Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
(( ...
((النصيحة
وهو كتمانه لحقائق علمية هامّة تؤكد أن الحديث صحيحٌ يقيناً؛ وهاك البيان:
أولا : كتم تحسين التِّرمذي إياه، وقد عزاه إليه! وتصحيح ابن حبّان إيّاه،
ولم يعزه إليه!
ثانياً: كتم توثيق ابن معين لـ «مُرَيِّ بن قَطَرِيِّ))(١)؛ الذي قد يساعد على
الاستشهاد بحديثه، وهو مسند متصل.
ثالثاً: طريق أخرى كتمها، ولم يتعَرَّض لذكرها مع أنَّه رآها عند الطبري
الذي عزا ما خرَّجه إليه! وهو من رواية الشعبي عن عدي -رضي الله عنه-،
وإسناده صحيح؛ كما قال الشيخ أحمد شاكر - رحمه الله- في تعليقه على
((تفسير الطبري)) (١٨٥/١).
رابعاً: جهل أو تجاهل شاهداً قويّاً له من حديث أبي ذرٍّ حسَّن إسناده
الحافظ ابن حجر في ((الفتح)) (١٧٩/٨).
خامساً: جهل - أو تجاهل- تتابعَ العُلماءِ على تصحيحه أو الاحتجاج
به، فهذا شيخ الإسلام ابن تيميّة يحتج به في ((الفتاوى)) (١٢٧/٣)، وفي
مكان آخر منه (١ /٦٤) يُصَحِّحُهُ، وصرَّح ابن أبي العزّ الحنفي بثبوته في آخر
((شرحه على العقيدة الطحاوية)).
والحديث قد خرَّجته في ((الصحيحة)) برقم (٣٢٦٣).
٥- ((قال النبي وَلـ: ((أصدق الأسماء حارث وهمّام)))):
جزم ابن القيم بنسبته إلى النبي وَّ، وعاكسه (الهدَّام) على عادته! فقال
بعد ما ساقه من حديث أبي وهب الجُشَمي مسنداً، ومن حديث تابعيَّيْنِ ثقتين
-أحدهما شامي والآخر مكي - مرسلاً: ((ولست أراه يصح بهما))!
(١) كما في ((تاريخ عثمان بن سعيد الدارمي عنه)) (ترجمة ٧٦٦).

٤٢
((النصيحة ... )).
وهذا - منه- على ما جرى عليه في كل تخريجاته من إعراضه عن
تقوية الضعيف بكثرة طرقه - كما نبّهت عليه في المقدِّمة-؛ ولذلك سكت عنه
الحافظ في ((الفتح)) (٥٧٨/١٠)، واحتج به شيخ الإسلام ابن تيميّة، وجزم
وسلم
-أيضا-
((الفتاوى)) (١٢٢/٢٠) و(١٣٥/٢٨)،
في
بنسبته إلى النبى
وأورده عبد الحق الإشبيلي في ((الأحكام الشرعية الصغرى)) (٨١٨/٢) التي
خصَّها بالأحاديث الصحيحة.
والحديث مخرّج في ((الصحيحة)) (١٠٤٠)، و((الإرواء)) (١١٧٨).
٦- ((في ((صحيح مسلم)) عن صُهيب -رضي الله عنه- عن النبي وَل:
((إذا دخل أهل الجنة الجنّة، نادى منادٍ: يا أهل الجنّة! إنَّ لكم موعداً ... فما
أعطاهم شيئاً أحب إليهم من النظر إليه))):
قلت: هو من رواية حماد بن سلمة: ثنا ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي
لیلی، عن صھیب.
وقد قال ابن المديني وغيره: ((لم يكن في أصحاب ثابت أثبت من
حماد بن سلمة))؛ كما في ((السير)) للذهبي، وقال (٤٤٦/٧):
((ومسلم روى له في الأصول عن ثابت وحميد، لكونه خبيراً بهما)).
ولذلك قال الحافظ في ((التقريب)): ((ثقة عابد، أثبت الناس في ثابت)).
قلت: من أجل ذلك كنت صخَّحته في ((الظلال)) (٤٧٢) وغيره، ولا
سيّما تَتَابَعَ حفاظُ الأمّة، وأئمَّةُ الإسلام على تخريج حديثه هذا -مع الإمام
مسلم- في كتب الصحاح، والاحتجاج به في كتب السّنة وأصولها، منهم أبو
عَوانة، وابن خُزيمة، وابن حِبان في ((صِحاحهم))، وصحَّحه البغوي في ((شرح
السنة))، واحتج به ابن خزيمة في ((التوحيد))، واللالكائي في ((أصول الاعتقاد))،

