Indexed OCR Text
Pages 101-120
١٠١
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (١) وقد خص الله - سبحانه - الجماعة بالهداية وعدم الضلال،
فقد صح عنه وَلّ﴿ أنه قال: ((إِنَّ اللهَّ أَجَارَكُمْ مِنْ ثَلَاثٍ خِلَالٍ أَلَا يَدْعُوَ عَلَيْكُمْ
نَبِيُّكُمْ فَتَهْلَكُوا جَمِيعًا وَأَلَا يَظْهَرَ أَهْلُ الْبَاطِلِ عَلَى أَهْلِ الْحُقِّ وَأَلَا تَجْتَمِعُوا عَلَى
ضَلَالَةٍ)) (٢) وفي هذا الحديث يثني الرسول بَّر على فعل هذه الخمس، ولا غرو
فإنه وَّهُ لا ينطق عن الهوى ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىّ (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَخْىٌ يُوحَى﴾(٣).
((وَأَنَا آَمِّرُكُمْ بِخَمْسِ اللهُ أَمَرَنِي بِهِنَّ) تأكيداً على أهميتها والعمل بها، ومعلوم أن
طاعة الرسول طاعة لله - تعالى -.
وَذِكْرُ هذه الخمس على سبيل الخصوص لا الحصر، أي خَصَّ هذه
الخمس بالذكر دون غيرها، وأول هذه الخمس ((الْجَمَاعَةِ)) أي لزوم السواد الأعظم
من أهل الإسلام؛ فإن الله لن يَجْمَع أمة الإجابة إلا على هدىً وحق وصواب،
ومن خصائص أمة النبي محمد وَّر أن إجماعهم حجة، قال وَّ: ((إِنَّ اللهَ قَدْ أَجَارَ
أُمَّتِي مِنْ أَنْ تَجْتَمِعَ عَلَى ضَلَالَةٍ))(٤)؛ فإنهم لا يجتمعون على ضلال كما يصرح به
وصفه - سبحانه - لهم بأنهم ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾(٥) لأن
(١) الأنفال: ٤٦.
(٢) حديث صحيح، انظر: صحيح سنن أبو داود للألباني ٤٢٥٣ وصحيح الجامع الصغير للألباني
١٨٤٨.
(٣) النجم: ٣ - ٤.
(٤) حديث حسن، قال الشيخ الألباني في السلسلة (حسن بمجموع طرقه)، وانظر: صحيح الجامع
الصغير للألباني ١٧٨٦، وظلال الجنة ٨٢، والسلسلة الصحيحة ١٣٣١.
(٥) التوبة: ٧١.
١٠٢
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال =
مقتضى كونهم آمرين بكل معروف، ناهين عن كل منكر أنهم اتبعوا ما هم عليه
من العقائد والقواعد وأحكام الدین.
فمن فارق الجماعة فهو إلى الشيطان أقرب، ولمسلكه أسرع، وقد صح عنه
وَل﴿ أنه قال: ((عَلَيْكُمْ بِالْمَاعَةِ وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدٍ وَهُوَ مِنْ
الإِثْنَيْنِ أَبْعَدُ، مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمْ الْمَاعَةَ، مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ
سَيَِّتُهُ فَذَلِكُمْ الْمُؤْمِنُ))(١).
الأمران والثالث: ذكره ◌َ له بقوله: ((وَالسَّمْعِ، وَالطَّاعَةِ)) (أي السمع
والطاعة للإمام؛ فهي ثابتة وواجبة للإمام أو نائبه)(٢) طالما في طاعة، وقد خص
ذلك الرسول و ﴿ بالذكر في قوله: ((السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ حَقٌّ مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِالْمُعْصِيَةِ فَإِذَا
أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ)) (٣)، والسمع والطاعة يكون في جميع الأحوال في
الرخاء والشدة والضراء والسراء، روي عَنْ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ - رضي الله عنه-
قَالَ دَخَلْنَا عَلَى عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ - رضي الله عنه-، وَهُوَ مَرِيضٌ قُلْنَا أَصْلَحَكَ
اللهُ حَدِّثْ بِحَدِيثٍ يَنْفَعُكَ اللهُ بِهِ سَمِعْتَهُ مِنْ النَّبِيِّوَ لْقَالَ: دَعَانَا النَّبِيُّ ◌َه
فَبَا يَعْنَاهُ؛ فَقَالَ فِيَا أَخَذَ عَلَيْنَا أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا
وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَأَلَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ
مِنْ اللَّ فِيهِ بُرْهَانٌ))(٤)؛ فإن السمع والطاعة يكونان للإمام أياً كان بقوله بَّ: ((قَالَ
(١) حديث صحيح، انظر: صحيح سنن الترمذي للألباني ٢١٦٥، وصحيح الجامع الصغير للألباني
٢٥٤٦، وظلال الجنة (٨٨) والسلسلة الصحيحة ٤٣٠، والمسند للإمام أحمد ١١٥.
(٢)انظر: معبود ٢٠٩/٧، وشرح الزرقاني ١٢/٣ وفيض القدير ٥١٣/١.
(٣) رواه البخاري (٢٩٥٥).
(٤) رواه البخاري (٧٠٥٦).
١٠٣
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَإِنْ اسْتُعْمِلَ حَبَشِيٌّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ))(١)، وذلك لما يترتب عليه
من اجتماع الكلمة وعز الإسلام وقمع العدو وإقامة الحدود وغير ذلك.
