Indexed OCR Text

Pages 241-260

باليمن (١)، وجرير بن عبد الحميد بالري (٢) ، وابن المبارك(٣)
بخراسان ، قال العراقي (٤) وابن حجر(٥): وكان هؤلاء في عصر
واحد فلا ندري أيّهم سبق . ثم تلا المذكورين كثير من أهل عصرهم
إلى أن رأى بعضُ الأئمة أن تُفْرَدَ أحاديثُ النبي صلى الله عليه وسلم
خاصة وذلك على رأس المئتين فصنف عبيد الله بن موسى (٦) الكوفي
مسنداً، وصنف مسدد البصري(٧) مسنداً، وصنف أسد بن موسى(٨)
الأموي مسنداً ، وصنف نُعَيم بن حماد الخزاعي المصري(٩) مسنداً،
ثم اقتفى الأئمة آثارهم فقلّ إمام من الحفاظ إلا وصنّف حديثه على
المسانيد كأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وعثمان بن أبي شيبة (١٠)
وغيرهم . ثم أوّل مصنف في الصحيح المجرّد البخاري ثم مسلم ،
والاحتراز بالمجرد عما يقال : أول من صنف الصحيح مالك وتلاه
(١) معمر بن راشد الأزدي أبو عروة المتوفى عام (١٥٣ هـ) (ترجمته في ص : ٣٣٩)
(٢) جرير بن عبد الحميد الرازي الضبي، محدث الريّ في عصره . توفي عام (١٨٨
هـ) .
(٣) عبد الله بن المبارك، مر ذكره ، وانظر ص : ٣٨٩ .
(٤) أبو الفضل عبد الرحيم بن الحسين العراقي. مرت ترجمته في ص : ٨٤ ح ١ .
(٥) الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني المتوفى عام (٨٥٢ هـ) ( ترجمته في ص :
٣٠٦ ) .
(٦) أبو محمد العبسي . سبقت ترجمته في ص : ١١٥ ح ٩.
(٧) انظر ترجمته في ص : ١١٦ ح ١ .
(٨) انظر ترجمته في ص : ١١٥ ح ٨.
(٩) انظر ترجمته في ص : ١١٥ ح ٧ .
(١٠) عثمان بن محمد بن أبي شيبة أبو الحسن الكوفي الحافظ . وثقه ابن معين ، وقال أبو
حاتم : صدوق . توفي عام : ٢٣٩ هـ .
٢٤١

أحمد بن حنبل ثم الدارمي، وتتمة البحث ينظر في ((التقريب))(١).
( أَخْر الصلاة يوماً) أي صلاةً العصر كما للبخاري من طريق
الليث عن الزهري (٢)، زاد ابن عبد البر: في إمارته على المدينة ،
ولأبي داود من وجه آخر أن عمر كان قاعداً على المنبر(٣)، فَعُرِف بهذا
سبب تأخيره وكأنه كان مشغولا إذ ذاك بشيءٍ من مصالح المسلمين .
قال ابنُ عبد البر : ظاهر سياقه أنه فعل ذلك يوماً ما لا أن ذلك كان
عادةً له ، وإنْ كان أهلُ بيته معروفين بذلك ، والمراد أنه أخّرها حتى
خرج الوقتُ المستَحَبُّ ، وقد وقع للبخاري : أخر العصر شيئاً
( فَدَخَلَ عليه عُروَةُ بن الزُّبَير ) بن العوّام وقد سبق ذكره ( فأخبره أن
المغيرة بن شعبة) مضى ذكره أيضاً (٤) ( أخّر الصلاة يوماً) أي صلاة
العصر فلعبد الرزاق (٥) عن معمر عن ابن شهاب بلفظ : فقال : مسّى
المغيرة بن شعبة بصلاة العصر (وهو بالكوفة ) وكان إذ ذاك أميراً عليها
من قبل معاوية بن أبي سفيان ( فدخل عليه أبو مسعود الأنصاري رضي
(١) أشرنا سابقاً إلى أن السيوطي فضَّل القول في ذلك في ((تدريب الرواي بشرح تقريب
النواوي )) ج ١ ص : ٨٨ وما بعدها .
(٢) كتاب بدء الخلق ( الحديث رقم: ٣٢٢١ ج ٣٠٥/٦ من فتح الباري ) والليث هو ابن
سعد المتوفي عام ( ١٧٥ هـ) والزهري هو محمد بن مسلم المتوفى عام : ( ١٢٤
هـ) .
(٣) رواه أبو داود من حديث أسامة بن زيد الليثي أن ابن شهاب أخبره أن عمر بن عبد العزيز
كان قاعداً على المنبر فأخّر العصر شيئاً فقال له عروة .. الحديث رقم (٣٩٤) كتاب
الصلاة ، باب ما جاء في المواقيت .
(٤) انظر ص : ١٨١ .
(٥) أبو بكر عبد الرزاق بن همام الصنعاني المتوفى عام (٢١١ هـ) وسيأتي ذكره في ص :
٣٣٧ ٠
٢٤٢
١

