Indexed OCR Text

Pages 1-20

الملكَة المُغْرِبِيَّةْ
وزارة الأوقاف والشؤونالإسلامية
طبع بأمر من صاحب الجلالة أمير المؤمنين المسح النشابن نصر اللهاره
ازْبُونَ حَدِيثًا
فِي ضْطِنَاعِ المَعَرُفِ
جَمْع
زكي الدين أبي محمد عبد العظيم بن عبد القوى المنذري
المتوفى سنة 656 هـ
شرح وتعليق
أبي عبد الله محمد بن ابراهيم السلمى
المتوفى سنة 803هـ
تلخیص
أبي زيد عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف التعالي
المتوفى سنة 875 هـ
علق عليه وقدم له المرحوم
محمّد بن قاوِيت الطنجي
م
1405 هـ - 1985

وصلى الله على سيدنا محمد
بسم اللـه
الرحمن الرحيم
وآله وصحبته أجمعين.
تصدير
حمدا لله رب العالمين، وصلاة وسلاما على من أرسله الله للناس
أجمعين وخصه بجوامع الكلم بين الأنبياء والمرسلين.
وبعد، فإن أحسن ما يشتغل به المسلم في باب العلم، وأفضل ما
يعتني به المومن بعد القرآن الكريم هو حديث رسول الله ◌ّ، وسنته
قولا وفعلا وتقريرا. إذ هي في المعنى من وحي رب العالمين، وهي تبيان
الذكر الحكيم، ومصدر ثان للتشريع الإسلامي واستنباط أحكامه، ومنبع
توجيه وإرشاد للإنسان في كافة أموره وشؤون حياته، الدينية منها
والدنيوية، مصداقا لقول الله تعالى في حق رسوله : ﴿وأنزلنا إليك
الذكر لتبين للناس من نزل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾، وقوله سبحانه :
﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾.

وهذه المكانة للسنة النبوية جعلت المسلمين عامة، وعلمائهم خاصة
يعتنون بها كامل العناية، ويتدارسونها بالسند والرواية، خلفا عن سلف،
ويحرصون على حفظها في الصدور، وتدوينها في الكتب بين السطور، بعد
تمييز صحيحها من سقيمها، وقويها من ضعيفها، حتى تكون بين يدي
المسلم خالصة وسليمة من شوائب الخلط والوضع والافتراء، رغبة منهم في
أن يشملهم دعاء الحديث الوارد عن رسول الله عجائز، حين قال: «نضر الله
امرءا سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سمع»،
وتحقيقا لوعده صلى الله عليه وسلم حين قال : ((يحمل هذا العلم من كل
خلف عدوله، ينفون عن تحريف الغالين، وانتحال المبطلين وتأويل
الجاهلین)».
وإن من جوانب هذا الاعتناء بالسنة النبوية انتقاء العلماء لعديد
من الأحاديث التي تدور حول موضوع من المواضيع، كالآداب، أو الزهد،
أو الجهاد، أو الطب، أو غيرها، وجمعها في مصنف صغير يسهل الرجوع
إليه عند الحاجة، ويتيسر تداوله بين الخاصة والعامة. وغالبا ما
يقتصرون في ذلك على أربعين حديثا، كما فعل كثير من أقطاب العلماء
أمثال عبد الله بن المبارك، والحسن بن سليمان النساشي والحاكم،
والبيهقي، والإمام النووي الذي جمع أربعين حديثا متنوعة الموضوعات،
كل حديث منها يعتبر قاعدة من قواعد الدين، وصفه العلماء بأن عليه
مدار الإسلام، وذلك رغبة منهم في نشر السنة بهذه الطريقة، ودخولهم
في الحديث الوارد عن رسول الله ◌َ ، وهو: من حفظ على أمتي أربعين
حديثا من أمر دينها بعثه الله في زمرة الفقهاء والعلماء، وفي رواية :
(«كنت له شفيعا وشهيدا»، وفي رواية : قيل له : «ادخل من أي أبواب
الجنة شئت».

وقد سار على هذا النهج القويم، وسنن السلف الصالح من علماء
المسلمين، زكي الدين أبو محمد عبد العظيم بن عبد القوي المنذري صاحب
الكتاب الشهير في الحديث : «الترغيب والترهيب» وغيره من الكتب
الجليلة، المتوفى سنة 656 هـ، فانتقى رحمه الله - أربعين حديثا في
اصطناع المعروف إلى المسلمين، وقضاء حوائج الملهوفين، لما لحديث رسول
الله ظافر، من مكانة وأثر في نفوس المومنين، وتوجيه حياة المسلمين إلى
فعل الخير والتسابق إليه، ولما لهذا العمل من فضل وثواب لصاحبه في
الدنيا والأخرة، فإن الدال على الخير كفاعله، خاصة والناس في زمان
أصبحوا فيه منشغلين بنفوسهم، ومفتونين بالدنيا أكثر من أي وقت
مضى، غافلين عن اصطناع المعروف إلى الناس، فصاروا في أمس الحاجة
إلى التذكير بآيات الله وحديث رسوله في هذا المجال، فإن الإيمان كما قال
عليه الصلاة والسلام بضع وستون شعبة، أعلاها قول لا إلاه إلا الله،
وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)»، فاصطناع المعروف إلى الناس شعبة
من شعب الإيمان، وعمل مرغب فيه من أعمال الإسلام، ويحفظ من
مصارع السوء كما قال العلماء.
وإسهاما من وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في خدمة السنة
النبوية، ومواصلة منها للسير في إحياء التراث الإسلامي الأصيل يسعدها
ويسرها أن تتقدم بإعادة طبع هذا الكتاب، حتى يكون في متناول عامة
المواطنين وجمهور المسلمين، وخاصة المهتمين منهم بالدراسات الإسلامية،
والقائمين على شؤون الإرشاد والتوعية الدينية، حتى يستفيدوا منه
ويفيدوا، ويكون له أثر في بث الفضيلة وغرس روح المحبة والتعاون على
كل خير ومعروف، والتسابق إليه بين كافة الناس، عملا بقول الله تعالى
في وصف المومنين، ﴿إن الذين هم خشية ربهم مشفقون، والذين هم بآيات
ربهم يومنون، والذين هو بربهم لا يشركون والذين يوتون ما آتوا
وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون أولائك يسارعون في الخيرات وهم لها
سابقون﴾.

