Indexed OCR Text

Pages 381-400

الكتاب السابع وَالعشرون
كتاب الشفا للقاضى عياض
رحمَهُ اللّه تعالى
( وبالسند إليه (٢) قال الإِمام أبو الفضل عياض بن موسى بن
عياض اليحصبي ) مثلثة الصاد نسبة إلى يحصب بن مالك قبيلة من
حمير ، كان رحمه الله تعالى إمام وقته في الحديث وعلومه والنحو
واللغة وكلام العرب وأيامهم وأنسابهم ، وله التصانيف المفيدة .
واستقضى ببلده ((سبتة)) مدة طويلة حُمِدَت سيرتُهُ فيها ، ثم نُقل منها
إلى قضاء غرناطة فلم تطل مدته فيها ، وتوفي بمراكش مسموماً ، سمّهُ
يهودي سنة ( ٥٤٤ )، وكانت ولادته بمدينة سبتة سنة ( ٤٧٦)
و شيوخه يقاربون المئة.
قال ( رحمه الله تعالی في کتابه المذکور قبیل الباب(٣) ؛ حدثنا
القاضي الشهيد ) ببعض ثغور الأندلس في وقعة سنة (٥١٤ ) ( أبو علي
الحسين بن محمد الحافظ قراءةً ) منصوب بنزع الخافض أو مفعول
(١) سقط من ط : كتاب .
(٢) سقط من ط : وبالسند إليه .
(٣) في م، ط : قبيل الباب الأول وبالسند إليه حدثنا .
٣٨١

مطلق أي : وأنا أقرأ قراءة ( مني عليه قال : حدثنا أبو الحسين المبارك
ابن عبد الجبار (١) وأبو الفضل أحمد بن خيرون ) بفتح معجمة فسكون
تحتية ممنوعاً وقد يُصرف ( قالا : حدثنا أبو يعلى البعدادي(٢) قال:
حدثنا أبو علي السِّنجي (٣) ) بكسر السين المهملة ثم نون ساكنة ثم جيم
نسبة لسنج قرية بمرو ( قال : حدثنا محمد بن أحمد بن محبوب
قال(٤) : حدثنا أبو عيسى بن سَوْرة ) بفتح المهملة وسكون الواو وفتح
الراء هو الإِمام الترمذي الجليل صاحب السنن الشهيرة ( الحافظ قال
حدثنا إسحاق بن منصور(*) قال : حدثنا عبد الرزاق(٦) قال : أخبرنا
معمر (٧) عن قتادة (٨) عن أنس (٩) رضي الله عنه أن النبي صلى الله
عليه وسلم أَتِيَ بالبُرَاق ) بضم الموحّدة دابّة فوق الحمار ودون البغل
(١) أبو الحسين المبارك بن عبد الجبار المعروف بابن الطيوري . قال ابن السمعاني :
كان مكثراً صالحاً أميناً صدوقاً صحيح الأصول ... توفي في ذي القعدة عام ( ٥٠٠
هـ) ببغداد.
(٢) هو محمد بن الحسين ... ابن الفراء عالم عصره في الأصول والفروع وأنواع
الفنون . ولي القضاء فاشترط ألا يحضر المواكب ولا يقصد دار السلطان . من كتبه
((الأحكام السلطانية)). توفي عام (٤٥٨ هـ).
(٣) الحسين بن شعيب بن محمد السِّنْجي. فقيه مرو في عصره . نسب إلى سِنج من
قرى مرو في خراسان . توفي عام ( ٤٢٧ هـ) .
(٤) سقط من ب، م : قال
(٥) إسحاق بن منصور المروزي فقيه من رجال الحديث . له مسائل كثيرة دَوَّنها عن الإِمام
أحمد . توفي عام (٢٥١ هـ).
(٦) عبد الرزاق الصنعاني أبو بكر، وقد سبقت ترجمته في ص : ٣٣٧ .
(٧) معمر بن راشد الأزدي أبو عروة المتوفى عام (١٥٣ هـ) وقد سبق ذكره .
(٨) قتادة بن دعامة السدوسي البصري أبو الخطاب ، مفسر حافظ ضرير ، قال ابن
حنبل : قتادة أحفظ أهل البصرة . توفي عام (١١٨ هـ)
(٩) في م ، ب ، ط : أنس بن مالك .
٣٨٢
ا
1

