Indexed OCR Text

Pages 21-40

تعريف موجز بمغازي موسى بن عقبة
ألّف موسى بن عقبة كتاباً في المغازي، أثنى عليه الأئمة
الأعلام، مثل: مالك بن أنس، وأحمد بن حنبل(١)، ولا
نعرف شيئاً عن كتابه ((المغازي)) في الوقت الحاضر، ويمكن
تحديد وقت ضياعه، فكان هذا الكتاب موجوداً في القرن
السادس، فهو من مرويات ابن خير الإشبيلي عن شيوخه (٢)،
وهو متوفى سنة (٥٧٥ هـ - ١١٧٩ م). وكان موجوداً أيضاً
في القرن السابع، فهو من مرويات الشيخ الصالح المسند
أبي محمد إسماعيل بن علي بن إسماعيل بن باتكين
الجَوْهري البغدادي (٣) (متوفى سنة ٦٣١ هـ). ووقع أيضاً
للإمام الذهبي، وهو من وفيات القرن الثامن، إذ توفي سنة
(٧٤٨ هـ - ١٣٧٤ م)، فقال: ((وأما مغازي موسى بن
عقبة ... سمعناها))(٤) وقال: ((وقد لخصت أنا الترجمة
(١) وقد تقدمت أقوالهما في ترجمة موسى بن عقبة، تحت عنوان
«مدحه وثناء العلماء عليه وتوثيقه)).
(٢) راجع ((فهرسة ما رواه عن شيوخه)) (٢٣٠ - ٢٣١).
(٣) راجع ((سير أعلام النبلاء)) (٣٥٧/٢٢).
(٤) راجع ((سير أعلام النبلاء)) (١١٦/٦).
٢١

النبوية، والمغازي المدنية، في أوّل تاريخي الكبير، وهو
كامل في معناه إن شاء الله))(١)، وهذا يدل على أنه كان
موجوداً في القرن الثامن(٢)، وربما كان موجوداً بعد ذلك، وما
ندري فإن الأيام الحبلى، تلد العجائب، ولعله يكون موجوداً
في بعض الخزانات الطافحة بالنسخ الخطية، المبثوثة في
أرجاء الأرض، التي لم تفهرس بعد، والله أعلم.
ومع ذلك؛ فإن قسماً كبيراً منه حُفِظ لنا في بطون
الكتب ، مثل: ((تاريخ الطبري)) (٣) و((طبقات ابن سعد))،
وقد أكثر من الاعتماد عليه (٤)، و((الدر في المغازي
والسير))(٥) لابن عبدالبر، واعتمد عليه كثيراً، وهو من
مروياته(٦). واعتمد عليه كثيراً أيضاً: ابن سيد الناس في
(١) سير أعلام النبلاء (١١٦/٦).
(٢) ويدل على ذلك أيضاً أحاديث هذا المنتخب، فقد حدث به
منتخبُه يوسف بن محمد بن عمر بن قاضي شهبة سنة اثنتين
وثمانین وسبع مائة، کما في ديباجته.
(٣) انظر: ((تاريخ الرسل والملوك)) (٢٣١/١ و٣٢٧/٣، ٣٤١
و ٢١٣/٤، ٣٦٦، ٣٧٧، ٤٣٢، ٤٥٣، ٤٧٦ و٤٧٦/٥
و٤٦٤/٦ ط. محمد أبو الفضل إبراهيم).
(٤) استندت في إبداء هذه الملحوظة، ومدى اعتماد ابن سعد على
((مغازي موسى بن عقبة)) على جرد لموارد ابن سعد، قام
به صديقنا زيد أبو الحاج.
(٥) انظر مثلاً (٥٦، ٥٩، ٢٠٩، ٢١٤).
(٦) ورواه من طريقه ابن خير في ((فهرسته)) (٢٣٠ - ٢٣١).
٢٢

