Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
معنى الحديث :
أُرسِل رسولنا محمد وَلّه إلى الثقلين الإنس والجن فبدأ بدعوته مؤدياً أمانته
مُبلِّغاً رسالة ربه طائعاً مختاراً ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِغْ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكٌَ وَإِن لَّمْ
تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ، وَاَللَّهُ يَعْضِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ
اَلْكَفِرِينَ﴾ (١) فأرسل ◌َّه الرسل إلى الأقطار للدعوة إلى توحید الله - عز وجل -
فكان ممن أُرسِل إلى اليمن معاذ بن جبل - رضي الله عنه -؛ فأرسله إلى اليمن داعياً
إلى الله، ورسولاً من رسوله و ليه ومعلماً إياهم أركان الدين الإسلامي وشرائعه ولم
يترك وا له سبباً يؤيده في دعوته إلا أمره به؛ فبدأ وَ له بقوله: ((إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ
كِتَابٍ)) فإنه سَيَقْدُمُ على قومٍ من ((اليهود والنصاري)) لتهيئته ولتوطئتة، وللتمهيد
للوصية باستجماع همته في دعوتهم؛ فإن أهل الكتاب أهل علم ومخاطبتهم لا تكون
كمخاطبة جُهال المشركين وعبدة الأوثان في العناية بها(٢). فبدأ وصيته بتوحيد الله
- عز وجل -: ((فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ الهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله)؛
فالشهادتان أصل العقيدة والتكليف يبدأ بالتوحيد أولاً؛ لأنه أصل الدين فتكون
مطالبتهم بالتوحيد أولاً لنفي ما يلزم من عقائدهم(٣)؛ فمن كان منهم غير موحّد
على التحقيق كالنصارى؛ فالمطالبة متوجهة إليه بكل واحدة من الشهادتين توحيد
الله، والإقرار برسالة محمد وآله ومن كان موحداً كاليهود؛ فالمطالبة له بالجمع بين
ما أقر به من التوحيد وبين الإقرار برسالة نبينا محمد وَل# فمن أقر بالتوحيد أطاع
أمر الله ورسوله ◌َّي، وفيه بديع حكمته وير في التدرج بالدعوة؛ فهي أيسر
(١) لسان العرب ٢٨٦/١.
(٢) فتح الباري ٣٥٨/٣ .
(٣) فتح الباري ٣٥٨/٣.

١٦٢
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال =
وأسهل على النفس، وأبلغ في الدعوة، ويقال أنه بدأ بالأهم فالأهم وذلك من
التلطف في الخطاب؛ لأنه لو طالبهم بالجميع في أول مرة لم يأمن النفرة منهم، ((فإن
أطاعوا وآمنوا بأن نطقوا بألسنتهم وأقروا وأيقنت قلوبُهم فعليه: إعلامهم بما
فرض عليهم؛ لأن الكفارَ غيرُ مطالبين بالتكاليف إلا بعد الإسلام وأول هذه
التكاليف الشرعية الصلاة فالصلاة هي عماد الدين، وأساس العبادة وذكر الصلاة
لا يقتضي الترتيب؛ لأن الصلاة والزكاة لا ترتيب بينهما، ولاقترانهما مع بعضهما
البعض في الذكر في: القرآن والسنة، وإن كان تقديم الصلاة في الذكر؛ لأن الصلاة
واجبة على المكلف رجلاً أو امرأة، فقيراً كان أو غنياً. أما الزكاة فلا تجب إلا على
الأغنياء ممن ملك نصابها))(١) وقوله إن هم أطاعوك قال ابن دقيق العيد: يحتمل
وجهين أحدهما أن يكون المراد إقرارهم بوجوبها عليهم والتزامهم بها والثاني أن
یکون المراد الطاعة بالفعل بأن يؤدوها ويواظبوا عليها)» (٢)، ورجح ابن حجر في
الفتح أن يكون المراد هو إقرارهم بوجوبها والتزامهم لها إخبارهم ((أَنَّ اللهَّ قَدْ
فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ)) فالزكاة هي العبادة
المالية التي بها يتكافأ المجتمع وتعم بين أفراده الألفة والمحبة ((والمراد بالفقراء هم
فقراء عامة المسلمين وهو ما رجحه ابن دقيق العيد))(٣) فإن أطاعوا وامتثلوا
وأقروا بها وَبَدَأْتَ في جمعها وهذا دليل على جواز أمر ولي الأمر بجمعها من
المكلف؛ فإن عمد من أنيط به جمع الزكاة فَلْيَحْذَر أخذَ ((كَرَائِمَ الأَمْوَال)) فنفيسةٌ
المال التي تتعلق بها نفس مالكها ويختصها له فلا يأخذها، وفي هذا دليل على ترك
(١) فتح الباري ٣٥٩/٣.
(٢) فتح الباري ٣٥٨/٣ .
(٣) إحكام الأحكام ١٨٣/٢.

