Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين الحديث الرابع الغبطة المحمودة عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((لا حَسَدَ إلاَّ في اثْنَتَيْن: رجل آتَاهُ اللهُ مَالاَ فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ في الحقِّ. ورجلٍ آتَاهُ اللهُ حكمةٌ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا ويعلِّمُها))(١) . لغة الحديث: لا حسد: أي لا غِبْطَةَ؛ فإن الحسد تمنِّي زوال النعمة عن المُنْعَمِ عليه(٢). وهو ليس مرادًا هنا لكونه من الكبائر، فالمراد الغبطة: وهي أن يتمنَّى أن يكون له مثل ما لغيره من غير أن يزول عنه(٣). والحرص على هذا يُسمَّى منافسة، فإن كان في الطاعة فهو محمود، وإن كان في المعصية فهو (١) أخرجه البخاري رقم (٧٣) كتاب العلم، باب الاعتباط في العلم والحكمة، ورقم (١٤٠٩) كتاب الزكاة. باب إنفاق المال في حقه، ومسلم رقم (٨١٦) كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه. ورقم (٨١٥) من حديث عبدالله بن عمر بنحوه. (٢) فتح الباري (١٦٦/١). (٣) فتح الباري (١/ ١٦٧). ٢٢ = أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين مذموم، وإن كان في الجائزات فهو مباح، فكأنه قال في الحديث: لا غبطة أعظمُ أو أفضلُ من الغِبطةِ في هذين الأمرين، ووجه الحصر أن الطاعات إما بدنية أو مالية أوكائنة عنهما، فأشار إلى البدنية بإتيان الحكمة والقضاء بها وتعليمها(١). هلكته: بفتح اللام والكاف أي إهلاكه(٢) أي فناءه في الحق، وفي رواية لغير البخاري ((في الخير)) والمعنى واحد. آتاه اللهُ حِكْمَةً: بالمد أي: أعطاه الله. والمراد بالحِكْمة: القرآن. وقيل المراد بها كل ما مَنع من الجهل وزجر عن القبيح(٣). معنى الحديث: الحسد نوعان: نوع محرم مذموم على كل حال، وهو: أن يتمنَّى زوال نعمة الله عن العبد - دينية أو دنيوية - وهذا النوع هو الذي يأكل الحسنات، كما تأكل النار الحطب. والنوع الثاني: أن لا يتمنَّى زوال نعمة الله عن الغير، ولكن يتمنّى حصول مثلها له أو فوقها أو دونها، فإن قارن (١) مختصر فتح الباري (١/ ١٦٧). (٢) فتح الباري (١٦٧/١). (٣) فتح الباري (١/ ١٦٧). = ٢٣ أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين ذلك سعيٌ وعملٌ لتحصيله فهو محمود ومشروع. وأعظم من يُغبط: من كان عنده مال قد حصل له من حِلِّه، ثم سُلِّط وَوُفِّق على إنفاقه في الحقِّ، في الحقوق الواجبة والمستحبة؛ فإن هذا من أعظم البرهان على الإيمان ومن أعظم أنواع الإحسان. ومن كان عنده علم وحكمة علَّمه الله إياها: فَوُقِّق لبذلها في التعليم والحكم بين الناس، فهذان النوعان من الإحسان لا يعادلهما شيء. الأول: ينفع الناس بماله، فيدفع حاجتهم، ويسدّ خلتهم، وينفق في المشاريع الخيرية، فيعمّ نفعها ويعظم أجرها. والثاني: ينفع الناس بعلمه، فينتشر بينهم الدين والعلم، الذي يهتدي به العباد في جميع أمورهم من عبادات ومعاملات وغيرها(١). ما يرشد إليه الحديث: ١ - ذم الحسد وسوء عاقبته. ٢ - سعة اللغة العربية ودقة معانيها وبُعد مراميها، حيث أثبتت (١) بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار في شرح جوامع الأخبار لابن سعدي - رحمه الله - (ص٢٣٣، ٢٣٤). ٢٤ = أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين هذه الجملة معنى ونفت ما سواه بلفظ واحد، فأصبح المنفي من أوضح الواضحات، والمثبت من أظهر البينات. ٣ - في هذا الحديث حجة على جواز إنفاق جميع المال وبذله في الصحة والخروج عنه بالكلية في وجوه أكبر ما لم يؤدِّ إلى حرمان الوارث ونحو ذلك مما منع منه الشرع (١). (١) فتح الباري (٢٧٧/٣). ٢٥ أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين الحديث الخامس التحذير من طول الأمل عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((قَلْبُ الشَّيْخِ شَابٌّ على حُبِّ اثْنَتَيْنِ: حُبِّ العَيْشِ والمَالِ))(١) . وفي رواية له: ((يَهْرَمُ ابنُ آدَمَ وتَشِبُّ منه اثنتان: الحرصُ على المالِ، والحرصُ على العُمُرِ))(٢). معنى الحديث: أنَّ قلبَ الشيخ كامل الحب للمال، محتكم في ذلك: كاحتكام قوة الشاب في شبابه. وحِكْمَةُ تخصيص هذين أن أحبَّ الأشياء إلى ابن آدم نفسه، فهو راغب في بقائها؛ فأحب لذلك طول العمر، وأحب المالَ، لأنه أعظم في دوام الصحة، التي ينشأ عنها غالبًا طولُ العُمُر؛ فلما أحسَّ بقرب نفاد ذلك (١) أخرجه مسلم (ج٧٢٤/٢) رقم (١٠٤٦)، كتاب الزكاة، باب كراهة الحرص على الدنيا. (٢) المرجع السابق رقم (١٠٤٧). أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين اشتد حبُّه له ورغبته في دوامه(١). ٢٦ = ما يرشد إليه الحديث: ١ - التحذير من طول الأمل والافتتان بالدنيا. ٢ - الغرائز الفطرية مادامت في حدود ما شرع الله، فإنها لا تخرج عن نطاق المباح. (١) شرح صحيح مسلم للنووي (ج٧/ ١٤٤ ب٣٨ ك١٢)، فيض القدير للمناوي (چ٤/ ٥٢٤، ٥٢٥). = ٢٧ أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين الحديث السادس من أشراط السَّاعة عن أبي هريرةَ - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((صِنْفَانٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا. قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ البَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ. وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلاَتٌ مَائِلاَتٌ. رُؤُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ البُخْتِ المَائِلَةِ لاَ يَدْخُلْنَ الجَنَّةَ ولاَ يَجِدْنَ رِيحَهَا. وإنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةٍ كَذَا وَكَذَا))(١) . لغة الحديث: صنفان من أهل النار: أي ممن يعذبون في النار، يمكثون فيها أمدًا طويلاً أو يخلدون لأعمالٍ أخرى اقتضت تخليدهم؛ لم أرهما: أي لم يوجدا في عهده صلى الله عليه وسلم(٢). سياط: جمع سوط، وهو ما يضرب به من عصا ونحوها. كأذناب البقر: تشبه أذناب البقر، يضربون بها (١) أخرجه مسلم (٢١٢٨) كتاب اللباس، باب النهي عن الزور. (٢) المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم (٤٤٩/٥). ٢٨ = أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين الناس: أي ظلمًا وعدوانًا لا حدًّا أو قصاصًا(١). كاسيات: أي من نعمة الله، عاريات: من شكرها، أو أن يلبسن الضيق من الثياب، الذي يصف حجم العورة، ومثله الصفيق اللين الذي يحجم العورة أثناء السير أو عند هبوب الريح. أو المزركش البرَّاق، الذي يلفت النظر، ويجلب الانتباه، ويجعل المارق من الرجال يتخيَّلون المرأة مجردة من كل ساتر(٢). مائلات: قيل عن طاعة الله، وما يلزم حفظه(٣). مميلات: أي يُعلمن غَيرُهُن فِعْلهُن المذموم. وقيل: ((مائلات)) يمشين متبخترات ((مميلات)) لأكتافهن(٤). البُخْت: وهي ضربٌ من الإبل: عظام الأجسام، عظام الأسنمة(٥). والمعنى: أي يُكَبِّرنها ويُعَظُّمنها بلف عمامة أو عصابة أو نحوها. لا يدخلن الجنة: أي مع الفائزين إن اعتقدت حرمة ذلك(٦). لا يجدن ريحها: لا يشممن ريحها مع أن ريحها يوجد من مسافة بعيدة. كذا وكذا: كناية عن مسافة معينة. (١) المرجع السابق. (٢) شرح صحيح مسلم (١٩٦/١٧). (٣) شرح صحيح مسلم (١٧ / ١٩٧). (٤) شرح صحيح مسلم (١٧ / ١٩٧). (٥) المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم (٤٥٠/٥). (٦) شرح صحيح مسلم (١٩٨/١٧). ٢٩ أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين معنى الحديث: هذا الحديث من معجزات النبوة، وقد وقع ما أخبر به صلى الله عليه وسلم وَوُجِدَ الصنفان، فإنه قد خلف بعد الصدر الأول قوم يلازمون السياط، التي لا يجوز الضرب بها إلا في الحدود الشرعية؛ لتعذيب الناس، ويتعدّون المشروع في الصفة والمقدار، وربما أفضى بهم الهوى وما جُبلَوا عليه من الظلم إلى إهلاك المضروب أو تعظيم عذابه. وأما الصنف الثاني: هم النساء الكاسيات العاريات. فهذا الصنف من النساء قد انطلقن وراء سراب خادع، وجرين خلف زيف، جرَّ عليهن كثيرًا من الويلات، وأذاقهن صنوف الذلِّ والهوان(١). ما يرشد إليه الحديث: ١ - تحريم ضرب الناس وإيذائهم دون ذنب اقترفوه، وأن أولئك الذين يأخذون الناس بالتهم ويجلدونهم ويذيقونهم ألوان التعذيب ظلمًا وعدوانًا، هم قوم ظلمة فجرة، يستحقون هذا الوعيد الشديد والعذاب الأليم. ٢ - التحذير والتنفير من التهتُّك والخروج عن الحشمة وسلخ الحجاب، الذي أَمَرَ الله تعالى به المرأة المسلمة، وجَعَلَهُ (١) فضل الله الصمد في توضيح الأدب المفرد (٢/ ٥٤) باب الحياء (٢٧١) شرح حديث رقم (٥٩٧). = ٣٠ أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين عنوان شرفها ورمز كرامتها وسياج حفظها وصيانتها . ٣ - حثُّ المرأة المسلمة على التزام أمر الله - عز وجل - والبُعد عن كل ما يسخطه، ويجعلها تستحق العذاب الأليم يوم القيامة. ٤ - إنذار ووعيد للأمة التي وقعت فيما أخبر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم من عُرْيٍ وكشف في نسائها ومياعة وتخلُّث في رجالها، وكلُّ ذلك يجعلها على شفا جُرف، يوشك أن يوقعها فيما وقع فيه غيرها من انتشار الفساد وكثرة الفواحش. = ٣١ أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين الحديث السابع عاقبة الخُلق الحسن وعاقبة الخلق السيء عن أبي بكّرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ، وَالإِيمَانُ في الجَنَّةِ. وَالبَذَاءُ مِنَ الجَفَاءِ، وَالجَفَاءُ فِي النَّارِ))(١) . لغة الحديث: الحياء: ((هو تغيُّر وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يُلام به مما كان قبيحًا حقيقة. قال بعضهم: هو أن يحسن ارتداع النفس عن الأمور التي يصبح تعاطيها والإقدام عليها لملاحظتها من ذلك قبح الأحدوثة)) (٢). الجفاء: ((غلظة في النفس، وقساوة في القلب، وكثافة في الطبع))(٣). (١) أخرجه ابن ماجه (٤٢٣٧) كتاب أبواب الزهد، باب الحياء، والبخاري في الأدب المفرد (١٣١٤) باب الجفاء. (٢) ينظر: فضل الله الصمد في توضيح الأدب المفرد (٢/ ٥٤) باب الحياء (٢٧١) شرح حديث رقم (٥٩٧). (٣) فضل الله الصمد (٦٩٣/٢). ٣٢ أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين البذاء: ((ضد الحياء، وهو الناشىء منه الفحش في القول، والسوء في الخلق. وطول اللسان برمي الفواحش والبهتان، والبذاء المذموم هو البذاء على من لا يستحقه، وأما البذاء على المستحق فمأمور به))(١). معنى الحديث: الحياء أمارة صادقة على طبيعة الإنسان؛ فهو يكشف عن قيمة إيمانه ومقدار أدبه، وهو مِلاك الخير وعنصر النبل، وهو السبب الأقوى لجميع شُعب الإيمان، فإن من استحيا من الله لتواتر نعمه وسوابغ كرمه، أوجب له هذا الحياء التوقي من الجرائم والقيام بالواجبات والمستحبات. والحياء مع الناس أن يعرف لأصحاب الحقوق حقوقهم ومنازلهم، وأن يؤتي كل ذي فضل فضله. والحياء من الإيمان وإن كان غريزة، لأن البعض قد يذهل عن كونه من الإيمان، وقد يكون تخلُّقًا واكتسابًا كسائر