Indexed OCR Text
Pages 141-160
أبي جهل(١) لأبويه وابن عم خالد بن الوليد(٢)، شهد بدراً كافراً فانهزم ، وأسلم يوم الفتح فحسن إسلامه ، وأعطاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم حُنَين مئة من الإِبل . قُتِل باليرموك سنة خمس عشرة(٣) . وكان شريفاً في قومه ، وله اثنان وثلاثون ولداً، ومن المعلوم أن الحارث قد يكتب بلا ألف تخفيفا . والظاهر أن هذا الحديث من مسند عائشة واعتمد عليه أصحاب الأطراف ، فكأنها حضرت القصة أو أخبرها الحارث به فهو مرسل صحابي فحكمه الوصل (٤)، ويؤيده أن بمسند أحمد بطريق عامر بن صالح الزبيري(٥) عن هشام عن أبيه عن عائشة عن الحارث قال : سألته . وعامر به ضعف ، لكن له تابع عند ابن منده ، أفاده السيوطي . ( سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (١) عمرو بن هشام المخزومي القرشي ، أحد سادات قريش في الجاهلية ، وأعدى أعداء الرسول صلى الله عليه وسلم في الإِسلام . قُتلَ في معركة بدر عام (٢ هـ) . (٢) سيف الله، القائد العبقري المظفّر، أسلم وعمراً بن العاص عام (٧ هـ) قبل الفتح ، وخاض تحت راية الإِسلام معارك كثيرة لم يهزم في واحدة منها - توفي عام (٢١ هـ) . ! (٣) ذكر ابن العماد في الشذرات أن وفاته كانت عام (١٨ هـ) في طاعون عمواس ، ونقل ابن حجر في الإصابة (٢٩٤/١ الترجمة ١٥٠٤): قال الواقدي: عند أهل العلم بالسير من أصحابنا أن الحارث بن هشام مات في طاعون عمواس، وقال المدايني : استشهد يوم اليرموك ، وكذا ذكره ابن سعد . اهـ وقد نقل ابن عبد البر في ((الاستيعاب)) (١ / ٣٠٩ على هامش الإصابة) القولين جميعاً . (٤) قال ابن الصلاح في معرفة المتصل (المقدمة: ص : ٥٠): ويقال فيه أيضاً الموصول، ومُطْلَقُهُ يقع على المرفوع ( أي إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم) والموقوف ( أي المرويّ عن الصحابيّ ). وتوسع بعضهم في معناه ( ارجع إلى مقدمة ابن الصلاح ص: ٥٠، والتقريب وشرحه التدريب: ١ / ١٨٣ وقواعد القاسمي : ص : ١٠٤ ). (٥) الاسدي المديني ، فقيه عالم بالحديث . سكن بغداد وتوفي فيها عام (١٨٢) هـ . ١٤١ فقال : يا رسول الله كيف يأتيك الوحي ؟) يحتمل أن يكون المسؤول عنه صفة الوحي نفسه . ويحتمل أن يكون صفةً حامله أو ما هو أَعَمُّ من ذلك ، وعلى كل تقدير فإسناد الإِتيان الى الوحي مجاز لأنه وصف حامله . والمناسبة بين هذا الحديث والترجمة تظهر من الجواب لأن فيه إشارة الى انحصار صفة الوحي وصفة حامله في الأمرين . فيشمل حالة الابتداء ، كذا في ((النور الساري)) (١). ( فقال رسولُ الله صلى الله عليه ) وآله ( وسلم: أَحْيَاناً يَأْتِيْنِي مثلَ صَلْصَلَةِ الجَرَس ) أصل الصَّلصلة صوتُ وقوع الحديد بعضه على بعض فأطلق على كل صوت له طنين ، أو هو صوت يسمع لا يفهم في أول وهلة ، والجرس كسبب : الجلجل الذي يعلق في رؤوس الدواب ، وهو صوت الملك بالوحي أو صوت خفق أجنحته ، وحكمة تقدمه أن يفرغ سمعه للوحي فلا يبقى به محل لغيره ، أو يكون مثله عند نزول آية وعيد وتهديد والله أعلم (٢) (وهو أشده عليّ) لأن الفهم من كلامٍ مثل الصلصلة أَشْكَلُ مِنَ الفهمِ من كلام الرجل بالتخاطب المعهود ، وفائدة شدته ما يترتب على المشقة من زيادة زُلفاه في درجاته . ( فَيُقْصِمُ عنّي )(٣) كَيَضْرِبُ (١) (( النور الساري من فيض صحيح البخاري)) تأليف حسن العِدْوي الحمزاوي المتوفّى (١٣٠٣ هـ) . (٢) في النهاية : صلّ الحديد وصلصل، والصلصلة أشدُّ من الصليل (٢ / ٢٩٥) وقد جاءت رواية مسلم ( برقم ٢٣٣٣ ) والموطأ ( برقم: ٤٧٥) والترمذي ( برقم ٣٦٣٨) والإِمام أحمد (٦ / ١٥٨، ٢٥٧): ((في مثل صلصلة الجرس)) وفي رواية: ((له صلصلة كصلصلة الجرس ( الإِمام أحمد ٦ / ١٦٣ ) . وبين الروايات اختلاف غير هذا يسير . (٣) في النهاية (٣ / ٢٢٩): تقول فَصَمْته فانفصم، وفي الحديث . فيفصم عني .. أي الوحي أي يقلع . وأُفْصَمَ المطرُ إذا أقلع وانكشف، ومنه حديث عائشة : : ١٤٢ ١ وَيُكْرِمُ رباعيا أي يقلع وينجلي ما تغشّاني . وأصل الفصم القطع بلا إبانة ففيه إشارة لبقاء العلقة وأن المَلَكَ فارقه ليعود (وَقَدْ وَعَيْتُ عنه)(١) كَرَمَيْتُ أي فهمت وحفظت ( مَا قَالَ، وَأَحْيَانً يَتَمَثَّلُ لي ) أي يتصور ( المَلَكُ ) لامه للعهد أي جبريل كما صَرّح به في رواية لابن سعد(٢) ( رَجُلاً) أي مثله ( فَيُكَلَّمُنِيْ فَأَعِي ما يَقُولُ) زاد أبو عَوَانَةً في صحيحه: ((وَهُوَ أَهْوَنُهُ عليّ)). وعبّر بالشق الأول بقوله: ((وقد وعيت)) ما قال ماضيا . وهنا آتيا إذ حصل وَعْيُهُ أولاً قبل فصمه وثانياً عقب المكالمة . ( قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللّهُ عَنْها: وَلَقَدْ(٣) رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ (٤) الوَحْيُ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ فَيُفْصِمُ عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقاً ) أي يسيل رشح جلده بكثرة ، مستعار من الفَصْد وهو قَطْعُ العرق لإِسالة الدم فيسيل بكثرة . ويكفي في فهم هذا الحديث المقدار الذي قررناه ، ومن أراد البسط فعليه بمحاله المعروفة . = ((فَيُقْصِمُ عنه الوحيُّ وإنَّ جبينه ليتفصَّدُ عرقاً)). (١) سقط من الأصل : عنه . (٢) أبو عبد الله محمد بن سعد الزهري المؤرخ ، ثقة ، من حفاظ الحديث . توفي عام (٢٣٠ هـ) . (٣) في م : لقد ( بإسقاط الواو) . (٤) سقط من الأصل : عليه . ١٤٣ الكتاب والثانى صَحِيْحِ مُسْلم ( قال الامام أبو الحسين مُسلم بن الحجّاج) بن مُسلمٍ ( القُشيريّ ) نسبة الى قشير بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة قبيلة كبيرة ( النيسابوري ) نسبة الى نّيْسابور بفتح النون أشهر مدن خراسان ، أحدُ أعلام أئمة هذا الشان ، وكبار المبرزين فيه أهل الحفظ والإتقان ، والرحّالين في طلبه إلى أئمة الأقطار والبلدان ، والمعترفُ له بالتقدم فيه بلا خلاف عند أهل الحذق والعرفان . ولد رحمه الله سنة (٢٠٤)(١) عام وفاة الإِمام الشافعي ، ومات في رجب سنة ( ٢٦١ ) فعاش سبعاً وخمسين سنة ، روى عنه الترمذي حديثا واحداً ، قال ( رحمه الله تعالى في أوّل صحيحه) وهو الثاني من الكتب ، الستة ، وأحد الصحيحين اللذين هما أصحُ الكتب بعد كتاب الله العزيز ، وقد تلقّاهما الأئمة بالقبول . ومعلوم أنّ كتاب البخاري أصحُّهُما صحيحا وأكثرُهُما فوائد ، وقد صح أن مسلماً كان ممن يستفيدُ منه ويعترفُ بأنه ليس له نظير في علم الحديث ، وهذا الترجيح هو المختار الذي قاله الجمهور. وقال الحسين بن علي النيسابوري شيخ الحاكم(٢): (( ما (١) في ب : (٢٠٦) والصحيح ما في الأصل . (٢) أبو علي ولد وتوفي في نيسابور، وله رحلات واسعة عظمت فيها شهرته (٢٧٧ - ٣٤٩ هـ). قال الحاكم : هو واحد عصره في الحفظ والإِتقان . ١٤٤ ١ تحت أديم السماء كتاب أصح من كتاب مسلم )) ووافقه بعض شيوخ المغرب . وقد نوقش في ذلك وتُؤُوِّل كلامه كما في شرح التقريب(١)، قال الحافظ ابن حجر: (( والذي يظهر لي من كلام أبي علي أنه قدّم صحيح مسلم لمعنى آخر غير ما يرجع الى ما نحن بصدده من الشرائط المطلوبة في الصحة ، بل لأن مسلماً صنّف كتابه في بلده بحضور أصوله في حياة كثير من مشايخه ، فكان يتحرز في الألفاظ ويتحرّى في السياق ، بخلاف البخاري فربما كتب الحديث من حفظه ، ولم يميز الحافظ رواته ، ولهذا ربما يعرض له الشك ، وقد صح عنه أنه قال : ((ربّ حديثٍ سمعتُهُ بالبصرة فكتبتُهُ بالشام )) ولم يتصدّ مسلم لما تصدّى له البخاري من استنباط الأحكام وتقطيع الأحاديث، ولم يخرّج الموقوفات (٢))). ثم قال: ((ولا يُحفظُ عن أحدٍ من شيوخ المغاربة تقييد الأفضلية بالأصحية ، بل أطلق بعضهم الأفضلية فحكى القاضي عياض عن أبي مروان الطَّبْني (٣) بضمّ المهملة وسكون الموحدة ثم نون قال : ((كان بعض شيوخي يفضل صحيح مسلم على صحيح البخاري )) قال: (( وأظنه عنى ابن حزم (٤) فقد حكى القاسم التجيبي في فهرسته عنه ذلك ، قال : لأنه ليس فيه بعد الخطبة إلا الحديث السرد )) وقال (١) انظر تفصيل الموضوع وأقوال العلماء فيه في ((تدريب الراوي بشرح تقريب النواوي)) ص: ٩١، وما بعدها. وفي ((مقدمة ابن الصلاح)) وشرحها للحافظ العراقي ص : ١٤ . (٢) انظر ص : ٦١ ح : ٢ . (٣) عبد الملك بن زيادة الله التميمي الطّبني نسبة إلى ((طبنة)) بالأندلس . عالم باللغة والحديث ، رحل إلى المشرق وعاد إلى قرطبة فأملى الكثير مما قيّده . قيل : قتلته جواريه لإفراطه في البخل عام (٤٥٧ هـ ) . (٤) جاءت العبارة في الأصل: عن أبي حزم، والتصحيح من شرح التقريب (١ / ٩٥). ١٤٥ مسلمة بن قاسم القرطبي (١) من أقران الدارقطني: ((لم يصنع(٢) أحد مثل صحيح مسلم)) وهذا في حسن الوضع وجودة الترتيب لا في الصحة . رُوي عن مسلم