١٦٣
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
=
أخذ خيار المال ((والحكمة فيه أن الزكاة لمواساة الفقراء فلا يناسب ذلك
الإجحاف بمال الأغنياء إلا إن رضوا بذلك))(١)، ولْيأْخُذْ من أوسطِ المال. ثُمَّ
خَصَّهُ بَ ◌ِّ بالوصية وهي عامة لجميع المسلمين وهي («اتقاء دَعْوَةَ المُظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ
بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهَ حِجَابٌ)) إشارة إلى التحرز عن الظلم مطلقاً؛ فدعوة المظلوم ليس لها
صارف يصرفها، ولا مانع يمنعها؛ فهي مقبولة وإن كان المظلوم عاصياً(٢)؛
فالظلم شؤم وإثم ومعصية عظيمة يتعلق إثمها بحق لله وحق العباد، وفي الحديث
((وَأَتَّقِ دَعْوَةَ المُظْلُومِ فَإِنَّ دَعْوَةَ الْمُظْلُومِ مُسْتَجَابَةٌ)(٣).
ما يرشد إليه الحديث:
١ - حرص النبي ◌َّليل على أمته وتعليمهم أمور دينهم واتخاذ جميع الوسائل المعينة
على ذلك.
٢ - مراعاة حال المدعو من أسس ودعائم الدعوة الصحية.
٣ - وجوب البدء بالأهم فالمهم في الدعوة عند تنفيذ الوصية أو قسمة الميراث أو
تنفيذ أوامر ولي الأمر.
٤ - وقوع التفاضل بين العبادات.
٥ - ترك أخذ خيار المال عند جباية الزكاة لئلا ينكسر قلب المزكي ويترك ذلك أثراً
في نفسه.
٦ - التحرز عن الظلم فإن دعوة المظلوم ليس لها صارف يصرفها أو مانع يمنعها.
٠
(١) فتح الباري ٣٥٩/٣ .
(٢) فتح الباري ٣/ ٣٦٠ .
(٣) رواه البخاري ٣٠٥٩ .

١٦٤
٣٦
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال =
الحديث السادس والثلاثون
كيد الشيطان ووسوسته للإنسان
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْه - يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيّ ◌َِّ((يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى
قَافِيَّةِ رَأْسٍ أَحَدِكُمْ ثَلَاثَ عُقَدٍ إِذَا نَامَ بِكُلِّ عُقْدَةٍ يَضْرِبُ عَلَيْكَ لَيْلًا طَوِيلًا،
فَإِذَا اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، وَإِذَا تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عَنْهُ عُقْدَتَانٍ، فَإِذَا
صَلَّى انْحَلَّتْ الْعُقَدُ، فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ
کَسْلَانَ))(١).
لغة الحديث:
العُقْدَة: توثيق جمع الطرفين المفترقين بحيث يشق حلها(٢).
طَيِّب النَّفْسِ : مُقبل راضي كثير العطاء(٣).
خَبِيث النَّفْسِ: ثقيلها كريه الحال (٤).
معنى الحديث:
إبليسُ - لعنه الله - وأعوانُه عدوٌّ للإنسان منذ خَلْقِه الأول، وقد أخذ الله
العهد من بني آدم على ذلك وحذرهم من كيده وفتكه قال - تعالى -: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ
إِلَيْكُمْ يَبِّ ءَادَمَ أَنْ لَّ تَعْبُدُواْالشَّيْطَينَ إِنَّهُ، لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾(٥) ولا غرو؛ فإنه
۔ لعنه الله - لا يدع مسلكاً ولا طريقاً یغوي أو يُضِل إلا اتبعه ولكنه لا سلطان له
(١) رواه البخاري ١١٤٢، ومسلم ٧٧٦.
(٢) التعاريف ١/ ٥٢٠.
(٣) لسان العرب ١٦٩/١٢.
(٤) النهاية في غريب الأثر ٥/٢.
(٥) النهاية في غريب الأثر ٥/٢.

