Indexed OCR Text

Pages 201-220

له ، فالوجه أن الخطاب خاص بالمحدثين بقرينة دلالة الحال .
وقوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المَرَافِقِ﴾ من المعلوم أنّ ((إلى))
تفيد معنى الغاية مطلقاً ، فأما دخولها في الحكم وخروجها فأمر يدور
مع الدليل ، فمما فيه دليل على الخروج قوله : ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةَ ﴾(١)
( سورة البقرة: ٢٨٠ ) لأن الإِعسار علّة الإِنظار، وبوجود الميسرة
تزول العّة ، ولو دخلت الميسرة فيه لكان مُنظَراً في كلتا الحالتين :
معسراً وموسراً؛ وكذلك: ﴿ثُمّ أَتِمُوا الصِّيَامَ إِلَى آلليْلِ﴾(٢) ( سورة
البقرة : ١٨٧) لو دخل الليل لوجب الوصال . ومما فيه دليل على
الدخول قولك : حفظتُ القرآن من أوله إلى آخره ، لأن الكلام مسوق
لحفظ كله، ومنه قوله تعالى: ﴿مِنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ
الأقْصَى﴾(٣) ( سورة الإِسراء: ١) لوقوع العلم بأنه لا يُسرَى به إلى
بيت المقدس من غير أن يدخله ، وقوله: ﴿إلى المرافق وإلى
الكعبين﴾ لا دليل فيه على أحد الأمرين ، فأخذ كافة العلماء بالاحتياط
فحكموا بدخولها في الغسل ، وأخذ زفر (٤) وداود(٢) بالمتيقّن فلم
(١) من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةً إلى مَيْسَرَة، وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ
كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
(٢) من قوله تعالى: ﴿.
. وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيِّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ
الأسودِ مِنَ الفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الليْلِ ... ) الآية .
(٣) من قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ
الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ... ) الآية
(٤) زفر بن الهذيل بن قيس العنبري من كبار أصحاب أبي حنيفة ، جمع بين العلم
والعبادة ، ولي قضاء البصرة . توفي عام (١٥٨ هـ) وعمره ثمانية وأربعون عاماً
(٥) داود بن أبي هند البصري الفقيه الحافظ ، روى عن سعيد بن المسيب وأبي العالية ،
وكان مفتي أهل البصرة. توفي عام ( ١٤٠ هـ) .
٢٠١

يُدخِلاها، وعن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه كان يدير الماء على
مرفقيه: كذا في ((الكشاف)). وفي ((نيل الأوطار)): اتفق العلماء
على وجوب غسلهما - أي المرفقين - ولم يخالف في ذلك إلا زفر وأبو
بكر بن داود الظاهري(١) .
فمن قال بالوجوب جعل ((إلى)) في الآية بمعنى ((مع )) ومن لم
يقل به جعلها لانتهاء الغاية . واستُدل لغسلهما أيضاً بحديث أنّه صلّى
اللّه عليه وسلم أدار الماء على مرفقيه ثم قال: ((هذا وضوء لا يقبل
اللّه الصلاة إلّ به)) عند الدارقطني والبيهقي من حديث جابر مرفوعا ،
وفيه القاسم ابن محمد بن عبد الله بن محمد بن عقيل وهو متروك ،
وقال أبو زرعة : منكر ، وضعّفه أحمد وابن معين ، وانفرد بذكره في
الثّقات ابنُ حِبّان ولم يلتفت إليه في ذلك. وصرّح بضعف هذا
الحديث المنذري وابن الصلاح والنووي وغيرهم . واستدل لذلك أيضاً
بِمَا أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ : توضأ حتى أشرع في
العضد ، ثم قال : هكذا رأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم(٢)؛
وفيه أنه فعل لا ينتهض بمجرده على الوجوب ، وأجيب بأنه بيان
للمجمل فيفيد الوجوب، ورُدَّ بأنه لا إجمال لأن ((إلى)» حقيقة في
(١) محمد بن داود بن علي الظاهري أبو بكر ، ولد وعاش ببغداد ومات بها مقتولاً عام :
(٢٩٧ هـ)، وهو ابن الإِمام داود الذي تنسب اليه الظاهرية ، وكانت تأخذ بظاهر
الكتاب والسنة وتعرض عن التأويل والرأي والقياس . توفي داود الظاهري في بغداد
عام ( ٢٧٠ هـ) .
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الطهارة من حديث نُعَيم بن عبد الله قال : رأيت أبا هريرة
يتوضأ فغسل وجهه فأسبغ الوُضُوء ، ثم غَسَل يده اليمنى حتى أشرع في العضد ( أي
أدخل الغسل فيه) ثم يده اليسرى ... ثم قال : هكذا رأيت رسول الله صلى الله
عليه وسلم يتوضّأ ... )) الحديث (رقم : ٢٤٦ ).
٠ ٢٠٢

انتهاء الغاية مجازٌّ في معنى ((مع ))، وقد حقق الكلام في ذلك الرضي
في (( شرح الكافية)) وغيره فليرجع إليه . انتهى (١) وقد بسطت الكلام
على هذه الآية في ((محاسن التأويل)) والحمد لله .
(وبالسَّنَدِ إِلَيْهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيد ) قال بعضهم : قتيبة
لقب واسمه يحيى ، وقيل : عليّ، وتقدم ذكره . (قَالَ: حَدّثَنَا
سُفْيَان ) هو ابن عيينة، تقدم ذكره(٢) (عَنِ الزُّهرِيّ) محمد بن مسلم
ابن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة
القرشي الزهري أبي بكر المدني أحد الأئمة الأعلام وعالم الحجاز
والشام . قال ابن المديني (٣): له نحو ألفي حديث . قال ابن شهاب :
ما استودعت قلبي شيئاً فنسيته. وقال الليث(٤): ما رأيت عالماً قط
أجمع من ابن شهاب . وقال أيوب(٥): ما رأيت أعلم من الزهريّ .
وقال مالك : كان ابن شهاب من أسخى الناس وتقيا ما له في الناس
نظير. وروى الترمذي في جامعه عن عمرو بن دينار(٦) قال: (( ما
(١) نيل الأوطار للشوكاني ج ١ /١٧٥ - ١٧٦، وانظر تفسير القاسمي لهذه الآية في
محاسن التأويل (ج ٦ ص: ١٨٧٦ - ١٨٩٩) والزمخشري في الكشاف (ج ١ :
٦٠٨ - ٦١٢)، والرضي في شرح الكافية (ج ٢ ص: ٣٢٤).
(٢) في ص : ١٣٠.
(٣) في الأصل : ابن المدني ، وهو علي بن عبد الله المعروف بابن المديني ، والقول له
كما في الشذرات (١ /١٦٢ وفيات عام : ١٢٤ هـ).
(٤) الليث بن سعد الفَهْمي بالولاء أبو الحارث إمام أهل مصر في عصره . قال
الشافعي : الليث أفقه من مالك إلا أن أصحابه لم يقوموا به توفي عام ( ١٧٥ هـ )
(٥) أيوب بن موسى أبو موسى روى عن عطاء ومكحول . توفي عام (١٣٣) هـ.
(٦) أبو محمد عمرو بن دينار الجمحي بالولاء الفارسيّ الأصل . كان مفتي أهل مكة ،
قال شعبة : ما رأيت أثبت في الحديث منه . توفي عام (١٢٦ هـ).
٢٠٣