الله تعالى عنه) عقبة بن عمرو بن ثعلبة البدري ، عدّه فيمن شهد بدراً
البخاري تبعاً لابن شهاب والحكم ابن عتيبة(١) وابن إسحاق ، وقال
سعد بن إبراهيم (٢) لم يشهدها . له مئة وحديثان اتفقا على تسعة
وانفرد البخاري بحديث ومسلم بسبعة . قال الهيثم(٣): مات سنة
أربعين ، وقيل : بعد سنة ثلاثين بسنةٍ أو سنتين ( فقال: ما هذا)(٤)
التأخير ( يا مغيرة أليس قد علمت أن جبريل عليه الصلاة والسلام )
ليس في الأصل ذكر الصلاة والسلام ولا الترضية السابقة ، وقد ذهب
الإِمام أحمد إلى أنه ينبغي أن يتبع الأصول والروايات ، ومال إلى ذلك
ابن دقيق العيد(٥)، فذهب كثيرون إلى أن لا يتقيد بما في الأصل إن
كان ناقصا بل يكتبه ويتلفظ به عند القراءة مطلقاً لأنه دعاء لا كلام
يرويه. انظر ((التقريب)) وشرحه في بسط هذا البحث(٦) (نَزَّلَ
فَصَلَّى ) جبريلُ الظهرَ ( فَصَلّى رسول الله صلى الله عليه ) وآله (وَسَلَّم)
معه ( ثم صلّى ) العصرَ ( فصَلّى رسول الله صلى الله عليه) وآله
(١) أبو محمد أو أبو عبد الله الكندي مولاهم . قال العجلي : ثقة ثبت صاحب سنّة .
توفي عام (١١٥ هـ) عن خمس وستين سنة .
(٢) في الأصل : سعيد بن إبراهيم . ولعله سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف
الزهري المتوفي عام ( ١٢٥ هـ ) أو حفيده سعد بن إبراهيم بن سعد قاضي واسط
المتوفي عام ( ٢٠١ هـ) .
(٣) لعله الهيثم بن جميل البغدادي الحافظ المتوفى عام (٢١٣ هـ) أفلس مرتين في طلب
الحديث ، وثقة أكثر العلماء . أو الهيثم بن خارجة المتوفى عام (٢٢٧ ) وقد روى عنه
البخاري وابن ماجه وأحمد بن حنبل وابنه عبد الله وكثيرون غيرهم .
(٤) سقط قوله : ماهذا من : ب ، م .
(٥) موسى بن علي بن وهب القشيري . انتهت إليه رئاسة الفتوى بقوص من صعيد مصر .
توفي عام (٦٨٥ هـ). له أخ اسمه أحمد بن علي واشتهر أيضاً بابن دقيق العيد .
(٦) البحث في ((تقريب النواوي)) وشرحه (( تدريب الراوي (٧٤/٢ - ٧٧). وقد نقل =
٢٤٣

( وسلّم) معه ( ثم صلّى) المغربَ ( فصلّى رسول الله صلى الله عليه )
وآله ( وَسَلّم) معه ( ثم صلّى) العشاءَ ( فصلّى رسول الله صلى الله
عليه ) وآله (وسلم) معه ( ثم صلّى) الصبحَ ( فصلّى رسولُ الله صلى
الله عليه ) وآله ( وسلم) معه ، هكذا ذَكَرَه خمسَ مَرّاتٍ . قال
عِياض(١): وهذا إذا اتبع فيه حقيقة اللفظ أعطى أن صلاة رسول الله
صلى الله عليه وسلم كانت بعد فراغ صلاة جبريل ، لكن مفهوم هذا
الحديث والمنصوص في غيره أن جبريل أمّ النبيّ صلى الله عليه وآله
وسلم (٢)، فيحمل قوله ((صلّى فصلّى)) على أن جبريل كلما فعل جزءاً
من الصلاة فعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعده حتى تكاملت
صلاتهما .
وفي رواية الليث عند البخاري ومسلم: ((نزل جبريل فأمّني
فصليت معه))(٣). وفي رواية عبد الرزاق عن معمر: (( نزل فصلى
السيوطي في التدريب (٧٦/٢) عن حمزة الكتاني قوله : كنت أكتب عند ذكر النبي
=
صلى الله عليه وسلم الصلاة دون السلام ، فرأيت النبيّ صلى الله عليه وسلم في المنام
فقال لي : ما لَكَ لا تتمّ الصلاة عليّ ؟
ویکره الرمز إليهما في الكتابة بحرف او حرفین کمن یکتب ( صلعم ) بل يكتبهما ( أي
الصلاة والسلام ) بكمالهما . ويقال : إن أول من رمزهما بـ (صلعم) قطعت يده.
(١) عياض بن موسى وقد سبق ذكره مرات، وستأتي ترجمته في ص : ٣٨١ .
(٢) روى الترمذي (ج ١٨٦/١ برقم ١٤٩) وأحمد بن حنبل (٣٥٤/١) وأبو داود (٢٧٤/١
برقم : ٣٩٣) من حديث ابن عباس قوله عليه الصلاة والسلام: ((أمّني جبريل عليه
السلام عند البيت مرتين .. )) الحديث . قال الترمذي : حسن صحيح ، وروى نحوه
من حديث جابر بن عبد الله . وروى ابن حنبل من حديث أبي سعيد الخدري نحوه
(٣٠/٣)
(٣) رواية الليث عن ابن شهاب: (( .. أما إن جبريل قد نزل فصلّى أمام رسول الله صلى الله
عليه وسلم .. )) الحديث ، وانظر فتح الباري ج ٣٠٥/٦، وفي صحيح مسلم (رقم =
٢٤٤

رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى الناس معه)). قال ابن عبد
البر : لم يُختَلَفْ أنَّ جبريل هبط صبيحةَ الإِسراء عند الزوال ، فَعَلَّم
النبيّ صلى الله عليه وسلم الصلاةَ ومواقيتَها وهيئتَهَا (ثم قال ) جبريل
( بهذا أُمِرْتَ ) بفتح التاء على المشهور، أي هذا الذي أمرت به أن
تصليه كل يومٍ وليلة ، وروي بالضم أي هذا الذي أمرتُ بتبليغه لك .
( فقال عُمَرُ بنُ عبدِ العزيز : اعلَمْ) بصيغة الأمر ( ما تُحَدِّثُ به یا
عُروَةُ ) وفي رواية للشافعي عن سفيان عن الزهري : فقال اتّق الله يا
عروة وانظر ما تقول . قال الرافعي في شرح المسند(١) لا يحمل مثله
على الاتهام ولكن المقصود الاحتياط والاستثبات ليتذكر الراوي
ويجتنب ما عساه يعرض من نسيان وغلط ( أَوَ ) بفتح همزة الاستفهام
والواو العاطفة على مقدر ( إنّ) بكسر الهمزة على الأشهر، قال في
المطالع: ضبطنا ((إن)) بالكسر والفتح معا ، والكسر أوجه لأنه استفهام
مستأنف عن الحديث ، إلّ أنه جاء بالواو ليرد الكلام على كلام عروة
لأنها من حروف الرد ، والفتح على التقدير : أَوَ علمت أو حُدثتَ أنّ
( جبريلَ هُوَ الذي(٢) أقامَ لرسولِ اللّهِ (٣) صلّى الله عليه) وآله (وَسَلَّم
وَقْتَ الصلاة) ورواه المستملي في البخاري (وُقُوت ) بالجمع ( قال
عروة : كذلك كان بشير) بفتح الموحدة ( ابن أبي مسعود(٤)
٦١٠) من حديث الليث عن ابن شهاب .. ((نزل جبريل فأمّني فَصَلَّيْتُ معه، ثمصلَّیتُ
معه ، ثم صَلَّيْتُ معه ، ثم صَلَّيْتُ معه، ثم صَلَّيْتُ معه)) يحسُبُ بأصابعه خمس صلوات .
(١) الرافعي هو عبد الكريم بن محمد المتوفى عام (٦٢٣) وكان من كبار الشافعية .
والمسند هو مسند الإمام الشافعي .
(٢) سقط من م ، ب : الذي .
(٣) في م، ب، ط للنبيّ .
(٤) في م : بشير بن مسعود الأنصاري .
٢٤٥

الأنصاري ) المدني التابع الجليل ، ذكر في الصحابة لكونه ولد في
عهد النبي صلى الله عليه وسلم ورآه ، قال العجلي : تابعي ثقة
( يحدث عن أبيه ) زاد عبد الرزاق عن معمر عن الزهري : فما زال
عمر يعتلم وقت الصلاة بعلامة حتى فارق الدنيا .
( قال عروة ) هذا مقول ابن شهاب فهو موصول لا معلق كما
زعم الكرماني(١) ، وفي الصحيحين رواية هذا القدر وحده أيضاً عن
سفيان عن الزهري ، ومن طريق أخرى عن الليث عن ابن شهاب
( ولقد حَدثِي عَائِشَةُ رَضِيَ الله تعالى عنها زوجُ النبيّ صَلّى الله عليه )
وآله ( وسلم أَنّ رسولَ اللّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ ) وآله ( وسَلَّم كان يُصَلّي
العصرَ والشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا قبلَ أنْ تَظْهر)(٢) بفتح أوّله وثالثه وسكون ثانيه
أي ترتفع ، قاله الخطابي ، معنى الظهور الصعود ، ومنه ﴿وَمَعَارِجَ
عَلَيْها يَظْهَرُون﴾ ( سورة الزخرف : ٣٣) والمراد: ترتفع على الجُدُر،
وقيل : بمعنى تزول عن الحجرة . والمقصود أنه صلى الله عليه وآله
وسلم كان يُعَجّل العصر في أول وقتها ، وهذا هو الذي فَهِمَتْهُ عائشة ،
وكذا عروةُ الراوي عنها واحتجّ به على عُمَرَ بنِ عبدِ العزيز في تأخيره
صلاة العصر ومخالفته ما واظب عليه النبي صلى الله عليه وآله وهو
(١) محمد بن يوسف شمس الدين الكرماني ، عالم بالحديث ، نشر العلم ببغداد ثلاثين
عاما ، أقام بمكة مدة وأتم فيها كتابه : الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري
توفى عام (٧٨٦ هـ)
(٢) رواه مسلم في صحيحه من حديث الليث عن ابن شهاب (رقم ٦١١) وروى نحوه من
حديث يونس عن ابن شهاب ، وهشام عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين ( كتاب المساجد
١ /٤٢٦ ) .
٢٤٦

الصلاة في أول الوقت(١) ..
قال ابن عبد البر : فإن قيل : جهلُ مواقيت الصلاة لا يسع أحداً
فكيف جاز على عمر ؟ قيل : ليس في جهله بالسبب الموجب لعلم
المواقيت ما يدل على جهله بها ، وقد يكون ذلك عنده عملاً واتفاقاً
وأخذاً عن علماء عصره ، ولا يُعرف أصل ذلك كيف كان : أَلِنُزُولٍ من
جبريل بها على النبي صلى الله عليه وسلم ، أم بما سنّه النبيّ صلى الله
عليه وآله وسلم لأمته كما سنّ غير ما شيءٍ وفرضه في الصلاة والزكاة ؟
انتهى .
(١) قال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم (١٠٨/٥ ) : أما تأخيرهما ( أي تأخير عمر بن
عبد العزيز والمغيرة بن شعبة لصلاة العصر) فلكونهما لم يبلغهما الحديث أو أنهما كانا
يريان جواز التأخير ما لم يخرج الوقت كما هو مذهبنا ومذهب الجمهور . وأما احتجاج
أبي مسعود وعروة بالحديث فقد يقال: ثبت في الحديث في سنن أبي داود ( برقم : ٣٩٣
ج ١ /٢٧٤) والترمذي (برقم: ١٤٩ ج ١٨٦/١) وغيرهما ( کالإِمام أحمد والشافعي
وابن خزيمة ) من رواية ابن عباس وغيره ( قال الترمذي : وفي الباب عن أبي هريرة
وبُريدة وأبي موسى وأبي مسعود الأنصاري وأبي سعيد وجابر ... ) في إمامة جبريل صلى
الله عليه وسلم أنه صلى الصلوات الخمس مرتين في يومين ، فصلّى الخمْسَ في اليوم
الأول في أول الوقت ، وفي اليوم الثاني في آخر وقت الاختيار ، وإذا كان كذلك فكيف
يتوجه الاستدلال بالحديث ؟ وجوابه أنه يحتمل أنهما أخّرا العصر عن الوقت الثاني وهو
مصير ظلّ كل شيء مثليه والله أعلم . اهـ .
٢٤٧