مأخوذ من البريق بمعنى البياض لأنه أبيض أو من البرق لسرعة سيره
( ليلة أُسْرِي به مُلجَماً مُسْرَجاً ) أي مهيّاً للركوب بسرجه ولجامه
( فاستصعب عليه ) أي على النبي صلى الله عليه وسلم ، والسين والتاء
زائدتان للتوكيد أي نفر نفراً قوياً، وسيأتي للمصنف حكمة ذلك .
( فقال له جبريل : أبمحمدٍ تفعل هذا فما ركبك أحدٌ أكرمُ على الله
منه ، قال: فارفضّ عرقاً (١). انتهى (٢)) خاطبه مخاطبة العقلاء لما له
من الإِدراك عند أهل البصائر والإِدراك . ( وقوله(٣) : فارفضّ بتشديد
الضاد المعجمة ) معناه ( انتشر (٤) عرقه وكثر) إشارة إلى أن عرقا
منصوب على التمييز محول عن الفاعل ، وإنما سال عرقه ( لحيائه
وخجله من النبي صلى الله عليه وسلم ) وعند ابن سعد في الطبقات :
قال جبريل : (( ألا تستحيينُ يا بُراقُ مما تصنعين ؟ والله ما ركب عليكِ
عبدٌ لله قبلَ محمدٍ أكرمُ على الله منه )) فاستَحْيَتْ حتى ارفضّت عرقاً ،
ثم أقرّت حتى ركبها . وقول المصنف ( فنفر منه واستصعب عليه ) لم
يظهر هذا التفريع ، فإن النفور والاستصعاب لم يتسبب عن حيائه
لتقدمهما عليه ، بل الأمر بالعكس بواسطة تقريع جبريل عليه السلام .
فما أفادته عبادته من جعل النفور والاستصعاب مسبباً عن الحياء
والخجل أنه هو القول الأول حتى عطف عليه ما بعده بقوله(٥) ، وقيل :
(١) رواه الترمذي (برقم: ٣١٣٠) وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث
عبد الرزاق . كما رواه الإِمام أحمد بالسند نفسه في (المسند ٣ / ١٦٤) وفيه زيادة :
((ليركبه)) بعد قوله ملجماً.
(٢) سقط من م ، ط : انتهى .
(٣) في ط : قوله .
(٤) في ب : أي انتشر .
(٥) كذا وردت الجملة في الأصل ولعله سقط منها ما يتم به المعنى نحو : غريب وتغدو =
٣٨٣

غريب جداً وحق العبارة أن يقول كما قال الخفاجي(١) في ((شرح
الشفا)) الذي منه استمدّ المصنف هذه الأقاويل : وسبب استصعابه فيه
وجوه ، قيل: تيهاً ... الخ فما هنا تصرف مشوش (وقيل :
استصعب تيهاً وإعجاباً به عليه) وعلى آله ( الصلاة والسلام ، وقيل
ليفوز بوعده) أي ليعده صلى الله عليه وسلم بالركوب عليه يوم
القيامة، فلما وعده بذلك قرّ وسكن ( وقيل لبعد عهده بركوب الأنبياء له
عليهم ) وعلى آلهم ( الصلاة والسلام) قال الدردير(٢): هذا مما
تستبعده النفوس . وبقي من وجوه الاستصعاب أنه للإشارة إلى قوته وأنه
متمكن من قطع المسافة الطويلة في أسرع زمن وليس بالضعيف والله
أعلم .
( وإلى ) الوجه ( الأول أشار الشهاب ) أحمد بن محمد بن عمر
( الخفاجي ) المصري صاحب التصانيف السائرة وأحد أفراد الدنيا في
العلم وجودة النثر والنظم . كانت وفاته في رمضان سنة ( ١٠٦٩ ) وقد
أناف على التسعين. وترجمته مبسوطة في ((خلاصة الأثر(٣))) النابغة
الجملة هكذا : فما أفادته عبارته ... أن ( أي أن الحياء والخجل ) هو القول
الأول حتى عطف ما عليها بعده ( أي فنفر منه واستصعب عليه ) .. غريب أو نحوها ،
وتكون كلمة ((غريب)) خبراً للمبتدأ ((ما)) في أول العبارة .
(١) أحمد بن عمر الخفاجي وستأتي ترجمته بعد أسطر .
(٢) أحمد بن محمد العدوي المالكي الأزهري الخلوتي الشهير بالدردير المتوفي عام
(١٢٠١ هـ) في حياته أحداث وتفصيلات طريفة أوردها البيطار في حلية البشر
(١٨٥/١ ) .
(٣) في الجزء الاول ص : ٣٤٩.
٣٨٤

الأدباء الأمين المحبي الدمشقي (١) ( في شرح الشفا(٢) بقوله :
يَعلو عَلَيْه لأجلِ جُلِّ مَصَالِحِهْ
عرق البُراقُ وَقَد أراد محمد
مُتَأَسفاً يبكي بكل جَوَارِحِهْ(٣)
فَكَأنّه لِفَارِهِ خَجَلا غداً
قال المصنف ( وقلت في ذلك مشيراً للجميع ) أي من الأوجه
التي ذكرها :
لما أرادَ ركوبَهُ للباري
عَرِق البراق لِهَيْبَةِ المختارِ
أو كي يفوزَ بوعده الزخّار
مستصعباً تيها وإعجاباً به
الأنبياء السادة الأطهَارِ (٤)
أو ذاك من طول البعاد بأهله
وعلى الوجه الأخير الذي ذكرناه تذييل أبيات المصنف بقولي :
للسَّير في الأَنجادِ والأغْوَارِ(٥)
أو للإِشارة أنّه ذو قُوّةٍ
(١) محمد أمين بن فضل الله المجي الدمشقي الحنفي ، شاعر، مؤلف ، توفي عام
(١١١١ هـ). عني كثيراً بتراجم أهل عصره فصنف ((خلاصة الأثر في أعيان القرن
الحادي عشر)) وطبع في أربع مجلدات. له ترجمة واسعة في كتاب ((سلك الدرر
في أعيان القرن الثاني عشر)) ج ٤ ص : ٨٦ - ٩١ .
(٢) أي كتاب ((نسيم الرياض في شرح شفاء القاضي عياض))، المطبوع في أربعة
مجلدات ، وهو شرح لكتاب القاضي عياض ((الشفا بتعريف حقوق المصطفى)).
(٣) في م ، ب ، ط زيادة : انتهى .
(٤) في م ، ب ، ط : الأخيار بدل الأطهار .
(٥) الأنجاد مفردها نَجْد وهي المرتفعات ، الأغوار مفردها غَوْر وهي المنخفضات .
٣٨٥