رأيت أحداً أنصّ للحديث من الزهري(١))) وما رأيت أحداً الدراهمُ
أهون عنده منه إن كانت الدراهم عنده بمنزلة البعر. انتهى. قال إبراهيم بن
سعد(٢): مات سنة أربع وعشرين ومئة . (عَنْ أَبِي سَلَمَة) سلف التنويه
به(٣) (عَنْ أبي هُرَيْرة) الدوسي اسمه عبد الرحمن بن صخر على الأصح
من ثلاثين قولاً في اسمه واسم أبيه ، وهو أول مکنی بها ، رُوي عنه : إنما
كنيت بأبي هريرة لأني وجدت أولاد هرة وحشية فحملتها في كمي فقيل : ما
هذه ، فقلت : هرة ، قيل : فأنت أبو هريرة ، قيل : وكان قبلها يكنى أبا
الأسود . وروى ابن سعد في الطبقات عن عبد الله بن رافع (٤) قال: قلت
لأبي هريرة : لِمَ كنوك أبا هريرة ؟ قال : كان لي هريرة صغيرة فكنت إذا
كان الليل وضعتها في شجرة ، فإذا أصبحت أخذتها فلعبت بها فكنوني أبا
هريرة ، كذا في التدريب(٥) .
رُوي له خمسة آلاف وثلاثمئة وأربعة وسبعون حديثا اتفقا على
ثلاثمئة وخمسة وعشرين ، وانفرد البخاري بتسعة وسبعين، ومسلم
بثلاثة وتسعين . روى عنه نحو ثمانمئة نفس ثقات ، قال ابن سعد :
كان يسبّح كل يوم اثني عشر ألف تسبيحة . قال الواقدي : مات سنة
(١) سنن الترمذي ( باب رواية الحديث بالمعنى ٩ /٤٤٦).
(٢) كذا في الأصل ولعله محمد بن سعد الزهري المؤرخ الحافظ الثقة ، وصاحب
الطبقات الكبرى، والمتوفى عام ( ٢٣٠ هـ ). أما إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن
عبد الرحمن بن عوف فقد كان نزيل بغداد وقاضيها ، وثقه أحمد وابن معين وأبو
حاتم وغيرهم ، وممن روى عنه الإِمام الشافعي . توفي عام ١٨٣ هـ أو : ١٨٤
هـ .
(٣) في ص : ١٨٠.
(٤)، من كبار التابعين ، وسيأتي ذكره في ص : ٤٣١ .
(٥) تدريب الراوي (٢ / ٢٨٤).
٢٠٤

٠٫٠٠
تسع وخمسين عن ثمان وسبعين سنة. (رَضيَ اللَّهُ تعالى عنهُ أنّ النبيّ
صَلّى اللهُ عليه وَسَلّم قال: (إذا استَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِن نَوْمِهِ فَلاَ يَغْمِسَن)
كذا وقع في النسخ، والذي في الأصول لدينا: ((فلا يغمس)) بلا تأكيد
(يَدَهُ فِي وَضُوئِهِ) بفتح الواو على الأشهر وهو الماء الذي يتوضأ به (حَتَّی
يَغْسِلَهَا ثَلَاثاً فَإِنَّ أَحْدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَأْتَتْ يَدُه) (١) فقوله: ((من نومه))
أخذ بعمومه الشافعي والجمهور فاستحبوه عَقِبَ كل نوم، وخصّه أحمد
وداود بنوم الليل لقوله في آخر الحديث ((باتت يده)) لأن حقيقة المبيت
تكون بالليل، ويؤيده ما وقع في رواية أبي داود والترمذي وابن ماجه:
((إذا استيقظ أحدكم من الليل))، لكن التعليل بقوله: ((فإنه لا يدري أين
باتت يده)) يقضي بإلحاق نوم النهار بنوم الليل، وإنما خص نوم الليل
بالذكر للغلبة .
والحديث يدل على المنع من إدخال اليد إلى إناء الوضوء عند
الاستيقاظ ، وقد اختلف في ذلك ، فالأمر عند الجمهور على النَّدْبِ ،
وحمله أحمدُ على الوجوب في نوم الليل ، ويروى عن الشافعي وغيره
من العلماء أن السبب في الحديث أن أهل الحجاز كانوا يستنجون
بالأحجار ، وبلادهم حارة ، فإذا نام أحدهم عرق ، فلا يأمن النائم أن
تطوف يده على ذلك الموضع أو على قذر غير ذلك .
(١) رواه البخاري في كتاب الوضوء ( برقم : ١٦٢ ) من حديث طويل لأبي هريرة
بلفظ: ((فليغسل يده قبل أن يدخلها ... )) الحديث، ومسلم ( برقم : ٢٧٨ )
والترمذي ( برقم: ٢٤) بلفظ: ((فلا يُدخل يده في الإِناء حتى يفرغ عليها مرتين أو
ثلاثا ... )) الحديث كما رواه بنحو ذلك أصحاب السنن والإِمام مالك في الموطأ
( برقم : ٣٦) في الطهارة ، ورواه الإِمام أحمد في خمسة عشر موضعاً من حديث
أبي هريرة بألفاظ متقاربة (٢ /٢٤١، ٢٥٣، ٢٦٥، ٠٠٠٣٩٥، ٥٠٠، ٥٠٧)
٢٠٥