أعمال البر. والحياء المكتسب هو الذي جعله الشارع من الإيمان، وهو المكلّف به دون الغريزي: نعم من كان غريزة فيه فإنه يعينه على الحياء المكتسب، فهو دليل إلى الدين الصحيح، وعنوان الخير في العاجل والآجل. (١) شرح صحيح مسلم (١٨/ ١٩١). = ٣٣ أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين ومعنى الإيمان في الجنة: أي أهله في الجنة. ومعنى الجفاء في النار: ((أي أهله التاركون للوفاء والثابتون على غلاظة الطبع وقساوة القلب، نعوذ بالله من البذاء والجفاء ومن عمل أهل النار))(١). ما يرشد إليه الحديث: ١ - يجب على المسلم أن يُطهّر فمه من الفُحش، وينزِّه لسانه عن العيب، فإن من سوء الأدب أن تفلت من الإنسان الألفاظ البذيئة غير عابىء بمواقعها وآثارها. ٢ - الجزاء مرتّب على العمل، فالخير وإن قلَّ فجزاؤه خير، والشرّ وإن قل فجزاؤه شرٍّ، فالأسباب مربوطة بأسبابها، والآثار مبنية على مؤثراتها، ولكلٍّ عنوانه. ٣ - الحياء لا يكون إلاَّ في الحدود المشروعة، فلا يكون تجاه الباطل، ولا موضع له مع الناس إذا ضلوا، ولا يكون الحياء مانعًا من نصرة الحق وتقريع المبطلين وفضح المنكر . (١) فضل الله الصمد في توضيح الأدب المفرد (٦٩٤/٢). = ٣٥ أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين الحديث الثامن أفضل الأعمال عن عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أَفْضَلُ الأَعْمَالِ ((أَوِ الْعَمَلِ)): الصَّلاَةُ لِوَقْتِهَا، وَبِرُّ الوَالدَيْنِ)»(١) . لغة الحديث: الصلاة لوقتها: أي أداؤها في أول الوقت، لكونه احتياطًا لها ومبادرة إلى تحصيلها في وقتها، فاللام بمعنى ((في)) أو للاستقبال(٢). بر الوالدين: هو الإحسان إليهما، وفعل الجميل معهما، وإتيان ما يسرهما(٣). معنى الحديث: أخبر صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أن أفضل (١) أخرجه مسلم رقم (٨٣) كتاب الإيمان، باب كون الإيمان بالله أفضل الأعمال . (٢) شرح صحيح مسلم (ج٤٣٦/٢) ك الإيمان (١) باب (٣٦) ح (١٣٧، ١٣٨)، وفيض القدير (ج ٢٤/٢). (٣) صحيح مسلم (ج٨٩/١). ٣٦ = أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين حقوق الله تعالى: أي من أكثرها ثوابًا بعد الإيمان: الصلاة لوقتها، وأفضل حقوق العباد بعضهم على بعض: بِر الوالدين؛ فهما أحقُّ بالبرِّ من جميع الأقارب؛ فالصلاة عماد الدين، وهي من أعظم الوصل بين العبد وربه، من حَافَظَ على وضوئها وركوعها وسجودها ومواقيتها: استنار قلبه، وأرضى ربه، واستفتح أبواب الخير. ولا غرو فهي آكد الفروض بعد الشهادتين، وأفضلها، وأحد أركان الإسلام الخمسة، وأول ما و يُحاسب عليه العبد يوم القيامة، فإن صلحت فقد أفلح ونجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر، وهي آخر ما يُفقد من الدين، فإن ضاعت ضاع الدين كله، كما أنها العبادة الوحيدة التي لا تنفك عن المكلف، وتبقى ملازمة له طول حياته، لا تسقط عنه بحال، وقد ورد في فضلها، والحثّ على إقامتها، والمحافظة عليها، ومراعاة حدودها: آيات وأحاديث وآثار كثيرة مشهورة، يضيق المقام عن حصرها. وبر الوالدين هو القيام بحقوقهما، والتزام طاعتهما، والرفق بهما، والتذلَّل لهما، ومراعاة الأدب معهما في حياتهما، والترخُّم عليهما، والاستغفار لهما بعد موتهما(١). وقد عنى الإسلام بالوالدين عناية بالغة، وجعل طاعتهما والبر (١) المفهم (٢٧٩/١). == ٣٧ أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين بهما من أفضل القُربات، ونهى عن عقوقهما، وشدَّد في ذلك غاية التشديد، كما قرن شكرهما بشكره في قوله سبحانه: ﴿ أَنِ اشْكُرْ لِ وَلَوَلِدَيْكَ إِلَىَّ الْمَصِيرُ﴾(١)، فالشكر لله على نعمة الإيمان، وللوالدين على نعمة التربية. قال سفيان بن عيينة: ((من صلَّى الصلوات الخمس فقد شكر الله تعالى، ومن دعا لوالديه في أدبار الصلوات فقد شكرهما». ما يرشد إليه الحديث: ١ - الحثُّ على الصلاة، والمحافظة على أدائها في وقتها. ٢ - عظم حق الوالدين. ٣ - توجيه النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى أهم الأعمال وأجل القربات، فإنه إذا نبّه على الأهمِّ، فما دونه تبع له. رفع استشكال، وإزالة تعارض: قد يُستشكل الجمع بين هذا الحديث مع ما جاء في معناه، من حيث إنه جعل في بعض الأحاديث أن أفضل الأعمال: الإيمان بالله، ثم الجهاد، ثم الحج. وفي بعضها جعل الإيمان، ثم الجهاد، ثم بر الوالدين. وفي بعضها قال (١) سورة لقمان، الآية: ١٤. ٣٨ = أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين عندما سُئِل: أي الإسلام خير؟ قال: ((تُطعم الطعام، وتَقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف)). ويمكن الجمع بينهما: أ - بأن ذلك اختلاف جواب، جرى على حسب اختلاف الأحوال والأشخاص، فأعلم كل قوم بما بهم حاجتهم له، أو بما لم يكملوه بعدُ من دعائم الإسلام. ب - يجوز أن يكون المراد من أفضل الأعمال كذا، أو من خيرها كذا، أو من خيركم من فعل كذا ... إلخ، فحُذفت مِنْ، وهي مرادة. = ٣٩ أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين الحديث التاسع التحذير من الأذى عن أسود بن أصرم المحاربي - رضي الله عنه - قال: قُلْتُ: أَوْصِنِي يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: ((أَتَمْلِكُ يَدَكَ))؟ قَالَ: قُلْتُ: فَمَا أَمْلِكُ إِذَا لَمْ أَمْلِكْ يَدِي. قال: ((أَتَمْلِكُ لِسَانَكَ))؟ قَالَ: فَمَا أَمْلِكُ إِذَا لَمْ أَمْلِكْ لِسانِي. قَالَ: ((فَلاَ تَبْسُطْ يَدَكَ إِلاَّ إِلَى خَيْرِ، وَلاَ تَقُلْ بِلِسَانِكَ إِلاَّ مَعْرُوفًا))(١). معنى الحديث: أحصى الإسلام الفضائل كلها وحثَّ أتباعه على التمسك بها واحدة واحدة، ولو جمعنا أقوال صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم في التحلّي بالأخلاق الفاضلة والخصال الزَّكِيَّة لخرجنا بسِفْر لا يُعرف مثله لعظيم من أئمة الإصلاح (٢). ومن وصاياه الكريمة التي تشرق بالفضائل والآداب هذه الوصيّة التي ذكر حدودها بكلام جامع شامل: ((لا تبسط يدك (١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٢٧٣/٨) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٠٠): إسناده حسن. (٢) خلق المسلم للغزالي ص (١٢) ط التاسعة، مطابع قطر الوطنية. = ٤٠ أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين إلا إلى خير))، أي: لا تقصد إلاَّ خيرًا. ((ولا تقل بلسانك إلا معروفًا))، أي: إلاَّ قولاً معروفًا غير فاحش ولا مبتذل. وعلَّة تخصيص اليد واللسان بالذَّكْر دون بقية الجوارح؛ لأن أكثر الأفعال باليد. واللسان هو المعبر عمَّا في النفس، فمن ملك يده: منعها من تعاطي ما لا يجوز تعاطيه شرعًا، ولم يتناول بها مأكولاً أو مشروبًا حرامًا. ومن ملك لسانه: سيطر على زمامه بقوةٍ، فكبحه، حيث يجب الصمت، وضبطه حين يريد المقال، وبذا يسلم المسلمون من شرِّه القولي ((بلسانه)) وشرِّه الفعلي (بيده))، وبقدر تنزّه المسلم عما يؤذي المسلمين بقول أو فعل بمباشرة أو سبب تكون درجته عند الله. ما يرشد إليه الحديث: ١ - حرص النبي صلى الله عليه وسلم على تعليم أصحابه، وحرصهم كذلك على تعلّم أمور دينهم. ٢ - الكفُّ عمَّا يؤذي المسلمين بقول أو فعل أو مباشرة أو سبب . ٣ - تيسر سُبُل الخير وكثرة طرقها، وأقل ذلك أن يَكُفَّ المسلم شرَّه عن غيره.