٤٣
((النصيحة ... ))-
والبيهقي في ((الأسماء والصفات))، و((الاعتقاد))، وابن تيميّة في ((الفتاوى))
(٣٥٦/٨)، وابن القيم -كما ترى-، وابن أبي العزّ في ((شرح العقيدة
الطّحاوية))، والحافظ ابن حَجَر في ((الفتح)) (٤٣٢/١٣) - وغيرهم مِمّن
يصعب استقصاؤهم، دون أي خلاف سالف من غيرهم -.
ورغم هذا تطاول هذا (الفَسْل القميء) عليهم، وخالف سبيلَهم، زاعماً
أنَّ: ((إسناد هذا الحديث إلى صهيب غلط، مَنْشَأَهُ من حماد بن سلمة، فقد
خالف جمعاً من الثقات بزيادته صحابيّ الحديث صهيباً، ورفعِه، ولا تحتمل
زيادته الصحة)).
ثم خرّجه من رواية الطبري من طريق حماد بن زيد، وسليمان بن المغيرة،
ومَعْمَر، عن ثابت ... به دون ذكر صهيب؛ موقوفاً على ابن أبي ليلى، وقال:
((وهو الصواب)).
فأقول: هذا مُنتهى الصَّفَاقةِ من هذا الأفِين، فإِنَّه -فوق تجرُّئه على
تخطئته لأولئك الفحول- يستدل على ذلك برواية الثلاثة الذي خالفوا حماد
ابن سلمة، فأوقفوه على ابن أبي ليلى -وهم دون ابن سلمة في ثابت
خاصة-كما تقدم عن ابن المديني وغيره-، ومنهم الإمام أحمد.
وإن مما لا شك فيه أنّ الحفاظ الذين جاؤوا من بعد مسلم - والذين
أخرجوا الحديث وصحّحوه أو احتجّوا به- قد وقفوا على رواية هؤلاء
المخالفين، فلم يرفعوا إليها رأساً؛ لعلمهم بأرجحيَّة رواية ابن سلمة عن ثابت
على روايتهم، ومنهم الإمام الطبري نفسه، فإنَّه أَتبع روايتهم برواية ابن سلمة؛
مشيراً بذلك إلى أنَّها هي الصحيحة المعتمدة؛ ولعله -لذلك- كَتَمَ هذا
(الهدَّام) ذِكْرَ الطبريِّ عن القراء؛ فلم يذكره في جملة المخرِّجين لها، كما كتم
عزوَها إلى هؤلاء الحفّاظ الذين أخرجوه في ((صِحاحهم)): أبي عَوانة، وابن

٤٤
((النصيحة ... ))
خُزيمة، وابن حبان، والبغوي -كما تقدم -.
وهناك حقيقةٌ أخرى كتمها -مدلِّساً بذلك على القُرّاءِ-؛ وهي أن رواية
الثلاثة، وإن كانت متفقة وقفاً، فهي مختلفةٌ اختلافاً ظاهراً متناً، فلو أنَّه ساقها:
لتبيّن للقراء جهلُه بهذا العلم الشريف، وأنَّه فارغٌ منه كالطبل، وهاك البيان:
أولاً : رواية مَعْمَر وسليمان بن المغيرة، أخرجها الطبري من رواية ابن
المبارك عنهما، عن ثابت، عن ابن أبي ليلى -مختصرة جداً-، بلفظ:
((﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ قال: النظر إلى وجه ربهم)).
ثانياً: رواية حماد بن زيد عنه، روايتان:
إحداهما: كهذه، رواها عنه عبد الرحمن -وهو ابن مهدي-، قال: ثنا
حمّاد بن زيد ... به، مختصراً.
والأخرى: يرويها ثقتان عنه -مطولا-، نحو رواية ابن سلمة.
وإذا عُرف هذا؛ فما هو الراجح من هذا الاختلاف؟
إن من الواضح أن ما اتفق ثقتان عليه أرجحُ مما رواه ثقة واحد، ولا
سيّما إذا كانت روايته أنقصَ متناً من روايتهما، فرواية عبد الرحمن بن مهدي
مرجوحة من هذه الحيثيّة، لكننا نرى أنَّه قد تابعه الثقتان الآخران: مَعْمَر
وسُلَيمان بن المغيرة، فهي بهذا الاعتبار راجحة، ورواية الثقتين مرجوحة؛ هذا
إذا جرينا - لا قدّر الله ! - على ما جرى عليه (الهدَّام) من الترجيح بالكثرة!
وههنا حقيقةٌ أخرى يجهلها من لم يمارس هذا العلم ممارسة طويلة،
ولم يتفقّه بأساليب الحفاظ النقادين في معالجة الاختلاف بين الروايات، وهي
أنَّهم يلاحظون - أحياناً- أن الخلاف إنَّما سببه الاختصار -لسبب أو آخر-؛
فقد يقتطع الثقة من الحديث قطعة تناسب المقام، وقد لا يرفعه لاعتقاده أنَّه

٤٥
((النصيحة ... ))
معروف عند الحاضرين، إلى غير ذلك من الأسباب التي تختلف باختلاف
الظروف المحيطة بالرواة، وإنَّ مما يؤيِّد هذا هنا ما رواه الإمام الطبري بالسند
الصحيح - جداً- عن عبد الرحمن بن مهدي، عن النبي وّر في هذه الآية:
﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾، قال: ((إذا دخل أهل الجنّة الجنة ... ))
الحديث، نحو حديث حمّاد بن سلمة، وفيه: (( ... فوالله ما أعطاهم شيئاً أحَبَّ
إليهم من النظر إليه)).
فهل يقولُ عالمٌ: أخطأ ابن مهدي في رفعه - وبهذا التمام- مخالفاً
لروايته المتقدمة المختصرة الموقوفة؟!
ومن هذا القبيل ما رواه البيهقي في ((الأسماء)) (ص٣٠٧) من طريق
قَبِيصة بن عُقبة أبي عامر: ثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن
أبي ليلى، عن صهيب -مرفوعاً- في قوله -عزَّ وجلَّ -: ﴿للذين أحسنوا
الحسنى وزيادة﴾، قال: ((النظر إلى وجه ربّنا - عزّ وجلَّ-)).
فهذا - كما ترى- قطعةٌ من حديث حمّاد بن سلمة المرفوع، فهل يقال:
أخطأ قَبيصة على حمّاد؟ أو: أخطأ حماد على ثابت؟! كلا ثم كلا، وقد
عرفتَ السبب فيما قدّمنا.
وإذا عرفتَ هذا؛ فالحقُّ أنَّ كل هذه الروايات -من أولئك الثقات-
الدائرة على ثابت، كلّها ثابتة صحيحة عنه، فالاختلاف الذي بينها ليسَ
اختلافَ تعارضٍ، وإنّما اختلاف تنوّع، وقد يكون ذلك من ثابت نفسه، فحفظ
كلّ منهم ما سمع منه، وقد يكون منهم أنفسهم، وهذا أرجحُ عندي؛ لما تقدم
بيانه.
وسواء كان هذا أو ذاك؛ فرواية حمّاد بن سلمة عنه صحيحة؛ لما معه
من الزيادة سنداً ومتناً، ولأنَّه أثبتهم عن ثابت -كما تقدم عن الحفّاظ -.