أنه قال: ((صنفتُ هذا المسند من ثلاثمئة ألف حديث مسموعة)). وفي البدر المنير(٣): روينا عن مسلمٍ أنه قال في صحيحه : ليس كل حديث صحيح وضعته في كتابي ، إنما وضعت ههنا ما أجمعوا عليه))، قال الشيخ تقي الدين بن الصلاح: (( أراد والله أعلم أنه لم يضع في كتابه إلّ الأحاديث التي وجد عنده فيها شرائط الصحيح المجمع (٤) عليه وإن لم يظهر اجتماعها في بعضها عند بعضهم . وأما زعم أبي محمد بن حزم الظاهري أن فيه حديثا موضوعاً وهو حديث ابن أبي سفيان يوم الفتح المشهور فلا يقبل منه وقد أجاب عنه الأئمة بأجوبة )) انتهى . ( بعد خطبته الطويلة المشتملة على أحاديث جليلة ) وقد ساقها في باب تغليظ الكذب على رسول الله صلی الله عليه وآله وسلم ، وفي باب النهي عن الحديث بكل ما سمع ، وفي باب النهي عن الرواية عن الضعفاء والاحتياط في تحملها من مقدمة صحيحة (٥) : (١) أبو القاسم عالم بالحديث والرجال من أهل قرطبة، له رحلة واسعة، (٢٩٣ - ٣٥٣) هـ. (٢) في الأصل: يضع، وما أثبتناه من التدريب (١ / ٩٥). (٣) نقلا عن مقدمة ابن الصلاح ص : ١٥. (٤) في الأصل : المجتمع عليه وما أثبتناه من المقدمة ص : ١٥ . (٥) ذكر الإِمام مسلم في مقدمته بعض من يروي لهم أو يترك روايتهم من المحدثين (١ / ٥ -٨) ثم باب تغليظ الكذب (١ / ٩) ثم النهي عن الحديث بكل ما سمع (١٠/١) ثم النهي عن الرواية عن الضعفاء (١ / ١٢) ثم رأيه في الإسناد وأن الجرح ليس من الغيبة المحرمة (١٤/١) ثم صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن (٢٩/١). ١٤٦ كتاب الإيمان(١) قال الإِمام أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي الشافعي (٢) رحمه الله في حديث سؤال جبريل (٣) صلى الله عليه وسلم عن الإِيمان والإِسلام وجوابه قال: ((جعل النبي صلىّ الله عليه وسلم الإِسلام اسماً لما ظهر من الأعمال ، وجعل الإِيمان اسماً لما بطن من الاعتقاد ، وليس ذلك لأن الأعمال ليست من الإِيمان ، والتصديق بالقلب ليس من الإِسلام ، بل ذلك تفصيلٌ لجملة هي كُلُّها لشيء واحد ، وجِماعُها الدين، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: ((ذاك جبريلُ أتاكم ليُعلِّمكُم دينكم (٤))) والتصديق والعمل يتناولهما اسم الإِيمان والإِسلام جميعا ، يدلّ عليه قوله سبحانه وتعالى : ﴿إن الدين عند الله الإِسلامُ ( سورة آل عمران: ١٩) ﴿ورضِيتُ لكُمُ الإِسلامَ ديناً﴾ (سورة (١) الكتاب الأول من صحيح مسلم (١ / ٣٦ - ٢٠٢) وفيه (٣٨٠) حديثاً . (٢) انظر ترجمته في ص : ٣٨٦ . (٣) كذا في الأصل ، ولعلها : سؤال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم ... لقوله : وجوابه .. . (٤) من الحديث الآتي الذي سيسوقه من صحيح مسلم ١٤٧ المائدة: ٣) ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيْناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ ( سورة آل عمران : ٨٥) فأخبر سبحانه وتعالى أن الدين الذي رضيه ويقبله من عباده هو الإِسلام ، ولا يكون الدين في محل القبول والرضا إلا بانضمام التصديق إلى العمل)). وقال الشيخ الإِمام أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله في حديث جبريل في الإِيمان والإِسلام : هذا بيانٌ لأصل الإِيمان وهو التصديق الباطن ، وبيانٌ لأصل الإِسلام وهو الاستسلامُ والانقيادُ الظاهر . وحكمُ الإِسلام في الظاهر يثبتُ بالشهادتين ، وإنما اضاف اليهما الصلاة والزكاة والحج والصوم لكونها أظهر شعائر الإِسلام وأعظمها ، وبقيامها يتمُّ استسلامه ، وتركه لها يُشعر بانحلال قيد انقياده أو اختلاله . ثم إن اسم الإِيمان يتناول ما فُسر به الإِسلامُ في هذا الحديث وسائر الطاعات لكونها ثمرات للتصديق الباطن الذي هو أصلُ الإِيمان ، ومقوّيات ومُتمماتٍ وحافظاتٍ له ، ولهذا فسّر صلى الله عليه وسلم الإِيمان في حديث وفد عبد القيس بالشهادتين والصلاة والزكاة وصوم رمضان وإعطاء الخُمس من المغنم . ولهذا لا يقع اسمُ المؤمن المطلق على من ارتكب كبيرة أو ترك فريضة لأن اسم الشيء مُطلقاً يقعُ على الكامل منه ، ولا يُستعملُ في الناقص ظاهراً إلّ بقيد ، ولذلك جاز إطلاقُ نفيه عنه في قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يسرقُ السّارقُ حين يسرقُ وهُو مُؤمِنٌ ))(١) . (١) رواه الشيخان ( ب برقم ٥٥٧٨، ٦٧٧٢، م برقم: ١٠٠ - ١٠٥) والترمذي (رقم ٢٦٢٧) والإِمام أحمد (٢ / ٢٤٣، ٠٠٠٣١٧ ٣ / ٣٤٦) وغيرهم مطولاً من. حديث أبي هريرة . ورواه البخاري مختصراً من حديث عكرمة عن ابن عباس ( رقم = ١٤٨ واسم الإِسلام يتناول أيضاً ما هو أصلُ الإِيمان وهو التصديقُ الباطن ، ويتناول أصل الطاعات فإن ذلك كُله استسلام . قال : فخرج مما ذكرناه وحققناه أن الإِيمان والإِسلام يجتمعان ويفترقان ، وأن كلّ مؤمنٍ مُسلم وليس كُلَّ مسلم مؤمناً . قال : وهذا تحقيق وافٍ بالتوفيق بين مُتفرقات نصوص الكتاب والسنة الواردة في الإِيمان والإِسلام التي طالما غلط فيها الخائضون ، وما حققناه من ذلك موافق لمذهب جماهير العلماء من أهل الحديث وغيرهم ، نقله الإمام النووي رحمه الله تعالى ثم قال : وأما إطلاق اسم الإِيمان على الأعمال فمتفقٌ عليه عند أهل الحق ، ودلائله في الكتاب والسنة أكثرُ من أن تُحصر وأشهرُ من أن تشهر، قال الله تعالى: ﴿وما كان اللهُ لُيُضيع إيمانكم﴾ (سورة البقرة: ١٤٣) أجمعوا على أن المراد : صلاتكم . وأما الأحاديث فثم جمل مستکثرات )) انتهى . وقال شيخ الإِسلام تقي الدين أحمد بن تيمية رضي الله عنه وأرضاه في كتابه ((الفرقان)): ((وحدثت المرجئة(١) وكان أكثرهم من ٦٧٨٢) كما راوه الإِمام أحمد كاملاً من حديث عبد الله بن الزبير عن عائشة أم = المؤمنين : (٦ / ١٣٩). وهو مرويّ في أكثر كتب الحديث المعتمدة . (١) المرجئة فرقة نشأت بعد أن اشتد الخلاف بين عثمان بن عفان رضي الله عنه وخصومه ثم بين علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومعاوية ، وما ثار من فتن ، وما جرى من حروب ، وما كثر من اللعن والتكفير فنشأت فرقة يرجىء أصحابها أمر هؤلاء المختلفين إلى يوم القيامة فلا يحكمون على هؤلاء ولا على هؤلاء . وقيل سُمُّوا المرجئة لأنهم كانوا يقولون : لا تضر مع الإِيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر = ١٤٩ أهل الكوفة ، ولم يكن أصحاب عبدالله من المرجئة ولا إبراهيم النخعي(١) وأمثاله، فصاروا نقيض الخوارج(٢) والمعتزلة(٣) فقالوا: إن طاعة ، فهم يبعثون الرجاء ويؤمّلون كل مؤمن عاصٍ . وكان الأصل في نشأة المرجئة سياسياً ينفض يده من المشاركة في الفتن كلها ، غير أنهم مضوا يبحثون بعد ذلك في أمور دينية كمعنى الإِيمان والكفر والمؤمن والكافر، وانقسموا إلى فرق كثيرة ، وجرت على ألسنتهم أقوال جعلت خصومهم يلعنونهم بسببها كقول بعض غلاتهم : الإِيمان الاعتقاد في القلب وإن أعلن الكفر بلسانه وعبد الأوثان ومات على ذلك . (١) أبو عمران إبراهيم بن يزيد النخعي. (٤٦ - ٩٦ هـ) من كبار التابعين صلاحاً وصدقاً وفقهاً وروايةً وحفظاً للحديث . مات مختفياً من الحجاج . (٢) الخوارج هم الذين خرجوا على علي بن أبي طالب في صفين حين قبل بالحكمين أبي موسى الأشعري وعمرو بن العاص، وقالوا: ((لا حكم إلا الله)) وسُمّوا المحكّمة ، كما يطلق عليهم اسم الحرورية لاجتماعهم في (( حروراء )) وقد كفروا عليا ومعاوية والحكمين وكل من لم يَرَ رأيهم ، وكانت لهم وقائع هائلة ذهب ضحيتها الألوف من المسلمين . وقد قتل أحدهم وهو عبد الرحمن بن ملجم أمير المؤمنين علياً رضي الله عنه عام أربعين للهجرة ، كما دبروا مقتل معاوية فأصيب ولم يمت ، وعمرو بن العاص ولكنه لم يخرج إلى المسجد لمرضه فقتل من ناب عنه . (٣) ارتبط نشوء المعتزلة كمذهب ديني فلسفي بواصل بن عطاء وعمرو بن عبيد وكانا من رواد حلقة الحسن البصري ثم اعتزلاها وجلسا في حلقة خاصة . وقد عللوا سبب تسميتهم بالمعتزلة بأن الحسن البصري قال : اعتزلنا واصل ، وقيل : بل لأنهم اعتزلوا الأصول السابقة كلها في مرتكب الكبيرة ، فالمرجئة على أنه مؤمن وأكثر فرق الخوارج على أنه كافر، والحسن البصري على أنه منافق . وذهبوا هم إلى أنه ليس بالمؤمن ولا بالكافر وإنما هو فاسق أو في منزلة بين المنزلتين . ولهم أصول خمسة يكادون يجتمعون بجميع فرقهم عليها هي : القول بالتوحيد ، العدل ، الوعد والوعيد ، المنزلة بين المنزلتين ، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . وكان للمعتزلة شأن كبير جداً في انتشار علم الكلام ، وإثارة النقاش وإقامة المناظرات ، وألفت في مذهبهم والرد عليه كتب كثيرة . وقد لخص الأستاذأحمد أمين أصول = ١٥٠ الأعمال ليست من الإِيمان، وكانت هذه البدعة أخف البدع، فإن كثيراً من النزاع فيها نزاع في الاسم واللفظ دون الحكم إذ كان الفقهاء الذين يُضاف اليهم هذا القولُ - مثل حماد بن أبي سليمان(١) وأبي حنيفة وغيرهما هم مع سائر أهل السنة - متفقين (٢) على أن الله يُعذّب من يعذّبه من أهل الكبائر بالنار ثم يُخرجُهم بالشفاعة كما جاءت الأحاديث الصحيحة بذلك . وعلى أنه لا بد في الإِيمان أن يتكلم بلسانه ، وعلى أن الأعمال المفروضة واجبة وتاركها مستحق للزم والعقاب ، فكان في الأعمال: هل هي من الإِيمان؟ وفي الاستثنا ونحو ذلك وعامته نزاع لفظي ، فإِنّ الإِيمان إذا أطلق دخلت فيه الأعمال لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((الإِيمانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً أَعْلَاَهَا قَولُ لَا إِلَهَ إلّ الله، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّريق والحياءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمانِ)) (٣) وإذا عُطِفَ عليه العملُ كقوله: ﴿إِنَّ الذِيْنَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾(٤) (سورة البقرة: ٢٧٧) فقد ذكر مقيّداً بالعطف، فهنا قد يقال : الأعمال دخلت فيه وعُطفت عطف الخاص على العام ، وقد مذهبهم تلخيصاً علمياً هادئاً في كتابيه فجر الإسلام من : ٣٣٢ - ٣٥٦ ، وضحى = الإِسلام ج ٣ ص : ٢١ - ٢٠٧. (١) حمّاد بن أبي سليمان الأشعري صاحب إبراهيم النخعي. فقيه الكوفة . توفي عام (١٢٠ هـ). (٢) نُصِبت بكَان على أنها خبر لها أي : إذ كان الفقهاءُ متَّفقين ... (٣) متفق عليه ( ب: ٩، م: ٥٧، ٥٨) الترمذي برقم ٢٦١٨، والإِمام أحمد وسائر أصحاب السنن باختلاف في الطول والقِصَر . (٤) جاء قوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾ في صدر آيات كثيرة: الكهف : ٣٠، ١٠٧ - مريم: ٩٦، لقمان: ٨، فصّلت: ٨، البروج: ١١، البيّنة : ٧ ... ١٥١ يقال : لم تدخل فيه ولكن مع العطف كما في اسم الفقير والمسكين : اذا أفرد أحدهما تناول الآخر ، وإذا عُطف أحدُهُما على الآخر فهما صنفان كما في آية الصدقات كقوله تعالى : ﴿إنما الصّدقاتُ للفُقراءِ والمساكين﴾(١) (سورة التوبة: ٦٠) وأما في آية الكفّارة كقوله تعالى. ﴿فكفّارتُهُ إطعامُ عشرة مساكين﴾ (٢) ( سورة المائدة: ٨٩) وفي قوله تعالى : ﴿وإن تُخفُوها ووتُؤْتُوْها الفُقراء فهو خيرٌ لكم﴾ (٣) (سورة البقرة: ٢٧١) فالفقير والمسكين شيء واحد . وهذا التفصيل في الإِيمان هو كذلك في لفظ البرّ والتقوى والمعروف ، وفي الإِثم والعدوان والمنكر، تختلف دلالتها في الإِفراد والاقتران لمن تدبّر القرآن . وقد بسط هذا بسطاً كبيراً في الكلام على الإِيمان وشرح حديث جبريل الذي فيه بيان أن الإِيمان أصله في القلب وهو الإِيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، كما في المسند عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الإِسلام علانية والإِيمان في القلب (٤) ))، وقد قال (١) الآية بتمامها: ﴿إنّما الصَّدَقَاتُ للفقراءِ والمَسَاكِينِ والعَامِلِيْنَ عَلَيْهَا والمُؤَلِّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الْرِقَابِ والغَارِمِينَ وفي سَبِيْلِ اللهِ وابنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ والله عَلِيمٌ حکِیم (٢) من قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤْاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرةٍ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أو كِسْوَتُهُمْ أو تحرِيرُ رَقَبَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَة أيّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَقْتُمْ ... ﴾ الآية . (٣) من قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ، وإنْ تُخْفُوها وتُؤْتوها ... ﴾ الآية . (٤) رواه الإِمام أحمد (٣ / ١٣٤) من حديث قتادة عن أنس بزيادة : قال : ثم يُشير بيده إلى صدره ثلاث مرات، قال: ثم يقول: ((التقوى ههنا التقوى ههنا)) الحديث . ١٥٢ صلى الله عليه وسلم في الحديث: ((ألا إن في الجسد مضغةً إذا صلحت صلح لها سائرُ الجسد ، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ألا وهي القلب(١) )) فإذا كان الإِيمان في القلب فقد صلح القلب فيجب أن يصلح سائر الجسد ، فلذلك هو ثمرةُ ما في القلب ، فلهذا قال بعضهم : الأعمال ثمرةُ الإِيمان ، وصحته لما كانت لازمةً لصلاح القلب دخلت في الاسم