كتابه ((عيون الأثر)) وكذلك ابن كثير في ((البداية والنهاية))
والبلاذري في ((أنساب الأشراف))، وابن القيم في ((زاد
المعاد))(١)، ونقل منه في مواطن كثيرة ابن حجر العسقلاني
في ((فتح الباري))(٢)، ونقل عنه الواقدي في ((مغازيه)) رواية
واحدة(٣)، ونقل عنه اليعقوبي من طريق الواقدي(٤)، ونقل
منه الذهبي في ((تاريخه)) الكبير(٥)، وفي ((سير أعلام
النبلاء))(٦).
فوردت في هذه الكتب وغيرها مقتطفات ليست قليلة من
(١) انظر - على سبيل المثال -: (٤١/٣، ٢٤٦، ٢٦٥، ٢٦٦،
٢٦٩، ٢٨٢، ٢٨٣، ٢٨٤، ٢٨٦، ٣١٦، ٣٢١، ٣٢٣، ٣٣٤،
٣٣٧، ٣٥٤، ٣٧٠، ٣٨٤، ٥٣٩، ٥٧٧، ٥٩٥، ٥٩٩
و ١١٢/٤ و١٩٤/٥).
(٢) انظر - على سبيل المثال -: (٣٤٠/١، ٣٤١ و١٦٥/٢، ١٦٨
و٤٤٢/٣ و٢٣٠/٥، ٣٣٩ و٢٤١/٦، ٢٦٢، ٣١٥ و٣٢/٧،
١٩٢، ٢٩٤، ٣٣٢، ٣٤٣، ٣٩٣، ٣٩٤، ٤٣٠، ٤٦٤،
٤٩٩، ٥٠١، ٥١٣ و٨/٨، ٩، ١٢، ٣٣، ٥١، ١٣١، ٤٣٩
و ١٦/٩ و٢٤٧/١٠).
(٣) انظر: ((مغازي الواقدي)) (١١٠/١).
(٤) انظر: ((تاريخ اليعقوبي)) (٣/٢).
(٥) انظر منه قسم ((السيرة النبوية))، نشر حسام الدين القدسي
(ص ٦، ٣٤ - ٣٥، ٤٤، ٧٣، ١١٢، ١١٤، ١٤٠، ١٤٢،
١٥٣، ١٨٥، ١٩٦، ٢١٣، ٢٣٣ - ٢٣٤، ٣٨٨).
(٦) انظر - على سبيل المثال -: (٨/١، ٤٧) و(٥٦٥/٢).
٢٣

(«مغازي موسى بن عقبة))(١)، وهناك مخطوط فيه أحاديث
انتخبها يوسف بن محمد بن عمر بن قاضي شهبة (٢) من
مغازي موسى بن عقبة، لم يزل محفوظاً لنا وهذا تعريف
موجز به .
-
(١) نقل البيهقي كثيراً جداً من («مغازي ابن عقبة))، واعتمد عليه كثيراً
ابن أبي خيثمة في ((التاريخ الكبير)» له في مادة السيرة، كما ذكر
الدكتور أكرم ضياء العمري في ((بحوث في تاريخ السنة)): (١١٩).
وقد قام صديقنا وليد قيسيّة بجمع مرويات موسى بن عقبة من
بطون الكتب، لنيل درجة الماجستير من قسم التاريخ في الجامعة
الأردنية، كما أخبرني هو بذلك.
(٢) كما توجد قطعة منه ضمن ((الأمالي)) لابن صاعد، مخطوط في
المكتبة الظاهرية. راجع ((دراسات في الحديث النبوي))
(٢١٣/١).
٢٤

تعريف موجز
بـ ((أحاديث منتخبة من مغازي
موسى بن عقبة))
قام بانتخاب هذه الأحاديث من («مغازي موسى بن عقبة))
يوسف بن محمد بن عمر بن قاضي شهبة (المتوفى سنة
٧٨٩ هـ - ١٣٨٧ م)، وعدد الأحاديث التي انتخبها عشرون
حديثاً من مختلف أجزاء ((المغازي)) - إلا الحديث الأخير فهو
ليس من حديث موسى، وإنما هو من حديث سيف بن
عمر-، عدا الجزء السادس فلم ينتخب منه شيئاً، وقد
انتخب حديثاً واحداً من الأجزاء التالية: الأول والثالث والرابع
والسابع، وحديثين من الأجزاء: الثامن والتاسع، وثلاثة
أحاديث من الجزء الثاني، وأربعة أحاديث من الجزء الخامس
والعاشر.
ولا ندري حجم المادة المنتخبة من الكتاب الأصلي،
بسبب عدم العثور عليه، إلا أن النقولات التي في بطون
الكتب تدلل على أن المادة المتبقية ليست بالقليلة، هذا مع
أن الذهبي قد وصف كتاب ((المغازي)) بقوله: ((وأما مغازي
موسى بن عقبة فهي في مجلد ليس بالكبير))(١)، وكذا في
(١) سير أعلام النبلاء (١١٦/٦).
٢٥