٤٦
((النصيحة ... ))
سـ
فهذا الحقّ لیس به خفاءُ
فَدَعْنِي مِنْ بُنَّات الطريق
صَلى الله.
٧- ((وفي ((الترمذي)) عن أبي هريرة - رضي الله عنه-، عن النبي
(يقول الله -تبارك وتعالى -: ابنَ آدم! تفرّغ لعبادتي أملا صدرك غنى ... )):
وسام
ضعفَّه (الهدَّام) بقوله -بعد أن عزاه للترمذي وابن ماجه -:
((وفيه زائدة بن نَشِيط، وهو مجهول الحال)).
قلت: أخذ هذا الإعلال مِن (الصحيحة)) (١٣٥٩)، وكتم -كعادته-
تلبيساً على قرائه- الحقائق التالية:
أوّلاً: قول التِّرمذي -عقبه -:
(حديث حسن غريب)).
ثانياً: تصحيح ابن حبّان إيَّاه - وهو على علم به، فقد عزوته إليه في
((الصحیحة)) -.
ثالثاً: تصحيح الحاكم والذّهبي إياه.
رابعاً: شاهداً قوياً له من حديث مَعْقِل بن يسار - مرفوعاً-، صحّحه
الحاكم والذّهبي - أيضاً -.
وهو على علم بذلك كله، لوروده في (الصحيحة))، ولكنّه الكبر والحسد
وحبّ الظهور، ولو على حساب هدم السّنة -عامله الله بما يستحق !-.
يضاف إلى ذلك أنَّ الحافظ المنذري أورد الحديثين في ((الترغيب
والترهيب)) (٤ / ٨١) مشيراً إلى ثُبُوتِهما، ومقرّاً للحاكم على تصحيحهما.
٨- ((قال النبي ◌َّل في حديث الترمذي وغيره: ((الدّنيا ملعونة، ملعون ما
فيها؛ إلا ذكر الله وما والاه)))):

٤٧
((النصيحة ... ))
قلت: كذا جزم ابنُ القَيِّم - رحمه الله- بنسبته إلى النبي وَّل، وهو
الصواب، وعاكسه (الهدَّام)، فقال (٥٦/١): ((حديث ضعيف، ولعلّه قولٌ
لبعض السلف)»!
فأقول: اجعل (لعلّ) عند ذاك الكوكب، فإِنَّه قولٌ مبتدَعٌ لم يقل به أحدٌ
ممن سلف، ولو كان من الخلف، فحريٌّ بمثله أن يُرمى به أرضاً.
ثم خرَّجه من رواية التّرمذي وابن ماجه -فقط-، فأَعلّه بـ (عبد الرحمن
ابن ثابت بن ثوبان)، قال: ((وهو ضعيف))، وبعطاء بن مُرَّة (كذا؛ والصواب:
قرة!)، قال: ((ولم يعرفه ابن المديني)).
ومن حديث ابن مسعود، وأبي الدرداء، وجابر، ونقل عن أبي حاتم أنَّه
قال: ((وهذا خطأ، وإنَّما هو محمد بن المنكدر، أن النبي ... مرسلا))، ثم قال:
((وبهِ قال الدارقطني وابن الجوزي)).
وفي الرّد عليه أقول: أَحْصُرُ الكلامَ على حديث أبي هريرة، وحديث جابر:
أمّا حديث أبي هريرة؛ فنقول: إِنه حسن الإسناد، رغم أنف (الهدَّام)؛
وذلك لأنَّ عبد الرّحمن بن ثابت ليس ضعيفاً كما زعم، بل هو وسطٌ، ولذلك
قال المنذري والذهبي فيه: ((صدوق)).
وسيأتي بيان ذلك مفصَّلاً تحت الحديث (١٠٣)، ولذلك صحّح له كثير
من الحفّاظ المتقدمين والمتأخرين، كالترمذي، وابن حِبّان، والحاكم،
والمنذري، والذهبي، والعراقي، وغيرهم.
وأمَّا تشبُّتُهُ بقول ابن المديني في عطاء بن قُرّة: ((لا أعرفه))! فهو من
أسلوبه في هدم السنّة، فإِنَّه يقدِّم النّفي على الإثبات -خلافاً لقاعدة الفقهاء -
بل العقَلاء جميعاً: (من علم حُجَّة على من لم يعلم)-، فإِذا هو لم يعرفه،

٤٨
((النصيحة ... ))
فلا ندفع به علم من عرفه، فقد قال فيه أبو زرعة الدِّمشقي: ((كان من خيار
عباد الله))، وذكره ابن حبّان في ((الثِّقات)) (٢٢٢/٧) وروى عنه جمع من
الأئمة الثقات الحفّاظ كالثوري، والأوزاعي وغيرهم، ولذلك قال الذهبي في
«المغني»:
((صدوق)).
ونحوه في ((التقریب)).
وقد صحّح له ابن حِبّان غيرَ ما حديث، والحاكم، فانظر ((الصحيحة))
(٦٠٣)، وحسّن له التِّرمذي هذا الحديث، وأقرّه الحافظ المزّي، والحافظ
العسقلاني في ((تهذيبَيهما))، ومن قبلهما الحافظ المنذري في ((الترغيب))
(٥٦/١)، والإمام النووي في كتابه ((رياض الصالحين)) (رقم ١٣٩١).
وكل هذا مما كتمه (الهدَّام) عن قرائه، ليحملَهم على تقليد جهله،
ويصرفهم عن اتّباع أهل العلم والبصيرة من علمائهم.
وهذا الحديثُ من الأحاديث الكثيرة التي حذفها (الهدَّام) من ((رياض))
النووي، ولم يوردها في ((رياضه)) -هو- (ص ٣٥٩ -٣٦١) - وقد أضلّه الله
عنه- والحمد لله-، فلم يورده في ذيله الخاص بما ضعَّفه من أحاديث
((رياض)) النووي! وقد قارب عددها الخمسين بعد المئة، ويتفاخر بذلك في
مقدِّمةِ ((الذيل)) !!
وكذلك أقرَّ الحافظ العراقي في ((تخريج الإحياء)) (١٠/١) و(٢٠٢/٣).
وأمَّا حديث جابر؛ فَرَدُّنا على (الهدَّام) - فيه- من وجهين:
الأوّل: أنَّه ساقه متصلاً من طريق سفيان الثوري، عن ابن المنكدر عنه،
وهذا -في الظاهر- إسناد صحيح، ومع ذلك أعلّه بالإرسال - تقليداً لأبي