كما نطق بذلك الكتاب والسنة في غير موضع )) انتھی . ( وبالسند إليه قال : حدثني (٢) أبو خيْئمة) بفتح المعجمة وإسكان المثناة تحت وبعدها مثلثة ( زهيرُ بنُ حرب ) بن شدّاد الحَرَشيّ بفتح المهملتين بعدهما معجمة مولاهم النسائي الحافظ ، روى عنه البخاري ومسلم أكثر من ألف حديث . ولد سنة ( ١٦٠) ومات سنة (٢٣٤) (قال(٣): حدّثنا وَكيع) بنُ الجراح بن مليح الرؤاسي أبو سفيان ، الكوفي الحافظ أحد الأئمة الأعلام ، قال أحمد : ما رأيت أوعى منه ولا أحفظ مع خشوع وورع واجتهاد ، وكان إمام المسلمين في وقته . قال خليفة : مات سنة (١٩٦) (عن كهمس ) بن الحسن التميمي وهو أبو الحسن البغوي ، وثّقه أحمد وابن معين (٤) قال ابن حبّان: مات سنة (١٤٩) (عن عبدالله بن بريدة)(٥) بن الخُصيب (١) سبق ذكر الحديث وتخريجه ص: ١٣٤ ح ١. (٢) في ( م) و ( ط ) : حدثنا . (٣) ليس في صحيح مسلم: قال (١ / ٣٦). (٤) أبو زكريا يحيى بن معين: (ترجمته في ص: ٣٧٥ ). (٥) في صحيح مسلم: ((عن ابن بُرَيدة)) وانظر ترجمته في ص : ٣٣٥. ١٥٣ الأسلمي أبي سهل قاضي مرو عن أبيه(١) وابن مسعود وابن عباس وابن عمر ، وعنه خلق ، قال ابن حبان : مات سنة (١١٥) (عن يحيى بن يَعْمَرٍ ) بفتح الميم ويقال بضمها ، غير مصروف لوزن الفعل ، القيسي الجدلي بفتح الجيم العدواني البصري ثم المروزي قاضيها ، فقيه أديب نحوي مبرز، نفاه الحجاج الى خراسان فقبله قتيبة بن مسلم (٢) وولاه قضاء خراسان . توفي قبل التسعين . (ح) جرت عادة المحدّثين بأنه إذا كان للحديث إسنادان أو أكثر كتبوا عند الانتقال من إسناد الى إسناد (ح) وهي حاء مهملة مفردة، ولم يُعرف بيان أمرها عمن تقدم ، والمختار أنها مأخوذة من التحول لتحوله من إسناد الى إسناد، وأنه يقول القارىء إذا انتهى اليها (ح ) قال وحدثنا فلان . وقيل إنها من حال بين الشيئين إذا حجز لكونها حالت بين الإِسنادين وأنه لا يلفظ عند الانتهاء اليها بشيء وليست من الرواية . وقيل إنها رمز إلى قوله : الحديث وأن أهل المغرب كلهم يقولون إذا وصلوا إليها : الحديث . وقد كتب جماعة من الحفاظ موضعها ( صح ) فيشعر بأنها رمز (صح). وحسنت ههنا كتابة صح لئلا يتوهم أنه سقط متن الإِسناد . ثم هذه الحاء توجد في كتب المتأخرين كثيرا ، وهي كثيرة في صحيح مسلم قليلة في صحيح البخاري . ومنع الحافظ عبدالقادر الرهاوي النطق بها وجوّزه الأكثرون ، وزعم بعضهم أنها معجمة أي إسناد آخر (١) بُرَيدة بن الحُصَيب الأسلمي من كبار الصحابة . شهد خيبر وفتح مكة ، روى له الشيخان (١٦٧) حديثاً. توفي عام (٦٣ هـ). (٢) أمير فاتح من مفاخر التاريخ (٤٩ - ٩٦ هـ) ولي الريّ ثم خراسان وافتتح كثيراً من البلاد . ١٥٤ ١ فوهم ، وربما اكتفوا بدلها بلفظ قال وحدثنا . ( وحدثنا عبيد (١) الله بن معاذ العنبري ) أبو عمرو البصري الحافظ ، مات سنة (٢٣٧ ) وقوله : (وهذا حديثه) هذه عادة لمسلم رحمه الله قد أكثر منها ، وقد استعملها غيره قليلا ، وهي مُصَرِّحةٌ بتحقيقه وورعه واحتياطه ، ومقصوده أن الراويين اتفقا في المعنى واختلفا في بعض الألفاظ ، وهذا لفظُ فلان والآخرُ بمعناه والله أعلم . (قال : حدثني(٢) أبي ) معاذ بن معاذ التميمي العنبري أبو المثنى البصري الحافظ قاضي البصرة ، قال القطان : ما بالبصرة ولا بالكوفة ولا بالحجاز أثبت من معاذ بن معاذ . قال سعد : مات سنة (١٩٦) (قال حدثنا كَهْمَس عن ابن(٣) بريدة عن يحيى بن يعمر ) . فإن قيل : سوق الطريقين هكذا تطويل لا يليق بإتقان مسلم واختصاره ، فكان ينبغي أن يقف بالطريق الأول على وكيع ، ويجتمع معاذ ووكيع في الرواية عن كهمس عن ابن بريدة (٤). أجيب كما قال النووي بأن هذا الاعتراض فاسد لا يصدر إلّ عن شديد الجهالة بهذا الفن ، فإِن مُسلماً رحمه الله يسلكُ الاختصار لكن بحيث لا يحصل خلل ولا يفوت به مقصود ، وهذا الموضع يحصل في الاختصار فيه خلل ويفوت به مقصود ، وذلك لأن وكيعاً قال : عن كهمس ، ومعاذ قال : حدثنا كهمس ، وقد علم بما ذُكر في باب المُعنعن (٥) أن العلماء (١) في الأصل : عبد الله، وهو عبيد الله كما في ب، م، ط، وصحيح مسلم ... (٢) في مسلم و(م) و(ط): حدثنا: وفي مسلم: ((حدثنا أبي)) أي دون: قال. (٣) في الأصل : عن أبي .. (٤) في الأصل : عن أبي بردة . (٥) قال المؤلف في قواعد التحديث (ص : ١٠٤) : المعنعن وهو ما يقال في سنده : = ١٥٥ اختلفوا في الاحتجاج