مقولة الإمام مالك فيه : ((ولم يُكثّر كما كثّر غيرُه))(١) إشارة
إلى أنّ حجم الكتاب ليس بكبير، وقد رواهُ عن موسى
جماعة من تلامذته أشهرهم: ابن أخيه إسماعيل بن إبراهيم،
ومحمد بن فليح .
مقارنة موجزة بين ((مغازي موسى بن عقبة)) و ((سيرة
ابن إسحاق)) و((دلائل النبوة)) للبيهقي:
في مقولة الإمام مالك السابقة تعريض بابن إسحاق، ولا
ريب أنه كثّر وطوّل، بأنساب مستوفاةٍ اختصارُها أملحُ،
وبأشعارٍ غير طائلة حذُّفُها أَرجحُ، وبآثار لم تُصَحَّح، مع أنه
فاته شيء كثير من الصحيح لم يكن عنده، فكتابه محتاجٌ إلى
تنقيحٍ ، وتصحيح، ورواية ما فاته.
وأما مغازي موسى فهي مختصرة كما قدمنا، وغالبها
صحيح، ومرسل جيد، لكنها تحتاج إلى زيادة بيان وتتمةٍ،
وقد أحسن في عمل ذلك الحافظ أبو بكر البيهقي في تأليفه
المسمى بكتاب «دلائل النبوّة))(٢).
(١) سير أعلام النبلاء (١١٥/٦).
(٢) المرجع نفسه (١١٥/٦ - ١١٦).
٢٦

سبب تأليف موسى بن عقبة لمغازيه :
ذكر إبراهيم بن المنذر الحزامي أن سفيان بن عُيَينة
حدّثه، قال:
كان بالمدينة شيخ يُقال له: شرحبيل أبو سعد، وكان من
أعلم الناس بالمغازي، قال: فاتّهموه أن يكون يجعل لمن لا
سابقة له سابقةً، وكان قد احتاج، فأسقطوا «مغازيه)) وعلمه،
قال إبراهيم :
فذكرتُ هذا لمحمد بن طلحة بن الطّويل، ولم يكن
أحد أعلم بالمغازي منه، فقال لي: كان شُرحبيل أبو سعد
عالماً بالمغازي، فاتّهموه أن يكون يُدخل فيهم من لم يشهد
بدراً، ومن قُتِل يومَ أُحد، والهجرة ومن لم يكن منهم. وكان
قد احتاج، فسقط عند الناس، فسمع بذلك موسى بن عقبة،
فقال :
وإن الناس قد اجترؤوا على هذا؟! فدبَّ على كبر
السِّنّ، وقَّد من شهد بدراً، وأُحداً، ومن هاجر إلى الحبشة
والمدينة، وكتب ذلك(١).
(١) سير أعلام النبلاء (١١٦/٦).
٢٧