الكتاب الثامن والعشرون
شَرْحُ السُّنَّةِ لِلِبَغَويّ
رَضي الله عنه
( قال الإِمام محبي السنة ) أبو محمد ( الحسين بن مسعود )(١) بن
محمد ( البغوي ) الفرّاء ( رحمه الله تعالى) كان بحراً في العلوم ،
وأخذ الفقه عن القاضي حسين (٢) وروى الحديث وصنّف في التفسير
وأوضح المشكلات من الأخبار النبوية ، وله (( الجمع بين الصحيحين))
و((التهذيب)) في الفقه وغير ذلك . كان لا يلقي الدرس إلا على
الطهارة ، وكان يأكل الخبز البحت ، فعُذل في ذلك فصار يأكل الخبز
مع الزيت . توفي في شوال سنة ( ٥١٠ ) بمرورُوذ ودفن عند شيخه
القاضي حسين بمقبرة الطالقاني ، وفي فوائد المنذري أنه توفي سنة
(٥١٦) والله أعلم ، وفي ثبت الأمير أنه توفي عن ثمانين سنة .
و((البغوي)) نسبة إلى بلدة بخراسان يقال لها: ((بخَ))
و((بغْشور)) بفتح الباء وسكون الغين وضم الشين، وهذه النسبة شاذة
(١) في ط : الحسين بن منصور، والصحيح : مسعود .
(٢) حسين بن محمد بن أحمد المروزي شيخ الشافعية في زمانه، وإذا أطلق القاضي في
كتب متأخري المراوزة فالمراد المذكور . توفي عام (٤٦٢ هـ) .
٣٨٦
1

على خلاف القياس ، والفرّاء : نسبة الى عمل الفراء وبيعها .
( في أوّل كتابه (١) المذكور بالسند إليه : أخبرنا أبو سعيد أحمد
ابن محمد بن العباس الخطيب قال (٢): حدثنا ابو عبد الله محمد بن
عبد الله الحافظ قال : حدثنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الأصبهاني
قال : حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي(٣) قال: حدثنا القعنبي (٤)
عن مالك عن يحيى بن سعيد ح(٥) وأخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله
ابن توبة(٦) الكشمَيْهني) نسبة إلى ((كشميهنة)) بالضم وفتح الهاء وكسر
الميم وقد تفتح ، وقد يقال: (( كشماهن)) قرية بمرو القديمة خربت ،
نسب اليها جماعة من المحدّثين منهم شيخ البغوي المذكور ، ومنهم
أبو عبد الله محمد بن أحمد غنجار(٧) واشتهر برواية البخاري عن
الفربري (٨). روى عنه أبو ذر عبد(٩) بن أحمد الهروي كتاب
(١) في م ، ب : الكتاب .
(٢) سقط من م ، ب : قال .
(٣) أبو إسحاق الأزدي مولاهم ، فقيه مالكي ، تولى القضاء ، وله كتب كثيرة . توفي
عام (٢٨٢ هـ).
(٤) في ط : حدثنا القعنبيّ ، وفي الأصل : إسحاق القعنبي ولم أجد هذا الاسم فيمن
كانت لهم رواية عن مالك ، وقد ذكرت كتب التراجم عبد الله بن مسلمة بن قعنب
القعنبيّ المتوفى عام (٢٢١ هـ) روى (( الموطأ)) عن مالك بن أنس ، وقد سبق
ذكره وترجمته في ص : ١٨٠ .
(٥) حرف : ح رمز لانتقال الراوي من سند إلى سند آخر .
(٦) في م ، ب ، ط : بن أبي توبة .
(٧) صاحب ((تاريخ بخارى)) وقد سبق ذكره ص : ١٢١ .
(٨) أبو عبد الله محمد بن يوسف الفربري صاحب البخاري . سبق ذكره ص : ١٢٤،
وفيها أنه ضبط بفتح الفاء وكسرها .
(٩) في الأصل : عبد الرحيم وهو أبو ذر عبد بن حميد الهروي المتوفى عام (٤٣٤ =
٣٨٧

البخاري قراءة عليه بكشميهن في المحرم سنة (٣٨٩) ومات في هذه
السنة بقريته في يوم عرفة ، كذا في القاموس وشرحه: ( واللفظ له
قال : أخبرنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن الحارث قال : حدّثنا أبو
الحسن محمد بن يعقوب الكسائي ) وقوله ( البابان )(١) إن كان لقبا
فلا إشكال فيه ، وإن كان نسبة إلى ((بابان)) المحلّة الكبيرة بأسفل
مروفحقّه ((الباباني)) ( قال: حدّثنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن محمود
قال: حدّثنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبدٍ)(٢) بالتنوين (الخلال)
بتشديد اللام ( قال : حدّثنا عبد الله بن المبارك) تأتي ترجمته قريباً(٣)
(عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم التيمي عن علقمة بن وقاص
الليثي (٤) عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : قال رسول الله
صلّى اللّه عليه وسلم: ((إنّما الأعمالُ بالنّات، وَإنّما لامرِىءٍ)) (٥)
وكتب بهامش: لكل امرىء (مَا نَوَى، فَمَنْ كانَ هِجْرَتُهُ إِلى اللهِ وَرَسولِهِ
فَهِجْرَتُهُ إِلى اللّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَن كَانَتْ هِجرتُهُ إلى دُنيا يُصِيبُهَا أوِ امْرَأَةٍ
يَنْكِحُها فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إلَيْهِ) . سبق شرحه أول الكتاب فلا إعادة (٦).
هـ) . روى الصحيح عن ثلاثة من أصحاب البخاري ، وصنف مستخرجاً على
الصحيحين .
(١) في ط : البابانيّ.
(٢) كذا في الأصل : و: م ، ب وفي ط : عبد الله وهو إبراهيم بن عبد الله بن أحمد
الخلال أبو إسحاق المروزي . وثقة ابن حبّان. توفي عام (٢٤١ هـ).
٠
(٣) في ص : ٣٨٩.
(٤) سبق ذكر الجميع وترجمتهم في ص : ١٣٠ .
(٥) في م : وإنما لكل امرىء .
(٦) سبق شرح الحديث في ص : ١٣١ وما بعدها .
٣٨٨