٤٩
((النصيحة ... )).
حاتم وابن الجوزي-؛ مع أنّ الأوّل ساق إسناده من طريق عبد الله بن
الجرّاحِ القُهُسْتَاني، عن أبي عامر العَقَدِي، عن سفيان ... به؛ وهذا إسناد جيد،
وهو الذي رواه أبو نُعَيْم في ((الحلية))، وإليه فقط عزاه (الهدَّام) (١)، وسكت عنه
-تقليداً منه لأبي حاتم الذي لم يذكر الثقة الذي أرسله-؛ وأبو عامر هذا، هو:
عبد الملك بن عمرو القيسي؛ ثقة من رجال الشيخين، فَمَن هو الذي خالفه
من الثقات ممّن هو أوثق منه؛ حتَّى يثبُتَ خطأ ذلك الوصل المدعى؟!
وإن كان المقصود بالخطإ هو عبد الله بن الجرّاح(٢): فهو محتملٌ؛ لأن
فيه بعض الضعف -كما بيّنته في المكان المشار إليه-آنفاً-، ولكن ذلك لا
يمنع من أن يكون قد حفظه، ولذلك جزم بنسبته إلى النبي بَّ ابن عبدالبر
-حافظ المغرب- في ((التمهيد)) (٣١٦/١-٣١٧)، فالسؤال المذكور - عن
الثقة المرسل: من هو؟- لا يزال قائماً.
وأمّا ابن الجوزي الذي آثر (الهدَّام) تقليدَه على التحقيق العلمي - اتِّباعاً
لهوى هَدْمِه-؛ فقد ذكر المخالف الذي لا يجوز الأخذ بحديثه؛ ولو لم يخالف
غيره لضعفه -من جهة-، وشدة ضعف الراوي عنه -من جهة أخرى-؛ فقد
ساق (١٣٣١/٣١٦/٢) بإسناده عن محمد بن حُميد - وعنه ابن أبي الدّنيا
في ((ذم الدنيا)) (٧/١٤) -: ثنا مِهران بن أبي عمر: نا سفيان الثوري، عن
محمد بن المنكدر، عن أبيه -مرفوعاً - به.
قلت: مِهران - هذا- قال الذهبي في ((المغني)):
(١) وقد رواه جمع آخر من المصنفين ذكرتهم في ((الصحيحة)) (٢٧٩٧).
(٢) وقد ذكر أبو نعيم أنّه تفرد به، وكذا قال الدّارقطني في ((الأفراد)» -كما في ((أطرافه))
لأبي الفضل المقدسي (ق١١١/ ٢) -.

٥٠
((النصيحة ... ))
((وثّقه ابن معين، وقال البخاري: في حديثه اضطراب)).
وقال الحافظ:
((صدوق له أوهام، سيِّئ الحفظ)).
والرّاوي عنه أسوأ منه - كما ذكرت-آنفاً- وهو الرّازي، قال الحافظ:
((ضعيف)).
وتركه الذهبي في ((الكاشف)».
وقال في ((المغني)):
((ضعيف لا من قبل الحفظ!))، ثم حكى عن غير واحد تكذيبه.
وابن الجوزي -عفا الله عنا وعنه- طالما ضعّف أحاديثه في غير ما
كتاب من كتبه، وهنا يحتجُّ بإعلال حديث الثقة الذي لا غمز فيه، وهو أبو
عامر العَقَدي، فإِنَّه قال عَقِبَ حديث ابن حُميد:
((هذا الحديث مرسل، كذلك رواه مِهران، وقد رواه أبو عامر العَقَدي، عن
الثوري، عن ابن المنكدر، عن جابر))!
فتأمل كيف يجزم بأن عامراً قد رواه عن الثوري بسنده الصحيح - كما
قدَّمت- عن جابر؛ ومع ذلك يُعِلَّه بمن عرفت أنّه ليس في العِير ولا في النفير!
ثم قال:
((وكلا الطريقين غير محفوظ)).
يعني: طريق جابر هذه، والأخرى ذكرها ابن الجوزي قبل هذه: من طريق
خالد بن يزيد: نا سفيان الثوري، عن عطاء بن قُرّة، عن عبد الله بن ضمرة،
عن أبي هريرة.