والأمر الرابع: قوله وَالَ: ((وَالهِجْرَةٍ)) أي الانتقال من مكة إلى المدينة قبل
فتح مكة ومن دار الكفر إلى دار الإسلام ومن دار البدعة إلى دار السنة ومن
المعصية إلى التوبة(٢) لقوله ◌َ ل﴿(المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ وَالْمُهَاجِرُ
مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ))(٣)؛ فهجرة القلوب إلى رب الأرباب بترك المعاصي
والآثام بالتوبة والإنابة إليه، وطاعة الإمام باقية إلى يوم القيامة.
الأمر الخامس: قوله بَ له: ((وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ الله)) أي الجهاد في سبيل الله
(لإعلاء كلمته ولنصرة دينه والدفاع عنه)(٤) عنه فهو أعلى درجات الإيمان
وأفضلها على الإطلاق. ثم يؤكد ◌َ له على لزوم الجماعة بقوله: ((فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنْ
الْجَمَاعَةِ قِيدَ شِيْرٍ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ إِلَّا أَنْ يَرْجِعَ))؛ فمن خرج عن
الجماعة فقد خلع ما یشد المسلم به نفسه من عرى الإسلام أي حدوده وأحكامه
وأوامره ونواهيه؛ فمن خرج من طاعة إمام الجماعة أو فارقهم في الأمر المجتمع
عليه فقد ضل وهلك وكان كالدابة إذا خلعت الربقة التي هي محفوظة بها، فإنه لا
يؤمن عليها عند ذلك الهلاكُ والضياعُ، فلا يجوز الخروج على السلطان ولو جار.
ثم يقول وَله: ((فَادْعُوا الْمُسْلِمِينَ بِأَسْمَائِهِمْ بِمَا سَمَّاهُمْ اللهُ - عَزَّ وَجَلَّ -
(١) رواه البخاري ٦٩٣.
(٢) تحفة الأحوذي ٨/ ١٣١.
(٣) رواه البخاري ١٠.
(٤) تحفة الأحوذي ٨/ ١٣١.
١٠٤
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال =
المُسْلِمِينَ المُؤْمِنِينَ عِبَادَ اللهَ - عَزَّ وَجَلَّ -)) أي اقتصر لقب المؤمن والمسلم على أنه
عبد لله كما سماهم الله وهو كل من استسلم لأوامره - سبحانه ــ وانقاد لها وآمن
ووقر الإیمان في قلبه دون غيره ممن ادعى ذلك دون أن يظهر ذلك في فعله وقوله،
فهذه جملة من الأوامر والأحكام بينها وَّر في حديث بليغ جمع فصاحته وَلعمله
وبلاغته وجوامع کلمه، فاللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
ما يرشد إليه الحديث:
١ - فيه التنبيه إلى ((وجوب السمع والطاعة)) للإمام أياً كان ما لم يُظْهِرْ كفراً بَوَاحاً.
٢ - شرف العبودية لله - تعالى - وإطلاق التسمية على من اتصف بها بأنه مسلم،
وبأنه مؤمن إذا ظهر ذلك في أقواله وأفعاله الظاهرة والباطنة.
٣ - النبي ◌َل﴾ مبلُّغ عن ربه - عزوجل-؛ فطاعته طاعة لله، وحدودها: ((طاعته فيما
أمر وتصديقه فيما أخبر واجتناب ما نهى عنه وزجر وأن لا يُعبد اللهُ إلا بِمَا
شَرَعَ)).
٤- جواز مراجعة المتعلم للمعلم فیما يشكل عليه فهمه وما يريد تقريره في ذهنه بما
يزيل عنه الشبهة أو الشك.
١٠٥
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
٢٢
الحديث الثاني والعشرون
من صفات الله وعظيم آلائه
عَنْ أَبِي مُوسَى - رضي الله عنه - قَالَ: قَامَ فِيْنَا رَسُولُ الله ◌َلا بِخَمْسٍ
كَلِمَاتٍ فَقَالَ: ((إِنَّ اللهَ - عَزَّ وَجَلَّ - لَا يَنَامُ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، يَخْفِضُ الْقِسْطَ
وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ،
حِجَابُهُ النُّورُ))(١).
لغة الحديث :.
النوم معروف لكل أحد واختلف في تعريفه من جهة بیان سببه، قال
البيضاوي: النوم حال يعرض للحيوان من استرخاء أعصاب الدماغ من رطوبات
الأبخرة المتصاعدة بحيث تقف الحواس الظاهرة عن الإحساس رأساً(٢).
الْقِسْطَ: الِيزَانُ(٣).
يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ: خَفْضُهُ تَقْلِيلُهُ ورَفْعُه تَكْثِيرُه وَالمرَاد: يَرْفَعُ مِيزَانَ
أَعْمَالِ العِبَادِ المُرْتَفِعَةَ إِليه وأَرْزَاقهم النّازِلَة من عِنْده(٤).
حِجَابُهُ النُّورُ: الحجاب الستر وفي صفة الله ــ تعالى ــ راجع إلى ستر
الأبصار ومنعها من رؤيته، فهو الذي يُستدل به عليه، كما يستدل بالحجاب على
المُلْكِ المُحْتَجَبِ(٥).
(١) انفرد به الإمام أحمد، المسند ٢٥٣٨٣ .
(٢) تفسير القرآن الحكيم الشهير بتفسير المنار للإمام محمد رشيد رضا ٢/ ٣٠ ط دار الفكر/ لبنان.