١٦٥
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
على من اهتدي واتقى قال - تعالى -: ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾(١)
فإن غفل العبد عن الهدى كان الشيطان له بالمرصاد لا يترك الكيد له ليلاً أو نهاراً
راحةً أو نصباً عملاً أو فراغاً، وفي هذا الحديث بين لنا النبي وَّ حالَ الشيطان مع
ابن آدم وسبيل النجاة منه؛ فيعرض وَ﴿ الداء والدواء.
(يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسٍ أَحَدِكُمْ ثَلَاثَ عُقَدٍ إِذَا نَامَ بِكُلِّ عُقْدَةٍ
يَضْرِبُ عَلَيْكَ لَيْلًا طَوِيلًا))؛ فهو يعقد على مؤخرة رأس الإنسان ثلاث عقد، وفي
رواية أخرى بلفظ «قَافِيَةُ رَأْسٍ أَحَدِكُمْ حَبْلٌ فِيهِ ثَلَاثُ عُقَدٍ ... )»(٢) حين نومه
فيُحْكِمُها ويَؤكِّدُها بثلاثٍ؛ ليحجب الحس عن النائم حتى لا يستيقظ إغراءً له
بطول الليل، وملازمةٍ طولِ الرقاد وحينئذ يضيع الليل؛ فالشيطان يسوفُ له
القيام ويَلْبِسُ عليه ويحبب إليه النوم(٣) ويخرج مِنْ هذا مَنْ قرأ آية الكرسي لورود
حديث أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - ((إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ لَنْ
يَزَالَ عَلَيْكَ مِنْ اللّهَ حَافِظٌ وَلَا يَقْرَبُّكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ))(٤).
((فَإِذَا اسْتَيْقَظَ العبد فَذَكَرَ اللهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ من العُقْدِ الثَّلاث)) ذكر الله
بالقلب أو باللسان بكل ما صدق عليه الذكر ويدخل فيه تلاوة القرآن وقراءة
الحديث والاشتغال بالعلم الشرعي، والاستغفار يذهب كيد الشيطان(٥) ((وَإِذَا
(١) الإسراء: ٦٥.
(٢) رواه الإمام أحمد في المسند ٧٣٩٢.
(٣) عمدة القاري ١٩٣/٧، وانظر: شرح الزرقاني ٥٠٨/١، وتنوير الحوالك ١٤٦/١، والديباج
على مسلم ٢/ ٣٨٢ وفتح الباري ٣/ ٢٧، وشرح النووي ٦/ ٦٥.
(٤) رواه البخاري (٣٢٧٥).
(٥) شرح الزرقاني ١ / ٥٠٨، وتنوير الحوالك ١٤٦/١، وعون المعبود ١٣٤/٤.

١٦٦
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال =
تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عَنْهُ عُقْدَتَانٍ)) فإذا قام وتوضأ وضوءه للصلاة انحلت عقدةٌ ثانية
وهي عقدةُ النجاسةِ (١) وعدم الطهارة فبطهارته تهيأ وتقرب إلى الله وبَعُدَ عن
أسباب الغواية ومداخل الشيطان فإذا قام بالوضوء انحلت العقدة الثانية.
((فَإِذَا صَلَّى فريضةً أو نافلةً انْحَلَّتْ الْعُقَدُ)) الثلاث وذلك لِعِظَمِهَا وجليل
قدرها وعظيم أثرها؛ ولذا كان فضل الصلاة في جوف الليل على سائر الصلوات
وفي الحديث يقول الرسول وَله ((أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللهَ المُحَرَّمُ
وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ))(٢).
وثمرة ما قام به وما فعله أنه يصبح نشيطاً((فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ
وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ گَسْلانَ» أي إذا قام فذكر الله - تعالى - وتوضأ وصلى
أصبح نشيطاً طيِّبَ النفس لسروره بما وفقه الله الكريم له من الطاعة ووعده به من
ثوابه مع ما يبارك له في نفسه وتصرفه في كل أموره وزوال كيد الشيطان عنه
وتثبيطه له وإلا أصبح خبيثَ النفسِ كسلان؛ لما عليه من عُقَدِ الشيطان وآثار
تثبيطه له واستيلائه عليه؛ فلم يَزُلْ ذلك عنه(٣).
ما يرشد إليه الحديث:
١ - التحذير من كيد الشيطان وعداوته للإنسان.
٢ - الصلاة وذكر الله - تعالى - حصْنٌ حصين يعصم الإنسان - بإذن الله - من
الوقوع في الخطايا ويبعده عن أسباب الغواية ووساوس الشيطان.
(١) شرح الزرقاني ٥٠٨/١، وانظر: تنوير الحوالك ١٤٦/١، وعون المعبود ١٣٤/٤.
(٢) رواه مسلم ١١٦٣.
(٣) شرح النووي ٦/ ٦٦، وانظر: طرح التثريب في شرح التقريب ٧٨/٣.

١٦٧
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
٣ - أهمية الطهارة الحسية والمعنوية، وأثر ذلك في الوقاية والنجاة من نزغات
الشيطان و فتله بالإنسان.
٤ - جواز ضرب الأمثال لتقريب المعاني إلى الأفهام ..