موارده في المغازي:
من ملاحظة أسانيد الروايات التي نقلتها كتب السِّيَّرِ
والتواريخ عن موسى بن عقبة، نتبيّن أنه اعتمد على
محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، فنقل عنه كثيراً في
المغازي، وكان الزهري قد ألّف في المغازي(١)، ولكثرة
اعتماده على الزهري، قال يحيى بن معين: ((كتاب موسى
عن الزهري أصح هذه الكتب))(٢)، والحقّ أنّ المؤلّفين في
٤
المغازي بعد الزهري اعتمدوا عليه كثيراً، فروايات الزهري
تكوّن أيضاً المادة الأساسية في ((سيرة ابن إسحاق))؛ لكنه
ليس معناه أنه لم يكن إلا مجرد راوٍ لكتاب الزهري، بل
أضاف إليه إضافات كثيرة من موارد أخرى(٣).
وقد بلغ عدد أسانيد موسى عن الزهري(٤) في هذا
المنتخب أحد عشر من أصل تسعة عشر إسناداً، ويلي
ء
الزهري في هذا المنتخب: نافع(٥)، فورد ذكره ثلاث مرات -
وکان موسی - رحمه الله تعالی ۔ حريصاً على روايات نافع،
(١) راجع ((كشف الظنون)) (١٧٤٧/٢).
(٢) السير (١١٧/٦) والتهذيب (٣٦٢/١٠).
(٣) راجع ((دراسات في الحديث النبوي)) (٢١٤/١).
(٤) انظر: الأرقام (١، ٢، ٣، ٤، ٦، ٧، ١٢، ١٥، ١٦، ١٧،
١٨).
(٥) انظر الأرقام (٥، ١٣، ١٤).
٢٨

قال محمد بن عبدالله الإسحاقي: ((رأيتَ موسى بن عقبة في
مسجد رسول الله ﴿ دخل الروضة، حتى جلس إلى
عبيدالله بن عمر، فتبعته، حتى جلستُ معه، فقال له
عبيدالله بن عمر: يغفر الله لك لم تعنيت إليّ؟! لو أرسلت
إليّ لجٹُك في منزلك. قال: إنه بلغني أنك تحدث عن نافع
أحاديث لم أكن سمعتها منه، أحببت أن أعرضها عليك.
قال: فأخرج صحيفة من كمه فيها أحاديث النافع، فقرأها
على عبيدالله بن عمر))(١) -، وسالم(٢) وعبدالله بن الفضل(٣)
وورد ذكرهما مرتين، وسعد بن إبراهيم(٤) مرة واحدة.
والحقّ أن اعتماد موسى من حيث الكثرة كان بعد
الزهري على أبي حبيبة(٥) جده لأمه ، ثم يليه سالم بن
عبد الله(٦). ومن الشيوخ الذين نقل عنهم موسى في المغازي،
ولم تذكر لهم المقتطفات سوى روايات قليلة: علقمة بن
(١) الكفاية في علم الرواية (٢٦٧).
(٢) انظر: رَقَّمَيْ (٨، ٩).
(٣) انظر: رَقَمَيْ (١٠، ١١).
(٤) انظر: رقم (١٩).
(٥) انظر: ((تاريخ الرسل والملوك)) (٢٩٨١/١٠، ٢٩٩٨، ٣٠٧٢)
و((البداية والنهاية)) (١٧٥/٧، ٢٠٩).
(٦) انظر - على سبيل المثال -: ((أنساب الأشراف)) (٢٦٩/١)
و((البداية والنهاية)) (١٩/١، ٣٧ ٢٤٠/٢٠ و٢٢٣/٣ و١١٦/٤
و ١١٩/٥).
٢٩

وقاص(١)، وسعيد بن المسيِّب(٢)، وعبدالواحد بن عباد(٣)،
وكريب مولى ابن عباس(٤)، وأبو سلمة (٥)، وإسماعيل بن أبي
خالد(٦)، وعبدالله بن دينار(٧)، والمغيرة بن الأخنس(٨)،
والضحاك بن خليفة(٩)، وحميد(١٠)، وأبو الزبير(١١)،
وعطاء بن أبي مروان (١٢)، وصفوان(١٣).
وإضافة إلى هؤلاء الشيوخ الذين نقل عنهم موسى في
(«مغازيه))، فقد اعتمد على بعض الوثائق المكتوبة، مثل:
مدونة ابن عباس، ونص رسالة النبي ◌َّل إلى المنذر بن
ساوي (١٤).
(١) انظر: ((تاريخ الرسل والملوك)) (١٠٣/١).
(٢) انظر: ((البداية والنهاية)) (٢٠/٤).
(٣) انظر: ((أنساب الأشراف)) (٢٢٤/١).
(٤) انظر: ((البداية والنهاية)) (٦١/٢ و١١١/٥).
(٥) انظر: ((البداية والنهاية)) (٢٠١/٧).
(٦) انظر: ((البداية والنهاية)) (٧٦/٨).
(٧) انظر: ((تاريخ الرسل والملوك)) (٢٥٠/١).
(٨) انظر: ((تاريخ الرسل والملوك)) (١٥١/١).
(٩) انظر: ((تاريخ الرسل والملوك)) (٢١٤/١).
(١٠) انظر: ((عيون الأثر)) (٧٩/١).
(١١) انظر: ((البداية والنهاية)) (٢٩٥/٤).
(١٢) انظر: ((تاريخ الرسل والملوك)) (٢٣٤٧/٣).
(١٣) انظر: ((البداية والنهاية)) (١٢/١).
(١٤) انظر: ((المغازي الأولى ومؤلّفوه)) (٧٣).
٣٠