(٣) تاج العروس ٢٠/ ٢٥ .
(٤) تاج العروس ٢٠/ ٢٥ .
(٥) انظر: الفائق ١٩٤/٣، ومشارق الأنوار ١/ ١٨١.
١٠٦
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال =
معنى الحديث:
تنزَّه رب العزة والجلال عن صفات الأجسام وعوارضها، واتصف بكل
كمال وتمام يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه؛ فهو - سبحانه - لا يتصف بصفة
من صفات الخلائق (كالنوم والتعب) قال - تعالى -: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ
وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى ◌ِنَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُغُوبٍ ﴾(١) قال ابن زيد - رضي الله
عنه - في قوله تعالى: ﴿ وَمَا مَسَّنَا مِن لَّغُوبٍ﴾ قال: (لم يمسنا في ذلك عناء ذلك
اللغوب))(٢)، وفي هذا الحديث وصف النبي ◌َّ- رب العالمين وإله الأولين
والآخرين، بصفات خمس، أولها: قوله وَ الِهِ: ((إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَنَامُ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ
أَنْ يَنَامَ)) قال - تعالى -: ﴿اَللَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾(٢).
وثاني هذه الخصال: قوله وَله: ((يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ)) (فالقسط هو
الميزان؛ فهو المالك - سبحانه - وحده يملك محاسبة العباد ورزقهم والعفو عنهم
فالله - سبحانه - وتعالى يخفض الميزان ويرفعه بما يزن من أعمال العباد المرتفعة
ويزن من أرزاقهم النازلة وهذا تمثيل لِمَا يقدِّر تنزيله فَشُبِّه بوزن الميزان(٤)) قال
الإمام السيوطي - رحمه الله -: ((أي يُنقِصُ الرزقَ باعتبار ما كان يمنحه قبل ذلك
ويَزِيده بالنظر لمقتضى قدره الذي هو تفصيلٌ لقضائه الأول؛ فمحْصُوله يقلل لمن
يشاء ويكثر لمن يشاء بالقسط، أو أنه يرفع بعدله الطائع، ويخفض العاصي بتقتير
(١) ق: ٣٨.
(٢) تفسير الطبري ١٧٩/٢٦.
(٣) البقرة: ٢٥٥.
(٤) انظر: شرح النووي ١٣/٣، ووالديباج ٢٢٥/١ .
١٠٧
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
=
الرزق والخذلان بمعصيته))(١).
وثالث هذه الخصال: قوله وَالّ: ((يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ)»
وفي رواية لمسلم ((وَيُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ النَّهَارِ بِاللَّيْلِ))(٢) أي إن عمل اللیل یرفع إلیه
- سبحانه - مع بداية النهار وقبل عمل النهار لا يتأخر ذلك ولا يتبدل، وفي
الحديث عنه رَّم أنه قال: ((يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ
وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيَكُمْ فَيَسْأَّهُمْ وَهُوَ
أَعْلَمُ بِهِمْ كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي فَيَقُولُونَ تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ
يُصَلُّونَ))(٣) فیرفع إليه عمل الليل - سبحانه - قبل عمل النهار الذي بعده وعمل
النهار قبل عمل الليل الذي بعده فإن الملائكة الحفظة يصعدون بأعمال الليل بعد
انقضائه في أول النهار ويصعدون بأعمال النهار بعد انقضائه في أول الليل(٤).
ورابع هذه الخصال: قوله وَ له: ((وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ)) وفي رواية
لمسلم أيضاً: ((وَيُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ النَّهَارِ بِاللَّيْلِ وَعَمَلُ اللَّيْلِ بِالنَّهَارِ))(*) فخص عمل
النهار بالرفع في الليل قبل انتهاء عمل الليل فلا تأخير ولا توان بل كل شيء
محصىّ لا يضل ربي ولا ينسى؛ فإن الحفظة المكلفين يصعدون بأعمال الليل بعد
انقضائه في أول النهار ويصعدون بأعمال النهار بعد انقضائه في أول الليل(٦).
(١) التيسير بشرح الجامع الصغير ٢٦٥/١، وانظر: مرقاة المفاتيح ٢٦٤/١.
سـ
(٢)رواه مسلم ١٧٩ .
(٣) رواه البخاري ٥٥٥.
(٤) انظر: شرح النووي على مسلم ٣/ ١٣ ، والديباج ٢٢٥/١
(٥) رواه مسلم ١٧٩ .
(٦) الديباج ١/ ٢٢٥.
١٠٨
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال ==
وخامس هذه الخصال: قوله وَلّ﴾ ((حِجَابُهُ النُّورُ)) وفي رواية أخرى
((حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ))(١)
وأفرد الإمام مسلم في صحيحه باباً باسم ((بَابٌ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامِ إِنَّ اللهَ لَا يَنَامُ
وَفِي قَوْلِهِ حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ
خَلْقِهِ))(٢) (والمراد أن حجابه خلافُ الحُجُبِ المعهودةِ فهو مُتِجب عن الخلق
بأنوار عزه وجلاله وأشعة عظمته و کبریائه وذلك هو الحجاب الذي تدهش دونه
العقول وتبهت الأبصار وتتحير البصائر، فلو كشفه فتجلى لما وراءه بحقائق
الصفات وعظمة الذات لم يبق مخلوق إلا احترق ولا منظور إلا اضمحل (٣).