نسأل الله تعالى أن يحقق النفع بهذا الكتاب الخاص والعام من أُمة
الإسلام، وأن يجعل إعادة طبعه من حسنات مولانا الإمام أمير المومنين
جلالة الحسن الثاني الراعي الأمين لشؤون الدنيا والدين في هذا البلد
المسلم العزيز، كما نسأله تعالى أن يقر عينه بسمو ولي عهده الأمير الجليل
سيدي محمد، وصنوه الأمير مولاي رشيد، وسائر أسرته الكريمة إنه سميع
مجيب.
وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية
الدكتور عبد الكبير العلوي المدغري

تقديم
.1.
أُوَّلُ منَ عُني بِجِبْعِ هذهِ الأَحاديثِ الْأَرْبِعِيَّنَ التِي تَحٌُ عَلى الْطِنَاعِ الْمُعْروفِ إِلى
أْسِمِينَ وَقَضَاءِ حَوائِجِهِمْ: أَبو محمدٍ عَبدُ العظيمِ ◌ّنُ عبدِ الْقَوِيّ الْمُنْذِرِيّ (581.
656 هـ) (1)، وَمَعَ أَنٌ م ◌َيَدْلٌّ عَلَى مَوَاضِعِها مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ، فَإِنهَا قَدْ لَقِيَتْ لَدَى
أَهْلِ الْغْروفٍ وَالدَِّينَ عَلى اَخَرِ فِي الْوَسَطِ الْإِسْلاَمِيِّ مِنَ الإِعْتِنَّاءِ بِهِا، وَالنّظَرِ في
معانيها، وَكَثْرَةِ الطَّالِبِينَ لَمَا ◌ِ مَا حُدَا أبا عمَبدِ اللَّهِ مُمِدَ أَبْنَ إِبراهيمَ بْنِ إِسْحَاقَ
السُّلِيّ (المتَوَّلَىَ سَنَّةَ 803 هـ) أَنْ يُخِرِّجْ أَحَادِيثَها، وَأَنْ يَشْرَحَها (2) وَيُضِيَفَ إِلَيْها
زِيَادَاتٍ اسْتَحْسَنَها.
وَعَزَّمَ أَبو زَيْدٍ عَبَّدُ الرحمانِ بِنٌ مُمَّدِ بْنِ عْلُوفٍ الثَّعَالِيُّ (الْمُتَوَّفْ سَنَةً
875 هـ) (3) عَلى تَأليفِ كِتابِهِ:
(الأنوار المُضِيئة، في الجمْعِ بَيْنَ الشَّرِيعَةِ وَالحقيقَةِ»
1) ترجمة المنذري ومراجعها في تاريخ الأدب العربي لبروكلمن (الملحق) 627/1. وأحاديثه الأربعون التي جمعها،
طبعت بالشام سنة 1306 هـ.
2) توجد نسخ من هذا الشرح في برلين وتوبنجن، والاسكوريال، والمتحف البريطاني.
3) ترجمة الثعالبي في: الضوء اللامع 152/4، نيل الابتهاج 173، درة الحجال 359/2 فهرس الفهارس 131/2 -
132، تعريف الخلف بموصول السلف 63 - 68.
-3-

قَرّغِب أَنْ يُقَدِمَ لَه ◌ِهذِهِ الأربعينِ الْمُنذِرِيّةِ، وَقَدْ عَمْدَ إِلَى شَرَح التَّلِيِّ فَلَخَّصّة
وأضافٌ إليهِ مَلَاحِظَاتٍ عَنَّتْ لَهُ، وَبِهَذَا صََّهَا الْثُّعَالِبِيُّ دِيَبَاجَةٌ لِكِتَابِهِ؛ فَمَّالْحَقّ بِها .
مُ يَقولُ: «ُمْلَةَ أَبْوَابٍ مُسْتَحْسَنَةٍ، مُشْتَمِلَةٍ عَلى أَحَادِيثَ مَخْتَارَةٍ مِنْ غيرِ مَا فَنٍّ
يَسْتَعِينُ بِها الشّالكُ المُرِيدُ لِخَرَتِ الْآخِرَةِ» (4).
وَقَدْ رَأَيَنَا أَنْ تَعِيد ◌ِهِذِهِ الْأَرْبِعِيْنِ حَديثًا إِسْمِهَا الْقَدِيمَ، وَتَخْرِجَهَا لِلنّاسِ في
صورتها المسْتَقِّلةِ الّتِي أرادَها لها جامعها وشارِحُها قبَلَ الثُّعالبي؛ لِتَكَوْن دِلالَتُّها على
الْهُدُفِ الذي قَصَدَنا إِلَيْهِ أَوْضَحَ. وَاسْتَفَّدَنا مِّنَ عَمَلِ الْثَعَالِي فَي «الْتُلْخيصِ والْتَّقَرِيبِ
والترتيب».
وَقَدْ خَرّصُنّا ، حَسَبَ طاقْتِنًا - عَلى أَنَّ نرَدَّ هذِهِ الأحاديثَ إِلى مَصَادِرِها
لِيعَرِفَ القارِئُ قِيْمَتْهَا فِي نَظَرِ نَّقَّادِ الحديثِ وَنَقْلَتِهِ.
وَاعْتَدْنَا في تَوْثِيقِ هِذا الْنِ - زِيَدَةً عَلىَ الْصَادِرِ أَلْتِي أَشْيَرَ إِلَيْهَا فِي الْحَوَاشِي .
على نشختين :
إِحْدَاهُمَا: تَخْتَفِظُ بِهَا المَكْتَبَةُ الكَثَانِيَةُ تَحْتَ رَقَّ 275 ك، وَتَشْغَلُّ 25 وَرَقَةٌ مِنْ
أَوْلِ كَتَابِ «الأَنْوَارِ المَضِيئَةَ، أْمَّارُ ذِكْرُهُ، وَقَدَ كُتِبَتْ عَامَ 1113 هـ يَخْطِ مَغْرِبِيّ
واضِحُ مُتَقِّنٍ. وَقَدْ رَمَزْنَا إِليها في الْحَوَاشِي بِحَرَفٍ ().
وثانيتُها : نُتُخَة خاصّة يملكها معالي وزيرِ الدولةِ المكلف بالشؤون الإسلاميّة
سابقاً العُلَّامَةُ سيدي علالُ الفاسِيُّ رحمه الله.
وهِيَ تَقَعْ فِي أوَّلِ مجموعةٍ، وَتَشْغَلَّ 48 وَزْقَةَ مِنْها؛ وَقَدَ عَورَضَتْ بِنُشِغَةٍ
أُخْرَى، وَأَثْبْتَتِ الْقُروقُ النَّاتِجَةُ عَنِ الْغَارَضَةِ بِالْحَوَاشِي أَوَ فَوَقَ الْكِلِمَاتِ يحِيْرٍ أُخْمَرَ-
اللّوْنِ. وَخَطَّهَا مِفْرِيٌ واضِحُ مَشْكُولٌ بِالْحَرَكاتِ، صحيحٌ فِي عُومِهِ. وَقَدْ أُشْرَنَا إِلَيْها
جـ
في الحواشي بحرف «ب».
4) الأنوار المضيئة، الورقة 25 (275 ك).
- 4 -