أسلوب موسى في كتابه ((المغازي»:
يراعي موسى بن عقبة في مغازيه عنصر الزّمن، فهو
يرتّب محتويات كتابه على أساسٍ زمني، مما يؤكد أنه كان
یکتب سيرة، ولیس کتاب حدیث، كذلك فهو يورد تواريخ
١
الحوادث المهمة، مثل: بدر، وأحد، وغزوة المريسيع،
وفتح خيبر، والحديبية، وعمرة القضاء، ومؤتة، وحصار
الطائف، وحجة الوداع.
وقد اهتم موسى بذكر أسانيد رواياته، وكان المحدّثون
في جيله، يولون الإسناد اهتماماً كبيراً ويظهر تأكيده على
الإسناد بصورة خاصة في المقتطفات التي أوردها عنه
البلاذري والطبري وابن كثير.
ويستشهد موسى في ((مغازيه)) بآيات القرآن الكريم، كما
فعل عند ذكره سرية عبد الله بن جحش(١)، ومقتل كعب بن
الأشرف (٢)، ووصف حالة المدنية في أعقاب أحد (٣)،
وخروج النبي ◌ّ إلى حمراء الأسد(٤).
(١) انظر: ((عيون الأثر)) (٢٢٧/١ - ٢٣٠).
(٢) انظر: ((البداية والنهاية)) (٦/٤).
(٣) انظر: ((البداية والنهاية)) (٤٨/٤).
(٤) انظر: ((البداية والنهاية)) (٤٨/٤ - ٤٩).
٣١

وكذلك يستشهد بالشعر أحياناً، كذكره شعر أبي جندل
في قصة أبي بصير(١)، وأرجوزة عبد الله بن رواحة في عمرة
القضاء (٢)، وشعر العباس بن مرداس في الاحتجاج على
طريقة توزيع غنائم حنين (٣)، وما قيل من الشعر في فتح
مكة (٤)، ولكن استشهاده بالشعر يعتبر قليلاً إذا قورن مع ابن
إسحاق.
ولم يورد موسى بن عقبة القصص الشعبية إلا في روايته
عن بناء الكعبة، وفي روايته عن خروج المشركين إلى بدر،
وتمثّل إبليس لهم في صورة سراقة(٥)، لكنه يحترز عند
إيرادها، فيقول: ((وزعموا)) و((ذُكر أنهم))(٦).
(١) انظر: ((عيون الأثر)) (١٢٩/٢ - ١٣٠).
(٢) انظر: ((البداية والنهاية)) (٢٣٠/٤).
(٣) انظر: ((البداية والنهاية)) (٣٥٩/٤).
(٤) راجع ((البداية والنهاية)) (٢٥٩/٤).
(٥) انظر: ((عيود الأثر)) (٢٤٥/١).
(٦) راجع ((البداية والنهاية)) (٣٠٠/٢ - ٣٠١).
٣٢