الكتاب الثّامِن
مُسْتَدَابِي حَنِيفَة التُّعْمَان
رَضِي اللّه تَعَالَى عَنه
( جَمْعُ أبي محمد عبدِ اللهِ بنِ يعقوبَ بنِ الحارِثِ الحارثيّ ) هو
أحد مخرّجي مسند أبي حنيفة ، وبقي من المخرّجين مسنده الحسين
ابن محمد بن خسرو البلخي(١)، وكذا أبو الحسين محمد بن إبراهيم
ابن حبش البغوي . وكذا أبو بكر المقري(٢)، وكذا الحافظ أبو علي
الحسن بن محمد البكري(٣)، هكذا عدّد هؤلاء المخرجين العلامة
محمد بن سليمان المغربي (٤) في ثبته ((صلة الخلف)) وساق أسانيده
إليها جمعاء .
(قال الإِمام أبو حنيفَةَ النعمانُ بنُ ثابت رضي الله تعالى عنه) إمامُ
العراق وفقيه الأمة ، ولد سنة ثمانين للهجرة ، وقيل سنة إحدى
(١) ذكره في تهذيب التهذيب (٢ / ٣٦٨ برقم ٦٢٩) وقال: روى عنه الترمذي وغيره .
(٢) هو محمد بن إبراهيم الأصبهاني، عالم بالحديث، له ((المعجم الكبير)) في الحديث ،
ومسند أبي حنيفة. توفي عام (٣٨١ هـ) .
(٣) من حفاظ الحديث ، وله اشتغال بالتاريخ . ضعفه بعضهم . توفي عام (٦٥٦ هـ).
(٤) عالم رحالة ، استوطن مكة ثم أخرج منها ، توفي عام (١٠٩٤ هـ).
٢٤٨

وستين ، والأول أصح ، وأدرك أربعة من الصحابة رضوان الله عليهم
أجمعين وهم أنس بن مالك ، وعبدالله بن أبي أوفى (١) بالكوفة ، وسهل
بن سعد الساعدي(٢) بالمدينة ، وأبو الطفيل عامر بن واثلة بمكة (٣)،
ولم يلق أحداً منهم ولا أُخَذَ عنه ، وأصحابه يقولون : لقي جماعةً من
الصحابة بالمدينة وروى عنهم ، ولم يثبت ذلك عند أهل النقل . وذكر
الخطيب في ((تاريخ بغداد)) أنه رأى أنس بن مالك رضي الله تعالى
عنه ، وأخذ الفقه عن حماد بن أبي سليمان ، وسمع عطاء بن أبي رباح
ونافعاً وغيرهما .
وكان عالماً عاملاً زاهداً عابداً ورعاً تقيّاً كثير الخشوع دائم
التضرع، قال أسد بن عمرو(٤): صلى أبو حنيفة صلاة الفجر بوضوء
العشاء أربعين سنة . ومناقبه وفضائله كثيرة . توفي في رجب وقيل في
شعبان سنة خمسين ومئة على الأصح ، وكانت وفاته ببغداد في السجن
لِيَليَ القضاء فلم يفعل، كذا في ((وفيات الأعيان )) لابن خلكان(٥) . وفي
((الملل والنحل )) للإِمام الشهرستاني أن أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه
(١) عبد الله بن علقمة بن خالد الأسلمي ، صحابي ابن صحابي ، له خمسة وتسعون حديثاً .
توفي عام (٨٦) أو (٨٧ هـ) وهو آخر من مات في الكوفة من الصحابة .
(٢) الخزرجي الأنصاري له (١٨٨) حديثاً. توفي عام ( ٩١ هـ).
(٣) الليثي الكناني القرشي. ولد يوم أُحُد عام (٣ هـ). له تسعة أحاديث توفي عام ( ١٠٠
هـ) وهو آخر من توفي من الصحابة .
(٤) أبو المنذر القشيري البجلي ، من أصحاب أبي حنيفة وأول من كتب كتب الإِمام . ولي
القضاء . توفي عام ( ١٨٨ هـ).
(٥) قال ابن خلكان (ج ٢ / ٢١٨): وكانت وفاته ببغداد في السجن ليلي القضاء فلم يفعل ،
هذا هو الصحيح ، وقيل : إنه لم يمت في السجن . اهـ .
٢٤٩

كان على بيعة الإِمام زيد بن علي بن الحسين بن علي (١) ومن جملة
شيعته حتى رُفِعَ الأمرُ إلى المنصور فحبسه حبسَ الأبد حتى مات
بالحبس . وقيل : إنه إنما بايع محمد بن عبدالله بن الحسن بن الحسين
الإِمام في أيام المنصور ، ولما قتل محمد بالمدينة بقي الإِمام أبو حنيفة
على تلك البيعة يعتقد موالاة أهل البيت ، فرفع حاله إلى المنصور فتمّ
عليه ما تمّ. وفي (( التحفة الاثنا عشرية)) أن أبا حنيفة قتل بالسم في
الحبس لكونه حرّض الناس على متابعة زيد بن علي (٢) ونصرته
ومبايعته ، ولما خرج زيد على المروانية أمدّه أبو حنيفة باثني عشر ألف
دينار أحمر. انتهى. وفي (( الكشاف)) عند قوله تعالى في سورة البقرة
قال: ﴿لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِيْنَ﴾ (سورة البقرة: ١٢٤) ما نصه :
(١) لا تشير عبارة الشهرستاني إلى أن أبا حنيفة كان على بيعة زيد، بل هو على بيعة
محمد بن عبد الله ... وإنما الخلاف وقع في تاريخ بيعته وهل كانت قبل تولّي
المنصور الخلافة أو بعدها . قال الشهرستاني ( الملل والنحل ٢١٢/١) في حديثه
عن الزيدية وأنهم تفرقوا فرقاً منها الجارودية الذين اختلفوا في الإِمامة ، قال
الشهرستاني: ((واختلف الجارودية في التوقف والسوق ، فساق بعضهم الإِمامة من علي
إلى الحسن ثم إلى الحسين ثم إلى علي بن الحسين زين العابدين ثم إلى زيد بن علي ثم
منه إلى الإِمام محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسين ، وقالوا بإمامته ، وكان أبو حنيفة
رحمه الله على بيعته ومن جملة شيعته حتى رفع الأمر إلى المنصور فحابسه حبس الأبد
حتى مات في الحبس ، وقيل : إنه إنما بايع محمد بن عبد الله الإِمام أيام
المنصور .. )). على أن أبا حنيفة عرف بحسن رأيه في زيد بن علي ونصرته له وحث
الناس على مبايعته .
(٢) أبو الحسين العلوي الهاشمي القرشي المتوفى عام (١٢٢ هـ) وقد عُرف بزيد الشهيد ،
وإليه ينسب الزيدية . قال أبو حنيفة عنه : ما رأيت في زمانه أفقه منه ولا أسرع جواباً ولا
أبين قولا . ذكره ابن العماد في الشذرات (١٥٨/١) وأن أبا حنيفة أمدّه بثلاثين ألف درهم
غير أن متولي العراق لهشام بن عبد الملك يوسف بن عمر الثقفي قتله وصلبه عام (١٢١) أو
(١٢٢ هـ) .
٢٥٠
١