ثم الجمهور على أنه لا ينجس الماء إذا غمس يده فيه ، وحكي
عن الحسن البصري أنه ينجس إن قام من نوم الليل ، وحكي أيضاً عن
إسحاق بن راهويه ومحمد بن جرير الطبري كذا في ((نيل
الأوطار(١))). ونقل الترمذي في جامعه عن الإِمام أحمد أنه قال : إذا
استيقظ من الليل فأدخل يده في وضوء قبل أن يغسلها فأعجبُ إلى أن
يهريق الماء(٢) . انتهى . وهذا هو الذي يميل إليه القلب وينشرح له
الصدر والله أعلم .
(١) أورد الشوكاني الحديث وفصّل في التعليق عليه وذكر رواياته وطرقه ، وأقوال
العلماء في أحكامه في كتابه نيل الأوطار : ج ١ ص : ١٦٩ وما بعدها .
(٢) سنن الترمذي (١ /٣٦) وفي العبارتين بعض الاختلاف اليسير .
٢٠٦

الكتاب السادس
سُنن الإمام ابن مَاجَه القَرْويني
( هو (١) أبو عبد الله(٢) محمد بن يزيد) بن عبد الربعي القزويني
الحافظ ؛ أحد الأئمة وصاحب السنن والتفسير والتاريخ ، وذو الرحلة
الواسعة ، حدّث عن كثيرين ، وروى عنه خلق ، وروى عنه السنن أبو
الحسن القطان .
قال أبو يعلى الخليلي : ثقة كبير متفق عليه محتج به ، له معرفة
وحفظ ، ولد سنة (٢٠٩ ) وتوفي يوم الاثنين لثمان بقين من رمضان
سنة ( ٢٧٣ ) .
و((الرَّبَعيّ)) بفتح الراء والباء الموحدة وبعدها عين مهملة هذه
النسبة إلى ربيعة وهي اسم لعدة قبائل ، قال ابن خلكان : لا أدري إلى
أيّها ينسب .
و((القَزْوِينيّ)) نسبة إلى ((قَزْوِين)) بفتح القاف وسكون الزاي
(١) في الأصل: وهو، وفي : م ، ب، ط : هو.
(٢) في م : ابن عبد الله .
٢٠٧

وكسر الواو من أشهر مدن عراق العجم ، خرج منها جماعة من
العلماء .
( قال في القاموس ) إن قلت : حَذْفُ الفاعل وحده لم يطّرد إلا
في سبعة مواضع كما في (( التصريح)) وحواشيه وما هنا ليس منها ،
أجيب بأن هذا التركيب ونحوه من المسامحات المشهورة ، على أن
الكسائي أجاز حذفه وتبعه السهيلي (١): انظر ((التصريح))(٢).
و((القاموس)) في الأصل معناه البحر ، وبه سمّى الكتابَ المشهورَ
جامِعُهُ الإِمام الشهير أبو طاهر محمد بن يعقوب بن محمد قاضي القضاة
مجد الدين الصدّيقي الفيروزابادي الشيرازي اللغوي . قال الحافظ :
كان يرفع نسبه إلى أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه ، ولم يكن مدفوعاً
فيما قاله . ولد ((بكارَزين(٣))) سنة (٧٢٩) ونشأ بها ، وحفظ القرآن
وهو ابن سبع ، وكان سريع الحفظ بحيث أنه كان يقول : لا أنام حتى
أحفظ مئتي سطر . وانتقل إلى شيراز وهو ابن ثمان سنين ،
وأخذ عن والده وغيره من علماء شيراز، وانتقل إلى العراق
(١) عبد الرحمن بن عبد الله الخثعمي السهيلي، حافظ ، عالم باللغة والسير، ضرير .
توفي عام ( ٥٨١ هـ)
(٢) (( التصريح على التوضيح)) للشيخ خالد بن عبد الله الأزهري المتوفى عام (٩٠٥)
في شرح أوضح المسالك الى ألفية ابن مالك لابن هشام . وما استشهد به المصنف
تجده في (١ /٢٧٢) . وقد قال الشيخ خالد في أوله : ويطرد حذف الفاعل في
أربعة مواضع
(٣) في الأصل: كازرين بتقديم الزاي على الراء. وفي معجم البلدان: ((كازرون))
مدينة بفارس بين البحر وشيراز وليس في جميع فارس أصحّ هواء وتربة من كازرون
و ((كارزين)) بلد بفارس ، قال الأصطخري : مدينة صغيرة نحو الثلث من اصطخر ،
وقد ذكر صاحب التاج أن ((كارزين)) هي البلدة التي ولد فيها صاحب ((القاموس)).
٢٠٨