- 2 -
وَالْإِسْلامُ مِنْ أَبِرَزِ صِفَاتِهِ أَنَّهَ يَتَدَخّلُ - بِصورَةٍ دائجةٍ - في تَوْجِيهِ الْيَاةِ
الْإِنْسانِيَّةِ أَلْوِجَهَةَ الْتِي يَراها تَكْفُلُ الْخَيَاةُ السّعيدَةَ الْكَرِيمَةَ لِلْإِنْسانِ في دُّنْيَاه وفي
دينِهِ مَغَا؛ فَهُوَ يَتَدَخْلُ في مُعْتَقَدِ الْإِنْسَانِ يُوجّهُهُ، وَفِي أَعْمالِهِ الدِّينِيّةِ التي تَصِلُهُ
بِرَّبِهِ وَالْتِي تَصِلُهُ بِأَخِيهِ الْإِنْسانِ، فَرْدًا كَانَ أَوْ جَمَاعَةَ يُحَدِّدُ لَهَا آَسْتِقامَتَها.
"وَمِنْ لّوازِمْ صِلّةِ الْإِسْلامِ بِحَيَاةِ النّاسِ - عَلَى تَنَوْعِ فُروعها - أَنْ تَكُونَ لَهُ
مَبّادِىٌ ثَابِتَةٌ وَوَاضِحَةٌ يُسِيرُ النّاسُ عَلَيَها، وَيَحْتِكِمُونَ إِلَيْها عِندَ تَطْبِيقِ هذِهِ.
المَبَادِىءٍ فِي الْجَعِ الْإِسْلامَيِّ.
وَهُنا وَضَحَ إِلْحَاحُ اُلْتَاجَةٍ إِلى كِتَابٍ لِلْإِسْلامِ يَرْهُمُ الْخُطُوطَ الْأَسْاسِيَّةَ الْكَبْرَى
لهَذِهِ الْمِبَادِيِءِ، فَكَانَ الْقُرْآنُ اُلْكَرِيمْ أَلَّذِي أَتَّخَذَ مِنَ الْجِنْسِ الْعَرَّبِيِ المسْتَمِعِ اَلْأَوَّل
لِدَعْوَتِهِ، مُثِلاَ لِلإِنْسَانِيَّةِ وَقْتَما كانَتْ، وَحَيْثُما كانَتْ؛ فَخَاطَبَ فيَ شَخْصِ الْعَرَبِيّ -
بِأُسْلوبِهِ الْرِنِ - أَحَاسِيسَ الْإِنْسانِ وَمَشاعِرَهُ وَعَواطِفَهُ مُجَّدَةً عَنِ فَوَارِقِ الْجِنْسِ،
والنّوْعِ، وَاللَّوْنِ، وَالْفَقْرِ، وَالْغِنَى، وَالْجَاهِ، وَالْخُنَبِ، وَالزّمانِ، وَالْكَانِ؛ فَهَذِهِ الفوارِقُ
العَارِضَةُ، وَمَا إِلَيْها مِمَّا يَحْجُبُ ذَوِي النَّظَرِ الْقَصِيرِ فَيَقِف بِهِمْ دونَ النَّفَاذِ إِلى اَلْجُوْهَرِ،
لا وَزْنَ لَا فِي تَقْدِيرِ الْإِسْلامِ لحقيقةِ الإنسانِ.
والقرآنُ قدّ أَفَاضَ القَوُلَ فِيَ مُنْزِلَةِ الإِنْسَانِ فِي هَذا الْكَوْنِ (5)؛ فَهُوَ خَلِيفَةُ اللهِ
في الأرضِ (6) خَلَقَهُ لِيَعْمُرُها (7)، وَالْكَوَّنَاتُ بِمَا فيها مِنْ مُخْتَلِفِ الْعَوَالِ إِنَا خُلِقَتْ
لهذا الإنسانِ لِيتَقَتّفَ فيها، وَيَنْتَفِعَ بَجَميعِ ما يُمْكِنُهُ الإِنْتِفَاعُ بِهِ مِنْ خَيْراتِها (8).
5) الإسراء 70.
6) البقرة 30، الأنعام 165، فاطر 29.
7) هود 61.
8) ابراهيم 32 - 33، النخل 12، 14، الحج 65، لقمان 20، الجاثية 12، 13 سورة ص 36.
- 5-