وقالوا : في هذا دليل على أن الفاسق لا يصلح للإِمامة . إلى أن قال :
وكان أبو حنيفة رحمه الله تعالى يفتي سراً بوجوب نصرة زيد بن علي
رضي الله عنهما وحمل المال إليه والخروج معه على اللص المتغلب
المسمى بالإِمام والخليفة كالدوانيقي (١) وأشباهه . وقالت له امرأة :
أشرت على ابني بالخروج مع إبراهيم(٢) ومحمد(٣) ابني عبدالله بن
الحسن حتى قتل ، فقال : ليتني مكان ابنك . وكان يقول في المنصور
وأشياعه : لو أرادوا بناء مسجد وأرادوني على عدّ آجرّه لما فعلت (٤).
انتهى .
وذكر الفخر الرازي(٥) عند تفسير هذه الآية نحو ما للكشاف
وقال : قد أكرهه ابن هبيرة (٦) في أيام بني أمية على القضاء وضربه
فامتنع من ذلك فحبس ، فلحّ(٧) ابن هبيرة وجعل يضربه كل يوم
أسواطاً ، فلما خيف عليه قال له الفقهاء : تولّ له شيئا من عمله أيّ شيء
كان حتى يزول عنك الضرب ، فتولىّ له عَدَّ أحمال التبن التي تدخل
(١) الدوانيقي لقب أبي جعفر المنصور عبد الله بن محمد ، لقب به لأنه كان يحاسب العمال
والصناع على الدوانيق وهي من أصغر قطع النقود .
(٢) إبراهيم بن عبد الله بن الحسن من الأمراء الأشراف . خرج على المنصور وقتله حُميد ابن
قحطبة عام ( ١٤٥ هـ) .
(٣) محمد بن عبد الله بن الحسن المدني الإِمام . وثقه النسائي . قتله عيسى بن موسى بالمدينة
عام ( ١٤٥ هـ) .
(٤) الكشاف للزمخشري ج ١٨٤/١ .
(٥) أبو عبد الله محمد بن عمر المتوفى عام (٥٤٤ هـ ) وقد سبق ذكره .
(٦) يزيد بن عمر من بني فزارة ، أمير قائد من ولاة بني أمية . توفي عام (١٣٢ هـ).
(٧) هكذا في الأصل ، ولعلها .. ألحّ أو لجّ .
٢٥١

فخلّاه، ثم دعاه المنصور إلى مثل ذلك حتى عَدَّ لَهُ اللبن الذي كان
يضرب لسور مدينة المنصور. اهـ كلام الفخر(١).
وفي (( الإِحياء)) عن شريك النخعي أنه قال : كان أبو حنيفة طويل
الصمت دائم الفكرِ قليلَ المحادثَةِ للناس . وقال الذهبي : كان أبو حنيفة
خزازاً(٢) ينفق من كسبه ولا يقبل شيئا من جوائز السلطان تورعاً ، وكان له
دار وضياع ومعاش ومتسع ، وكان معدوداً في الأجواد الأسخياء والألباء
والأذكياء ، وقد ألفت في مناقبه مؤلفات كثيرة(٣) رضي الله تعالى عنه .
ومن كلامه رضي الله تعالى عنه : ما جاء عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم فعلى الرأس والعين بأبي هو وأمي ، وما جاء عن أصحابه
تخيّرنا ، وما جاء عن غيرهم فهم رجال ونحن رجال .
( في مسنده المذكور) قال في (( كشف الظنون )) : رواه حسن
ابن زياد اللؤلؤي (٤)، ورتب المسند المذكور الشيخ قاسم بن قطلو
بغاالحنفي (٥) برواية الحارثي على أبواب الفقه ، وله مختصرات وشروح
(١) تفسير الرازي ج ٤٧٩/٢ .
(٢) في الأصل: خرّازاً، قال ابن العماد ( الشذرات ٢٢٨/١): له دار كبير لعمل الخز
وعنده صناع وأجراء . اهـ .
(٣) من المطبوع المتداول: مناقب الإمام الأعظم للموفق بن أحمد المكي ، ومناقب الإِمام
الأعظم لابن البزاز وأبو حنيفة للشيخ محمد أبو زهرة ، وحياة الإِمام أبي حنيفة السيّد
عفيفي وأبو حنيفة لعبد الحليم الجندي ... وغيرها .
(٤) أبو علي الكوفي قاضٍ فقيه من أصحاب أبي حنيفة . توفي عام (٢٠٤ هـ).
(٥) زين الدين فقيه مؤرخ ، كان طلق اللسان قادراً على المناظرة مغرماً بالانتقاد ولو لمشايخه
كما وصفه السخاويّ . توفي عام ( ٨٧٩ هـ) .
٢٥٢