٥١
((النصيحة ... ))
وأقول: خالد -هذا- كذَّبه أبو حاتم، ويحيى(١)، وقد خالف - مع هذا
الضعف الشديد- أبا عامر العَقَدي -كما رأيت آنفاً-، وإنَّما المحفوظ عن
أبي هريرة من رواية عبد الرحمن بن ثابت، عن عطاء بن قرة ... به؛ وهذا
إسناد حسن - كما تقدم -.
وقد رواه بعض المجهولين، عن ابن ثوبان، عن عَبْدة بن أبي لُبابة، عن
شَقِيق، عن عبد الله بن مسعود، وأخرجه الطبراني في ((الأوسط)) (٢٤٤/١/
١/ ٤٢٢٨ -بترقيمي)، وقال:
((لم يروه عن ابن ثوبان إلا أبو المُطَرِّف المغيرة بن المُطَرِّف، ورواه غيره
لها
عن ابن ثوبان، عن عطاء بن قُرّة، عن عبد الله بن ضمرة، عن أبي هريرة)).
قلت: وذكر هذا الاختلافَ على ابن ثوبان: الدّارقطنيُّ في ((العلل))
(٧٣٥/٨٩/٥)، وقال في حديث المغيرة بن المطرِّف: ((وهذا إسناد مقلوب))،
وقال في حديث أبي هريرة: ((وهوالصحيح)).
قلت: وجهل (الهدَّام) هذه الحقيقة - أو تجاهلها-، وهي أن العلّة في
الإسناد المقلوب؛ إنّما هو المغيرة، فعاكس هو - كعادته-، فحطّها على ابن
ثوبان؛ توهيناً منه لحديثه الصحيح عن أبي هريرة - كما قال الدّارقطني-، مع
أنَّه ذكر أنَّ فيه المغيرة المجهول !!
وخلاصة الكلام في هذا الوجه: أنّ حديث جابر لم يقم دليل على أنَّه
مرسل؛ وأنَّ إسناده الموصول حسنٌ؛ خلافاً لما خطّط له (الهدَّام).
والوجه الآخر: أنَّه لو فرضنا أنَّه ترجّح الإرسال، فلا يضرُّ؛ لأنَّه مرسل
صحيح الإسناد، فيكون شاهداً قويّاً لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه-كما
(١) وقد تفرَّد به - كما قال الدّارقطني في ((الأفراد)) (ق٢٩٦/ ٢ - الأطراف) -.

٥٢
(النصيحة ... ))
هو معلوم في علم المصطلح-، مع أنَّ بعض الأئمّة يحتجون بالمرسل، ولو لم
يكن له شاهدٌ موصول، كما هو معروفٌ في علم الأصول.
ثم رأيت حديث سفيان المرسل في ((زهد الإمام أحمد))، قال (ص٢٨):
حدثنا يحيى، عن سفيان ... به، كما ذكره أبو حاتم -رحمه الله-؛ ويحيى هو
ابن سعيد القطان، الإمام الثقة الثبت، وهذا يرجِّح أنَّه من مرسل محمد بن
المنكدر، وليس من مرسل أبيه المنكدر -كما وقع لابن الجوزي-، وخلط
بينهما (الهدَّام) فجعلهما واحداً، والمعصوم من عصمه الله؛ وهو -سبحانه-
ولي التوفيق.
ثم رأيت في ((فتاوى النووي)) أنَّه سئل عن الحديث؟ فأجاب (ص١٣):
((حديث حسن، رواه الترمذي وغيره)).
٩- قال ابن القيِّم - رحمه الله -: ((وجماع هذا أن تعلم: ((أنَّ الخلق
كلّهم، لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله
3
لك، ولو اجتمعوا كلّهم ... »:
قال (الهدَّام) (٦٠/١): ((حديث حسن، أخرجه التِّرمذي (٢٥١٦)،
وأحمد (٢٩٣/١) من حديث ابن عبّاس)).
قلت: أخرجاه من طرق، عن ليث بن سعد: حدّثني قيس بن الحجّاج،
عن حَنَش الصنعاني، عنه ... في حديث طويل، أوَّله: ((يا غلام! إنّي أُعَلِّمك
كلمات؛ احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك ... )) الحديث، وفيه:
((واعلم أنَّ الأمّة لو اجتمعت ... )) الحديث، وهو مخرَّج في ((الظلال))
(٣١٦/١٣٨-٣١٨).
إِذا عُرف هذا، فلي على التخريج المذكور مؤاخذاتٌ:

٥٣
((النصيحة ... ))
الأولى: كتمانه - كعادته- تصحيح التِّرمذي إيّاه، فقد قال عَقِبه: ((حديث
حسن صحيح))(١).
والسبب في ذلك: أنَّه يريد أن يُظهر رأيه - وليته كان عن علم !- علىٍ
أحكام الأئمة السابقين، وما رأيته في هذا الكتاب أباح بتصحيح الترمذي، إلا
مرةً واحدةً، حين وافق ما عنده؛ فانظره -إن شئت- في المجلد الثاني - منه-
(ص١٢١).
الثانية: قوله: ((حديث حسن))؛ فإِنَّه لم يبيِّن هل يعني: أنَّه حسن لذاته؟!
وحينئذٍ ينبغي أن يفصح عن ذلك ولا يتكثّم، فيقول كما قال في غيره: ((إسناد
حسن))، وإن كان يعني أنَّه حسن لغيره، فحينئذٍ يجب أن يذكر علَّته،
والمتابعات أو الشواهد التي من أجلها حَسَّنَه، وهذا ما لم يفعله هنا ولا في
أمثاله! فمن المشاهد فيما يحسِّنه أنَّه يعبِّر عنه بتعبيراتٍ مختلفة:
الأوَّل: ((حديث حسن)) -كما هنا -.
الثاني: مثله، إلا أنَّه يشكِّك فيه، فيقول (٧٠، ١٣٠): ((إن شاء الله
تعالى)).
لسں
الثالث: ((إِسناده حسن)) (ص٧٧، ٢١٢، ٢٢٤، ٢٧٢، ٥١٤).
الرّابع: مثله، إلاّ أنَّه يشكِّك فيه أيضاً، فقال مَرَّةً (٢٢٤/١): ((أرجو أن
يكون حسن الإسناد))!
ومرَّةً قال (٢٧٥/٢): ((هذا إسنادٌ حسن - إن شاء الله تعالى-))!
فما هو السبب -يا ترى- في هذه التعابير الأربعة التي أحدثها هذا
(الهدَّام)؟! والتي لا يعرف الفرق بينها مبتدِعُها نفسه، فضلاً عن القرّاء، وإنَّما
(١) وأقرَّه المزي في ((التهذيب)) (٢٠/٢٤-٢١).