١٦٨
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
٣٧
الحديث السابع والثلاثون
الفرار من الفتن والتحذير من الوقوع فيها
عَنْ أَبَي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهَّ ◌َّهِ: ((سَتَكُونُ فِتَنٌّ
الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْمُشِ، وَالمُشِ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ
السَّاعِي، مَنْ تَشَرَّفَ لَا تَسْتَشْرِفُهُ، وَمَنْ وَجَدَ فِيهَا مَلْجَأَ فَلْيَعُذْ بِهِ))(١).
لغة الحديث:
الفِتْئَةُ: هي البَليَّة وهي معاملة تظهر بالأمور الباطنة ...... وقال الراغب
الأصفهاني: ما يتبين به حال الإنسان من خير أو شر(٢).
السَّعْيُ: العَدْوُ والْقَصْدُ المشرُوعُ يكونُ بالأمور الحسِّيَّة والمعنوية(٣).
مَنْ تَشَرَّفَ لَا تَسْتَشْرِفُهُ: أي من تطلع إليها وتعرض لها واتته فوقع
فيها(٤).
مَلْجَأً: معاذاً يلتجئ إليه من شرها(٥).
يَعُذْ: أي بما يُعاذُ به والمعنى لجَأْتَ إِلى مَلْجَأٍ (٦).
معنى الحديث:
الفتن والابتلاءات من أعظم الأمور التي قد تواجه المرء في حياته، فهي
(١) رواه البخاري ٣٦٠٢، ومسلم ٢٨٨٦.
(٢) التعاريف ٥٤٩/١.
(٣) التعاريف ٤٠٥/١.
(٤) النهاية في غريب الأثر ٢/ ٤٦٢.
(٥) فتح الباري ١٣/ ٣١.
(٦) غريب الحديث لابن الجوزي ٢/ ١٣٤.

١٦٩
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
=
تختبره وتظهره على ما هو عليه من إيمان، فإن كان قوي الإيمان ثابت العقيدة نير
البصيرة إذا رأى شيئاً منها كان كالجبل لا يتزحزح وكالطود لا يلين ولا يتأثر
فَهَلْ تَرَى الإِعْصَارَ يَوْماً هَزَّ شُمَّا رَاسِيَاتٍ
أما الضعيف المهزوز فهو لا یلبث أن يقع فيها فتهوي به في دیاجیر
الضلال؛ لأنه لم يتحصن منها بالإيمان المنيع أو العقيدة الثابتة.
والفتن كثيرة ومتنوعة؛ فمنها ما هو ملازم للمرء لا يتغير في جميع العصور
والقرون كفتنة النساء والأموال، ومنها ما هو أعظم كفتنة الدجال والملاحم
وتكون في نهاية القرون، فعلى المسلم ألا يتعرض للفتن صغرت أم كبرت بل عليه
أن يجتنبها، ولا يخوض فيها يقول وله: ((يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمُ يَنْبَعُ
بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَنِ)»(١) كما يجب عليه عند ظهورها
أن يلزم الجماعة ولا ينزع يداً من طاعة، وقد أفرد الإمام مسلم في صحيحه باباً
باسم «بَاب وُجُوبٍ مُلَازَمَةِ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ ظُهُورِ الْفِتَنِ وَفِي كُلِّ حَالٍ وَتَحْرِيمٍ
الْخُرُوجِ عَلَى الطَّاعَةِ وَمُفَارَقَةِ الْمَاعَةِ)) وعليه أن يتعوذ منها كذلك قال ◌َّ:
((تَعَوَّذُوا بِاللهَّ مِنْ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ قَالُوا نَعُوذُ بِاللهَّ مِنْ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا
وَمَا بَطَنَ قَالَ تَعَوَّذُوا بِاللَّ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ قَالُوا نَعُوذُ بِاللهَ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ))(٢)، وفي
هذا الحديث ذكر النبي ◌َّ خمساً منها ((سَتَكُونُ فِتَنُّ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْقَائِم)»؛
فحال القاعد عن التطلع إليها ومشاهدتها خیر من القائم الذي قد یتسنى له أن
يشاهد أكثر من حال القعود؛ فحاله في الفتنة أفضل من القائم فشرها بحسب
(١) رواه البخاري: ١٩.
(٢) رواه مسلم: ٢٨٦٧ .

١٧٠
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال =
التعلق بها، فهو حينئذ يراها ولكنه يقعد عنها لكنه يدافع عن نفسه وعن ماله
وعن أهله، وهو معذور إن قَتل أو قُتل؛ فإذا بغت طائفة على الإمام فامتنعت عن
الواجب عليها ونصبت الحرب وجب قتالها، وكذلك لو تحاربت طائفتان وجب
على كل قادر الأخذ على المخطئ ونصر المظلوم وهذا قول الجمهور(١).
قال الإمام العيني: (والقصد بيان عظم خطرها والحث على تجنبها والهرب
منها أو التسبب في شيء من أسبابها وأن شرها يكون على حسب التعلق بها(٢)
((مَنْ تَشَرَّفَ لَا تَسْتَشْرِفُهُ)) فمن تطلَّع إليها، وتصدى وتعرض لها، ولم
يُعرِضْ عنها أهلكته فتطلعه لها يجره إلى الوقوع فيها فتصيبه بِشَرِّها (٣)، ولهذا كان
على المرء لزوم الجماعة وعدم الشرود عنها حتى في التصدي للفتن والشرور ((فمن
وجد موضعاً يلتجئ إليه من شرها ويُعاذُ به من مواقعتها فليستعذ به وليلجأ إليه
فأين وجد عاصماً أو موضِعاً يلتجىء إليه ويعتزل إليه فعليه أن يعتصم به))(٤)
فالفتن واردة على كل مؤمن بِقَدْرِهَا وبأنواعها وما مِنْ نَبِيٍّ إلا حذَّر قومه من الشر
ودعاهم إلى الخير.
اللهم إنا نعوذ بك من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن تقبضنا إليك غير
ضالین ولا مفتونین، إنك على كل شيء قدير، وصلى الله على نبينا محمد الذي بشر
وأنذر وعلى آله وصحبه وسلم.
(١) عمدة القاري ٢٤/ ١٩٠، ١٩١/٢٤.
(٢) عمدة القاري ٢٤/ ١٩٠، وانظر: تحفة الأحوذي ٦/ ٣٦٢، وفيض القدير ٩٨/٤، والتيسير
بشرح الجامع الصغير ٢/ ٥٧.
(٣) فتح الباري ٣١/١٣، وانظر: فيض القدير ٩٨/٤.
(٤) فتح الباري ٣١/١٣، وانظر: فيض القدير ٩٨/٤، والتيسير بشرح الجامع الصغير ٢/ ٥٧.