عدة ( وبالسند (١) إليه حدّثنا عطاء) بن أبي رباح القرشي مولاهم أبو
محمد الجندي اليماني نزيل مكة وأحد الفقهاء والأئمة ، قال ابن
سعد : كان ثقة عالماً كثير الحديث ، انتهت إليه الفتوى بمكة . وقال
أبو حنيفة : ما لقيت أفضل من عطاء . وقال ابن عباس وقد سئل عن
شيء : يا أهل مكة تجتمعون عليّ وعندكم عطاء . قيل إنه حجّ أكثر
من سبعين حجّة . قال حماد بن سلمة : حججتُ سنة مات عطاء سنة
أربع عشرة ومئة ( عن ) عبدالله ( ابن عباس رضي الله عنهما ) الهاشميّ
المكي ثم المدنيّ ثم الطائفي ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم .
وصاحبه وحبر الأمة وفقيهها وترجمان القرآن . روى ألفاً وستمئة وستين
حديثا اتفقا على خمسة وسبعين وانفرد البخاري بثمانية وعشرين ومسلم
بتسعة وأربعين . قال موسى بن عبيدة (٢): كان عمر يستشير ابن عباس
ويقول: غواص . وقال سعد(٣): ما رأيت أحْضَرَ فهماً ولا أَلَبَّ لُبًّا ولا
أَكْثَرَ عِلما ولا أوسَعَ حلماً من ابن عباس ، ولقد رأيت عمر يدعوه
للمعضلات . وقال عكرمة (٤): كان ابن عباس إذا مرّ في الطريق قالت
النساء : أمرّ المسك أو ابن عباس ؟ وقال مسروق(٥): كنت إذا رأيتُ
(١) في م ، ط : بالسند بإسقاط الواو .
(٢) أبو عبد العزيز المدني ، أخذ عليه علماء الحديث أنه روى عن عبد الله بن دينار مناكير .
توفى عام (١٥٢) هـ أو (١٥٣ هـ) ..
(٣) لعله سعد بن مالك الأنصاري الشهير بأبي سعيد الخدري المتوفى عام (٧٤ هـ) أو سعد بن
أبي وقاص الصحابي الجليل القرشي فاتح العراق والمدائن ، والمتوفى عام (٥٥ هـ).
(٤) هو عكرمة بن عبد الله البربري مولى عبد الله بن عباس (ت : ١٠٥ هـ)
(٥) مسروق بن الأجدع الهمذاني ، تابعي ثقة من أهل اليمن . قدم المدينة أيام أبي
بكر. روي انه سُرِق صغيراً فسمي مسروقاً وأن عمر بن الخطاب سماه عبد
الرحمن . توفى عام (٦٣ هـ)
٢٥٣

ابنَ عباس قلت : أجملُ الناس ، وإذا نَطَق قلت : أفصَحُ الناس ، وإذا
حَدّث قلت : أعلَمُ الناس . مناقبه جمة . قال أبو نُعَيم : مات سنة
ثمان وستين ، قال ابن بكير : بالطائف ، وصلى عليه محمد بن
الحنفية(١).
وأما والده فهو عباس بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي أبو
الفضل عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم : أظهر إسلامه يوم الفتح ،
وكان فيما قبل يكتم بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم . عداده في
المكيين . له خمسة وثلاثون حديثا اتفقا على حديث وانفرد البخاريّ
بحديث ومسلم بثلاثة . وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( العباس
مني وأنا منه)) . وله فضائل جمة . مات سنة اثنتين وثلاثين ، وقال
خليفة : سنة أربع ، قال ابن سعد : عن ثمان وثمانين سنة ( عن رسول
الله صلى الله عليه ) وآله ( وسلم أنه قال : مَنْ داوَمَ أَرْبعينَ يَوْمَاً عَلَى
صَلَةِ الغَدَاةِ وَالعِشَاءِ فْ جَمَاعَةٍكُتِبَ لَهُ بَرَاءَةٌ مِنَ النَّفَاقِ وَبَرَاءَةٌ مِنَ
الشُّرْكِ ) ورواه أيضا البيهقي عن أنس مرفوعاً بلفظ: (( مَنْ صَلَّى الغَدَاة
والعِشَاء الآخِرَة في جَمَاعة لا يَقُوتُهُ رَكعةٌ كُتِبَ لَهُ بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ وَبَرَاءَةٌ
مِنَ النِّفَاقِ )) ورواه البخاري في تاريخه وابن عساكر والخطيب عن أنس
مرفوعاً نحوه . ورواه الترمذي في جامعه في فضل التكبيرة الأولى .
ولفظه : حدثنا عقبة بن مُكْرَم (٢) ونصر بن علي (٣) قالا: حدثنا سلم بن
(١) محمد بن علي بن أبي طالب أبو القاسم ، أحد الأبطال الأشداء ، نسب إلى أمه
تمييزاً له من أخويه ولدي فاطمة الزهراء . توفى عام (٨١ هـ) .
,(٢) أبو عبد الملك البصري الحافظ ، وثقه أبو داود. توفى عام (٢٤٠ هـ).
(٣) في الترمذي ( الحديث رقم ٢٤١ ج ٣٢٢/١) ونصر بن علي الجهضمي ، وهو أحد
أئمة البصرة الحفاظ . توفى عام ( ٢٥٠ هـ)
٢٥٤