فدخل واسط وبغداد وأخذ بها ، وجال في البلاد الشرقية والشامية ،
ودخل بلاد الروم والهند ، ودخل مصر وأخذ عن علمائها ، ولقي
الجمّاء الغفير من أعيان الفضلاء وأخذ عنهم شيئا كثيراً بيِّنَه في فهرسته،
وبرع في الفنون العلمية ولا سيما اللغة فقد برز فيها وفاق الأقران ،
وجمع النظائر واطّلع على النوادر وجَوّد الخط ، وتوسّع في الحديث
والتفسير ، وخدمه السلطان بايزيد(١) ابن السلطان مراد العثماني وقرأ
عليه وأكسبه مالاً عريضاً وجاهاً عظيماً، ثم دخل ((زبيد)) في رمضان
سنة (٧٩٦) فتلقاه الملك الأشرف إسماعيل(٢) وبالغ في إكرامه
وصرف له ألف دينار، وأمر صاحب (( عدن)) أن يجهزه بألف دينار
أخرى ، وتولى قضاء اليمن كله ، وقرأ عليه السلطان فمن دونه ،
واستمرّ بزبيد عشرين سنة ، وقدم مكة مراراً وجاور بها ، وأقام بالمدينة
المنوّرة وبالطائف وعمل بها مآثر حسنة ، وما دخل بلدة إلا أكرمه أهلها
ومتوليها وبالغ في تعظيمه ، مثل شاه منصور(٣) بن شاه شجاع(٤) في
(١) هو السلطان بايزيد الأول بن مراد الأول ، حكم بين عامي ٧٩٢ - ٨٠٥ هـ، سجل
كثيراً من الانتصارات في آسية الصغرى وأوربا ، واستطاع أن يفرض على امبراطور
القسطنطينية جزية سنوية . جهزت له الدول الأوربية حملة صليبية كثيفة للحد من
اندفاعه فانتصر عليها وردها فأطلق عليه لقب الصاعقة واشتهر في العالم الإسلامي
باسم: ((غازي )) .
(٢) إسماعيل بن الأفضل عباس، تركماني الأصل، تولى السلطنة بعد أبيه فأقام بها خمسة
وعشرين عاماً . كان طائشاً ثم توقّر وأقبل على العلم والعلماء وجمع الكتب وكان
يبالغ في إكرام الغرباء . توفي عام : ٨٠٣ هـ .
(٣) شاه منصور من ملوك الدولة المظفرية التي حكمت جنوب فارس بين عامي ٧١٣ -
٧٩٥ هـ، وقد استولت على تبريز عام ٧٥٩ هـ وجعلتها عاصمة لها . حكم شاه
منصور ( ٧٨٩ - ٧٩٥) هـ ثم استولى تيمورلنك على شيراز وقتله .
(٤) كذا ورد في الأصل ، والصحيح أنه ابن أخي شاه شجاع كما ورد في كتاب=
٢٠٩

تبريز ، والأشرف صاحب مصر(١) ، وبايزيد صاحب الروم ، وابن
إدريس(٢) في بغداد، وتيمورلنك(٣) وغيرهم، وقد كان تيمور، مع
عتوّه ، يبالغ في تعظيمه ، وأعطاه عند اجتماعه به مئة ألف درهم ،
ويروى خمسة آلاف دينار . وكان السلطان الأشرف قد تزوّج ابنته
وكانت رائعة في الجمال فنال بذلك منه زيادة البر والرفعة بحيث أنه
صنف له كتاباً وأهداه له على طباق فملأها له دراهم .
وكان واسع الرواية ، سمع من ابن القيّم وابن الخباز والتقيّ
((السلالات المحمدية)) لستانلي لين بول (ص: ٢٥٠) و ((معجم الأنساب
والأسرات الحاكمة)) (ص: ٣٧٩) وفيهما أن شاه منصور هو ابن شرف الدين المظفر
الثاني أخي شاه شجاع .
(١) هو السلطان الثاني والعشرون من ملوك المماليك بالديار المصرية وعرف باسم
السلطان الملك الأشرف أبو المفاخر زين الدين شعبان . تولى السلطنة عام ٧٦٤هـ
وقتل عام ٧٧٨ هـ وقد وصف بأنه من أجل الملوك سماحة وشهامة وتجملاً وسؤدداً،
وقيل : لم يل الملك في الدولة التركية أحلم منه ولا أحسن خَلْقاً وَخُلُقاً وكان عمره
حين قتل أربعاً وعشرين سنة .
(٢) كذا في الأصل ولم أجده ، والصحيح أنه ابن أويس وهما أخوان : حسين بن
أويس ، وأحمد بن أويس ، وقد ملكا بغداد وتبريز، مات الشيخ حسين عام
( ٧٨٤) هـ وتولی أخوه أحمد بغداد بعده ، وقد أخرج سلطان بغداد أحمد بن أويس
من بغداد أكثر من مرة على يد تيمور لنك وقتل عام عام (٨١٣) هـ. ( أنظر المنهل
الصافي لابن تغري بردي الأنابكي ج ١ ص: ٢٣٢). وفي ((الضوء اللامع))
للسخاوي قوله: (( ولم يقدر له قط أن دخل بلداً إلا وأكرمه متوليها وبالغ مثل شاه
منصور بن شجاع صاحب تبريز، والأشرف صاحب مصر، والأشرف صاحب
اليمن ، وابن عثمان ملك الروم ، وأحمد بن أويس صاحب بغداد ، وتمرلنك
وغيرهم)) ا هـ (ج ١٠ ص: ٨١).
(٣) اسمه تيمور وزيدت (لنك) بمعنى الأعرج لإصابته بسهم تركه أعرج . ذكر ابن العماد
(٧ / ٦٥) أنه جبار طاغية ، بدأ حياته سارق ماشية ثم قاطع طريق، واستطاع أن يصل
الى الملك بعد طقتمش خان آخر الملوك من ذرية جنكيز خان . توفي عام : ٨٠٧ هـ ـ .
٢١٠

السبكي وولده التاج وغيرهم(١). وله التصانيف الكثيرة النافعة ، منها
كتابه ((القاموس)) الشهير في الآفاق، و(( الدر النظيم المرشد إلى
مقاصد القرآن)) و((شرح خطبة الكشاف)) و(( شرح مشارق الأنوار
النبوية)) و((شرح صحيح البخاري)) فكمل منه ربع العبادات في
عشرين مجلداً، و(( الإِسعاد بالإِصعاد الى درجة الاجتهاد)) في ثلاث
مجلدات ، و(( تسهيل طريق الوصول إلى الأحاديث الزائدة على جامع
الأصول)) في أربع مجلدات صنفه للناصر ولد الأشرف ، و((سفر
السّعادة )) وغير ذلك .
وتوفي رحمه الله ممتعا بحوّاسه قاضياً بزبيد وقد ناهز التسعين في
ليلة الثلاثاء الموفية عشرين من شوال سنة سبع أو ست عشرة وثمانمئة ،
وفي ذيل ابن فهد(٢) : وله بضع وثمانون سنة ، ودفن بتربة الشيخ
إسماعيل الجبرتي .
ومن أغرب ما منحه الله به (٣) أنه قرأ بدمشق على ناصر الدين
أبي عبد الله محمد بن جهبل صحيح مسلم في ثلاثة أيام (٤) وصرّح
(١) تقي الدين السبكي علي بن عبد الكافي (ت : ٧٥٦ هـ) وولده التاج: عبد
الوهاب بن علي (ت : ٧٧١ هـ) .
(٢) محمد بن محمد بن فهد مؤرخ شافعي من كتبه: ((لحظ الألحاظ بذيل طبقات
الحفاظ )) توفي عام (٨٧١هـ) تممه حفيده محمد بن عبد العزيز بن محمد المتوفى
عام (٩٥٤ هـ) بكتاب: ((تحفة الأيقاظ بتتمة ذيل طبقات الحفاظ)).
(٣) كذا في الأصل .
(٤) جاء في الضوء اللامع ( ج ١٠ ص: ٨٠) في ترجمة الفيروز بادي: وقرأ مسلماً
على البياني بالمسجد الأقصى في أربعة عشر مجلساً ، وعلى ناصر الدين أبي عبد
الله محمد بن جهبل بدمشق تجاه نعل النبيّ صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أيام))
إهـ. وفي الكتاب ترجمة مسهبة للفيروز بادي في الجزء العاشر ص : ٧٩ - ٨٦
الترجمة : ٢٧٤ .
٢١١