الجهود السابقة التي بذلت حول
((أحاديث منتخبة من مغازي
موسى بن عقبة))
قامت جهود عديدة حول ((أحاديث منتخبة من مغازي
موسى بن عقبة)) تمثلت في نواحٍ عدّة، هي:
أوّلاً: نشرة إدوارد سخاو:
نشر إدوارد سخاو ((أحاديث منتخبة من مغازي موسى بن
عقبة)) سنة ١٩٠٤ م، مع ترجمتها بالألمانية، وقام بالتعليق
عليها(١). وقد وقعت له فيها بعض الأخطاء نبّهنا عليها في
مواطنها .
ثانياً: نقد جوزيف شاخت لهذا المنتخب:
بعد مضي نصف قرن على نشر سخاو مخطوطة
((أحاديث منتخبة)) كتب البروفسور جوزيف شاخت مقالة
((على كتاب المغازي لموسى بن عقبة))(٢)، وانتقد فيها
Sachau: Das Berliner Fragment des Musa Ibn Ukba, Sitzung. der
(١)
Phil. Hist Classe Feb. 19.4 , PP. 544 - 570.
Schacht, J. on Musa b. Ugba's «Kitab al - Maghazi», Acta Orienta-
(٢)
lia, 1953, vol. xxi , PP. 288 - 300.
٣٣

الأحاديث الواردة في هذا المنتخب.
يقول شاخت: ((إنه نادى بالعودة إلى النقد العميق في
دراسة الأحاديث))، وقال: إنه وصل إلى النتيجة الآتية:
إِنّ جزءاً هاماً من سيرة النبي ◌َّر عن الفترة المدنية، كما
ظهرت في كتابات النصف الثاني من القرن الثاني يرجع في
أصله إلى عهد قريب جداً من الكتابة، ولذلك ليست له أيّة
قيمة تاريخية، إذ بعد مضي قرن ونصف لوفاة النبي وقل
تقريباً، ما بقيت في ذاكرة الجماعة إلا تصوّراً غامضاً مبهماً
عن نبيّه، بالرغم من هذا بذلت الجهود لسدّ النّواقص،
وأضيفت الرتوش والألوان، ورتبت المواد ترتيباً منهجيّاً،
وصيغت بشكل الأحاديث مع إضافة الأسانيد، وكان كل ذلك
في القرن الثاني الهجري(١).
وقد ردّ عليه الدكتور محمد مصطفى الأعظمي بقوله:
((وأنا بدوري أختار بعض الأحاديث التي تكلّم عنها شاخت،
كنموذج للنّقد، وليس هدفي هو نقد مقالته من أوّلها إلى
آخرها، لأنّ ذلك يتطلب مجالاً أوسع))(٢).
Schacht, J. on Musa b. Ugba's «Kitab al - Maghazi», Acta Orienta- (1)
lia, 1953, vol. xxi , PP. 288 - 300.
(٢) مقدمة كتاب ((التمييز)) للإمام مسلم بقلم الدكتور محمد مصطفى
الأعظمي (ص ٨٩ وما بعدها) وانظر لزاماً: ((دراسات في الحديث
النبوي)) (٣٨٦/٢ وما بعدها).
٣٤

ولهذا الغرض أخذ الأحاديث رقم (٦، ٨، ٩، ١٠) من
هذا المنتخب وردّ عليها رداً مفصّلاً. يقول شاخت معلّقاً على
هذا المنتخب:
إن محتوياته من الأحاديث من النوع الذي نتوقّعه في
منتصف القرن الثاني. ولا يمكن تجاهل الأثر العباسي في
هذه الأحاديث، وهي ذات نزعة شديدة ضد العلويين. خاصة
٤
والعطف الظاهر إلى خلافة أبي بكر يشير إلى أنها انتحلت
في وقت متأخر نسبيّاً من بدء الدولة العباسية، ولذلك من
الصعوبة بمكان أن نقبل أن موسى بن عقبة كان مؤلّفاً لهذا
الكتاب، لأنه مات في بدء الدولة العباسية.
انتقادات شاخت على المنتخب مفصلًاً:
الحديث رقم (٦):
قال شاخت: يحاول هذا الحديث أن يلطف الجو
لمصحلة الأسرة الحاكمة (العباسيين)، بقصّة أسر جدّهم
الأعلى الذي كان يحارب ضد النبي وَّر، والذي أسره
المسلمون فكان عليه أن یفدی.
الحديث رقم (٨):
روى إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة (المتوفى حدود سنة
١٦٠ هـ) هذا الحديث عن سالم بن عبدالله (المتوفى سنة
١٠٦ هـ) مباشرة، ولم يروه عن طريق موسى بن عقبة. ولسدّ
٣٥