"وَهُو حديثٌ - مَهْمَا اخْتَلَفَتْ صِيَغْهُ - يَهْدِفُ إِلَى الْإِبانَةِ عَنَ كَرامَةِ الإنْسانِ في
تَعاليم الْإِسْلامِ وَتُنْمَوِ مكانَتِهِ فيها؛ فَهُو رَفيعُ المنِزِلَةِ في حَديثِ الْإِسِلَامِ عَمَّا يَجِبْ على
الإِنسَانِ أَن يَفْتَقِدَهُ، وهوَ كَرِيمٌ مُعزّزٌ عِندَ أُلحديثِ عَما يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَعْمَلَهُ.
وَحِينَا التَّجَ الْإِسْلامُ إلى تنظيم صِلَةِ الْإِنْسانِ بِرَبِّهِ، جَعَلَ إِخْلاَصَ التَّوْحيدِ (9)
"أَلَّسَاشَ اَلْأَوَّلَ أَلِذِي تَقومُ عليهِ هِذِهِ الصِّلَةُ.
وَتَوَحيدَ اللهِ الخالِصُ مِنْ كُلِّ شَائِبَةٍ مِن شَوائِبِ الشِّْكِ، يَعْنِي فِي مَقَدِّمَةٍ ما
يَعْنِي - أَنَّ عَقْلَ الْإِنْسانِ وَوُجْدَانَهُ قَدْ أَصْبَحَا حُزَّيْنِ لاَ يَخْضَعَانِ لِغَيْرِ اللهِ الْواحِدِ.
وَفِي ◌ُرَِّةِ الْفِكِّرِ وَالْوُجْدَانِ هِذِهِ الَّتِي مَنَحَهاَ الْإِسْلامُ لِلْمُسْلِمِ، أَسْمَى وَأَرَوَعُ مَعانِي
الْتَقْدِيرِ لإِنْسَانِيَّتِهِ.
وَمِنْ هُنا خَلَّدَ الإِسلامْ ذِكْرَى هذِهِ الْخِرِّيَةِ، فَفْرَضُ عَلى كُلِّ مَسْلِمٍ أَن يَتْحُذَثَ
عَنْها سَبْعَ عَشْتَرَةَ مَّرَةً (عَدَدَ رَكَعَاتِ الصِّلاةِ المفْروضَةِ) فِي كُلِّ يَوْمٍ، حِينَ يَتَوَجَّةُ إِلى
رَّبِّهِ فِي صُلاَتِهِ وَيَقْرَأُ: ﴿إياكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ اهْدِنَا الصِرَاطَ المُسْتِقِيمَ﴾ (10).
وَعَلَى أَسِاسٍ مِنْ هذِهِ الكَرَامَةِ الْإِنْسَاثِيّةِ أَيضا تقومُ عَلَاقَةُ الْإِنْسانِ بِالإِنْسَانِ؛
قَاْشِمْ وَلَدْتُهُ أَنْهُ خُرًا، وعلى هذِهِ الْخِيَّةِ يْبِنِي أَعْمَالَهُ، وَعَلَيْها يُقيمُ صِلَتَهُ بِغيرِهِ،
وَعَلَيها ◌ِ مَةً ثالثةً - ◌ُثابٌ عِندَ اللهِ يَوْمَ الْحِسَابِ أَوْ يُعَاقَبُ، وَيُمْدَحَ سَلُوكُهُ بَيْنَ
أفرادِ الأَسْرَةِ الْإِنسَانِيَةِ الَّتِي يُعايشُها أوْ يُذَمُ.
غَيْرِ أَنَّ حُرِّيَتَهُ هذِهِ لَ يْرَدْ لَا أَن تَكونَ مُظْلَقَةٍ لا تَخَدُّها حُدودٌ، وَلا تُقَيْدُها
قَيَوْدُ، بِحَيْثُ تُثَبِهِ الشَّيْلَ الجارِفَ لا يَلْقَى شَيْئًا إِلَّ دَمَّرَهُ، وَالعاصِفَةُ أَنْوُجَاءُ لَا تَرَهُ
بِشَيْءٍ إِلَّ طَوْحَتْ بِهِ، وَلَكِنْ أُرِيدُ لهَا أن لَّ تَطْفَى عَلى حَقّ الْآخَرِينَ في الْتُمْتُّج
بَحْرِّيتِهِم أيضا.
"وَهُنا - أيضا - جَدَّتِ الْحَاجَةُ إِلَى وَضْعِ مَعَالِ مُهْتَدَى بِها عِندَ ◌ُمَارُسَةِ الْإِنسَانِ
حَقَّهُ فِي رَاسْتْعِمالِ مُحْرِيَتِهِ، فَكَانَ الْتَشْرِيعُ الْإِسْلامِيُّ الذي جَعَلَ دِعَامْتَهُ الْأُوْلَى
9) آل عمران 64، النساء 35، 48، 116، الأنعام 150.
10) سورة الفاتحة 6.
-6-

«الْعَدَّل)» (11) وَإِعْظَاءَ كُلِّ إنسانٍ حَقَّهُ فِي حَيَاةٍ كُرِيمَةٍ تَليقُ بِالْمُنزِلَةِ الَّتِي أَنْزَلَهُ فيها
"الإسلامُ (12).
وَأْلإِسِلامُ - فِي تَقْدِيرِهِ الْوَاقِعِي لِلإِنْسَانِ - لَمَ يَرَ في اخْتِلافِ دَرَجَاتِ بني
الإنسانِ في أرزاقِهِمْ وَأَمْوِالهِمْ (13) مُخَلَفَةً لِسْتَنِ الْكَوْنِ؛ فَالْإِنْسَانُ - فِي عَرَفِ الحَيَاةِ
الواقِعِيَّةِ . لَيْسَ لَهُ إِلَّا ثُمَاتُ سَعْيِهِ، وَهُو سَعْعٍ تَخْتَلِفُ نَتَائِجُهُ بِاخْتِلَافِ الْقُدْرِ
والْوَاهِبٍ وَالْكَدِّ.
وَمِنْ هُنا كانَ مِن تُمُسَلِماتِ مبادىءِ الْحُرِّيَّةِ والعدّلِ في تَعَالِيمِهِ، أَنْ يحمي مالَ
المُسْلِمِ ما يَحْيِي عِرْضَه وَدَمَهُ (14).
مالُ المسلِمِ - في قانونِ الإسلامِ - في حِمَ مِنْ أَنْ تَمْتَدَّ إليهِ، بِغَيْرِ حَقِّ، يَدُ لا
تَمِلِكُهُ، وَلكِنَّهِا ◌ِ فِي هَذَا أَلْقانونِ أَيُّضًا - حِمَايَةٌ لا يَجِبُ أَنْ تَ حُرِّيَّةَ الْلِ الْفَقِيرِ
وَكَرَامَتَهُ، وَأَنْ تَنْتَهِيَّ بِالْأَثْرِيَاءِ إِلى الطُّغْيَانِ واسْتِعْبَادِ النّاسِ.
إِنَّ بِنَاءَ مُجْتَمَعْ ثَابِتِ الذَّعَائِ، يَسُودُهُ الإِخَاءُ والتَّعَاوُنُ عَلى وُجُوهِ الخَيْرِ
وَالَّبِّ (15)، مِنْ أَهِمِّ الْأهْدافِ التي قَصَدَ الْإِسلامُ إلى تَحْقِيقِها، وَمِنْ هُنا ساغَ لَهُ أَنْ
يَتَدَخَلَ في أَمْوالِ المُسلِمِينَ وُمْثَلَكَانِهِمْ؛ ◌َهْدِهِمْ - إلى الصِراطِ المسْتَقِيمِ - في إِنَّفَاقِ
"اُلْفاضِلِ مِنَّها عَنْ حاجَتِهِمْ، وَيُنَبِّهُهُمَّ إِلى حَقِّ إِخْوِهِمْ أُلْضَّعِفَاءِ وَالفُقْرَاءِ وَالْسَاكِينِ
فيها (16)، وَإِلى وُجُوهِ اَلِّ أُلْتِي يَجِبُ عَلَيهِم أَنْ يُمِدّوها بِأَمْوالِهِم، فكانَ أنْ فُرِضَتِ
والزّكَاةُ الْتِي تُخْبِرُ الْمسِلِمَّ الْغَنِيّ أنْ يَمِنَحَ سَنَوِيًا جُزْءًا مِنْ مَالِهِ لإِخْوانِهِ الضُّعَفاءِ
وَالمحتاجين.
وَقدّ بَلَغَ مِنْ عِنايَةِ الإسلامِ بِإِنْصافٍ اُلْفَقِيرِ وَتَكْرِيمِهِ، أَنْ رَفَعَ أداءَ حَقّهِ إلى
دَرَجَةِ العِبادةِ؛ فَالزّكاةُ قاعِدَةٌ مِن قَواعِدِ الْإِسلامِ (17)، وَوَضْعُها بِهِذِهِ الْرْتَبَةِ
11) الشورى 15، النساء 129,58، المائدة 8، الأنعام 152، النحل 90.
12) الإسراء 70، إبراهيم 32 - 33 النحل 12، الجاثية 12، الحجر 37,26.
13) النحل 71، آل عمران 37، النور 38، البقرة 212، الاسراء 30، القصص 82، العنكبوت 62,37، سبأ 36،
الزمر 52.
14) الحجرات 12، صحيح مسلم 58/1، 108/5.
15) المائدة 2، صحيح مسلم 1 - 49.
16) الذاريات 19، المعارج 24، التوبة 103، النساء 34، الصف 11، النور 33، البقرة 177، 261، 274.
17) صحيح مسلم 3 - 94، فتح القدير 6 - 466
- 7 -