بذلك في ثلاثة أبيات فقال :
بجوف دمشق الشام جوفاً لإِسلام.
قرأتُ بحمد اللّهِ جَامِعَ مسلمٍ
بحضرة حُفّاظٍ مشاهِيرَ أعلامِ
على ناصرِ الدينِ الإِمام ابنِ جهبلٍ
قِراءةً ضبطٍ في ثلاثة أيام
وتَمّ بتوفيق الإِله وفضله
ويقرب من هذا ما في ذيل ابن فهد على ذيل الشريف أبي المحاسن
في طبقات الحفاظ ما نصه : وقرأ الحافظ أبو الفضل العراقي(١) صحيح
مسلم على محمد بن إسماعيل الخباز بدمشق في ستة مجالس متوالية قرأ
في آخر مجلسٍ منها أكثر من ثلث الكتاب وذلك بحضور الحافظ زين الدين
ابن رجب وهو يعارض بنسخته .
وفي تاريخ الذهبي في ترجمة إسماعيل بن أحمد الحيري النيسابوري
الضرير(٢) ما نصّه: وقد سمع عليه الخطيب البغدادي بمكة صحيح
البخاري سماعه من الكشميهني في ثلاثة مجالس ، قال : وهذا شيء لا
أعلم أحداً في زماننا يستطيعه . انتهى أفاده السيد مرتضى الزبيدي في
مقدمة شرح القاموس(٣) .
وقال السخاويّ : وقع لشيخنا الحافظ ابن حجر أجلّ مما وقع
لشيخه المجد اللغوي فإنه قرأ صحيح مسلم في أربعة مجالس سوى
(١) أبو الفضل عبد الرحيم بن الحسين المعروف بالحافظ العراقي . أصله من الكرد ،
تعلم ونبغ في مصر، له رحلات ، من كبار حفاظ الحديث . توفي بالقاهرة
(٨٠٦ هـ)
(٢) أبو عبد الرحمن مفسر من فقهاء الشافعية من أهل نيسابور. توفي عام (٤٣٠ هـ).
(٣) من ترجمة وافية للفيروز بادي أثبتها الزبيدي في مقدمة التاج (١ / ص ٤١ - ٤٦)
طبع الكويت .
٢١٢

مجلس الختم في يومين وشيء ، وقرأ سنن ابن ماجه في أربعة
مجالس ، وقرأ كتاب النّسائي الكبير في عشرة مجالس كل مجلس منها
نحو أربع ساعات، وقرأ صحيح البخاري في عشرة مجالس كل مجلس
منها أربع ساعات . ثم قال السخاوي : وأسرع شيء وقع له، أي لابن
حجر، أنه قرأ في رحلته الشامية معجم الطبراني الصغير في مجلس واحد
بين صلاتي الظهر والعصر . قال : وهذا الكتاب في مجلد يشتمل على
نحو ألف حديث وخمسمئة حديث . انتهى فرحم الله هذه الهمم العالية
وأسكنها غرف الجنان السامية .
( وَمَاجَهْ)(١) بسكون الهاء وصلاً ووقفاً كـ ((مندهُ وسِيدَهْ)) (لقب
والد محمد بن يزيد القزويني صاحب السنن لا جدّه) أي لا لقب جده
كمازعمه بعضٌ. وما ذهب إليه صاحب ((القاموس)) جزم به أبو الحسن القطّان
ووافقه على ذلك هبة الله بن زاذان وغيره ، وعليه فلا بدّ من كتب الألِف في
((ابن)) ليعلم أنه صفة لمجد لا ليزيد . وهناك قول آخر ذكره جماعة وصححوه
وهو أن ((ماجه)) اسم لأمه، وكذا حكى الأمير المالكي (٢) في ثبته أن ((ماجَهْ))
لقب أمه والله أعلم ( انتهى ) كلام القاموس .
( وَمَاجَهْ) تلفظ ( بالجيم مخفّفة ) وهو المشهور المتلقَّى سماعاً
من الأشياخ ( وَبعض المغاربة يشدّدها) لم أقف الآن على تسمية هذا
البعض ومستنده .
(١) في: م، ب، ط : ماجه باسقاط الواو والصحيح إثباتها كما في القاموس.
(٢) محمد بن محمد بن أحمد بن عبد القادر الأزهري المعروف بالأمير نسبة الى جده
الذي كانت له إمرة بالصعيد : أكثر مصنفاته شروح ، وأشهرها حاشيته على مغني
اللبيب لابن هشام . توفي عام (١٢٣٢ هـ) .
٢١٣