الكتاب النّاسِع وَالعُشِرُون
كِتَابٌ: الزهْدَ وَالرّقائِق لابْن المبَارك
رَضِىَ الله عَنْه
( قال الإِمام أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك) بن واضح
الحنظلي مولاهم (المروزي رحمه الله) تعالى(٢) أحد الأئمة الأعلام
وشيوخ الإِسلام ، كتب عن أربعة آلاف شيخ وروى عن ألف . قال ابن
معين : ثقة صحيح الحديث .
كان قد جمع بين العلم والزهد ، كثير(٣) الانقطاع، محباً
للخلوة ، شديد التورّع، وكذلك كان أبوه ، ومن كلامه : تعلّمنا العلم
للدنيا فدلّنا على ترك الدنيا .
وكان قد غزا ، فلما انصرف من الغزو وصل الى ((هيت )) بكسر
الهاء مدينة على الفرات فوق الأنبار من أعمال العراق فتوفي بها في
رمضان سنة ( ١٨١) وقيل: اثنتين، ومولده بمرو سنة (١١٨)
(١) سقط من ط: كتاب .
(٢) جاء فعل ((تعالى)) في ب في المتن .
(٣) في الأصل : كثيراً .
٣٨٩

ولما تولى ابن عُليَّة (١) القضاء للرشيد كتب إليه ابن المبارك رضي
الله عنه :
يَصطادُ أموالَ السَّلاطينِ
يا جاعِلَ العلم له بازياً
بحِيلةٍ تذهبُ بالدينِ
احتلتَ للدنيَا ولذّاتها
كنتَ دَوَاءً للمجانِين
فصرتَ مجنوناً بِهَا بَعدَمَا
عن ابن عوفٍ وابن سِيْرين(٢)
أينَ رواياتُكَ فِي سرْدِها
لترك أبواب السَّلاطين
أين رواياتك في سردها
زلّ حمار العلم في الطينِ
إنْ كنتَ أُكرهتَ فذا باطل
فلما وقف عليها ندم على توليه القضاء واستعفى الرشيد فأعفاه
وعاد إلى صحبة ابن المبارك . ومناقبه وافرة رضي الله عنه .
( في حديث القيام بالقرآن وفضل شريح الحضرمي (٣) وهو أوله
بالسند إليه (٤): أخبرنا يونس (٥) عن الزهري قال : أخبرني السائب بن
(١) أبو بشر اسماعيل بن إبراهيم الأسدي مولاهم، وعُلَيَّة أمه أحد كبار المحدّثين
الثقات ، وقد نقل الذهبي في تذكرة الحفاظ (١ /٢٩٦) أقوال كثير من العلماء
أجمعوا على توثيقه وتقديمه . توفي عام (١٩٣ ) هـ .
(٢) محمد بن سيرين أبو بكر البصري الأنصاري بالولاء . تابعي ، إمام وقته في علوم
الدين بالبصرة ، اشتهر بالورع وتعبير الرؤيا . أريد على القضاء فأبى وهرب إلى
الشام. توفي عام (١١٠) هـ .
(٣) ذكره ابن حجر في الإصابة ( الترجمة ٣٨٨٩ ج ٢ ص ١٤٧ ) باسم شريح الحضرمي
وساق الحديث الذي سيأتي. وذكره ابن عبد البر في الاستيعاب ( هامش الإِصابة
ج ١٤٥/٢) قال: ذكر شُرَيح بن الحضرميّ ... ثم ساق الحديث المذكور .
(٤) في ط : قال أخبرنا .
(٥) في الأصل وم ، ب : يوسف ، وفي ط : يونس ، وهو يونس بن يزيد الأموي
مولاهم أبو يزيد ، قال ابن مهدي وابن المبارك : كتابه صحيح ، وقال أحمد بن :=
٣٩٠

يزيد رضي الله عنه) وعن أبيه ، قال صفيّ الدين(١): السائب بن يزيد
ابن سعيد بن ثمامة الكندي ، وقال الزهري : من الأزد عداده في كنانة
ويعرف بابن أخت نمر، صحابي ابن صحابيّ، له أحاديث اتفقا على
حديث وانفرد البخاري بخمسة. حج به أبوه حجة الوداع وهو ابن
سبع سنين، ومات بالمدينة سنة (٨٦)(٢) وقيل (٩١) وهو من آخر
الصحابة موتاً بالمدينة(٣). ( أنّ شريحاً الحضرمي ) قال في
((أسد الغابة)): كان من أفاضل اصحاب النبي صلى الله عليه
وسلم ، وساق الحديث المذكور ( ذُكر عند النبي (٤) صلى الله عليه
وسلم فقال : ((ذَاكَ رَجُلٌ لا يَتَوَسَّدُ القُرآن))(٥) وهل هذا التركيب
البديع مدح له أو ذم ( قيل : هو مدح له بأنّه لا ينام حتى يقرأه أو يقرأ
منه ) فلا ينام عنه ولكن يتهجّد به ، ولا يكون القرآن متوسداً معه بل هو
يداوم قراءته ويحافظ عليها ، لا كمن يتهاون به ويخلّ بالواجب من
صالح : لا نقدم أحداً على يونس في الزهري . وثقه النسائي وغيره مات عام
=
( ١٥٩ ) هـ .
(١) أي صفي الدين الخزرجي في الخلاصة ص : ١٣٢ .
(٢) في الأصل (٦٨) وهو سهو .
(٣) قال في الخلاصة : وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة رضي الله عنهم . ونقل
الخزرجي كذلك في الخلاصة في ترجمة سهل بن سعد الخزرجي الأنصاري أنه آخر
من مات بالمدينة ( الخلاصة ص: ١٥٧) .
(٤) في ب ، ط : رسول الله .
(٥) أخرجه الإِمام أحمد من حديث السائب بن يزيد (٤٤٩/٣) . وقال الحافظ ابن
حجر ( ترجمة شريح الحضرمي رقم: ٣٨٨٩ ج ١٤٧/٢ )، جاء ذكره في حديث
صحيح أخرجه النسائي من طريق الزهري عن السائب بن يزيد أن شريحاً
الحضرمي ... )) وساق الحديث ثم قال: وأخرجه البغوي والطبراني وابن منده
وغيرهم .
٣٩١

تلاوته . وضرب توسّده مثلاً للجمع بين امتهانه والاطّراح له ونسيانه ،
هذا على احتمال كونه مدحاً ، وقيل : إنه ذم ، أي لا يُكبّ
على تلاوته ، وإذا نام لم يكن معه من القرآن شيء مثل إكباب
النائم على وساده . قال أبو منصور: وأشبههما أنه أثنى عليه وحمده .
وقد روي في حديث: ((مَنْ قَرَأْ ثلاثَ آياتٍ مِنَ القُرآن لم يَكُنْ مُتَوَسِّدا
للقرآن))(١) ومن الأول قوله صلى الله عليه وسلم: ((لاَ تَوَسَّدُوا القرآن
وآَتْلُوه حَقَّ تِلَوَتِهِ ولا تَسْتَعْجِلُوا ثَوَابَهُ فَإِنّ له ثَوابًا (٢). ومن الثاني ما
يروى أن رجلاً قال لأبي الدرداء رضي الله عنه : أني اريد أن أطلب
العلم فأخشى ان اضيّعه ، فقال : لأن تتوسد العلم خير لك من ان
تتوسد الجهل . قال العلامة الفاسي : وما كان من الألفاظ والتراكيب
محتملاً كهذا التركيب سمي مثله عند اهل البديع : الإِيهام والتورية
والمواربة اي المخاتلة ، كذا في القاموس وشرحه .
(١) أورده ابن الأثير في ((النهاية)) (ج ٢٢٢/٤) بلفظ: ((من قرأ ثلاث آيات في ليلة لم
يكن متوسداً للقرآن )).
(٢) روي في منتخب كنز العمال من حديث ابن المبارك عن طاووس مرسلاً كما روي
في الإبانة من حديث طاووس عن أبي هريرة: ((يا أهل القرآن لا توَسّدوا القرآن
واتلوه حق تلاوته آناء الليل والنهار، وأَفشُوه وتَغَنَّوا به وتَدَبَّرُوا ما فيه لعلكم
تُفْلِحُون، ولا تَعَجَّلُوا ثوابه فإن له ثواباً)) الحديث ( منتخب كنز العمال
ج ٣٨٨/١) .
٣٩٢

الكتاب والثلاثون
نَوَادُ الأصُول ◌ِلِحَكِيم التَّمَذي
قدّس الله سرّه
( قال الإِمام ابو عبد الله محمد بن عليّ بن الحسن (١) بن بشر
الحكيم الترمذي )(٢) الزاهد الحافظ المؤذن صاحب التصانيف ، قال
الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) في ترجمته : روى عن أبيه وقتيبة بن
سعيد(٣) وجماعة عدّدهم ثم قال: وعني بهذا الشأن ورحل فيه (٤).
روى عنه يحيى بن منصور القاضي(٥) والحسن بن علي وعلماء
نيسابور فإنه قدمها في سنة خمس وثمانين ومئتين . قال السلمي : نفوه
من ترمذ بسبب تأليفه كتاب ((ختم الولاية)) وكتاب ((علل الشريعة))،
وقالوا : زعم أنّ للأولياء خاتما(٦) وأنه يفضل الولاية ، واحتج بقوله
(١) في ط : الحسين والصحيح ما أثبته المصنف .
(٢) في م، ب ، ط زيادة : الصوفي رحمه الله تعالى.
(٣) قتيبة بن سعيد أبو رجاء البغلاني المتوفى عام (٢٤٠) هـ .
(٤) الترجمة ٦٦٨ ج٦٤٥/٢ وجاء اسمه : محمد بن علي بن الحسن .
(٥) لعله يحيى بن معلى بن منصور الرازي الذي روى عنه ابن ماجه ووثقه الخطيب .
(٦) في الأصل : خاتمة . وقد ذكر مترجموه أنه كان يقول : للأولياء خاتم كما أن للأنبياء
خاتماً .
٣٩٣