١٧١
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
ما يرشد إليه الحديث:
١ - العاقل البصير هو من إذا حَلَّتْ فتنة اتقاها وحَذَرَها وحذَّر غيره منها قبل أن
◌َحِلَّ الثانية والثالثة ... وهكذا!، ويكون ذلك بالطاعةِ الْمُخْبِتَةِ لله والاستقامة
على شرائح الله.
٢ - الحث على لزوم الجماعة وعدم الخروج عن الطاعة، ومن شذ شذ في النار !.
٣ - العُزْلَةُ عند الفتن سنةُ الأنبياءِ وعصمةُ الأولياءِ وسيرةُ الحكماء ... أخرج
الترمذي في سننه بسنده .. عن أبي أمامة قال: قال عقبة بن عامر الجهني يا
رسول الله ما النجاة؟ قال: ((لِيَسَعْكِ بَيْتُكَ وأمْسِكْ عليك دينك وابْكِ على
خطيئتك))(١). في رواية: ((أمسك عليك لسانك ... الحديث)).
(١) سنن الترمذي ٢٤٠٨.

i
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال :
١٧٢
٣٨
الحديث الثامن والثلاثون
من محاسن التعامل بين المسلمين
المكافأة على المعروف
عَنْ جَابِرٍ - رضي الله عنه - عَنْ النَّبِيِّ وَلَ قَالَ: «مَنْ أُعْطِيَ عَطَاءٌ
فَوَجَدَ فَلْيَجْزِ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَلْنٍ، فَإِنَّ مَنْ أَنْتَى فَقَدْ شَكَرَ، وَمَنْ كَتَمَ فَقَدْ
كَفَرَ، وَمَنْ تَحَلَّى بِمَا لَمْ يُعْطَهُ كَانَ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ))(١).
لغة الحديث:
فَلْيَجْزِ : أي فليكافئ(٢).
الثناء: هو ما يذكر عن محامد الناس فيثنى حالاً فحالاً(٣)
كفر النعمة : هو غمط النعمة وكفرها وجحدها وإماتة ذكرها وكتمها(٤).
معنى الحديث:
من الأمور التي تُؤلف القلوب وتزيد المحبة بين المؤمنين العطية والهبة
والهدية ولهذا رغب فيها الإسلام إليه أن يقبل الهدية وأن يشكر عليها، ويظهر
السرور بها، فمن أُعطي حقاً أو قُضِيَتْ حاجته فليكن عارفاً بحقه، فإن وجد مالاً
(١) حديث صحيح، وانظر: صحيح سنن الترمذي للألباني ٢٠٣٤، والسلسلة الصحيحة ٦١٧،
وصحيح الترغيب والترهيب للألباني ٩٦٨ .
(٢) تحفة الأحوذي ٦/ ١٥٤ .
(٣) التعاريف ٢٢٤/١.
(٤) الألفاظ المؤتلفة ١/ ٢١٢.