ومعنى سُبُحَاتٍ وَ جْهِهِ أي نوره وجلاله وبهاؤه، وأما الحجاب فأصله في
اللغة المنع والستر وحقيقة الحجاب إنما تكون للأجسام المحدودة والله - تعالى-
منزه عن ذلك. قال الشيخ عبدالرحمن بن ناصر السعدي - رحمه الله -: (الله نور
السموات والأرض الحسي والمعنوي وذلك أنه - تعالى - بذاته نور وحجابه نور
الذي لو کشفه لأحرقت سُبُحَاتُ وجهِه ما انتهى إليه بصره من خلقه وبه استنار
العرش والكرسي والشمس والقمر والنور وبه استنارت الجنة، وكذلك المعنوي
يرجع إلى الله فكتابه نور وشرعه نور والمعرفة والإيمان في قلوب رسله وغيرهم
من المؤمنين نور، فلو لا نوره - تعالى - لتراكمت الظلمات، ولهذا كل محل يفقد
نوره فَثَمَّ الظلمةُ والخَصْرُ)(٤). فهذه خمس خصال له - سبحانه وتعالى - واجبة
(١) حديث صحيح ، انظر: صحيح الجامع الصغير للألباني (١٨٦٠) وصحيح سنن ابن ماجه
للألباني (١٩٥) وظلال الجنة (٦١٤).
(٢) صحيح مسلم ، ((بَاب ◌ِفِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامِ إِنَّ اللهَ لَا يَنَامُ وَفِي قَوْلِهِ حِجَابُهُ النُّورُ ... ))
(٣) انظر: فتح الباري ٤٣١/١٣، وشرح مسلم للنووي ١٣/٣.
(٤) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ص ٥١٧.
١٠٩
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
الإيمان والاعتقاد - فهو سبحانه وتعالى - مُتَّصِفٌ بكل كمال مُنَزّهٌ عن كُلِّ نقصٍ
وعيبٍ ... وهو السميع البصير.
ما يرشد إليه الحديث:
١ - ينبغي على العبد المسلم أن يكون على مذهب أهل السنة والجماعة الذين عرفوا
ربهم بما تعرَّف به إليهم من صفات كماله اللائقة بجلاله؛ فأثبتوا له تعالى ما
أثبته لنفسه وأثبته له رسوله وَله إثباتاً بلا تمثيل وتنزيها بلا تعطيل وعرفوه
بأفعاله وعجائب مخلوقاته، وبما أظهر لهم من عظیم قدرته، وبما أسبغه عليهم
من عظيم نعمته؛ فعبدوا رباً أحداً صمداً إلهاً واحداً لا شريك له في ملكه؛
تعالى وتقدس عن کل عیب ونقص.
٢ - وجوب دوام مراقبة الله تعالى، واليقين الكامل بأن الله - عز وجل-، ويحصي
على عبده كل شيء ويُحيط علمهُ بكل شيء؛ فعلى المسلم التّقَيُّدُ المطلق بشرائع
الإيمان.
٣ - إثبات صفة النور والفعل لله - عز وجل -، وأنه نور السموات والأرض وما
فيهما ومنوِّرهما وما فيهما.
١١٠
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
٢٣
الحديث الثالث والعشرون
التحذير من مخالفة أمر الله - تعالى -
عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله وَ ل﴾: ((خمس
بِخَمْسٍ: مَا نَقَضَ قَوْمٌ الْعَهْدَ إِلاَّ سَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِمْ عَدُوَّهُمْ وَمَا حَكُمُوا بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ
اللهُ إِلَّ فَشَا فِيْهِمْ الفَقْرُ، وَلاَ ظَهَرَتْ فِيْهِمْ الفَاحِشَةُ إِلَّ فَشَا فِيْهِمْ المَوْتُ، وَلاَ طَفَّفُوا
الِكْيَالَ إلاَّ مُنِعُوا النَّبَاتَ، وَأُخِذُوا بِالسِّنِيْنَ، وَلاَ مَنَعُوا الزَّكَاةَ إِلَّ حُبِسَ عَنْهُمْ
القَطْرُ))(١).
لغة الحديث:
فشا: انْتَشَر (٢).
الفاحشة: هي التي توجب الحد في الدنيا والعذاب في الآخرة(٣).
التطفيف: البخس في الكيل والوزن (٤).
أخذوا بالسنين: أَي بالجدبِ والقحطِ(٥).
معنى الحديث:
نعم الله - سبحانه - عظيمة، وآلائه وفیرة؛ لا تعد ولا تحصى قال - تعالى -:
﴿وَءَاتَنْكُمْ مِن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللَهِ لَا تُحْصُوهَاً إِنَّ الْإِنسَنَ
(١) حديث حسن، انظر: صحيح الجامع الصغير للألباني ٣٢٤٠، وصحيح الترغيب والترهيب للألباني
٧٦٢.
(٢) تاج العروس ٢٣٦/٣٩ .
(٣) التعريفات ١/ ٢١١ .
(٤) الكليات ١/ ٨٨٤ .
(٥)تاج العروس ٣٢١/٣٨.
١١١
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
=
لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾(١)، وقد سخرها للإنسان؛ فإن اتقى ربه، وأصلح، وشكر أنعم
الله عليه بالبركة، وإن أفسد وضل سلط الله عليه جنوده ردعاً وزجراً؛ فإن عاد
وتاب وأناب رفع الله عنه وإن استمر نال عقاب الآخرة ووعيده.