الزَّفيعَةِ يَجْعَلُها حَقّاً مِنْ حُقوقِ اللَّهِ، تَتَوَّلَى الدّوْلَةُ جِبايَتَهُ وَجِمَايَتْهُ ورِعایَتَه، وَُجيرُ
على أدائِهِ مَنِ أُمْتَنَعَ، وَتُحَارِبُهُ مِنْ أَجْلِهِ إِنْ دَعَتِ الْحَالُ إِلى ◌ُحاربتِهِ، كَا تَتَوَلَى - بَعْدَ
ذلك - إِيصَالَهَ لمُنْ أَثْبت لها تحرِيها أَنهُ يَسْتَحِقَّهُ.
فَعَلَ الإِسلامُ كَلَ هَذَا صَوْنَا لِكرامة المسلِمِ المَحْتَاجِ أَنْ تَمْتَهْن، وَحِمَايةَ لشرفهِ أَنْ
يُخْدَشَ، وَحِفَاظاً عَلَى مَاءِ وَجْهِه أَنْ تَذْهَبَ بِهِ كُدُوحُ الْمَسْأَلَةِ إِذا مَا تَوَلَّى أَخْذَ
الزكَاةٍ مِنَ الأَغْنِيَاءِ بِنَفْسِهِ ((فَالْيَدُ الْعُلْيَا الْمُنْفِقَةُ خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى السَّائِلَةِ»
مَهْمَا كَانَ الأَمْرُ.
وهنا يقفُ عَمَلُ أُولي الأمرِ في دَوْلَةِ الإِسلامِ مِنْ أَجْلِ أَلْحِفَاظِ عَلى حقِّ المسلِمِ
الضعيفِ الختاج.
وهو عملٌ - كما رأينا - يَخْتَصَّ بِالقِيَامِ عَلى أَلْحَقِّ الْواجِبِ لاَ يَتَعَدَّاهُ، وَبَقِي - بَعَدَ
ذلِك - نَبْعُ مَتَدَفَّقُ لا يَكادُ يَلَحَقُهُ النُّضوبُ مِنَ مَنَابِعٍ أُخَيْرِ، ذلِك هَوَ أَسْتِعْدادُ
النَّفوسِ الإِنسانيّةِ المؤمِنَّةِ الْجُبَةِ لِلخيرِ أنَّ تَجود بِمُقَادِيرَ مِنْ أَمْوالها، تَضَعُها في أبوابٍ
من البرّ عن طَوَاعِيةٍ وَاخْتِيارٍ.
وَلم يَتَدَخّلِ الإِسلام - بِشَكّلِ جَبِي - في تَوَجِيهِ هذِهِ الطَاقَاتِ الخَيرِيَةِ الْمَائِلَةِ
التي تُمِدُ - بِصِفَةٍ مُسْتَرَةٍ - بِنَاءَ اُلْتَمَعِ الْإِسْلامِيِّ بِعَنَاصِرِ الْقُوَّةِ والتَّاسُكِ وَالْحَيَوِيَّةِ،
بلَ تَرَكَها لَجُهُودِ الْأَفَرَادِ وَالْجَاعَاتِ داخِلَ اَلْتَّمْعِ الإسلامِيّ، وَوَكَّلَ السَّير فيها إلى
ضمائر المسلمين - وَوَجَدَانِهِمْ، واتّجه إلى إثَارَةِ الْأَحاسِيسِ الإنسانية من مُكامِنِها، وَإلى
دِلالَةِ اَلَسلِمِ على مواطِنَ هذِهِ الإنسانِيةِ في قَولِهِ وَفِي فِعْلهِ، فَجاءت هذهِ الآياتُ
والأحاديث التي تحث على اصطناع المعروفِ وفعْلِ الخيرِ وَتَدَلْ على فَضْلِهِ، وكان
كِتابَنا أَلَّذِي تُقَدِّمُهُ وَكَثِيرٌ مِثْلَهُ، مِمَا يَدَلُّ على فَضَلِ اُلْتَّعَاوَنِ فِي الْجَتَجِ الإسلامِيْ
وموقف الإسلام منه.
وفي هَدَّي مِنْ هَذا التَّوْجِيهِ الإسلامِي البَنّاءِ قَرَّرَ جَلالَة الملِكِ العاطِرِ الذِّكْرِ محَدٍ
الخامس - طيِّبَ اللهُ ثَرَاهُ - أَنْ تُنْشَأْ هَيْئَةٌ لِلتَّعَاوَنِ الْوَطَنِي تَنْتَظِمُ سائرَ مُؤَسَّسَاتٍ
البرِّ والخير في المغرِبِ، وَتَجْعَلُ مِنْ أَهْدافِها أَنَّ تَستَفيذ مِنْ جَهُودِ الشّعْبِ المغربيّ في
مْيدَانِ أُصْطِنَاعِ الْغْروفِ، وتضمنُ خرَكَةِ التَّعاونِ عِلِى الْبَّرِ وَالْتَقْوَّى في هذا البَلَدِ أنَ
تَسيِّرَ في خُطَى مُنْظِمَةٍ مُخَذَّدَةِ الْأَهْدافِ، وَتُوَّصِلُ الحقَّ إِلى صاحِبِهِ أَيْنَا كانَ.
- 8 -