١٧٣
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
فليكافئ به نظير هذا الفعل وهذا الصنيع(١) فإن فعل ذلك أحرى بزرع
بذور المحبة والمودة بين القلوب، وتقديراً وتعبيراً عما يكنه لأخيه نظير فعله، وهذا
الفعل يكون من دون طلب؛ لأنه إن كان بطلب من المسدي كان أجرةً، وخرج
من دائرة الجميل والمعروف؛ فإن لم يكن له سَعةٌ من مال فليجاز بذكره الحسن على
المعطي، ولا يجوز له كتمان نعمته(٢).
((فَمَنْ أَثْنَى فَقَدْ شَكَرَ)) صنيع المعطي بالقول الحسن وفيه دليل على أن
الثناء من شكر الصنيع الحسن، وفي رواية أخرى يقول وَله: «مَنْ أَبْلِيَ بَلَاءً فَذَكَرَهُ
فَقَدْ شَكَرَهُ وَإِنْ كَتَمَهُ فَقَدْ كَفَرَهُ»(٣).
فإن لم يذكر الصنيع وقدره للصانع فإنه بذلك يكون قد جحده وكفر به
بترك أداء حقه (٤)، ثم يحذرنا وَل﴾ من خصلة ذميمة من تزين وتباهى بما لم يعطه
وتزين بشعار الزهاد وليس منهم فمثله كمثل من كذب مرتين أو أظهر شيئين
كاذبين؛ فهو كالكاذب القائل ما لم يكن .... قال الإمام المناوي: (كمن لبس
قميصاً وصل کمه بکمین آخرین موهماً أنه لا بس قمیصین، فهو كالكاذب القائل
(١) فيض القدير ٦/ ٧٥، وانظر: تحفة الأحوذي ٦/ ١٥٤، وعون المعبود ١١٥/١٣، والتيسير
بشرح الجامع الصغير ٢/ ٤٠٢، ومرقاة المفاتيح ٦/ ١٩٢.
(٢) فيض القدير ٧٥/٦، وانظر: تحفة الأحوذي ١٥٤/٦، وعون المعبود ١١٥/١٣، والتيسير
بشرح الجامع الصغير ٢/ ٤٠٢، ومرقاة المفاتيح ٦/ ١٩٢.
(٣)حدیث صحیح ، انظر: صحيح سنن أبو داود للألباني ٤٨١٤.
(٤) فيض القدير ٧٥/٦، وانظر: تحفة الأحوذي ١٥٤/٦، وعون المعبود ١١٥/١٣، والتيسير
بشرح الجامع الصغير ٢/ ٤٠٢، ومرقاة المفاتيح ٦/ ١٩٢ .

١٧٤
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال =
ما لم يكن، وقيل شبه بالثوبين أن المتحلي كذب كذبتين فوصف نفسه بصفة ليست
فیه ووصف غيره بأنه خصه بصلة)(١).
فعلى من أُسدي إليه معروفٌ أو أُعطي عطاءً أن يكافيءَ من أسداه إليه،
وإلا فليقل له: ((جزاك الله خيراً» فإن النعم لا تستجلَب زيادتها ولا تدفع الآفات
عنها إلا بالشكر لله - جل وعلا - ثم لمن أسداها إليه، وما استَغْنَى أحدٌ عن شُكْرِ
أَحَدٍ.
ما يرشد إليه الحديث:
١ - الحث على البذل والعطاء والسخاء والتحذير من الكتمان والأثرة.
٢ - تشبيه المعنوي بالمحسوس من فصاحته ټ وبلاغته و حسن بيان ذلك أدعى أن
يرتكز في الأذهان ويتراءى للعيان.
(١) فيض القدير ٦/ ٧٥، وانظر: تحفة الأحوذي ١٥٤/٦، وعون المعبود ١١٥/١٣، والتيسير
بشرح الجامع الصغير ٤٠٢/٢، ومرقاة المفاتيح ٦/ ١٩٢.

١٧٥
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
٣٩
الحديث التاسع والثلاثون
وجوبُ إِخْلاَصِ العَمَلِ لِلّهِ
عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذٍ بْنِ أَنَسِ الْجُهَنِيِّ عَنْ أَبِهِ - رَضَي الله عنهما - أَنَّ رَسُولَ
اللَّ ◌َ قَالَ: ((مَنْ أَعْطَى للهَّ وَمَنَعَ لَّ وَأَحَبَّ للهً وَأَبْغَضَ اللهَ وَأَنْكَحَ للَّ فَقَدْ اسْتَكْمَلَ
إَِهُ))(١).
التعريف براوي الحديث:
((سَهْلُ بْنُ مُعَاذٍ بْنُ أَنَسِ الْجُهَنِيُّ نزل بمصرَ، وقد روى عن أبيه وله
صحبة، وروى عنه إسماعيل بن يحيى المعافري، وثور بن يزيد الرخْبِي الحِمْصي،
وخير بن نعيم الحضرمي، وزَبَّان، وهو خير من نزل بمصر))(٢).
لغة الحديث:
أعطى الله: أي أعطى صدقة أو غيرها طلباً لثواب الله ورضاه لا لرياء ولا
سمعة، أي لأجله ولوجهه مخلصاً لا لميل قلبه ولا لهواه.
مَنَعَ: منع الشيء إذا حال بينه وبين مقصوده(٣)، ومعنى منع لله أي لأمر
الله؛ كأن لم يصرف الزكاة لكافر لخسته ولا لهاشمي لشرفه بل لمنع الله لهما منها (٤).
أحب الله: ((أصل المحبة المحمودة التي أمر الله بها، وخلق خَلْقَهُ لأجلها،
(١) حديث حسن، انظر: المسند للإمام أحمد ١٥١٩٠، والحاكم في المستدرك ١/ ٦١، والبيهقي في
شعب الإيمان ١/ ٤٧، وعون المعبود ٤٣٨/١٢، وصحيح سنن الترمذي للألباني٢٥٢١،
وصحیح الترغيب والترهيب للألباني ٣٠٢٨ .
(٢) تهذيب الكمال ١٢ / ٢٠٨، وانظر: معرفة الثقات ٤٤٠/١.
(٣) المطلع على أبواب المقنع ١/ ٤١٠، وعون المعبود ٤٣٨/١٢.
(٤) عون المعبود ٤٣٨/١٢.