وفي هذا الحديث يفصل لنا النبي ◌َله جملة من الأعمال التي ينال من
يفعلها عقاباً دنيوياً حالاً لقاء ما ارتكب مما نهاه الله عنه؛ إذ الجزاء من جنس العمل
ولا يظلم ربك أحداً! وهذا هو المراد بقوله {ێ﴾ ((خمس بخمس)).
وأول هذه الأفعال نقض العهد: ((ما نقض قوم العهد إلا سلط عليهم
عدوهم)) أي ((ما عاهدوا الله عليه، أو ما عاهدوا عليه قوما آخرين فَبِنَقْضِهِمْ
العهدَ يسلّط عليهم عدوّهم قال - تعالى -: ﴿وَلَا تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَقِيمِ إِلَّ بِالَّتِى هِىَ
ے
أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ، وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً ﴾(٢) ونقض
العهد من علامات النفاق فإن كان في قوم، واشتهروا به، نالوا العقاب؛ بتسلط
عدوهم عليهم جزاء بما اجترحوه من نقض العهد المأمور بالوفاء به(٣).
وثاني هذه الآثام: الحكم بغير ما أنزل الله ((وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا
فشا فيهم الفقر)) أي إذا حكَّموا فيهم غير شرع الله من القرآن والسنة عن عمد أو
جهل ظهر فيهم الفقر وكثر (٤) عقاباً وجزاء؛ لأن من يفعل ذلك ليس بمؤمن.
وثالث هذه المنكرات: يذكرها وَلو بقوله ((ولا ظهرت فيهم الفاحشة إلا
فشا فيهم الموت)) وفي حديث آخر ((وَلَا فَشَا الزِّنى فِي قَوْمٍ قَطُّ إِلَّا كَثُرَ فِيهِمْ
(١) إبراهيم: ٣٤ .
(٢) الإسراء: ٣٤.
(٣) فيض القدير ٣/ ٤٥٢ .
(٤) انظر: فيض القدير ٣/ ٤٥٢، التيسير بشرح الجامع الصغير ٥١٩/١.
١١٢
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
المُؤْتُ))(١) فإذا انتشر الزنى وأمثاله وظهر وصار شائعاً في قوم مباحاً بينهم ولم
ينكروا على فاعله فشا فيهم الموت)»(٢) بسبب كثرة الأمراض والأسقام والأوجاع
التي لم تكن في غيرهم كما كان في بني إسرائيل، قال ◌َ له: «الطَّاعُونُ رِجْزٌ أَوْ عَذَابٌ
أُرْسِلَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَوْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا
عَلَيْهِ وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُ جُوا فِرَارًا مِنْهُ))(٣) فإن كانوا كذلك فذلك
جزاؤهم في الدنيا ولهم في الآخرة سوء العذاب لتجرُّئِهم على محارم الله .
ورابع هذه الآثام: تطفيف المكيال قال: ((ولا طففوا المكيال إلا منعوا
النبات وأخذوا بالسنين)).
وفي رواية أخرى ((وَلَا نَقَصَ قَوْمُ الْكْيَالَ وَالْيَزَانَ إِلَّا قُطِعَ عَنْهُمْ الرِّزْقُ))(٤)
أي «ما أنقصوا في الكيل والوزن إلا استحقوا العذاب بمنعهم المطر، فلا تنبت
الأرض فيصابوا بالمجاعة والقحط والجدب، بل لهم الويل قال - تعالى -: ﴿ وَيْل
ار
لِلْمُطَفِّفِينَ﴾(٥)) ولهم في الآخرة عذاب هو أشد وأبقى !!.
وخامس هذه الأفعال: منع الزكاة قال ◌َله: ((ولا مَنَعُوا الزكاة إلا حبس
عنهم القطر)) أي ((منعوا الركن الثالث من أركان الإسلام وهو أداء الزكاة
وإعطاؤها إلى مستحقيها إلا حُبِس عنهم المطر عقاباً، وإذا اسْتَسْقوا لا يستجابُ
(١) الموطأ ٩٩٨.
(٢) فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٢٨ /٤٠٩.
(٣) الموطأ ٩٩٨.
(٤) رواه مسلم٢٢١٨.
(٥) المطففين: ١.
١١٣
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
لهم ويُعاقبون في الدنيا كذلك بمقاتلتهم، والأخذ على أيديهم، كما فعل الخليفة أبو
بكر الصديق - رضي الله عنه - من قتال مانعي الزكاة)) (١) قال شيخ الإسلام ابن
تيمية - رحمه الله -: ((كل طائفة خرجت عن شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة مثل
إن تركوا الصلاة أو منعوا الزكاة أو أعلنوا بالبدع المناقضة للإسلام في العقائد أو
العبادات أو تحاكموا إلى الطاغوت ونحو ذلك فالواجب على المسلمين قتالهم
باتفاق أئمة المسلمين وإن تكلموا بالشهادتين فيجب قتالهم على نحو ما فعل أبو
بكر والصحابة بأهل الردة وبالخوارج حتى يكونَ الدينُ كلُّه لله))(٢).
فهذه الخمس ما انتشرت هي أو إحداها في قوم واشْتُهِروا بها إلا كانت
عليهم شؤماً، وحل بهم غضب الله وعقابه في الدنيا والآخرة، نسأل الله العفو
والعافية.
ما يرشد إليه الحديث:
١ - قبح المعاصي وشؤم عاقبتها.