قتيبة(١) عن طعمة بن عمرو(٢) عن حبيب بن أبي ثابت(٣) عن أنس بن
مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ صَلّى الله
أربعين يوماً في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كتب له (٤) براءة من النار
وبراءة من النفاق )) ثم قال الترمذي : قد رُوِي هذا الحديث عن أنس
موقوفاً ولا أعلم أحداً رفعه إلا ما روى سَلْمُ بنُ قتيبَةَ عن طعمَةَ بنِ
عَمْرو ، وإنما يروى هذا عن حبيب بن أبي حبيب البجلي (٥) عن أنس
ابن مالك قوله ، ثم قال : وروى إسماعيل بن عياش(٦) هذا الحديث
عن عَمارَةَ بنِ غَزِيَّة (٧) عن أنس بن مالك عن عمر بن الخطاب عن
النبي صلى الله عليه وسلم نحو هذا ، وهذا حديث غير محفوظ وهو
حديث مرسل ، عمارة بن غزية لم يدرك أنس بن مالك . انتهى
كلامه .
قال ابن مفلح (٨) : هذا الحديث حسن صححه الحاكم وغيره ،
(١) في الترمذي : أبو قتيبة سَلْم بن قتيبة . أصله من خراسان ، نزل البصرة ، وثقه ابو
داود وأبو زرعة . توفى عام (٢٠٠ هـ)
(٢) الجعفري العامري الكوفي . وثقه ابن معين . توفى عام (١٦٩ هـ).
(٣) أبو يحيى الكوفي الكاهلي مولاهم . روى عن ابن عباس وابن عمر وخلق من
الصحابة والتابعين . توفى عام (١١٩ هـ) أو (١٢٢ هـ )
(٤) في الترمذي: ((كُتِبَ له بَرَاءَتَانِ، بَرَاءَةٌ من النار وَبَرَاءَةٌ مِنَ النِّفاق)) الحديث
(٥) أبو عمرو البصري ثم الكوفي ويكنى أبا كشوثا ، يروي عن أنس كما ذكره الخزرجي
في خلاصته ( ص : ٧٠ ) .
(٦) أبو عتبة العنسي عالم الشام ومحدثها في عصره . توفى عام (١٨١ هـ).
(٧) ابن الحارث الأنصاري المازني المدني . وثقه أحمد وأبو زرعة . قال الخزرجي في
الخلاصة ( ص : ٢٨٠ ) : غزية : بفتح أوله وكسر الزاي ، عن أنس ... قال ابن
سعد : مات سنة ( ١٤٠ هـ).
(٨) عمر بن إبراهيم بن محمد بن مفلح المقدسي الصالحي . تولى القضاء بغزة =
٢٥٥

وذكره ابن الجوزي (١) في كتاب الموضوعات ، وليس ذلك بموضوع .
انتهى .
والشام . حدّث بمصر والشام وبيت المقدس وغيرها ، وأنشأ مدرسة دار الحديث في
=
شرقيّ الصالحية . توفى عام (٨٧٢ هـ) عن تسعين عاماً .
(١) أبو الفرج عبد الرحمن بن علي المتوفى عام (٥٩٧ هـ) وستأتي ترجمته في
ص : ٤٤٢ .
٢٥٦

الكتاب التاسع
مُسْنَد الإمام الشَّّافعي
رَضِي الله عَنْه
( من رواية الربيع بن سليمان الجيزي ) صوابه : المرادي ، إذ
هو الذي انتشر عنه علم الإِمام ، وكان من مشاهير من اتصلت عنهم
الرواية إلى الإِمام كما بينه الحافظ ابن حجر في ((توالي التأسيس بمعالي.
ابن إدريس )) (١) فكان من أشهر من نقل عنه الحديث والفقه لا الجيزي
وإن كان ممن أخذ عنه ، وقد اتفق اسمهما واسم أبيهما ، فأما
المرادي فهو الربيع بن سليمان بن عبد الجبار(٢) المرادي مولاهم أبو
محمد المصري راوي كتب الشافعي مؤذن الفسطاط ، روى عن ابن
وهب(٣) وأيوب بن سويد(٤) وشعيب ابن الليث(٥) ، وسمع من الشافعي
(١) انظر ص : ٤٢ من توالي التأسيس .
(٢) سقط من الأصل قوله: ((عبد))
(٣) عبد الله بن وهب المتوفى عام (١٩٧ هـ) وقد مر ذكره في ص: ١٢٩ ح ٢ .
(٤) أيوب بن سويد السَّيْبَانيّ أبو مسعود الرملي . قال ابن حبان : رديء الحفظ ، وقال
النَّسائي: ليس بثقة. توفى عام (١٨٢) هـ وقيل (٢٠٢) هـ ونقل ابن حجر عن
ابن منده أن وفاته كانت عام ( ٢٥١ ) هـ
(٥) أبو عبد الملك الفهمي المصري. وثقه ابن حبان والخطيب. توفى عام ( ١٩٩ هـ)
٢٥٧

ولازمه وتحقق بصحبته وانتشر عنه علمه ، وعنه أصحاب السنن الأربعة
والطحاوي(١) وأبو زرعة الرازي(٢) وغيرهم، وأملى الحديث بجامع ابن
طولون(٣)، وهو أوّل من أملى به ، ووصله ابن طولون يومئذٍ بجائزة
سنية . ولد سنة (١٧٤) ومات لعشر بقين من شوال سنة ( ٢٧٠ ).
وأما الجيزي فهو الربيع بن سليمان بن داود الجيزي نسبة إلى ((جيزة))
بكسر الجيم بعدها تحتانية ثم زاي : قرية بمصر ، أحد من حمل عن
الشافعي الفقه الجديد ، روى عن ابن وهب والنضر بن عبد
الجبار (٤)، وعنه أبو داود والنّسائي، قال ابن يونس (٥): ثقة. مات
سنة (٢٥٦) (٦). وعدّه السيوطي في ((حسن المحاضرة)) في طبقات
الفقهاء الشافعية والأول في طبقة حفاظ الحديث ونقاده ، والربيعان
المذكوران من الستة رواة الأقوال الجديدة من الشافعي ، وثالثهما
(١) أبو جعفر أحمد بن محمد الأزدي. مات عام (٣٢١ هـ).
(٢) عبيد الله بن عبد الكريم ولي الدين . مات عام (٢٦٤ هـ). وقد مر ذكره مرات .
(٣) أحمد بن طولون صاحب مصر والشام والثغور . مات عام (٢٧٠ هـ).
(٤) المرادي أبو الأسود المصري. قال أبو حاتم: صدوق. توفى عام (٢١٩) هـ .
(٥) أحمد بن عبد الله بن يونس اليربوعي التميمي أبو عبد الله الكوفيّ الحافظ . ممن
روى عنه البخاري ومسلم وأبو داود وأبو زرعة وعبد بن حُميد . نعته الإِمام أحمد
بشيخ الإِسلام . قال البخاري : مات بالكوفة سنة (٢٢٧ هـ) عن أربع وتسعين
سنة .
(٦) نقل المصنف الترجمة عن خلاصة الخزرجي (ص : ١١٥) ونقل ابن خلكان أيضاً
أن وفاته كانت في عام (٢٥٦ هـ) (ج ٢٣٠/١). وجاء في شذرات الذهب لابن
العماد في وفيات عام (٢٧٠ هـ): وفيها الربيع بن سليمان المرادي ... وفيها
أيضاً الربيع بن سليمان الجيزي صاحب الشافعي (ج ١٥٩/٢ ) .
٢٥٨