وَقدْ عَهدِ جَلالتُهُ - قَدّسَ اللهُ رُوجَهُ - إلى صاحِبَةِ السَّمَوِّ المَلِكِيّ الأميرَةِ
للا عَائِشَةَ أَنْ تُحِيطَ غِراسَهُ هذا بِالرِّعَايَةِ لِيَأْتِي أَكْلُ اُلْطَِّبُ الدّائِمُ، فَنَحَتَهُ سَوِّها مِن
عُطِفِها وَحَيَوِيَّتِها ما مَكَّنَ لَهُ أَنْ يُزهِزِ وَيَثْرَ ويُحقِّقَ فيهِ الرَّجَاءَ.
ووزارةٌ الدولة المُكَلِفَةُ بِالشُّؤُونِ الإسلاميةِ حِينَ تَضْعَ بَيّنَ يَدِي الشعب المغربي
الكُرِيمِ دَغْوةُ الإسلامِ الإنسانِيّةَ إلى التّعاوُنِ واصطِنَاعِ المعروفِ كُمْثَلَةٌ فِي كَلَامِ نبِيِّهِ
عليه السّلامُ، تَهَدِفَ إِلى بَيَانِ مَوْقفِ الإسلامِ مِنْ عَمَلِ الخَيْرِ، وَتُسْهِمُ في الذِّلَاَلَةِ عَلى
فَضْلِ اُلْقَائِمِينَ بِهِ، وَ«الدَّلُ عَلَى أُخَيَرِ كفاعِلِهِ» (18).
محمد بن تاويت الطنجي
الرباط 1962/12/4
18) فتح القدير 3 - 536.
- 9 -

(1 - ظ)
(*) بسم الله الرحمن الرحيم وصلّى الله على سيدنا ومولانا
محمدٍ وعلى آلهِ وصحبِهِ وسلم.
الحمدُ لِلْهِ اَلْذي نَوَرَ قُلوبٌ أَوْلِيائِهِ بِأَنْوارِهِ، وَجَعَلَهَا مَعْدِنَ
اَلِكْمَةِ وَخَلَّ (19) أَشرارِه، وَأَسْبَغَ عَلَيْهِم بِفَضْلِهِ سَوابِغَ جودهِ
وَنَعْمَائِهِ، وَسَقَى أَسْرَارَهُم بِكَرَمِهِ مِنْ وابِلِ رَحْتِهِ وَعَمِيمٍ إِحْسانِهِ،
فَكانوا يَنابِيعَ اُلْحِكْةِ وَالْعِلِ فِي أَقْطَارِ بِلَادِهِ، وَهُدَاةَ مُعَلَّمِينَ
وَمُمْشِدِين ◌ِعِبادِهِ، وَقْدَوَةَ فِي الْخَيْرٍ وَأَمَّةً لِأهْلِ وِدادِهِ.
( - 2)
والحمدُ لِلهِ الذي غُرَسُ في (*) قُلُوبِ الْعَارِفِينَ أَنْوَارَ السُّنّةِ
والكِتَابِ، وَوَفْقَهُمْ لِلْعَمِلِمَا عِلِمُوا فَرَبِجُوا يَوْمَ الْحِسابِ، مَنَّ عَلَيْهم
تَعالَى أَنَّ جَعَلَهُم مِنْ أَوَلِي الْأَلْبَابِ، وَفَهَّمَهُم بِتَدَبُرِ ما تَضَّنَّتُهُ
جَوَاهِرُ السَّةِ وَآَيُ الكِتابِ، وَرَفْعَ عَنْ أَبْصَارِ بَصائِرِهم ما انْسَدَلَ
عَلَى غَيْرِهِم مِن زَيْنِ الجَجَابِ، فَشَمَّرُوا عَن ساقِ الْجِدِّ فَسَعَوْا وَعَمِلُوا
لِيَوْمِ الحِسَابِ.
فَلِلّهِ دَرَّهُمْ ما أَحْسَنَ مُنْقَلَتَهُمْ إذا وَرَدُوا الْقِيَامَةَ أَجْزَلَ اللهُ
لَمْ الثّوابَ، وَخَفَّفَ عَنهم في عَرَصاتِ القِيامةِ مَشَقَةَ الِحِسَابِ.
19) في ا: ((محل الحكمة وممدن)).
- 11 --

فَصْحانَ مَن أَيْقَظَهُمْ، وَلِأَعْالِ الشّعَادَةِ يَشَرُهُمْ، فَهُمْ أَنْجُ
(2- ظ)
النَّجَاةِ مُهْتَدِي بِهُ (*) السّائِرُ، وَأَعْلَامُ الْهُدَى يَقْتَفِي آثارَهُمْ
اُلْحَائُ، فَنْ وَصَلَّ خَبْلَهُ بِحَتْلِهِمْ فَقَدْ وَصَلَ (20) وازْتَقَى، وَمَنْ
أُعْتَصَ باللهِ (قَ) بِالكِتابِ والشُّنَةِ فَقَدِ اسْتَسْتَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوَثْقَى.
وَالحمدُ للهِ رَبّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على سيِّدِنا ومَوْلانا محمّدٍ
خاتِ النّبيئين، وعلى آلهِ وصُحابتِهِ السّاذةِ الْأَكْرَمين.
يقولُ عبد الرحمنِ ممنُ محمدٍ الثَّعالِي الفقيرُ إِلَى رَحْمَةِ اللهِ
سُبْحانَهِ، لَطَفَ اللهُ بِهِ.
رإِعْلَمْ أَتُها الأَخْ، وَفَّقني اللـهُ وَإياك ◌ِرْضاتِهِ، وعمّ جَمِيعَنّا
(3 - و) بِوَابِلِ رَحْمَتِهِ وَجَزِيلٍ خَيْرَاتِهِ، أَنْهُ لَا وَقَفْتُ عَلى (*) الأَرْبَعِينَ
حديثًا التي اُنْتَخَبَها الشّيْخُ عِبْدُ الْعظيمِ المُخْذِرِىُّ (21)، وَوَقَفْتُ
على كلام الشّيْخِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمْدٍ اُلسَّلَمِيِّ الشّافِعِيّ (22) عَلَيْها،
وَتَخْرِيجِهِ لَهَا، وزِيَادَتِهِ (23) اُلْسْتَحْسَنَةِ المُنْضَمَةِ إِلَيْها، رَغِبْتُ في
تَلْخيصِ (24) ذلِك وَتَقَرِيبِهِ وَتَرْتِيبِهِ، عَسَى أَلِلْهُ أَنَّ يَنفَعِي
وإياكَ بِذلِك، وَإنّ ظَهَرَ لي أَنَا شَيْءٌ أَوْ زِدْتُ شَيْئًا نَبَّهْتُ عَلَيْهِ
بلفظ ((قُلْتُ)) وَإِذَا فَرَغَتْ مِنْ هَذا التّذْبِيلِ عَلى هذِهِ الْأرْبَعين،
أَرَدَفْتُ ذلِك، إنْ شاءَ اللّهُ، بِتَحْرِيرٍ تَصْنِيفٍ مُشْتَلٍ على أَبْوابٍ
يَلَّذَّ سَاعُها، وَيَروقُ مَعْناها، يَمِيلٌ إِلَيْها المثَّقون، وَيَعْرِفْ مَعَانِيَها
20) في ا: ((ارتفع».
21) ولد سنة 581 هـ. وتوفى سنة 656 هـ.
22) محمد بن ابراهيم بن إسحاق المتوفى سنة 803 هـ. أنظر الضوء اللامع، 249/6، وشذرات الذهب 34/7.
23) في أ - : «وزياداته)».
24) فی أ - : «تخليص)).
- 12-