٥٤
((النصيحة ... ))
و
هي من باب التكلَّف والتنطَّع المنهيّ عنه؛ كما في قوله وَّة: ((هلك
المتنطعون)) رواه مسلم.
ولماذا أعرض عن الاصطلاح العامِّ المعروف عند علماء الإسلام؛ أنَّ
الحديث الحسن: حسن لذاته وحسن لغيره؟!
لا لشيء سوى حبِّ المخالفةِ والمشاكسة الذي حَادَ به عن سبيلهم
غايةً وأسلوباً!
لقد زعم هذا (الهدَّام) في آخر مقدِّمته لهذا الكتاب (ص ٥) -الذي
أفسده بتعليقاته وتخريجاته- أنَّه قام بخدمة الكتاب: ((ليتيَسَّر لقارئه فهمه))!
وأنا مع اعتقادي الجازم بأنَّه لم يفعل شيئاً من ذلك، فهو على العكس من
ذلك تماماً، فقد عسَّر عليهم فَهْمَ كثير من بحوثه وفصوله؛ بما ضعّف من
أحاديثه الصحيحة التي أقام المؤلف عليها بحوثه وفصوله، ولو أنَّه كان صادقاً
في التيسير المذكور، ليَسَّر لهم فهم ما يقول هو ويكتب! وكم له من مثل هذه
(المُعَمَّيَات)! التي سيأتي بيانها في مواضعها -إن شاء الله تعالى -.
ولا أدَّ على أنَّه يقول ما لا يفعل: من تلك الإحالات العجيبة في
التخريج، فهو كثيراً ما يقول في بعض الأحاديث المتكرِّرة: ((تقدَّمَ تخريجه))!
فيبخل على قرّائِه أن يعيِّن لهم المكان بالجزء والصفحة تيسيراً للمراجعة! حتى
إنّه ليفعل ذلك في المجلّد الثاني؛ قال (ص٣٧٤): ((تقدم تخريجه))؛ الأمر
الذي يكلِّف القرّاء أن يقلِّبوا مئات الصفحات بحثاً عن تخريج الحديث الذي
أحال إليه، وقد يكون في أوَّله أو في آخره وما بينهما، وقد يكون قريباً جداً،
كمثل إحالته في المجلد الثاني (ص١٦٣) والتخريج في الصفحة التي قبلها!
وإنَّ من طرائفِهِ (!) أنَّه في بعض المواضع تفضّل على القرّاء فعَيَّن لهم
الصفحة، لأنَّه لم يكلِّفه ذلك شيئاً من البحث والوقت، لأنَّ بينها وبين

٥
((النصيحة ... ))
الصفحة التي فيها التخريج: تخريجاً لحديثين فقط! فانظر (ص٣١)، ومَرَّة
أخرى كان الفاصل تخريجَ حديثٍ واحد! (ص٥١).
وأغرب من كلِّ ذلك أنَّه علَّق على حديث: ((حُبِّبَ إليَّ من دنياكم ... ))
بقوله (ص١٧١): ((حديث منكر، وقد تقدّم))!
والواقع أنَّه لم يتقدّم له ذكرٌ في الكتاب، ولا منه في التعليق، وإنَّما ذلك
من أوهامِه التي لا تُعَدُّ ولا تُحصى؛ إن لم يكن ذلك من باب: (وراء الأكَمَة
ما وراءها)!
وإِنَّ مما يؤكد ما قلت؛ أنَّه لما ذكره في فهرس الأحاديث (ص ٤٣٧) لم
يعزهُ إلا إلى المكان الذي أشرت إليه!
وهكذا فليكن التحقيق والتيسير؛ ﴿يا أيّها الذين آمنوا لِمَ تقولون ما لا
تفعلون. كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون﴾.
المؤاخذة الثالثة: أنَّه مهما كان قصدُه من قوله: ((حديث حسن))؛ فذلك
من جَنَفِهِ على السنة، وجنايته على الأحاديث الصحيحة ورواتها، فإِن حقَّ
إسناده المتقدِّم -مني- أن يقول فيه: ((إسناده صحيح))، أو على الأقل:
((حديث صحيح)) أي: لغيره، وذلك لأنَّ رجاله ثقات، رجال مسلم، غير (قيس
ابن الحجاج)، فقد ذكره ابن حبّان في ((الثقات)) وروى عنه جمع كثيرٌ
من الثقات(١)، وحسبك منهم: الليث بن سعد - راويه هنا-، وإنْ قال فيه أبو
حاتم: ((صالح))، فإِنَّه - على تشدُّدِه المعروف- إِنَّما يعني أنَّه حسن الحديث،
وأَظنّ أنَّه مقلَّد (الهدَّام) هنا، فلا أقلّ من تصحيحه لغيره؛ لأنَّ له طرقاً كثيرة
أشار إليها الحافظ ابن رجب في ((شرح الأربعين)) (ص١٣٣)، وكنت خرَّجت
بعضها في ((الظلال)).
(١) وقال فيه ابن حجر في ((التقريب)): ((صدوق)).