عليه السلام: (( يغبطهم النبيون والشهداء))(١) وقال: لو لم يكونوا
أفضل لما غبطوهم. فجاء إلى ((بلخ)) فأكرموه لموافقته إياهم في
المذهب . قلت : عاش نحواً من ثمانين سنة (٢) انتهى كلام
الذهبي .
( في حديث التحصين من لدغ العقرب وغيرها وهو أوله ،
وبالسند (٣) حدثنا قتيبة بن (٤) سعيد عن مالك بن أنس عن سهيل (٥)
ابن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال . قال رجل یا
(١) رواه الترمذي من حديث أبي مسلم الخولاني عن معاذ بن جبل قال : سمعت رسول
الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله عزّ وجلّ: ((المتحابون في جلالي لهم منابر
من نور يغبطهم النبيّون والشهداء)) قال : هذا حديث حسن صحيح ( أبواب الزهد
ج ١١٩/٧، رقم الحديث ٢٣٩١). ورواه الإِمام أحمد مطوّلاً من حديث معاذ
وزاد عليه أن أبا مسلم خرج من المسجد فلقي عبادة بن الصامت فقال : يا أبا الوليد
ألا أحدثك بما حدثني معاذ بن جبل في المتحابين ، قال: فأنا أحدثك عن النبيّ صلى
الله عليه وسلم يرفعه إلى الرب عز وجل قال: حَقّتْ محبتي للمتحابين فيّ ، وحقّت
محبتي للمتزاورين فيّ ، وحقّت محبتي للمتباذلين فيّ ، وحقّت محبتي للمتواصلين
فيّ )) الحديث ( المسند ٢٢٩/٥، ٢٣٩، ٣٢٨) كما روى نحوه من حديث أبي
مالك الأشعري (٠٠٠٣٤١/٥) .
(٢) اختلف في سنة وفاته فقيل (٢٥٥) هـ أو (٢٨٥) هـ والأصح أنه توفي نحو عام
(٣٢٠) هـ فقد روى السبكي عنه أنه حدّث بنيسابورعام (٢٨٥) هـ. وقال ابن
حجر في لسان الميزان : إن الأنباري سمع منه عام (٣١٨) هـ. وذكره ابن العماد
في وفيات عام ( ٣٢٠ ) هـ .
(٣) في م ، ب : وبالسند إليه . وفي ط زيادة : قال .
(٤) في ب : كنية وهو تصحيف. قال ابن العماد في شذرات الذهب (٩٤/٢ ):
واسمه يحيى وقيل عليّ، ولقبه: قتيبة . ا.هـ.
(٥) في الأصل ، م ، ب : سهل ، وهو سهيل بن أبي صالح السمان المدني أبو يزيد ،
كان كثير الحديث ثقةً مشهوراً. أخذ عنه مالك والكبار وتوفي عام ( ١٤٠) هـ .
٣٩٤

رسول الله ما نمت البارحة، قال: (( مِنْ أَيّ شَيْءٍ؟)) قال: لدغتني
عقرب ) قيل: اللدغ بالفم واللسع بالذَّنب، وقال الليث : اللدغ
بالناب وأما اللذع بإعجام الدال وإهمال العين فهو للحارّات كالنار ،
يقال : لذعته النار : لفحته وأحرقته ، ومن جوز إعجام الدال مع الغين
المعجمة في معناه فقد وهم لما علم أن الذال والغين المعجمتين لا
يجتمعان في كلمة عربية، كذا في القاموس وشرحه. (فقال) صلى الله عليه
وآله وسلم ( أَمَا إِنَّكَ لَوْ قُلْتَ حِيْنَ أَمْسَيْتَ )(١) وفي نسخة :
((اضطجعت)) وفي غيرها: ((أصبحت)) كذا كتب بهامش (أَعُوْذُ
بِكلمات اللهِ ) وفي رواية ((كلمة)) بالإِفراد ، والمراد بها كلّ ما ورد في
كتابه تعالى أو على لسان نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم (التَّمَّاتِ ) أي
التي لا نقص (٢) فيها ولا عيب ، وقيل : هي النافعات الكافيات
الشافيات من كل ما يتعوذ منه (كُلُّهاَ مِنْ شَرِّ مَأْ خَلَقَ ) (٣) أي من شر
خلقه ، وشَرُّهم ما يفعله الناس من المعاصي والآثام ومضارَّة بعضهم
(١) في ب : أصبحت .
(٢) في الأصل: نقض. وجاء في النهاية (١٤٣/١): أعوذ بكلمات الله التامات :
إنما وصف كلامه بالتمام لأنه لا يجوز أن يكون في شيء من كلامه نقص أو
عیب . ا.هـ.
(٣) في م ، ب ، ط زيادة: لم يضرك شيء إن شاء الله تعالى . والحديث رواه مسلم من
حديث القعقاع بن حكيم عن أبي صالح عن أبي هريرة وفيه: (( لم تضرّك ( الحديث رقم
٢٧٠٩) ورواه أبو داود (برقم ٣٨٩٨) وابن ماجه ( برقم : ٣٥١٨) والترمذي ( برقم
٣٦٠٠) بلفظ: ((من قال حين يمسي ثلاث مرات: أعوذ بكلمات الله التامّات من شرّ
ما خلق لم يضرّه حُمة تلك الليلة)) قال: هذا حديث حسن. ( فى النهاية : الحمة
بالتخفيف السمّ وقد يشدّد وأنكره الأزهري، ويطلق على إبرة العقرب: ٣٩٧/١) كما
رواه الإمام أحمد في المسند (٢٩٠/٢، ٣٧٥، ٤٤٨/٣: ٤٣٠/٥) بألفاظ
متقاربة ، وكل ما ذكرناه من الروايات جاء بلفظ: ((أمسيت)).
٣٩٥