هذه الهوة الزمنيّة أدخل اسم (موسى بن عقبة) فيما بينهما،
كما نرى عند البخاري مثلاً. وبالطبع أدخل هذا التحسين في
الإسناد في وقت متأخّر لذلك لا يمكننا أن نعتبر هذا الحديث
جزءاً أصيلاً من كتاب ((المغازي)) الأصلي لموسى بن عقبة.
الحديث رقم (٩):
ينكر هذا الحديث الامتيازات لسلالة النبي ونَ﴾ في
القانون الجزائي (قانون العقوبات). لذلك يعتبر هذا الحديث
ضدّ العلويين.
الحديث رقم (١٠):
يمدح هذا الحديث حزب الأنصار الذي كان موالياً
للحكام وفي صفّ العباسيين. وعلى هذا الأساس لا يصح
نسبة هذه الأحاديث إلى النبي ◌ِلها .
ثالثاً: نقد غيوم لهذا المنتخب من («مغازي
موسى بن عقبة)) ..
يقول البروفسور غيوم معلِّقاً على كتاب ((المنتخب من
مغازي موسى بن عقبة)) :
من الواضح أن موسى بن عقبة يتعاطف مع آل الزبير
والأنصار فقط، بينما العلويّون في نظره ليسوا أحسن من
أحد، أما الأمويون فيستحقّون عنده اللوم من أجل مذبحة
٣٦

الحرّة، ويقدم العباس ثائراً ومتمرداً على النبي ◌َّ، وهو
يجبر على دفع الفدية إلى قصارى جهده بسبب مخالفته
النبي مطو(١).
الرد على نقد المستشرقين :
* الرد على نقد الحديث رقم (٦):
نرى - في ضوء ما نقلنا من قبل - أن غيوم يستنتج من
الحديث رقم (٦) الخاص بأسر العباس أنّ هذا الحديث
موجه ضد العباسيين، بينما يجد فيه شاخت روحاً موالية
للعباسيين. ولا نستطيع أن نوفّق فيما بين استنتاجاتهما، إذ
لا يمكن الجمع بين النقيضين ... وهذا أوّل دليل ضد
المنهج الذي ينادونه .
ومن الناحية الثانية أن العباس بن عبدالمطلب كان عمَّ
النبي وَلقر، والعم صنو الأب. ومكانته معروفة في الشرق
بأكمله، وكان من الممكن أن يعفو عنه النبي وَلّ كما رغب
فيه الأنصار أيضاً، ولكن النبي وَّ رفض قائلاً: ((لا والله، ولا
تذروا درهماً)). إذن لم يظهر النبي ◌َّ أَيَّ عطفٍ على
العباس في هذه الحادثة، لذلك كان قول شاخت بأنّ فيه ميلاً
نحو العباسيين كلام يناقض العقل والمنطق. علاوة على ذلك
إن كان هذا الحديث من نسيج الخيال، وقد وضع في عهد
Guillaume, A. The Life of Muhammad, Introduction, P,xlvii.
(١)
٣٧