١٧٦
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال =
هي ما في عبادته وحده لا شريك له، إذ العبادة متضمنة لغاية الحب بغاية
الذل»(١).
أَبْغَضَ: البغض ضد الحب وبغضه الله إلى الناس تبغيضا فأبغضوه أي
مقتوه، والبغضاء شدة البغض والتباغض ضد التحاب(٢)، ومعنى أبغض لله أي
لا لإيذاء من أبغضه له بل لكفره ومعصيته(٣)، ومعنى استكمل إيمانَه بالنصب أي
أكملَه، وروي بالرفع أي كمُل إيمانُه أو اكتمل إيمانُه(٤).
معنى الحديث:
الإنسان مخلوق لعبادة الله وحده وإقامة شرعه، كل حياته لربه، يرى الله
- تعالى - في جميع أموره، ويخشاه في سره وعلانيته، فإن أراد معه غيره رد الله عمله
عليه، وتركه مع من أشركه، قال - تعالى -: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ
عَمَلاً صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ، أَحَدًّا﴾(٥) وصح عن النبي ◌َِّ أنه قال: ((قَالَ
اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي
غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»(٦)، فالمؤمن الكامل الإیمان یوقن بأن حياته كلها لله، یکل
أعماله وتصرفاته وجميع حركاته وسكناته لله رب العالمين ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِی
(١) قاعدة في المحبة لشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - ص٦٩، ١٣٣.
(٢) مختار الصحاح ص ٢٤
(٣) عون المعبود ٤٣٨/١٢.
(٤) تحفة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي ١٨٩/٧.
(٥) الكهف: ١١٠.
(٦) رواه مسلم ٢٩٨٥.

١٧٧
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَتِّ الْعَلَمِينَ﴾ (١)، وفي هذا الحديث يبين لنا النبي
وَله حقيقة ((كمال الإيمان)) وأوجز ذلك في خمس خصال؛ من يحويها يحوي كمال
الإيمان:
الخصلة الأولى: الإعطاء لله (٢) فإن من لم يرد بما أنفق وَجْهَ الله - سبحانه -
لم يُقبل منه ولم تصح نيته بل هو والحال هذه يدخل فيمن وصفهم الرسول وَل
بأنهم أول من تُسعَّر بهم النار يوم القيامة، يقول النبي وَّهِ: (( .... وَرَجُلٌ وَسَّعَ الهُ
عَلَيْهِ، وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمالِ كُلُّهِ فَأَنِيَ، بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ
فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلِ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبْتَ
وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِيَ فِي
النَّارِ .... الحديث))(٣) فمن صحت نيته نال رضا ربِّه وفاز بجزء من كمال الإيمان.
الخصلة الثانية: المنع لله (٤)، فمن اتقى الله في زكاته وصدقاته وجميع
إحسانه إلى إخوانه المسلمين، فلم يضع شيئاً من ذلك في غير موضعه بل فعل ما
أمر به وسار على النهج فيما تطوع به فمنع نفسه من إتباع الأهواء والزيغ والشح
والأثرة، ابتغاء وجه الله وحده.
الخصلة الثالثة: الحب لله أي لله وحده دون غيره قال المناوي: (الحب في الله
والبغض في الله باب عظيم وأصل من أصول الإيمان، ومن لازم الحبِّ في الله حبُّ
(١) رواه مسلم ١٠٠٦ .
(٢) تحفة الأحوذي ٧/ ١٨١.
(٣) رواه مسلم ١٩٠٥.
(٤) عون المعبود ٢٨٥/١٢، وانظر: التيسير بشرح الجامع الصغير ٣٨٧/٢