٢ - وجوب الطاعة الاتباع والتحذير من المخالفة والعصيان والابتداع.
٣ - وجوب العمل بشرائع الإسلام الظاهرة؛ لأنها سبب سعادة المسلمين في
دينهم ودنياهم.
٤ - من أنكر معلوماً من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة؛ فهو كافر مرتد يجب
قتاله بالاتفاق.
(١) فيض القدير ٣/ ٤٥٢، وانظر: التيسير بشرح الجامع الصغير ٥١٩/١.
(٢) مختصر الفتاوى المصرية ١/ ٥٠٦.
١١٤
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
=
٢٤
الحديث الرابع والعشرون
وجوب اغتنام الفرص
عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قَالَ رسولُ اللهِ وَلَّ لِرَ جُلٍ
وَهُوَ يَعِظُهُ:((اغْتَنِمْ لَمْساً قَبْلَ لَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ
سُقْمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ))(١).
لغة الحديث:
هَرَمِكَ: الهَرَمُ علو السن وأصله من الهرم، وهو نبت ضعيف، والكِبَرُ
يُضعف البدن(٢).
السَّقْمُ : السقم تأثير المرض في البدن، وقال الراغب ويختص بالبدن،
والمرض قد یکون في البدن وفي النفس(٣).
الشَّغْلُ: الشغل ضد الفراغ، والعارض يذهل الإنسان، ونحوه، ويقال
(هو في شغل شاغل) للمبالغة، ويطلق على العمل؛ فيقال شغل شاق وعلى ما
يعمل فيقال شغل جيد(٤).
معنى الحديث:
إِنّ عُمُرَ الإنسان يُعَد ثروةً رائعةً وكنزاً ثميناً، وهو أَنْفسُ ما يملكه
الإنسان، وكل مفقود عسى أن يُسترجع إلا العمر؛ فهو إن ضاع لم يتعلق بعودته
(١) حديث صحيح: انظر: صحيح الجامع الصغير للألباني ١٠٧٧، وصحيح الترغيب والترهيب
للألباني ٣٣٥٥ .
(٢) التعاريف ٧٤١/١.
(٣) التعاريف ٤٠٩/١.
(٤)المعجم الوسيط ١ / ٤٨٦ .
١١٥
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
أمل؛ فإذا كان عمرك هو رأس مالك؛ فيجب عليك أن تعرف قيمته وتقدر
خطورته، وأن تستشعر أنك مسؤول عنه يوم القيامة فإن من دلائل الإيمان
وأمارات التقى أن تَعِيَ هذه الحقيقة وأن تسير على هداها؛ فتغتنم خمساً قبل خمس
والنبي ◌َّر الهادي البشير النذير قد بين في هذا الحديث أشياء قد تغيب على كثير
من الناس كما جاء في قوله بَّهِ: ((نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ الصِّحَّةُ
وَالْفَرَاغُ))(١)، وفي هذا الحديث يدلنا وَِّ على اغتنام فضائلِ أعمالٍ خمسةٍ في وقتها
قبل أن تضيع فرصة الأخذ بالمقدار الأكبر منها؛ وكل ذلك سعياً إلى الجنة وفراراً
من النار؛ فيقول وَّي (اغتنم خمساً قبل خمس)) أي اغتنم بالفعل أشياء خمسة ذكرت
في هذا الحديث لا حصراً في أوقات يمكن الاستفادة منها قبل حدوث عوارض
أخرى قد تمنعك من أخذها؛ فافعل خمسة أشياء قبل حصول خمسة أشياء(٢).
وللأسف؛ فإن واقع حالنا اليوم أننا نجد كثيراً من الناس يلهيهم ويضلهم
طول الأمل والتسويف عن اغتنام هذه النعمة وهي "الشباب" بل قد يصل
الحال أن يقول البعض منهم نحن صغار عن الاجتهاد في العبادة ظلماً وجهلاً
وإعراضاً بسسب الأمل الذي يلازمهم لا يفارقهم حتى مع تقدمهم في العمر
يقول رَ﴾: (( لَا يَزَالُ قَلْبُ الْكَبِيرِ شَابًا فِي اثْنَتَيْنِ فِي حُبِّ الدُّنْيَا وَطُولِ الْأَمَل))(٣).
وكما قال ◌َّهِ: ((نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ)) (٤)
فكثير من الناس لا يشعرون بنعمة الصحة إلا إذا فقدوها فیندمون، ولات ساعة
(١) رواه البخاري ٦٤١٢ .
(٢) انظر: فيض القدير ١٦/٢، والتيسير بشرح الجامع الصغير ١٧٧/١، ومرقاة المفاتيح ٩/ ٣٧٠.
(٣) رواه البخاري ٦٤٢٠.
(٤) رواه البخاري ٦٤١٢ .
١١٦
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
مندم !! نسأل الله العافية !!.
قال الإمام ابن قيم الجوزية - رحمه الله -: «ولما كانت الدنيا حقيرة عند الله
لا تساوي لديه جناح بعوضة، كانت وما فيها في غاية البعد منه، وهذا هو حقيقة
اللعنة وهو - سبحانه - إنما خلقها مزرعة للآخرة ومعبراً إليها يتزود منها عباده
إليه؛ فلم يكن يقرب منها إلا ما كان متضمناً)(١) جاء من الحكمة قول عِيسَى
- عليه السلام - يعظ ويوقظ قوله: ((تَعْمَلُونَ لِلُّنْيَا وَأَنْتُمْ تُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ عَمَلٍ
وَلَا تَعْمَلُونَ لِلْآَخِرَةِ وَأَنْتُمْ لَا تُرْزَقُونَ فِيهَا إِلَّا بِالْعَمَلِ))(٢).