العباسيين، وذلك لمصلحتهم، وبعد مضي فترة من
حكمهم، فلم لم يحاول العباسيون قلب الحادث رأساً على
عقب؟ ولم لم يفكر العباسيون في تبييض صحيفة جدهم؟
ءِ
وعلى الأقلّ كان من الممكن حذف الكلمة: ((لا، والله لا
تذروا درهماً))، حتى لا يرى الناس العباس - جد الخلفاء
العباسيين - مضطراً إلى دفع آخر درهم.
وإذا كان الأمر - كما يدّعي شاخت - هذه الأحاديث إنما
وضعت في عهد العباسيين ضد العلويين، فلم لا يكون
الوضع في القرن الأوّل نفسه عندما اشتدّ الخلاف بين
العلويين والأمويين. أولم يكن الزهري يشتغل مع الأمويين؟
فإذن ما المانع أن يكون الحديث وضع في القرن الأول؟
لذلك يمكننا أن نتساءل ما هو السبب الوجيه الذي يدفعنا إلى
أن نقبل هذا الادّعاء أن هذا الحديث جاء في عالم الوجود
في النّصف الثاني من القرن الثاني، ولا يمكن أن يكون
قبله.
* الرد على نقد الحديث رقم (٨):
لقد رفض شاخت أن يكون هذا الحديث في أصل كتاب
موسى بن عقبة، وبنى هذا الحكم على وجود خطأ في
الإسناد. وفي الواقع ليس هذا الخطأ في الإسناد، لكنه في
نَسْخ الإسناد:
٣٨

أولاً: إن هذه المخطوطة ليست بخط موسى بن عقبة،
بل إنها انتخبت في القرن الثامن. ثم لا توجد من هذا
المنتخب إلا نسخة واحدة، اعتمد عليها المحقق في طبعها.
والمعروف لكل من يشتغل في التحقيق أنّ النّظر ينخدع
في نقل الجمل والكلمات خاصة إذا كانت متكررة. وبما أن
الراوي هو (إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة) والمؤلف
(موسى بن عقبة) فتكرار كلمة (عقبة) كافٍ لارتكاب هذا
النوع من الخطأ. أو كانت العبارة الأصلية (إسماعيل بن
ءِ
إبراهيم عن ابن عقبة) فسقطت كلمة (عن)، والاحتمال الأول
أرجح؛ على كلّ: هذا النوع من الخطأ معروف لدى كافّة
المحققين، فالبناء على هذا الخطأ في النَّسخ للرد على هذا
الحديث بناء تعسّفي، وكلام غير علمي إلا إذا قلنا: إِنّ
الإنسان لا يخطىء أبداً. وإذا اعتبرنا هذا المبدأ صحيحاً
فيقع البروفسور شاخت في مشكلة كبيرة.
فمثلاً: نقل سخاو - عند نشره لهذا المنتخب -: ((إن الله
لا يؤيّد هذا الدين بالرجل الفاجر)) بينما في صورة المخطوطة
التي نشرها مع المقال: ((إن الله ليؤيّد هذا الدين بالرجل
الفاجر))(١).
(١) راجع حديث رقم (١٢).
٣٩

يا ترى هل كان هذا عمداً منه؟ للبروفسور شاخت أن
يقول ذلك، أما أنا فأقول أنه خطأ في النسخ لا غير. بل
٤
البروفسور شاخت يقع في مشكلةٍ أخرى أكبر من ذي قبل.
قال شاخت: إنّ إبراهيم النخعي يعرف أنّ القنوت في
الصلاة بدعة، استحدثت بعد وفاة النبي وَه بفترة في عهد
علي ومعاوية. ويؤكّد إبراهيم هذه الحقيقة بأنه ليس هناك
حديثاً عن النبي ◌َّه، ولا عن أبي بكر وعمر بهذا الصّدد،
كما يظهر بمراجعة كتاب ((الآثار)) لأبي يوسف(١).
ومن الغريب في الموضوع أننا نجد في كتاب ((الآثار))
المشار إليه عكس ما يدّعيه شاخت، فهناك حديث متصل
الإسناد إلى النبي وَلّ لإثبات القنوت، وحديث آخر مرسل.
لا ندري أي موقف يختار شاخت لنفسه الآن. هل كان
متعمّداً أم مخطئاً في النقل، على كلّ له كامل الحرية إنْ
أراد أن يختار الشقّ الأوّل، أما أنا فأقول: إنه ربما كان
مخطئاً، والخطأ والسهو والنسيان من فطرة الإنسان. وإذا كان
الأمر هكذا فالكلام نفسه يقال عن الخطأ الواقع في نسخ
إسناد الحديث رقم (٨).
والحديث رقم (٩) الذي يذكر إسناد موسى عن سالم
(١)
The Origins of Muhammadan Jurisprudence, P. 60.
٤٠