( قال الإِمام المذكور رحمه الله تعالى في أوّل سننه ) قال الحافظ
ابن الملقن في ((البدر المنير)): وأما سنن أبي عبد الله ابن ماجه
القزويني فلا أعلم له شرطاً، وهو أكثر السنن الأربعة ضعيفاً، وفيه موضوعات
منها ما ذكره في أثنائه في فضل قَزْوين . لكن قال أبو زُرْعَة (١) فيما
رويناه عنه : طالعت كتاب أبي عبد الله ابن ماجه فلم أجد فيه إلا
قدراً يسيراً مما فيه شيء ، وذَكَرَ قدرَ بضعَةً عَشَرَ وكلاماً هذا معناه .
وهذا الكلام من أبي زرعة رحمه الله تعالى لولا أنه مروي عنه من أوجه
لجزمت بعدم صحته عنه فإنه غير لائق لجلالته . لا جرم أن الشيخ تقيّ
الدين قال في (( شرح الإلمام)): هذا من كلام أبي زرعة لا بدّ من
تأويله وإخراجه عن ظاهره وحمله على وجه يقع ، وَعَجَبُ قول ابن
طاهر (٢) : حسبُك من كتاب يعرض على أبي زرعة الرازي ويذكر هذا
الكلام بعد إمعان النظر والنقد . وقوله : ولعمري إن كتاب أبي عبد الله
ابن ماجه مَنْ نظر فيه علم منزلة الرجل من حسن الترتيب وغزارة
الأبواب وقلة الأحاديث(٣) وترك التكرار، ولا يوجد فيه من النوازل (٤)
(١) هو ولي الدين عبيد الله بن عبد الكريم الرازي المتوفى عام: ٢٦٤ هـ.
(٢) محمد بن طاهر المقدسي المتوفى عام : ٥٠٧ هـ .
(٣) لعله أراد : الأحاديث المنكرة أو الساقطة . فقد نقل السندي في حاشيته على سنن
ابن ماجه أقوالاً كثيرة في هذا الموضوع، ثم قال : وأما ما حكاه ابن طاهر عن أبي
زرعة الرازي أنه نظر فيه فقال : لا يكون فيه تمام ثلاثين حديثا مما فيه ضعف فهي
حكاية لا تصح لانقطاع سندها وإن كانت محفوظة .. (٢/١).
(٤) الإِسناد العالي هو ما قرب رجال سنده من رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب قلة
عددهم بالنسبة الى سند آخر يَرِدُ بذلك الحديث بعينه بعدد كثير أو بالنسبة لمطلق
الأسانيد ، وله أنواع: أعلاها القرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسناد
نظيف غير ضعيف .
والإِسناد النازل ( وجمعه النوازل ) فهو ما قابل العالي بأنواعه ، وهو مفضول إلّ إن =
٢١٤

والمقاطيع(١) والمراسيل(٢) والرواية عن المجروحين إلا هذا القدر الذي
أشار إليه أبو زرعة . وروى ابن عساكر عن أبي الحسن راويه قال أبو
عبد الله ابن ماجه : عرضت هذه النسخة على أبي زرعة فنظر فيه
وقال : أظن إن وقع هذا في أيدي الناس تعطلت هذه الجوامع كلها أو
أكثرها ، ثم قال : لعله لا يكون فيه تمام ثلاثين مما في إسناده
ضعف ، أو قال عشرين ونحوها من الكلام . وقال : وحكى عنه أنه
نظر في جزء من أجزائه ، وكان عنده في خمسة أجزاء . قال الشيخ تقي
الدين : لا بد من تأويله جزماً ، ولعله أراد بذلك الجزء الذي فيه أو
غيره مما يصح .
وقال ابن طاهر : وسنن ابن ماجه، وإن لم يشتهر عند أكثر
الفقهاء ، فإن له بالري وما والاها من ديار الجبل وقوهستان وعدة بلاد
شأنا عظيماً ، عليه اعتمادهم ، وله عندهم طرق كثيرة . انتهى .
وذكرنا قبل أن أوّل من عدّ سننه من الأمهات الست ابن طاهر في
الأطراف ثم الحافظ عبد الغني (٣)، قال ابن كثير (٤): إنها (٥) كتاب
مفيد قوي التبويب في الفقه . انتهى
تميز بفائدة كزيادة الثقة برجاله على العالي أو كونهم أحفظ أو أفقه ، قال ابن
=
المبارك: ((ليس جودة الحديث قرب الإِسناد. بل، جودته صحة الرجال)).
والحديث مبسوط في كتب مصطلح الحديث ( انظر مقدمة ابن الصلاح ص :
٢١٦، والتقريب وشرحه التدريب ١٥٩/٢، وقواعد التحديث للقاسمي: ص :
١٠٨ ) .
(١) انظر ص : ٦١ ح : ٣ .
(٢) انظر ص : ٩٨ ح : ١.
(٣) عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي الحافظ (ت: ٦٠٠ هـ) ..
(٤) أبو الفداء عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير الحافظ الفقيه المفسّر المؤرخ من
تصانيفه الشهيرة تفسيره وتاريخه الكبير : البداية والنهاية . (ت : ٧٧٤ هـ).
(٥) إنها : أي سنن ابن ماجه .
٢١٥
=

وقدمنا في الخطبة عند قول المصنف : وبدأت بالكتب الستة الخ
ما يتعلق بها من جهة رجالها فراجعه(١) .
(بسم الله الرحمن الرحيم باب اتّباع سنة رسول الله صلى الله
عليه وسلم . وبالسند إليه قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ) وهو عبد الله
ابنُ محمد بنِ إبراهيمَ بِن عثمانَ العبسيّ بموحدة ، مولاهم الكوفي
الحافظ أحد الأعلام وصاحب المصنف، قال أبو زرعة: ما رأيت أحفظ منه،
وقال الخطيب: كان متقناً حافظاً صنّف التفسير وغيره . قال نفطويه(٢):
اجتمع في مجلسه نحو ثلاثين ألفاً . قال البخاري : مات سنة خمس
وثلاثين ومئتين ، ( قال(٣) حدثنا شَرِيك ) بن عبد الله بن أبي شريك
النخعي أبو عبد الله الكوفي قاضيها وقاضي الأهواز . قال ابن
معين : ثقة يغلط ، وقال العجلي (٤) : ثقة ، وقال يعقوب بن
سفيان(٥): ثقة سيىء الحفظ . مات سنة (١٧٧ )، له في الجامع
(١) في ص : ١١١ .
(٢) هو أبو عبد الله إبراهيم بن محمد الأزدي من أحفاد المهلب بن أبي صفرة ، إمام في
النحو والفقه الظاهر، مسند ثقة في الحديث . توفي عام : (٣٢٣ هـ ) قال ابن
العماد : ونفطويه : بكسر النون وفتحها والكسر أفصح ، قال الثعالبي : لقب نفطويه
لدمامته وأُدْمَتِهِ تشبيها بالنفط ، وزيد ( ويه) نسبة الى سيبويه لأنه كان يجري على
طريقته ويدرس كتابه ( الشذرات ٢٩٩/٢). قال صاحب القاموس : والأدمة بالضم
لون مُشْربٌ سواداً أو بياضاً أو هو البياض الواضح .
(٣) في الأصل: حدثنا شريك بإسقاط (قال ) من المتن ، والتصحيح من السنن
(٢/١) ومن: م، ب ، ط .
(٤) أبو الحسن الحافظ أحمد بن عبد الله العجليّ الحافظ . شبهه بعضهم بأحمد بن
حنبل ويحيى بن معين ، نزح الى المغرب زمن محنة خلق القرآن . توفي عام :
( ٢٦١ هـ)
(٥) هو أبو يوسف الشهير بالفَسَوي نسبة الى ( فسَا) من بلاد إيران من كبار الحفاظ ،
عاش بعيداً عن وطنه في طلب الحديث ثلاثين عاماً . توفي عام (٢٧٧ هـ)
=
٢١٦