فعلى المرء اغتنام هذه الفضائل الخمس قبل زوالها وضياعها، فلا شيء
يبقى، ولا شيء يستقر وكل شيء في دنياك محفوف بالمخاوف؛ فإن لم يكن أجل
فمرض، وإن لم يكن فقر فهرم، ولا أحد من الجميع يسلم !! فالعاقل اللبيب يعمل
بهدي نبينا محمد رَّه ويتبعه وليس للمعرض إلا الحسرة والندامة! نسأل الله العافية.
ما يرشد إليه الحديث:
١ - وجوب إخلاص العمل لله وانتهاز الفرص، فإن التأني في كل شيء محبوب إلا
في أعمال البر والسعي للآخرة ... فالمبادرة المبادرة فإنما هي الأنفاس لوصبت
انقطعت عنا الأعمال .. اليوم عمل ولا حساب وغداً حساب ولا عمل.
٢- ينبغي للمعلم أن يفعل الأسباب التي يكون فيها انتباه المخاطب
ويقظته .. "اغتنم".
٣- فصاحة النبي گآټ وبلاغته حیث ذکر خمساً في مقابلة خمس وبضدها تتمايز
الأشياء.
(١) مفتاح دار السعادة ٦٩/١ .
(٢) سنن الدارمي ٣٦٨، وانظر: روضة المحبين ١/ ٤٠٠.
١١٧
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
٢٥
الحديث الخامس والعشرون
فضل الدعاء
عَنْ مُصْعَبٍ بْنِ سَعْدٍ - رضي الله عنه - عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِ وَقَّاصٍ
- رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - كَانَ يَأْمُرُ بِهَؤُلَاءِ الْخُمْسِ وَيُحَدِّتُهُنَّ عَنْ النَّبِّ وَّةٍ: «اللَّهُمَّ إِنِّ
أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْجُبْنِ، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أُرَّةَّ إِلَى أَزْذَلِ
الْعُمُرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ))(١).
لغة الحديث :
الْبُخْلِ: إمساك المقتنيات عما لا يحل حبسها عنه، وضده الجود، والبخيل
من يكثر منه البخل، والبخل ضربان: بخل بمقتنيات نفسه، وبخل بمقتنيات
غيره، وهو أكثرهما ذماً والبخل شرعاً: منع الواجب(٢).
الْجُبْنُ: هي هيئة حاصلة للقوة الغضبية بها يحجم عن مباشرة ما ينبغي وما
لا ينبغي(٣).
أَرْذَل الْعُمُرِ: آخره في حال الکبر، والعجز والخرف، والأرذل من كل شيء
الرديء منه(٤).
معنى الحديث:
الدعاء لب العبادة وسرها؛ فهو دليل جامع لعظمة الخالق، ورحمته
وقدرته وافتقار الخلق واحتياجهم إليه وهو من أعظم العبادات وأفضلها، وقد
(١) رواه البخاري ٣٦٧٠، وانظر: صحيح سنن النسائي للألباني ٥٤٤٥، والمسند للإمام أحمد ١٥٨٩.
(٢) التعاريف ١١٧/١
(٣) التعريفات ١٠١/١.
(٤) النهاية في غريب الأثر ٢/ ٢١٧
١١٨
أربعون حديثاً کل حديث في خمس خصال
كان النبي وس﴿ يعلم الصحابة - رضوان الله عنهم - الدعاء ويحثهم عليه فعَنْ ابْنِ
عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - أَنَّ رَسُولَ اللهَِّ((كَانَ يُعَلِّمُهُمْ هَذَا الدُّعَاءَ كَمَا يُعَلِّمُهُمْ
السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ))(١) والدعاء يكون بجلب نفع أو بدفع ضَرِّ فيكون في الجلب
بطلب العطاء والمنة منه تعالى (٢)، والاستعاذة بالله من الشرور ملاذ كل عاقل
ولبيب، فإنه لا ملجأ ولا منجى من كل ما يضر إلا إلى الله، وقد صح عنه ﴾﴾ في
استعاذته وّ لو من الفتن ومن عذاب جهنم وعذاب القبر، وإن كان قضاء فلا يرده
إلا الدعاء، يقول ◌َ له: ((لَا يَرُدُّ الْقَضَاءَ إِلَّ الدُّعَاءُ وَلَا يَزِيدُ فِي الْعُمْرِ إِلَّا الْبِرُّ»(٣)،
وفي هذا الحديث علم النبي وَلير أصحابه الدعاء فعلمهم أن يستعيذوا بالله من
خمسة أشياء، والأشياء والخمسة هي:
الأول: البخل: قال ◌َّ: ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْبُخْلِ)) أي في حقوق
المال واستعاذّة من البخل لأنه يكون بمنع ما يجب إخراجه من المال شرعاً أو
عادة ولا وجه له، ((ولأن البخل كذلك بما ليس بواجب من غرائز النقص المضادة
للكمال فالتعوذ منها حسن بلا شك وهو أولى))(٤). وفي حديث آخر يقول وال﴾.
((اتَّقُوا الشُّحَّ فَإِنَّ الشِّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ
(١) رواه مسلم (٥٩٠).