المزني (١) ثم البويطي (٢) ثم حرملة (٣) ثم يونس بن عبد الأعلى (٤).
ورواة الأقوال القديمة عنه أربعة : الحسن بن الصباح الزعفراني (٥)
وأبو ثور(٦) وأحمد بن حنبل والكرابيسي(٧) ذكر ذلك ابن خلكان في
ترجمة الحسن بن الصباح ( جمع أبي العباس (٨) محمد بن يعقوب
الأصم ) النيسابوري كان محدّث عصره ، حدّث عنه الحاكم (٩) وابن
(١) إسماعيل بن يحيى المتوفى عام (٢٦٤ هـ) وقد مرّ ذكره في ص : ٨٦ ح : ٤.
(٢) يوسف بن يحيى القرشي البويطي القرشي صاحب الشافعي والقائم مقامه بعد
وفاته . رفض القول بخلق القرآن فسجن ومات في السجن عام (٢٣١ هـ) .
(٣) حرملة بن يحيى النجيبي المصري ، من أصحاب الشافعي ، جمع بين الفقه وحفظ
الحديث . توفي عام (٢٤٣ هـ)
(٤) بو موسى الصدفي ، من كبار الفقهاء . قال فيه الشافعي : ما رأيت في مصر أعقل
من يونس . توفي عام ( ٢٦٤ هـ ) .
(٥) الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني كما ذكره ابن خلكان (ج ١٦١/١) الفقيه
الحافظ ، صحب الشافعي ببغداد . روى عنه البخاريّ وأبو داود والترمذي . توفي
عام ( ٢٦٠ هـ) .
(٦) إبراهيم بن خالد الكلبي صاحب الشافعي. توفي عام ( ٢٤٠ هـ) .
(٧) أبو علي الحسين بن علي بن يزيد الكرابيسي البغدادي صاحب الإِمام الشافعي .
قال ابن خلكان: (١٨١/١): أشهرهم بانتياب مجلسه وأحفظهم لمذهبه . وكان
متكلماً عارفاً بالحديث والرجال . توفي عام (٢٤٥ هـ) وقيل (٢٤٨ هـ) قال ابن
خلكان : وهو أشبه بالصواب . والكرابيس مفردها كِرْباس وهو الثوب الغليظ ، وقد
نسب إليها لأنه كان يبيعها .
(٨) في الأصل : أحمد بن يعقوب ، وهو محمد بن يعقوب كما جاء في تذكرة الحفاظ
(٨٦٠/٣ - ٨٦٤ برقم ٨٣٥) وفي شذرات الذهب (٣٧٣/٢)، وقد ذكر الاسم
صحيحاً في ص : ٢٦٠ .
(٩) الحاكم النَّيْسابوري محمد بن عبد الله ( توفي عام: ٤٠٥ هـ) مرّ ذكره مرات
وستأتي ترجمته في ص : ٤١١ .
٢٥٩

منده (١) وخلق . قال الحاكم : حَدَّثَ ستا وسبعين سنة ولم يختلف في
صدقه وصحة سماعه ، أذّن سبعين سنة في مسجد ، وكان حسن الخلق
سخيّ النفس ، وربما كان يحتاج ويورق ويأكل ، وكان يكره الأخذ
على التحديث ، ظهر به الصمم بعد مجيئه من الرحلة حتى كان لا
يسمع نهيق الحمار، وكفّ بصره آخر حياته. وتوفي سنة ( ٣٤٦)(٢).
وله في تذكرة الذهبي ترجمة سابغة، قال الفُلَاني(٣) في ((قطف
الثمر )) : مسند الشافعي عبارة عن الأحاديث التي أسندها الشافعي
مرفوعها وموقوفِها الواقعة في مسموع أبي العباس محمد بن يعقوب
الأصم التي كان انفرد بروايتها عن الربيع بن سليمان من كتاب (( الأم ))
و(( المبسوط)) إلا أربعة أحاديث من الجزء الأول زواها الربيع عن
البويطي عن الشافعي التقطها بعض النيسابوريين ، وهو أبو جعفر محمد
ابن جعفر بن مطر لأبي العباس الأصم ، وقيل : بل جرّدها الأصم
لنفسه ، ولم يرتب الذي جمع أحاديثه على المسانيد ولا على الأبواب
بل بالتقاطها كيفما اتفق ، فلذلك وقع فيها تكرار في كثير من
المواضع .
( قال أبو عبدالله محمدُ بنُ إدريس ) بن العباس بن عثمان بن
شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد
(١) محمد بن إسحاق أبو عبد الله (ت : ٣٩٥ هـ) .
(٢) ورد في الأصل أنه توفى عام ( ٤٣٦ ) وهو سهو .
(٣) صالح بن محمد العمري المعروف بالفُلّني نسبه الى فُلان من قبائل السودان .
عالم بالحديث ، مجتهد من فقهاء المالكية . توفي عام (١٢١٨ هـ) ودفن بالمدينة .
المنورة . له ترجمة في حلية البشر (ج ٧٢٢/٢ - ٧٢٤) .
٢٦٠
:
١