بالمعنعن ولم يختلفوا في المتصل بحدّثنا ، فأتى مسلم بالروايتين كما سمعنا ليُعرف المتفق عليه من المختلف فيه ، وليكون راوياً باللفظ الذي سمعه . وهنا مقصود آخر وهو أن في رواية وكيع قال : عن عبدالله بن بريدة ، وفي رواية معاذ قال : عن ابن بريدة، فلو أتى بأحد اللفظين حصل خلل، فإنه إن قال: (( ابن بريدة )) لم ندر ما اسمه وهل هو عبد الله هذا أو أخوه سليمان بن بريدة(١) وإن قال: ((عبدالله وابن بريدة)) كان كاذباً على معاذ فإنه ليس في روايته عبدالله والله أعلم . انتهى وبه يُعلم فائدة تحويل الإِسناد . بقي أن قوله في الرواية الأولى: ((عن يحيى بن يعمر)) لا يظهر لذكره أولاً فائدة ، وعادة مسلم وغيره في مثل هذا أن لا يذكروا يحيى بن يعمر لأن الطريقين اجتمعتا في ابن بريدة ولفظهما عنه بصيغة واحدة ، قال النووي: ((إلا أنني رأيت في بعض النسخ في الطريق الأولى ((عن يحيى)) فحسب وليس فيها : ابن يعمر )) فإن صحّ هذا فهو مزيل للإِنكار فلان عن فلان ، قيل إنه مرسل حتى يتبيّن اتصاله ، والجمهور على أنه متصلٌ إذا = أمكن لقاءً من أضيفت العنعنة إليهم بعضهم بعضا، مع براءة المعنعن من التدليس. اهـ وارجع لمزيدٍ من أقوال العلماء في المعنعن إلى مقدمة ابن الصلاح(ص: ٦٧)، والتقريب مع شرحه التدريب (١ / ٢١٤). (سبق ذكر المرسل ص: ٩٨ح١ ، والمتصل أو الموصول ص : ١٤١ ح ٤ . والتدليس في الإسناد : إسقاط راوٍ لم يُسمّه من حَدّث عنه موهماً سماعه ممن لم يحدّثه بشرط معاصرته له ، ولذلك أنواع مبسوطة في كتب المصطلح في معرض تعريف الحديث المدلّس ، وقد فعل ذلك بعض الثقات . فإن لم تكن المعاصرة موجودة فليست الرواية تدليساً على المشهور). انظر مقدمة ابن الصلاح (ص : ٧٨) والتدريب (١١ / ٢٢٣) وقواعد التحديث ( ١١٣ ). (١) قال في الخلاصة ( ص : ١٥٠) عن عائشة .... وثقه ابن معين وأبو حاتم. ١٥٦ ١ ١ فإنه يكون فيه فائدة كما قررناه في ابن بريدة والله أعلم . ( قال ) يحيى ابنُ يعمر ( كان أول من قال بالقدر(١)) أي بنفيه فابتدع وخالف الصواب الذي عليه أهل الحق . ويقال القدَر والقدْر بفتح الدال وسكونها لغتان(٢) مشهورتان حكاهما ابن قتيبة (٣) عن الكسائي (٤). واعلم أن مذهب أهل الحق إثبات القدر ، ومعناه أن الله تبارك وتعالى قدّر الأشياء في القدم ، وعلم سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده سبحانه تعالى ، وعلى صفات مخصوصة ، فهي تقع على حسب ما قدرها سبحانه وتعالى . وأنكرت القدرية هذا وزعمت أنه سبحانه وتعالى لم يقدّرها ولم يتقدم علمه سبحانه وتعالى بها ، وأنها مستأنفة العلم ، أي إنما يعلمها(٥) سبحانه بعد وقوعها ، وكذبوا على الله سبحانه وتعالى وجل عن أقوالهم الباطلة علوا كبيراً(٦). وسمّيت هذه الفرقة ( قَدَرِيّة ) لإِنكارهم القدر . قال القرطبي وغيره : قد انقرض هذا المذهب ولا نعرف أحداً يُنسب اليه من المتأخرين ، قال : والقدريَّة اليوم مطبقون على أن الله تعالى عالم بأفعال العباد قبل وقوعها ، وإنما خالفوا السلف في زعمهم بأن افعال العباد مقدورة لهم وواقعة منهم على جهة الاستقلال ، وهو - مع كونه مذهباً باطلاً - أخف (١) في صحيح مسلم : في القَدَر . (٢) في الأصل : نعتان . (٣) في الأصل: قتيبة بإسقاط ابن: وهو ابن قتيبة المترجم بالحاشية رقم (١)، ص ١٥٩ . (٤) علي بن حمزة الأسدي بالولاء الكوفي أبو الحسن ، إمام الكوفة في اللغة والنحو والقراءة في عصره . توفي عام : ١٨٩ هـ . (٥) في الأصل ؛ يعملها . (٦) في الأصل : علوا كبير . ١٥٧ من المذهب الأول . وقد حكى أبو محمد بن قتيبة (١) في كتابه (( غريب الحديث )) وأبو المعالي إمام الحرمين(٢) في كتابه (( الإِرشاد في أصول الدين)) أن بعض القدرية قالوا : لسنا (٣) بقدرية بل أنتم القدرية لاعتقادكم إثبات القدر . قال ابن قتيبة والإِمام هذا تمويه من هؤلاء الجهلة ومباهتة وتوقح ، فإن أهل الحق يُفوّضُون أمورهم الى الله سبحانه وتعالى ، ويُضيفون القدر والأفعال الى الله سبحانه وتعالى ، وهؤلاء الجهلة يضيفون إلى أنفسهم ؛ ومدّعي الشيء لنفسه ومضيفها اليها أولى بأن ينسب إليه ممن يعتقده لغيره وينفيه عن نفسه ، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((القدرية مجُوسُ هذه الأمة (٤))) شبّههم بهم لأنهم أثبتوا لغير الله الانفراد بالأحداث ، وشركاء خلقوا كخلقه كما فعلت المجوس ، فهم