١
بعضاً من ظلم وبغي وقتل وحرب وشتم وغير ذلك ، وما يفعله غيرهم
من الأكل والنهش واللدغ والعض كالسباع والحشرات . وجواب (( لو))
محذوف أي ((لم يضرك)) كما في مسلم، وعند ابن السني: ((لم يضرك
شيء)).
وهذا التعوّذ الجليل مما ينبغي المواظبة عليه صباحاً ومساء ،
وهكذا كل ما سنّه صلى الله عليه وسلم في أدبار الصلوات وعند
الصباح والمساء والنوم واليقظة . وقد جمعت بحمده تعالى كتاباً لطيفاً
في ذلك سميته (( الأوراد المأثورة))(١) فليعض المتمسك بأذكار السنة
عليه فإنه جمع فأوعى . والحمد لله رب العالمين .
(١) كتيب يقع في أربع وستين صفحة ، طبع في بيروت عام ١٣٢٠ هـ.
٣٩٦

الكتاب الحادي وَالثلاثون
كِتَابِ الدّعاء لأبي القَاسم الطبراني("
رَحِمَهُ اللّه تعَالى
( قال الحافظ أبو القاسم سليمان بن أحمد ) بن أيوب بن مطير
اللخمي ( الطبراني رحمه الله) تعالى الحافظ العلم ، ولد بعكا في صفر
سنة (٢٦٠)، وأول سماعه بطبرية ، ورحل أولاً إلى القدس ثم رحل
في طلب الحديث من الشام إلى العراق والحجاز واليمن ومصر وبلاد
الجزيرة الفراتية ؛ وأقام في الرحلة ثلاثاً وثلاثين سنة ، وسمع الكثير ،
وعدد شيوخه ألف شيخ ، وله المصنفات النافعة الغريبة ، منها المعاجم
الثلاثة الكبير والأوسط والصغير وهي أشهر كتبه . روى عنه الحافظ أبو
نعيم وخلق . وسكن أصبهان إلى أن توفي بها في ذي القعدة سنة
(٣٦٠) وعمره مئة سنة وعشرة أشهر. والطبراني نسبة إلى طبرية ،
والطبريّ إلى طبرستان .
( في أول كتابه المذكور : هذا كتابٌ ألّفته جامع (٢) لأدعية رَسول
(١) في ط : كتاب الدعاء للطبراني .
(٢) في ط : جامعاً ، فإذا رفعت فهي صفة لكتاب أي هذا كتاب جامع ، وإذا نصبت فهي
حال من التاء أو من الهاء في ألفته .
٣٩٧

الله صلى الله عليه) وآله ( وسلم ، حداني (١) على ذلك أني رأيت كثيراً
من الناس قد تمسكوا بأدعية سجع(٢) وأدعيةٍ وُضعت(٣) عدد الأيام مما
أُلّفها الورّاقون ) أي صنّفها الورّاقون جمع ورّاق وهو الذي يورّق
ويكتب ( لا تُروى عن رسول الله صلى الله عليه ) وآله ( وسلم ولا عن
أَحَدٍ من أصحابه ولا عن أَحَدٍ من التابعين لهم بإحسان ، مع ما روي
عن رسول الله صلى الله عليه) وآله (وسلم من الكراهة للسجع في
الدعاء ) .
روى ابن أبي شيبة عن الشعبيّ قال : قالت عائشة لابن
السائب قاضي أهل مكة: ((اجتنب السجع في الدعاء فإني عهدت
رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهم لا يفعلون ذلك)) (٤)
( والتعدّي فيه ) وهو مجاوزة الحدّ المشروع فيه ، وقد روى الإِمام
(١) في م : جرّأني.
(٢) في ب : مسجعة .
(٣) في ط : على عدد .
(٤) روى البخاري حديثاً طويلاً لابن عباس ( برقم ٦٣٣٧ من فتح الباري ج : ١١ ص :
١٣٨) وآخره: ((فانظر السجع من الدعاء فاجتنبه فإني عهدت رسول الله صلى الله عليه
وسلم وأصحابه لا يفعلون إلا ذلك الاجتناب )) كما روى الإمام أحمد من حديث طويل
لعائشة أم المؤمنين فيه: ((اجتنب السجع من الدعاء ... )) الحديث ( المسند
٢١٧/٦). قال الحافظ ابن حجر ( الفتح ١٣٩/١١) ولا يرد على ذلك ما وقع في
الأحاديث الصحيحة ، لأن ذلك كان يصدر من غير قصدٍ إليه ، ولأجل هذا يجيء في غاية
الانسجام كقوله صلى الله عليه وسلم في الجهاد: (( اللهم منزل الكتاب ، سريعَ
الحساب ، هازم الأحزاب)) وكقوله صلى الله عليه وسلم: ((صدق وعدَه، وأعزّ جنده))
الحديث، وكقوله: ((أعوذُ بك من عينٍ لا تدمع ، ونفسٍ لا تشبع ، وقلبٍ لا يخشع)).
وكلها صحيحة . قال الغزالي المكروه من السجع هو المتكلّف لأنه لا يلائم الضراعة
والذلة ...
٣٩٨