(3 - ظ) الْعارفون، أَتَخَّرُ (*) فيها ما يُعْجِبْنِي مِنْ كِلِ مَعْنَ فائِقٍ، وَلَفْظِ
حَسْنٍ رائِقٍ، تَثْمًا لِلْفَائِدَةِ، وَحَضًّا عَلى اُلْتَزَوُّدِ وَالتَّأَقُّبِ لِلذَارِ
الآخرَةِ.
وَسَمَيْتُهُ:
بـ ((الْأَنْوَارِ الْمُضِيئَة، اُلْجَامِعَة بَيْنَ اَلْحَقِيقَةِ وَالشَّرِيعَةِ)).
وَها أَنَا الْآَن أَشْرَعُ إِنْ شاءَ اللهُ فِي الْمُرادِ وهُو الْؤُفْقُ بِفَضلِهِ
لما فيهِ اٌمُصْلَحَةُ والسَّدَادْ.
قال الشيخُ أبو عبدِ اللهِ مُمَّدٌ السُلَمِىُّ رَحَهُ اللهُ تَعالى ورَضِيَ
عَنْهُ: أَمَا بَعْدُ فَإِنَّ الْأَحاديثَ الْأَرْبعينَ الْتِي أُنْتَخَبَهَا الْإِمامُ
العَلَّمَةُ زَكِيُ الدِّينِ عِبْدُ الْعظيمِ الْنْذِرِيُ رحمهُ اللهُ تَعالى في
(4 - و) اضْطِناع المعروفِ إِلَى المسلمين، (*) وَقَضَاءٍ حوائج المُلْهوفين، ممَّا
يَجِبٌ أَلْوَقوفُ عليْها، وَالإِنْقِيَادُ إِليها، وقد شاعَ ذِكرُها، وَخَلاً
لِلسَّامِعِينَ وِرْدُها، وَطابَ لِأَهْلِ المعْروفِ نَشْرُها، وَكَثُرَ مِنَ الطَّلأبِ
في هذا الزمانِ الإِعْتِنَاءُ بها، والنَّظَرْ فِي مُعانِهَا، وَوَقُعُتْ مِنْهُم
بِالْقِع (25) الْأَشْنَى، وَهِيَ حَقِيقَةٌ لِأَنْ يَتَحَلَى الْمُؤْمِنْ بِها، وَيَنْقَاءُ
المْلِمُ إليها.
غَيْرِ أَنَّ الشَّيْخَ زَكِيَّ الدِّينِ رحِمَهُ اللهُ لَمْ يُبِنْ فيها مَْ
خَرَّجُها، وَلا مِنْ أَيّ الكُتُبِ اسْتَحْسَنَها.
فَأْردتْ تَخْرِيرها لِلطَالِبِ، طَلَبًا لمشَارَكَتِهِ في الثّوابِ،
(4 - ظ) وَتَقَرُبًا إلى ربِّ الْأربابِ، (*) مِنْ غَيْرِ أَنْ أَتَعَرَّض إلىَ تَضْعِيفِ
25) في أ -: ((بالموضع)).
- 13 -

حَديثِ أَوَ تَصْحِيحِهِ، وَلا تَعرِيفِ سَنَّدٍ أَوَ تَرْجِيچِهِ (26).
بائك في تَخْرِيج هذه الأحاديثِ، وذِكْرِ ما أَنْضَ إِلَيْها مِمّا
يُناسِبُها (27).
الْحَديثُ الأول
عَنْ أَنّسِ بنِ مالِكِ رَضِيَ اللهُ عنّه، أنَّ النَّي ◌ِ ◌ّه
قالَ: ((الْخَلْقُ كُلُّهُمْ (28) عِيَالُ اللهِ، وأَحَبُّ خَلْقِهِ (29) إِلَيْهِ
أَنْفَعُهُمْ لِعِيَالِهِ»).
هذا الْحَديثُ رَوَاهَ البَزَّارِ والطَّبَرَانيُّ فِي مُعْجَمِه، ومَعْنَى
(عِيَّالِ اللهِ) فُقَرَاءُ اللهِ؛ فَالْخَلَقُ كُلُهُمْ فُقَرَاءُ اللهِ تَعالى، وهو الذِي
يَعُولَهُمْ (30)؛ ويَشْهَدُ لهذا الحديثِ ما رَوَيْناهُ في مُسْنَدِ الشِّهاب
عَنَّ عَبدِ الله بن عبّاسٍ رضي الله عنهما، عَنِ النّبِي ◌َّ أَنَّهُ
(5 - و) قال: ((خَيْرُ (*) النَّاسِ أَنفَعُهُمْ لِلنَّاسِ))) (31).
قُلْتُ: وَإِذَا عَلِمِ العَبدِ أَنَ الخُلْقَ كَلْهَمِ عِيّالُ اللَّهِ، وَعِلمٍ أَنَّ
أُحبَّ الْخَلْقِ إلى اللهِ سُبحانَه أَنْفَعُهُمْ لِعِيالِهِ، وَجَبْ مَراقَبَةَ اللهِ تعالى
26) عن نسخة أ، ـ : ع.
27) الحديث في تاريخ بغداد للخطيب البغدادي 334/6، وشرح مسند الشهاب لأبي عبد الله محمد بن منير 283،
والجامع الصغير (مع فيض القدير) 505/3. وقد أشار السيوطي إلى ضعفه، ونقل شارحه المناوي عن ابن
الجوزي أنه حدیث یصح.
28) هكذا الرواية في كنوز الحقائق للمناوي 74، ورواية الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد: ((الخلق عيال الله)).
29) رواية الخطيب: «فأحب الناس إليه)»، وفي الجامع الصغير: «فأحبهم إلى الله)).
30) یعوهم : یکفل رزقهم.
31) الحديث في كنوز الحقائق للمناوي 74 عن الطبراني، وفي الجامع الصغير 481/3 عن مسند الشهاب القضاعي،
والرواية هناك عن جابر بن عبد الله لا عن ابن عباس. وقد رمز السيوطي إلى حسن هذا الحديث، غير أن
المناوي نقل عن نقاد الحديث ما ينزل به عن درجة الحسن.
- 14 -