ضاهوا المجوس في الإِشراك بربوبيته حيث جعلوا غيره خالقا . وقال الخطّابي(٥) إنما جعلهم مجوساً لمضاهاة مذهبهم مذهب المجوس في قولهم بالأصلين : النور والظلمة ، يزعمون أن الخير من فعل النور (١) أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (٢١٣ -٢٧٦ هـ) ولي قضاء دينور فنسب إليها. من كتبه : تأويل مختلف الحديث ، غريب القرآن ، المشتبه من الحديث والقرآن ... وكثير غيرها . (٢) سبق ذكره وترجمته في ص: ٨٦ ح: ١ . (٣) في الأصل : ألسنا . (٤) رواه أبو داود في السنة والطبراني والإِمام أحمد (٢ / ٨٦) مطولاً من حديث ابن عمر مرفوعاً. وروى الإِمام أحمد نحوه من حديث رجل من الأنصار عن حذيفة ((إن لكل أمةٍ مجوساً، ومجوسُ هذه الأمة الذين يقولون: لا قَدَر ... )) إلى آخر الحديث وهو طويل (٥ / ٤٠٧ ) . (٥) حمد بن محمد البستي (ت : ٣٨٨ هـ) . ١٥٨ والشرَّ من فعل الظلمة فصاروا ثنوية ، وكذلك القدرية يضيفون الخير إلى الله تعالى والشر الى غيره والله سبحانه وتعالى خالق الخير والشر جميعاً ، ولا يكون شيء منهما إلّ بمشيئته ، فهما مضافان إليه سبحانه وتعالى خلقاً وإيجاداً، وإلى الفاعلين لهما من عباده فعلاً واكتساباً ، كذا نقله النووي . وهذا الذي قاله الخطابي كغيره في وجه تشبيههم بالمجوس ردّه شيخ الإِسلام تقي الدين بن تيمية في إحدى فتاويه الجليلة حيث قال ما نصه: (( والقدرية متفقون على أن العبد هو المحدث للمعصية كما هو المحدث للطاعة ، والله عندهم ما أحدث هذا ولا هذا ، بل أمر بهذا ونهى عن هذا ، ومن توهم منهم أو نقل عنهم أن الطاعة من الله والمعصية من العبد فهو جاهل بمذهبهم ، فإن هذا لم يقله أحد من علماء القدرية ولا يمكن أن يقوله ، فإن أصل قولهم أن فعل العبد الطاعة كفعله للمعصية كلتاهما فعله بقدرة تحصل له من غير أن يخصه بإرادة خلقها فيه تختص بأحدهما)). وأطال البحث في ذلك رحمه الله تعالى . فالوجه في مضاهاتهم المجوس ما ذكر أولاً وهو ما قاله الإِمام ابن تيمية رضي الله عنه(١) . وسيأتي في تفسير الحديث الكلام على القدر بأبسط من هذا . (١) أفاض ابن تيمية في الحديث عن القدرية ، وبسط آرائهم ، ووصف فرقهم ، والرد عليهم . ونجد ذلك في كثير فتاواه التي طبعت في الرياض في خمسة وثلاثين مجدداً . وأفرد المجلد الثامن منها للحديث عن القدر وأقوال الفرق المختلفة فيه (ص : ١٠٥ - ٤٦٠)، وانظر المجلد الثالث ص : ١١١ وما بعدها . والمجلد السابع ص : ٣٨١ وما بعدها . وحديث ابن تيمية عن القدرية والمرجئة والجهمية والمتصوفة وغيرهم يتردد في أكثر المجلدات التي جمعت فيها فتاواه . ١٥٩ وقد نبه الإِمام ابن حزم في ((الفِصَل)) على أن حديث: القَدَرِيَّةُ مَجُوسُ هذه الأمَّة )) لا يصحّ من جهة الإِسناد . أقول رواه أبو داود في سننه وفي إسناده عبدالعزيز بن أبي حازم(١) عن أبيه ، وقد قال ابن المديني : كان حاتم بن إسماعيل (٢) يطعنَ عليه في أحاديث رواها عن أبيه كما في ((ميزان الاعتدال))(٣) للذهبي ، ولذا لم يخرجه البخاري فلله دره . ( بالبصرة ) مثلثة الباء كان يقال : قبة الإِسلام وخزانة العرب ، بناها عتبة بن غزوان (٤) أحدُ الصَّحابة البدريين الأجلاء في خلافة عمر ابن الخطاب رضي الله عنه سنة سبع عشرة من الهجرة ، وسكنها الناس سنة ثماني عشرة ، ولم يعبد الصنم قط على أرضها ، وهي داخلة في سواد العراق وليس لها حكمه . ( معبدُ الجُهَنيّ )(٥) بضمّ الجيم نسبة الى جهينة قبيلة من قضاعة نزلت الكوفة وبها محلّةُ تنسبُ إليهم ، وبقيتهم نزلت البصرة ، وممن نزل جهينة فنسب إليهم معبد بن خالد الجهني ، كان يجالس الحسن البصري ، وهو أول من تكلم في البصرة بالقدر فسلك أهل البصرة بعده مسالكه لما رأوا عمرو بن عبيد(٦) (١) المخزومي مولاهم المدني الفقيه. وثقه ابن معين . وقال ابن حنبل : لم يكن بالمدينة بعد مالك أفقه منه . مات وهو ساجد في الحرم عام (١٨٤) هـ . (٢) أبو إسماعيل مولى بني عبد الدار. قال ابن سعد: ثقة، مأمون، كثير الحديث. توفي عام (١٨٦)، أو ( ١٨٧ هـ). (٣) في الترجمة رقم ٥٠٩٣ (٢ / ٦٢٦). (٤) عتبة بن غزوان الحارثي المازني ، صحابي قديم الإِسلام ، اشترك في الفتوحات وشهد القادسية مع سعد . (ت عام : ١٧ هـ) . (٥) أي : كان أول من قال بالقدر معبد الجهنّ . (٦) أبو عثمان عمرو بن عبيد التيميّ بالولاء . شيخ المعتزلة في عصره ومفتيها ، زاهد = ١٦٠