٥٦
((النصيحة ... ))
وقال الحافظ: ((وأَصَحُّ الطرق كلها طريق حَنَش الصنعاني التي خَرَّجها
التّرمذي -كما قال ابن منده وغيره-)).
هذا؛ وسيأتي -بإذن الله-تعالى- الكلامُ على الأحاديث التي حَسَّنها - أو
على الأقل على بعضها-، والحديث التالي أحدُها.
١٠- قال ابن القيِّم: ((من أطاع الله - تعالى-؛ فقد والاه، ولا يذلُّ من
والاه رَبُّه؛ كما في حديث القنوت: ((إنَّه لا يذل من واليت ولا يَعِزَّ من عاديت)):
قال (الهدَّام) (٧٠/١): ((وهو حديث حسن - إن شاء الله تعالى-)).
ثم خرَّجه برواية جمع، منهم التِّرمذي؛ وَيَرِدُ عليه المؤاخذات الثلاث
التي أوردتها عليه في الحديث الذي قبله، إلا أنَّ قول التِّرمذي عقب الحديث
-هكذا -:
((هذا حديث حسن، لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث أبي الحوراء،
واسمه (ربيعة بن شيبان)، ولا نعرف عن النبي ◌ّ في القنوت في الوتر شيئاً
أحسن من هذا».
قلت: فأبو الحوراء ثقةٌ مشهورٌ، والرّاوي عنه (بُرَيد بن أبي مريم) قد وثَّقه
ابن معين، وأبو زُرعة، والنسائي، وغيرهم - كالدّارقطني-، حتى إنَّه ألزم
الشيخين بالتخريج له، وشذّ أبو حاتم - لتشدُّدِه- فقال: ((صالح))؛ أي: حسن
الحديث - كما تقدم في الذي قبله-، وأظن أنَّ (الهدَّام) قلَّده حين اقتصر
على تحسينه، فهو في هذا كهو في الذي قبله! بل هو هنا أسوأُ؛ لأنَّه خالف
بالتقليد الجمهورَ الذين وثقّوه، كما خالف الذين صحّحوا حديثه كابن خزيمة،
وابن حبان، وابن الجاورد، والحاكم، والذهبي، وغيرهم -كعبد الحق
الإشبيلي-، وما يمنعه من اتّباعهم - والحق معهم - إلا ما ابْتُلِيَ به من حب

٥٧
((النصيحة ... ))
الشذوذ والنشوز، نسأل الله السلامة.
فإن قيل: لعله اتبع الإمام التِّرمذي في التحسين؟ فأقول:
هذا بعيدٌ جداً؛ لأسبابٍ أذكرها:
أولاً: هو - مع الأسف- لا يُقيم وزناً لجميع الحفّاظ إذا خالفهم؛ فضلاً
عن التِّرمذي؛ لأنَّه متساهلٌ.
ثانياً: هو مخالف للترمذي -أيضاً- من ناحيتين:
إحداهما: أنَّه شكَّك في تحسينه إيّاه.
والأخرى: أنَّه لم يُفصح عن نوع تحسينه، كما بيّنت في الذي قبله؛
بخلاف التّرمذي، فإِنَّه جزم بأنَّه حسن لذاته.
ثالثاً: من المحتمل أنَّ التّمذي لم يصحِّحه، لأنَّه من رواية أبي إسحاق،
وهو عمرو بن عبد الله السَّبيعي -وفيه كلامٌ معروفٌ-، رواه عن بُريد، أمَّا
(الهدَّام) فقد وقف عليه من رواية شعبة عن بُريد، فما الذي منعه من تصحيح
إسناده، بله تحسينه؟! ما هو إلا حُبّ المخالفة للعلماء؛ والعياذ بالله - تعالى -.
وقد يخطر في البال أنَّ من المحتمل أنَّه رأى ابن حزم ضعَّف الحديث
في ((المحلّى)) (١٤٧/٤-١٤٨) - وقد رواه من طريق أبي إسحاق-، فتوسّط
هو بينه وبين الجمهور، فحَسَّنَهُ! ومع أنَّ هذا ليس من العلم في شيء، فابن
حزم معذور، لأنّه لم يقف على رواية شعبة الصحيحة، فما عذر (الهدَّام) وقد
اطلّع عليها؟!
وانظر تخريج الحديث في ((الإرواء)) (١٧٢/٢ -١٧٥)، وتصحيح الشيخ
أحمد شاكر للحديث وردّه على ابن حزم في تعليقه على ((المحلى))، وفي
تعليقه على ((سنن الترمذي)) (٣٢٩/٢).

٥٨
((النصيحة ... ))
صَهَلَى الله
وَسِلمُ
١١- قال ابن القيم: ((حُرِّم لبس جلود النمور، والسباع؛ بنهي النبي
عن ذلك في عدة أحاديث صحاح لا معارض لها)):
قلت: هذا هو الحق الذي لا ريب فيه عند أهل العلم، أمّا (الهدَّام)؛ فقد
عاكسه في ذلك، وصال وجال (!) في التعليق عليه، مضعّفاً له من جميع طرقه!
وقد كنت خرجته في ((الصحيحة)) (١٠١١) من حديث المقدام، ومن حديث
أسامة، مجوِّداً إسناد الأول، ومصحِّحاً إسناد الآخر، وختمت التخريج بقولي:
((وأخرجه الطحاوي من حديث علي، وابن عمر، ومعاوية نحوه))؛ مشيراً
بذلك إلى أنَّ هذه الأحاديث تعطي الحديث قوة على قوة؛ فجاء (الهدَّام)
فانتصب لمخالفتي، وأعلّ الحديثين بما ليس بعلّة، وأشار إلى تضعيف
الأحاديث الأخرى، وهو في ذلك غير صادقٍ ولا مُصیپٍ.
وقبل الشروع في بيان هذا الكلام المجمل، لا بد لي من أن أَسترعيَ نظر
القراء إلى جهل هذا (الهَدّام) بفن التخريج، وبالفرق بين لفظ حديث وحديث
- من حيث اختلافُهما في الدلالة-؛ فقد رأينا أن ابن القيم ذكر نهيه وَ لّل عن
لبس جلود النمور والسباع؛ فلم يذكر (الهدَّام) في نقده وتخريجه للحديثين هذا
اللفظ، وإنَّما ذكره بلفظ: ((نهى عن جلود السباع))! وهذا لفظ حديث أسامة.
ومن تمام مخالفته ومشاكسته إياي، وسوء تخريجه: أنَّه بدأ تخریجه قبل
تخريج حديث المقدام، ولفظه هو الموافق لما ذكر ابن القيم؛ فلم يذكره؛ تعميةً
لمعناه إلى ما قد يدلَّ عليه معنى اللفظ الذي ذكره؛ مما لا يتفق مع صريح
معنى حديث المقدام؛ فقد تأوّله بعضهم بأن النهيَ عن جلود السباع مُقَيَّدٌ بما
إذا لم يدبغ، كما جاء في ((التمهيد)) (١٦٣/١)، و((الجوهر النقي)) (١٨/١).
فلو أنَّ (الهذَّام) كان مخلصاً في تخريجه، وعلى شيء من العلم والفقه

