها ، والاعتماد عليها ؛ كما قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُون حَتَّى
يُحَكِّمُوكَ فيما شَجَرَ بينهم ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنفُسِهِم حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ
ويُسَلِّمُوا تسلِيماً﴾ (النساء: ٦٥) .
أسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن قال فيهم: ﴿إِنما كانَ قولَ المؤمنينَ إذا دُعُوا
إلى الله ورسولِهِ لِيحكُمَ بينهمْ أن يقولوا سَمِعْنا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ المفلحون .
ومن يُطع الله ورسوله ويخشَ الله ويَتَّقِهِ فأولئك هُمُ الفائزون﴾ (النور: ٥١ -٥٢).
دمشق / ١٣ جمادى الآخرة سنة ١٣٧٠ هـ
٣٧

المقدمة / شبهات وجوابها
١ - الشبهة الأولى
اختلاف أمتي رحمة !
شبهات وجَوَابها
ذلك ما كنت كتبته منذ عشر سنوات في مقدمة هذا الكتاب ، وقد ظهر
لنا في هذه البرهة(*) أنه كان لها تأثير طيب في صفوف الشباب المؤمن ؛
الإرشادهم إلى وجوب العودة في دينهم وعبادتهم إلى المنبع الصافي من
الإسلام: الكتاب والسنة ؛ فقد ازداد فيهم - والحمد لله - العاملون بالسنة ،
والمتعبدون بها ، حتى صاروا معروفين بذلك ؛ غير أني لمست من بعضهم توقُّفاً
عن الاندفاع إلى العمل بها ، لا شكّاً في وجوب ذلك - بعد ما سقنا من
الآيات والأخبار عن الأئمة في الأمر بالرجوع إليها -؛ ولكن الشبهات يسمعونها
من بعض المشايخ المقلدين ؛ لذا رأيت أن أتعرض لذكرها ، والرد عليها ، لعل
ذلك البعض يندفع بعد ذلك إلى العمل بالسنة مع العاملين بها ؛ فيكون من
الفرقة الناجية بإذن الله تعالى .
١ - قال بعضهم :
«لا شك أن الرجوع إلى هدي نبينا ټګ في شؤون دیننا أمر واجب ، لا سيما
فيما كان منها عبادة محضة ، لا مجال للرأي والاجتهاد فيها ؛ لأنها توقيفية ؛
كالصلاة مثلاً ، ولكننا لا نكاد نسمع أحداً من المشايخ المقلدين يأمر بذلك،
بل نجدهم يُقرُّون الاختلاف ، ويزعمون أنه توسعة على الأمة ، ويحتجون على
ذلك بحديث - طالما كرروه في مثل هذه المناسبة رادِّين به على أنصار السنة -:
((اختلاف أمتي رحمة)) .
فيبدو لنا أن هذا الحديث يخالف المنهج الذي تدعو إليه ، وألّفْتَ كتابك
هذا وغيره عليه . فما قولك في هذا الحديث؟)) .
(*) أي بعد طباعة ونشر متن ((صفة الصلاة)) وتخريجه المختصر، ومنه أضفنا هذا الفصل
المتمم للمقدمة .
٣٨

المقدمة / شبهات وجوابها
١ - الشبهة الأولى
اختلاف أمتي رحمة !
والجواب من وجهين :
الأول : أن الحديث لا يصح ؛ بل هو باطل لا أصل له ؛ قال العلامة
السبكي :
((لم أقف له على سند صحيح ، ولا ضعيف ، ولا موضوع)) .
قلت : وإنما روي بلفظ :
(( ... اختلاف أصحابي لكم رحمة)) . و:
((أصحابي كالنجوم ، فبأيهم اقتديتم؛ اهتديتم)).
وكلاهما لا يصح: الأول: واه جدّاً. والآخر: موضوع . وقد حققت القول
في ذلك كله في ((سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة)) (رقم ٥٨ و٥٩ و٦١).
الثاني : أن الحديث - مع ضعفه - مخالف للقرآن الكريم ؛ فإن الآيات
الواردة فيه - في النهي عن الاختلاف في الدين ، والأمر بالاتفاق فيه - أشهر
من أن تذكر ، ولكن لا بأس من أن نسوق بعضها على سبيل المثال ؛ قال الله
تعالى: ﴿وَلا تَنازعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (الأنفال: ٤٦). وقال: ﴿وَلا
تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِين. مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شَيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ
فَرِحُونَ﴾ (الروم: ٣١ -٣٢). وقال: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ. إلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾
(هود: ١١٨ - ١١٩). فإذا كان من رحم ربك لا يختلفون ، وإنما يختلف أهل
الباطل ؛ فكيف يعقل أن يكون الاختلاف رحمة؟!
فثبت أن هذا الحديث لا يصح؛ لا سنداً ولا متناً(١) ، وحينئذٍ يتبين بوضوح
أنه لا يجوز اتخاذه شبهة للتوقف عن العمل بالكتاب والسنة ، الذي أمر به الأئمة .
(١) ومن شاء البسط في ذلك ؛ فعليه بالمصدر السابق.
٣٩

المقدمة / شبهات وجوابها
٢ - الشبهة الثانية
اختلاف الصحابة والأئمة
٢ - وقال آخرون :
((إذا كان الاختلاف في الدين منهيّاً عنه ؛ فماذا تقولون في اختلاف
الصحابة ، والأئمة من بعدهم؟ وهل ثمة فرق بين اختلافهم ، واختلاف
غيرهم من المتأخرين؟)) .
فالجواب : نعم ؛ هناك فرق كبير بين الاختلافين ، ويظهر ذلك في شيئين :
الأول : سببه .
والآخر : أثره .
فأما اختلاف الصحابة ؛ فإنما كان عن ضرورة واختلاف طبيعي منهم في
الفهم؛ لا اختياراً منهم للخلاف ، يضاف إلى ذلك أمور أخرى كانت في
زمنهم ، استلزمت اختلافهم ، ثم زالت من بعدهم(١)، ومثل هذا الاختلاف لا
يمكن الخلاص منه كليّاً ، ولا يلحق أهلَه الذمُّ الواردُ في الآيات السابقة ، وما
في معناها ؛ لعدم تحقق شرط المؤاخذة ، وهو القصد ، أو الإصرار عليه .
وأما الاختلاف القائم بين المقلدة ؛ فلا عذر لهم فيه غالباً ؛ فإن بعضهم قد
تتبين له الحجة من الكتاب والسنة ، وأنها تؤيد المذهب الآخر الذي لا يتمذهب
به عادة ، فيدعها لا لشيء ؛ إلا لأنها خلاف مذهبه ، فكأن المذهب عنده هو
، والمذهب الآخر هو دين آخر منسوخ !
الأصل ، أو هو الدين الذي جاء به محمد
وآخرون منهم على النقيض من ذلك ؛ فإنهم يرون هذه المذاهب - على ما
بينها من اختلاف واسع - كشرائع متعددة؛ كما صرح بذلك بعض
(١) راجع ((الإحكام في أصول الأحكام)) لابن حزم، و«حجة الله البالغة)) للدهلوي ، أو
رسالته الخاصة بهذا البحث ((عقد الجيد في أحكام الاجتهاد والتقليد)).
٤٠