١٧٨
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال =
أنبيائه وأصفيائه ومن شرط محبتهم اقتفاء آثارهم وطاعة أمرهم، قال ابن معاذ
(وعلامة الحب في الله ألا يزيد بالبر ولا ينقص بالجفاء) (١)، والحب عنصر أصيل
في التصور الإسلامي، دليل ذلك قول المولى - جلّ وعلا -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا
وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمِنُ وُذًا﴾(٢).
وقوله: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَأَتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾(٢).
وحب الله لعبد من عبيده أمر لا يقدر على إدراك قيمته إلا من عرف الله
۔ سبحانه۔۔ بصفاته، کما وصف نفسه وکما وصفه رسوله، وإلا من وجد إيقاع
هذه الصفات في حسه ونفسه وشعوره.
وحب العبد لربه نعمة لهذا العبد لا يدركها إلا من ذاقها. وإذا كان حب
الله لعبد من عبيده أمراً هائلاً عظيماً، وفضلاً غامراً جزيلاً، فإن إنعام الله على العبد
بهدايته لحبه، وتعريفه هذا المذاق الجميل هو إنعام هائل عظيم(٤).
ومن نعمة الله على عباده المؤمنين أن جعل المحبة فيه هي الوشيجة
العظمى بينهم، وهي المورد العذب الذي ينهلون منه جميعاً، ثم جعل سبحانه
وجود المحبة للقوم ولما يلحق بهم المحب سبيلاً للحاق بهم يؤيد ذلك قوله وكل ه:
((المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ))(٥). وقال عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه -: جاء رجل
إلى رسول الله وسلم فقال: يا رسول الله: كيف تقول في رجل أحب قوماً ولم يلحق
(١) فيض القدير ١/ ١٦٧.
(٢) مريم: ٩٦.
(٣) آل عمران: ٣١.
(٤) انظر: في ظلال القرآن سيد قطب - رحمه الله - بتصرف ٩١٨/٢ _٩١٩.
(٥) رواه البخاري ٦١٦٨.

١٧٩
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
-
بهم؟ فقال رسول الله وَّ: (المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ))(١).
على أنه من الواجب ذكره هنا أن هذا الحب ليس مجرد أماني أو أحلام
تناقضها الأفعال القبيحة، أو ((هرطقة)) رقعاء الصوفية أو ... أو .. إلخ وإنما هو
حب بالقلب وعمل بالجوارح، قال الله - تعالى -: ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَآ أَمَانِى أَهْلِ
اُلْكِتَبِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا حُجْزَ بِهِ، وَلَا تَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرً﴾(٢).
وقال: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ
وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾(٣).
قال الحسن البصري: لا تغتر بقولك: المرء مع من أحب إن من أحب قوماً
اتبع آثارهم، ولن تلحق الأبرار حتى تتبع آثارهم، وتأخذ بهديهم، وتقتدي
بسنتهم، وتمسي وتصبح وأنت على منهاجهم، حريصاً أن تكون منهم، وتسلك
سبيلهم وتأخذ طريقهم وإن كنت مقصراً في العمل فإن ملاك الأمر أن تكون على
استقامة، أما رأيت اليهود والنصارى وأهل الأهواء الردية يحبون أنبياءهم وليسوا
معهم! لأنهم خالفوهم في القول والعمل، وسلكوا غير طريقتهم فصار موردهم
النار؟(٤).
الخصلة الرابعة: البغض لله أي من أجل الله أي لبغض الله لا لإيذاء من
(١) رواه البخاري ٦١٦٩، ومسلم ٢٦٤٠.
(٢) النساء: ١٢٣.
(٣) آل عمران: ٣١.
(٤) الحكم الجديرة بالإذاعة ص١٣٣ .

١٨٠
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال =
أبغضه له، بل لكفره ومعصيته(١)، وإلى ذلك أشار الإمام ابن قيم الجوزية - رحمه
الله -: (فإن أحب أحب في الله، وإن أبغض أبغض في الله، وإن أعطى أعطى الله،
وإن منع منع لله، ولا يكفيه هذا حتى يسلم من الانقياد والتحكيم لكل من عدا
رسوله فیعقد قلبه معه عقداً محكماً على الائتمام والاقتداء به وحده دون كل أحد في
الأقوال والأعمال من أقوال القلب، وهي العقائد، وأقوال اللسان وهي الخبر عما
في القلب، وأعمال القلب وهي الإرادة والمحبة والكراهة وتوابعها، وأعمال
الجوارح فيكون الحاكم عليه في ذلك كله دِقِّه وجُلُّه هو ما جاء به الرسول صلى الله
تعالی علیه وآله وسلم)(٢).
والخصلة الخامسة: الإنكاح لله قال المناوي: (أي أنكح محبة الله وولاية له
وحده ولم يبغ شأناً آخر كأمر من أمور الدنيا من مال أو سلطة أو غير ذلك، بل
رضي بمن رضي بمن هو على طاعة الله وتقواه، وإن لم يكن ذا نصيب من الدنيا،
فمن جمع هؤلاء وأخلص لله فيهن ((فَقَدْ اسْتَكْمَلَ إِيَانَهُ))) قال الطيبي: (قال
بعضهم وجه جعله ذلك استكمالاً للإيمان؛ أن مدار الدين على أربع قواعد:
قاعدتان باطنتان وقاعدتان ظاهرتان فالباطنتان الحب والبغض والظاهرتان
الفعل والترك فمن استقامت نيته في حبه وبغضه وفعله وتركه لله فقد استكمل
مراتب الإيمان)(٣) قال شيخ الإسلام: (فمن فعل ذلك استكمل الإيمان، وصار
هذا العبد دينه كله لله، وأتى بما خلق له من العبادة، فقد اتحدت أحكام هذه
(١) عون المعبود ٢٨٥/١٢
(٢) إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان ١/ ٨.
(٣) فيض القدير ٢٩/٦.