ت.سم
حديث واحد ( عن الأعمش ) سليمان بن مهران الكاهلي مولاهم أبي
محمد الكوفي الأعمش أحد الأعلام الحفّاظ والقراء . قال ابن
المديني : له نحو ألف وثلاثمئة حديث . وقال ابن عيينة : كان أقرأهم
وأحفظهم وأعلمهم . وقال عمرو بن علي (١): كان يسمَّى المصحف
لصدقه . وقال العجليّ : ثقة ثبت ، يقال ظهر له أربعة آلاف حديث ،
ولم يكن له كتاب ، وكان فصيحاً . وقال النَّسائي : ثقة ثبت وعدّه في
المدلسين (٢) . مات سنة (١٤٨) عن أربع وثمانين سنة ( عن أبي
صالح ) الأشعري ، قال أبو زرعة الرازي : لا يعرف اسمه ، قال أبو
حاتم : لا بأس به ( عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ) سلفت
ترجمته(٣) ( قال: قال رسول الله صلى الله عليه) وآله (وَسَلم : مَا
أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَخُذُوْهُ وَمَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) قال ابن عساكر في
الأطراف : هذا مختصر من حديث يليه . انتهى ولهذا قال المصنف
(ورواه أيضا) ابن ماجه ( بسند آخر ) قال : حدثنا محمد بن
الصباح(٤) انا جرير عن الأعمش عن أبي صالح (عن أبي هريرة رضي
الله تعالى عنه بلفظ : قال : قال رسول الله صلى الله عليه ) وآله
(١) أبو حفص الشهير بالفلاس. (ت : ٢٤٩ هـ) .
(٢) التدليس لغة : كتمان عيب السلعة عن المشتري ، والتدليس في الإِسناد أن يحدث
عن الشيخ الأكبر وهو ما رآه بشرط المعاصرة . وللتدليس أنواع بسطت في كتب
المصطلح ، وقد فعله بعض الثقات . قال القاسمي : وما كان في الصحيحين
وشبههما عن المدّلسين بـ ((عن)) فمحوّل على ثبوت السماع من جهة أخرى ..
( قواعد التحديث ص : ١١٣ ) .
(٣) في ص : ٢٠٤.
(٤) أبو جعفر المزني بالولاء الدولابي، ولد بدولاب من الريّ عام (١٥٠ هـ) واشتهر
ببغداد ، ومات بالكرخ عام (٢٢٧ هـ ). من أعيان حفاظ الحديث ، روى عنه
الشيخان وغيرهم .
٢١٧

(وسلم : ذَرُوِنِي مَا تَرَكْتُكُمْ فَإنّمَا هَلَكَ مَنْ كان قَبْلَكُمْ بِسُؤَالِهِمْ
وَأَخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَخُذُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ
وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عن شَيءٍ فَانْتَهوا) سببه كما في مسلم عن أبي هريرة رضي
الله تعالى عنه قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((يا
أيّها الناسُ قد فَرَضَ اللّهُ عليكُم الحج فَحُجُوا )) فقال رجل : أكلّ عامٍ
يا رسول الله؟ فَسَكَتَ حتى قالها مرارا (١)، فقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: ((لو قلت ((نعم)) لوجبت ولما استطعتم)) ثم قال :
((ذَرُوني ما تَرَكْتُكُمْ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبلُكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِم واخْتِلاَفِهِمْ
على أنبيائِهِمْ ، فَإِذَا أمرتُكُمْ بِشَيءٍ فَأْتُوا منهُ ما اسْتَطَعْتُمْ، وإِذَا نَهَيتكم
عن شيءٍ فَدَعُوْهُ))(٢) فاستُفيد منه تحريم الاختلاف وكثرة المسائل بغير
ضرورة لأنه توعّد عليه بالهلاك ، والوعيدُ على الشيء دليلٌ على
تحريمه ، وقد نهى الشارع عن قيل وقال وكثرة السؤال(٣). وروى
(١) في صحيح مسلم : حتى قالها ثلاثاً .
(٢) الحديث (١٣٣٧) من صحيح مسلم ( كتاب الحج باب فرض الحج مرة في
العمر) .. ورواه مسلم بما يقارب ذلك من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن
وسعيد بن المسيب عن أبي هريرة ( كتاب الفضائل ١٣٠ ج ٤ /١٨٣٠) ونحوه من
حديث الزهري . وقد روى الإمام أحمد حديث أبي هريرة في مواضع كثيرة من
مسنده (٢٤٧/٢، ٢٥٨، ٣١٣، ٣٥٥، ٠٠٤٢٨) كما روى من حديث عمرو
ابن شعيب عن أبيه عن جده أن نفرا كانوا جلوسا بباب النبي صلى الله عليه وسلم
فقال بعضهم : ألم يقل الله كذا وكذا؟ وقال بعضهم : ألم يقل الله كذا وكذا فسمع
ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنما فُقيء في وجهه حبّ الرمان فقال :
((بِهِذَا أُمِرْتم أو بهذا بعثتم أنْ تَضِربوا كتاب الله بعضَهُ ببعض. إنّما ضَلّتِ الأُمَمُ
قبلكم في مثلِ هذا ، إنّكُمْ لَسْتُم مما ههنا في شيء . انظُرُوا الذي أمرتم به فاعملوا
به والذي نُهِيتُمْ عنه فانتهُوا » (١٩٥/٢)
(٣) متفق عليه (البخاري الحديث: ٥٠٠، مسلم: ٥٩٣) ونصه) ((إن الله عز وجل=
٢١٨