٥٩
((النصيحة ... ))
والفهم للفرق بين دلالة الحديثين لبدأ بالأول منهما، وإن كان قد ضعّفهما
كليهما معاً؛ وهذا من جَنَفِه وظلمه للسنة؛ وهاك البيان:
أولاً : لقد أعّ حديث المقدام بأمرين يتعلّقان بشخص (بقية بن الوليد):
أحدهما: التشكيك في ثبوت تصريح بقية بالتحديث.
فأقول: هكذا يُلقي الكلام على عواهنه، ولا يذكر أيَّ سبب للتشكيك؛
مما لا يعجز عنه أجهلُ الناسِ وأخبثُ الناسِ؛ وذلك قوله: ((إنْ صحَّ التصريح
بالتحديث عند أحمد))! وحكاية هذا يغنينا عن تكلّف الرد عليه، لوضوح
تفاهته وسقوطه، ولكني -مع ذلك- أضع التصريح بين أيدي القراء، ليصفعوا
به وجہ کل مکابر عنید:
قال الإمام أحمد (١٣١/٤-١٣٢): حدثنا حَيوة بن شُريح، وأحمد بن
عبد الملك، قالا: ثنا بقية: ثنا بَحِير بن سعد ... (فساق إسناده الصحيح).
قلت: فهذان ثقتان قد حدَّثا عن بقية مصرِّحاً بالتحديث؛ نحن لا ندَّعي
العصمة لأحد من الرواة، ولو كان من الأئمة الثقات، ولكننا لا نرضى
-بالمقابل- التشكيكَ في حفظهم، والطعنَ في رواياتهم بمجرد الدعوى، وإلا
بطلت العلوم كلها؛ إلا ما شاء الله؛ ومثل هذا قد يتعدى إلى الشك في
أصولنا كلها، كما فعل بعض مُتَعَصِّبة الحنفية في الهند أو الباكستان، فَشَكَّكَ
في نسبة ((المسند)) للإمام أحمد، فرددت عليه في كتاب ((الذب الأحمد)) -وهو
تحت الطبع -.
هذا ما يتعلّق بالأمر الأول.
أمّا الأمر الآخر؛ فهو قوله: (( ... وإنْ صرَّح بقية بالتحديث؛ فالمشكلة في
بقيّةَ نفسِهِ)).

٦٠
((النصيحة ... ))
فأقول: هكذا -أيضاً- يشكّك في شخص (بقية)، ثم يولِي الأدبار، ولا
يبين ما حاله، وما موقفُه منه، فهو في ريبه يتردّد! والحقيقة أن (بقية) فيه كلام
كثير يحار فيه الجهلة الذين لا علم عندهم بهذا الفن، وعلم الجرح والتعديل؛
فَمَن كان يدّعي العلم والمعرفة؛ فعليه أن يبين وجهة نظره فيما قيل فيه، على
أساس ﴿هاتوا برهانكم﴾، لا مجرد الدعوى التي لا يعجِزُ عنها أحد، وما قيل
فيه يدور بين مُؤَثِّق توثيقاً مطلقاً، وُمَضِّعف تضعيفاً مطلقاً، ومن قائل: ((له
مناکیر))، ومتوسط فیه یفرق بين عنعنته وتحدیثه.
وهذا الأخير هو الذي تطمئنُّ إليه النفس، وينشرح له الصدر، واستقرَّ عليه
رأيُ الحُفّاظ المُطَّلعين على تلك الأقوال الصادرة فيه من أئمة الجرح
والتعديل، وقامت عليه كتبُ التخريج؛ فهذا هو الإمام الذهبي النّقّاد - مع ذكره
الخلافَ المشارَ إليه في كتابه («المغني)) - فقد بالغ في الثناء عليه، ويشير إلى
أنَّ تلك المناكير مغفرةٌ بالنسبة لكثرة حديثه، فقال فيه: ((أحد الأئمة الحفاظ،
يروي عمّن دبَّ ودرج، وله غرائب تستنكر -أيضاً - عن الثقات؛ لكثرة
حديثه ... ))؛ ثم ذكر الأقوال فيه، وختمها بقول النسائي: ((إذا قال: (ثنا)، و(أبنا)
فهو ثقة))، واعتمده في ((الكاشف))، فقال: ((وثقه الجمهور فيما سمعه من
الثقات، وقال (س): إذا قال: (ثنا) و(نا) فهو ثقة))(١)؛ ولذلك أورده في كتابهِ
((الرواة المتكّلم فيهم بما لا يوجب الرّ)) (ص٧٦)، وقال الحافظ ابن حجر:
((صدوق كثير التدليس عن الضعفاء)).
قلت: يعني تدليس الإسناد؛ ففيه إشارة إلى عدم اتهامه بتدليس التسوية
(١) ونحوه في ((سير أعلام النبلاء)) (٤٥٨/٨)، وقد بسط الكلام فيه؛ فراجعه؛ فإِنَّه مهم
جداً.
ومنه يتبين أنَّه إذا صرح بالتحديث عن ثقة - كما هنا- فهو حجةٌ؛ إلا إذا خالف الثقات.