(٢) حديث صحيح، انظر: صحيح سنن ابن ماجه للألباني ٣٨٤٦، وصحيح الجامع الصغير
للألباني ١٢٧٦، والمسند للإمام أحمد ٢٤٤٩٨، والسلسلة الصحيحة ١٥٤٢.
(٣) حديث حسن، انظر: صحيح سنن الترمذي للألباني ٢١٣٩، وصحيح الجامع الصغير للألباني
٧٦٨٧، والسلسلة الصحيحة ١٥٤ .
(٤) عمدة القاري ١٨/١٩.
١١٩
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ))(١) فالشح مذموم كذلك نقيضه التبذير فهما مذمومان شرعاً،
وإنما الوسط بينهما، وهو السخاء هو شيمة، وطبع المؤمنين كما جاء في القرآن
الكريم: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً﴾(٢).
الثاني الجبن: قال ◌َله: ((وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْجُبْنِ))فالجبن ضد الشجاعة ((وهو
الخذلان والتراجع والتقصير في أداء الحقوق والإدبار وفي الجهاد يكون بالإدبار،
والتراجع وهو ليس من شيم المسلم؛ لأنه يُعَدُّ تقصيراً عن أداء الواجبات والقيام
بحقوق الله تعالى وإزالة المنكر والإغلاظ على العصاة، ولأنه بشجاعة النفس،
وقوتها المعتدلة تتم العبادات، ويقوم بنصر المظلوم والجهاد))(٣).
الثالث الهرم: قال ◌ِّيِ: ((وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أُرَدَّ إِلَى أَزْذَلِ الْعُمُرِ)) أي الهَرَمُ حيث
ينتكس، قال الله - تعالى -: ﴿وَمَن نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِى الْخَلْقِ أُفَلاَ يَعْقِلُونَ﴾(٤)
(فالاستعاذة من الرد إلى أرذل العمر بأن يعود كبداية خلقه طفلاً في الاحتياج
والعجز عن قضاء الاحتياجات؛ فهو يعود كهيئته الأولى في أوان الطفولية ضعيف
البنية سخيف العقل قليل الفهم واختلال العقل والحواس والضبط والفهم
والعجز عن كثير من الطاعات والتساهل في بعضها، وأردؤه هو حالةُ الهَرَم
والضعف عن أداء الفرائض وعن خدمة نفسه؛ فيما يتنظف فيه فيكون كلًّا على
أهله ثقيلاً بينهم يتمنون موته؛ فإن لم يكن له أهل فالمصيبة أعظم)(٥) ولهذ كان
(١) رواه مسلم ٢٥٧٨.
(٢) الإسراء: ٢٩.
(٣) شرح النووي على مسلم ١٧/ ٣٠.
(٤) یس: ٦٨.
(٥) عمدة القاري ١١٩/١٤، وانظر: الديباج على مسلم ٦/ ٦٢ .
١٢٠
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال =
تعوذه ول له من ذلك وتعليمه أصحابه - رضوان الله عليهم - بأن يتعوذوا من
إدراك هذه الأمور.
الرابع: فتنة الدنيا: قال ◌َ له: ((وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا» (والتي يخسر بها
الآخرة بأن يبيع الآخرة بما يتعجله في الدنيا من حال ومآل وسواء أكان فتنة النساء
أو المال أو الدجال وهو أعظمها)(١) قال ◌َّ: ((إِنَّهُ لَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ مُنْذُ ذَرَأَ
اللهُ ذُرِّيَّةَ آدَمَ أَعْظَمَ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ وَإِنَّ اللهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا إِلَّ حَذَّرَ أُمَّتَهُ الدَّجَّالَ وَأَنَا
آخِرُ الْأَنْبِيَاءِ وَأَنْتُمْ آخِرُ الْأُمَمِ وَهُوَ خَارِجٌ فِيكُمْ لَا مَحَلَةَ ...... ))(٢) فكل ما يفتن
المرء به فيبيع من أجله الآخرة من أجل الدنيا هو فتنة الدنيا وعليه أن يتعوذ منها لأنها لا
محالةَ صائرةٌ إلَى فَنَاءٍ يَخْرُبُ عُمراتُها ويموتُ سُكانُها وتذهبُ بَهجتُها وتَبِيدُ خَضْرَتُها؛
فالعاقل ينزلها منزلتها ولا يغترُّبطول الأمل فيها؛ فإن طولَ الآمال قد قطعت أعناق
الرجال كالسَّراب أخلفَ من رَجَاهُ وخابَ من رَآهُ حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً!
الخامس: عذاب القبر: قال ◌َ له: (وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَيْرِ)) فإن عذاب
القبر حق ثابت بالكتاب والسنة (٣) والتعوذ منه لأنه أول مدارك الآخرة، فالقبر إما
بشارة بالجنة أو إنذار بالعذاب، والنار هي دار البوار، وفي هذا دليل على استحباب
الدعاء والاستعاذة من كل ما ذكر من الخمس، وما كان في معناها، وهذا هو الصحيح
الذي أجمع عليه العلماء وأهل الفتاوى في الأمصار(٤) والله أعلم.
(١) عمدة القاري ١٤/ ١١٩ .
(٢) حديث صحيح ، انظر: صحيح الجامع الصغير للألباني ٤٠٧٧ .
(٣) شرح النووي على مسلم ٦/ ٢٠٦ .
(٤) انظر: شرح النووي على مسلم ١٧/ ٣٠، وفتح الباري ٤٤/١٣ .