أحمد أنه صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن الأغلوطات وهي صعاب
المسائل(١). وكان أفاضل الصحابة كزيد بن ثابت(٢) وأبيّ بن كعب(٣)
إذا سئلوا عن شيء قالوا : أَوَقَعَ ؟ فإن قيل: نعم أفتوا أو رَدُّوا إلى من
يُفتي ، وإن قيل: لا قالوا : دَعُوُه حتى يَقَع ، وكانوا يكرهون السؤال
عما لم يقع ، بل لعن عمر رضي الله تعالى عنه سائلا عما لم يكن .
واستُفيد منه أيضا وجوبُ اتّباع سنته عليه الصلاة والسلام ، وهي الأخذُ
بما أمر به والانتهاءُ عما نهى عنه . قال الإِمام شمس الدين ابن القيم
في ((أعلام الموقعين)): ترى كثيراً من الناس إذا جاء الحديثُ يوافقُ
قولَ من قلَّدَهُ وقد خالفه راويه يقول : الحجة فيما روى لا في قوله ،
فإذا جاء قول الراوي موافقاً لقول من قلّده والحديث يخالفه قال : لم
يكن الراوي يخالف ما رواه إلا وقد صحّ عنده نسخه ، وإلا كان قدحاً
في عدالته ، فيجمعون في كلامهم بين هذا وهذا ، بل قد رأينا ذلك في
حرّم عليكم عقوق الأمهات ووأد البنات وهات وهات ، وكره لكم ثلاثا : قيل وقال
=
وكثرة السؤال وإضاعة المال)) . وأخرجه الامام أحمد بتقديم وتأخير ( المسند
٤ /٢٤٦ )
(١) روى أبو داود من حديث معاوية أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الغلوطات
قال صاحب النهاية (١٨٧/٣): وفي رواية: الأغلوطات . قال الخطابي (معالم
السنن ٤ / ١٨٦) : الأغلوطات واحدها أغلوطة .. فأما الغلوطات فواحدها غلوطة
اسم مبني من الغلط كالحلوبة والركوبة .. ونقل عن الأوزاعي قوله : هي شرار
المسائل . ورواه الإِمام أحمد في المسند (٤٣٥/٥) بنحو ذلك .
(٢) زيد بن ثابت الأنصاري الخزرجي من كبار الصحابة ، كاتب الوحي ، كان ابن عباس
يأتيه ليأخذ عنه ، له في الصحيحين اثنان وتسعون حديثا. توفي عام (٤٥ هـ)
(٣) أبي بن كعب الأنصاري ، من كتاب الوحي . وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم
بقوله: ((أَقْرَأْ أمتي أُبيّ)). له في الصحيحين (١٦٣) حديثاً. توفي بالمدينة
المنورة عام (٢١) أو (٢٢)هـ .
٢١٩

الباب الواحد ، وهذا من أقبح التناقض . ثم قال : والذي ندينُ الله به
ولا يَسَعُنا غيرُهُ أن الحديث إذا صحّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
ولم يصحّ عنه حديث آخر ينسخه أن الفرضَ علينا وعلى الأمة الأخذُ
بحديثه وترُ کل ما خالفه، ولا نتركه لخلاف أحدٍ من الناس كائنا من كان لا
راويه ولا غيره ، إذ من الممكن أن ينسى الراوي الحديث ولا يحضره
وقت الفتيا ، أو لا يتفطِّنَ لدلالته على تلك المسألة ، أو يتأول فيه تأويلاً
مرجوحاً ، أو يقومَ في ظنه ما يعارضه ولا يكون معارضاً في نفس
الأمر، أو يقلّدَ غيره في فتواه بخلافه لاعتقاده أنه أعلم وأنه إنما خالفه لما
هو أقوى منه، ولو قَدَّر انتفاءَ ذلك كُلِّهِ - ولا سَبيل إلى العلم بانتفائه ولا
ظنه - لم يكن الراوي معصوما ولم توجِبْ مخالَفَتُهُ لما رَوَاهُ سُقُوطَ
عدالته حتى تغلب سيّئاتُهُ حسناتِهِ ، وبخلاف هذا الحديث الواحد لا
یحصل له ذلك .
وقال رحمه الله في ((الكافية الشافية(١) )):
مختار عند فساد ذي الأزمان(٢)
هذا وللمتمسكين بسنة الـ
إلا الذي أعطاه للإنسان
أَجْرٌ عظيم ليس يقدُرُ قَدْرَهُ
ورواه أيضاً أحمد الشيباني
فروى أبو داودَ في سُنَّن له
(١) قصيدة طويلة جداً للإِمام ابن القيم ألفها للتعريف بمذهب السلف الصالح في الذات
والصفات ، والرد على فرق الزيغ من معطلة أو مجسّمة أو غيرهما ، وسماها :
((الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية)). وقد اهتم بها بعض المتمسكين
بمذهب السلف فقام الشيخ ابن عيسى والشيخ عبد الرحمن بن ناصر آل سعدي
القصيمي بالتعليق عليها تعليقات موجزة سريعة ، ثم قام الدكتور محمد خليل هراس
المدرس بكلية الشريعة في مصر فشرحها شرحاً وافياً في مجلدين بلغت صفحاتهما
خمساً وثلاثين وثمانمئة صفحة، ونُشِرَ بعنوان: ((شرح القصيدة النونية)).
(٢) أخذت الأبيات من فصل فيما أعد اللّه تعالى من الإِحسان للمتمسكين بكتابه=
٢٢٠