أحمد وأبو داود عن سعد مرفوعاً: (( سيكون قوم يعتدون في الدعاء))(١)
وقد استنبط الطبراني من الاعتداء في الدعاء الابتداع فيه ، إذ في
المأثور كفاية وأي كفاية ، إذ لم يدع النبيّ صلى الله عليه وسلم حاجة
لغيره . قال النووي في الأذكار في باب آداب الدعاء : الخامس أن لا
يتكلف السجع . وقد فسّر به الاعتداء في الدعاء ، والأولى أن يقتصر
على الدعوات المأثورة ، فما كلّ أحدٍ يحسن الدعاء ، فيخاف عليه
الاعتداء. انتهى قلت: وهذا ما حدا بنا إلى جمع كتاب (( الأوراد
المأثورة )) الذي نوهنا به قريبا(٢) .
( فألّفتُ هذا الكتاب بالأسانيد المأثورة عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، وبدأت بفضائل الدعاء وآدابه ، ثم رتّبتُ أبوابه على
الأحوال التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو فيها ،
فجعلت(٣) كلَّ دعاءٍ في موضعه يستعمله (٤) السامع له ومن بلغه على
مارتّبْتُه. باب تأويل قول الله عزّ وجلّ: ﴿ادْعُوْني أُسْتَجِبْ لَكُمْ إِنّ الذِينَ
يَسْتَكْبِرُ ونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّم دَاخِرِينَ﴾ ( سورة غافر: ٦٠ )
وبالسند إليه قال : حدّثنا عبدالله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم
قال: حدثنا محمد بن يوسف الفريابي ح ) تقدم الكلام على التحويل في
(١) أخرجه أبو داود من حديث طويل لسعد بن أبي وقاص ( كتاب الصلاة ، باب الدعاء
برقم : ١٤٨٠) وأخرجه ابن ماجه ( باب كراهية الاعتداء في الدعاء: ٢٢٩/٢) والإِمام
أحمد في المسند (٨٦/٤، ٥٥/٥) من حديث عبد الله بن مغفل .
(٢) في ص : ٣٩٦ .
(٣) في الأصل : جعلت ، وما أثبتناه في م ، ب ، ط .
(٤) في ط : ليستعمله .
٣٩٩

صحيح مسلم فتذكّر(١) (وحدثنا علي بن عبد العزيز (٢) قال : حدثنا
أبو حذيفة (٣) قال: حدثنا سفيان (٤) عن منصور (٥) عن ذر (٦) بن عبدالله
المرهبي عن يُسَيع ) (٧) بتحتية ثم مثلثة ثم تحتية وعين مهملة آخره
كزبير ( الحضرمي عن النعمان بن بشير) الأنصاري الخزرجي أول
مولود أنصاري في الهجرة ، له مئة وأربعة وعشرون حديثا اتفقا على
خمسة وانفرد البخاري بحديث ومسلم بأربعة . ولي الكوفة ودمشق
وقتل بالشام سنة (٦٤) يوم راهط (٨) ( رضي الله عنهما قال : قال
(١) ذكر المؤلف ذلك في ص : ١٥٤ .
(٢) علي بن عبد العزيز بن المرزبان البغوي، شيخ الحرم ، من حفاظ الحديث الثقات . توفي عام
(٢٨٦) هـ .
(٣) أبو حذيفة موسى بن مسعود البصري النهدي . روى عن سفيان وغيره ، وروى عنه
البخاري وغيره. وثقه الكثيرون وتكلم فيه جماعة. توفي عام (٢٢٠ ) هـ .
(٤) سفيان الثوري وقد تكرر ذكره .
(٥) لعله منصور بن عبد الرحمن العبدري الذي روى عنه سفيان الثوري وسفيان بن عيينة .
وثقه النسائي . مات عام (١٣٧ ) هـ وقيل: (١٣٨) هـ .
أو لعله منصور بن المعتمر السلمي أبو عتاب الكوفي أحد المشاهير الأعلام . روى عن
النخعي وأبي وائل شقيق بن سلمة وذر بن عبد الله وخلق. توفي عام (١٣٢ ) هـ . قال
أبو حاتم : متقن لا يخلط ولا يدلس .
(٦) في الأصل : زر وهو ذر بن عبد الله المُرُهِبي نسبة إلى مُرهبة بطن من همدان . أكثر
العلماء على أنه ثقة ، وقيل كان من المرجئة ومات بعد المئة .
(٧) في الأصل : يشيع ، وهو كما ذكره الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب : يُسَيع
( بالسين ) بن معدان الحضرمي ، ويقال فيه : أسيع . قال ابن حجر : ذكره ابن حبان
في الثقات . روى عن عليّ والنعمان بن بشير ، وعنه ذر بن عبد الله الحضرمي .
( تهذيب التهذيب ١١ / ٣٨٠ الترجمة ٧٤٠ ).
(٨) راهط : مرج في شرقي دمشق جرت فيه معركة شهيرة بين الأمويين والضحاك بن قيس
الفهري وقتل فيها الضحاك . وكان النعمان بن بشير الأنصاري الصحابي أميراً على
حمص فسار لنصرة الضحاك فقتله أصحاب مروان بن الحكم .
٤٠٠
١