في خَلْقِهِ بأداءِ ما يَجِبُ عَليهِ مِنْ حَقِّهِ، وَبذَلِ ما أوْجَبَ اللهُ لهم
مِنْ فَرَضِهِ؛ وَقَدْ حَدْثَ أَبُو بَكْرٍ (32) أُلْخْطِيبٌ بِسَنَدِهِ عَنَ عِيٍّ بْنِ
أبي طالِبٍ، وَابْنِ عُمَرَ رَضِي اللهُ عَنْهُمْ (33) عَنِ النَّبِيّ ◌َ ◌ّ أَنَهُ
قال : (إنَّ اللّهَ فَرَضَ لِلْفُقَرَاءِ فِي أَمْوَالِ الْأَغْنِيَاءِ قَدْرَ مَا يَسَعُهُمْ،
فإِنْ مَنَعُوهُمْ حَتَّى يَجُوعُوا أَو يَعْرَوْاْ أَوْ يَجْهَدُوا، حَاسَبَهُمُ اللهُ
حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبُهُمْ عَذَابًا نُكْرًا)).
إِنتَهَي (×) منَّ تاريخٍ بَغْداد (34)، ولَمْ يَذَكَوْ في سنَده
مُطْعَنًا.
(5 - ظ)
الحديثُ الثاني (35)
عَنْ كَثِيرِ بُنِ عَبَدِ اللهِ بنِ عَمْرِو (36) بَنِ عوفٍ أُلْتزني عن
أبيه من جدِّهِ قال: قال رسولُ اللهِ عَطَّ: ((إِنَّ للهِ عِبَادًا
خَلَقَهُمْ الخَوائِجِ النَّاسِ آلى (37) عَلى نَفسِهِ أَلاَّ يُعَذّبُهُم بِالنَّارِ، فَإِذا
كانَ يَوْمُ اَلْقِيامَةِ وُضِعَتَ لَهُمْ مَنَابِرَ (38) مِن تَورِ يُحَدِّثُونَ اللهَ،
والناس في اَلْسَابٍ)) (39).
هذا الْحديثُ رَوَاهُ ابْنُ حِبَانَ فِي غَيرِ (صَحِيحِه))، وقال إنَّ
الَّنَّي ◌َّ ◌َّ قال: ((إنَّ لِلهِ مِنْ خَلْقِهِ وُجوهاً خَلَقَهُمْ لخَوائِجِ النّاسِ
32) هكذا أيضا بحاشية أ -: ((وابن عمر» وفوقها ((خصح)»، وليس في سند الخطيب البغدادي ((ابن عمر)).
33) رواية الخطيب : ((ويعروا ويجهدو)).
34) تاريخ بغداد 308/5 - 309.
35) الحديث في فيض القدير 477/2 عن الطبراني.
36) بحاشية ع عن نسخة ((بن عمرو)» تصحيف. وكثير بن عبد الله هذا متهم بالكذب. خلاصة الخزرجي 272.
37) رواية الطبراني: ((عبادا استخلصهم لنفسه لقضاء حوائج الناس، وآلى)).
38) الطبراني: ((أجلسوا على منابر)).
39) الطبراني : «یتحادثون إلیه».
- 15 -

(6 - و) يوغَبونَ فِي الْآخِرةِ، ويعدُّونَ الْجُودَ متّجَرًا، وَاللهُ (*) يُحِبُ مَكارِمَ
الأخلاق)».
قُلْتُ: وَلِفْظُ أَبِي مُرُ بْنِ عَبْدِ الْبَرِّ فِي كِتَابِهِ بُهْجَةِ أَجَالِسِ
وَأَنْسِ اَلْجَالِسِ)) عَنِ النِّ مَّ ◌َلِّ أَنَّهُ قال: ((إنَّ لِلهِ عِبَادًا خَلَقَهْ
لخَوائِجِ النّاسِ، مُ الْآَمِنُونَ يَوْمَ اُلْقِيَامَةِ))) (40). إِنتَهَى.
الحديثُ الثَّالِثُ
عَنِ ابْنِ مُرَ رَضِي اللهُ عنهما قال : قال رسولُ اللهِ
عٍَّ : (إِنَّ الله عَزَّ وجَلَّ خَلَقَ خَلْقًا لخَوَائِج (41) الناسِ يَفَزّعُ
إِلَيْهِمُ النّاسُ فِي حَوَائِجِهِمْ، أَوْلائِكِ الْآَمِنُونَ مِنْ عَذابِ اللّهِ
تعالی)) (42).
(6- ظ)
هذا الحديثُ رَوَاهُ أَبُو نُعَمّ وَالْقُضَاعِيُّ فِي مُسْنَدِ الشَّهَابِ؛
وَيَشَهِدُ لهذا (1) الحديثِ ما رويناهُ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله
عنهما قال: قال رسولُ اللهِ مَ اللّ: ((مَنْ سَعَى لِأَخِيهِ
المُؤْمِنِ (43) في حاجةٍ قُضِيَتَ لَهُ أَوْ لَمْ تَقَضّ غَفَرَ اللهُ لَهُ مَا تَقَذَمَ
مِنْ ذَنْبِهِ، وَكَتَبَ لَهُ ◌َبَراءَتَيْنِ: براءة منَ النَّارِ، وَبَرَاءَةٌ مِنْ
النفاق»).
40) الحديث في الترغيب والترهيب للمنذري 390/3، والجامع الصغير (مع فيض القدير) 477/2 عن الطبراني،
وروايته تختلف عن هذه.
41) رواية أ: ((إن الله عز وجل خلقا خلقهم)».
42) الحديث في الترغيب والترهيب 390/3.
43) رواية أ: وحاشية ع: «المسلم)).
- 16-