Indexed OCR Text

Pages 21-40

ذلك كله في خدمة الدين وإقامة المجتمع الإِسلامي على أفضل الأسس
والقواعد التي لا تفقد صبغتها الإِسلامية ، ولا تتنكر لتقدم سليم أو
معطيات علمية نافعة ، لأن الإِسلام دين فطرة مؤمنة وعقل متفتح،
ونظام عام ينتظم الحياة كلها ، ودولة فاضلة ، فلا غرابة إذا حدثنا عن
العمل بالبرق والكهرباء والهاتف والاشتراكية التي ابتدأت مفهوماتها
تصل إلى أسماع بعض الناس في الشرق آنذاك ، ولا عجب إذا وضع
رسائل في القهوة والشاي وبعض المعارف الطبية الى جانب آثاره
الجليلة في التفسير والحديث والتاريخ والأدب والاجتماع والأخلاق .
أخلاقه ومنهجه
لم أدرك علامة الشام القاسمي وإنما عرفته من حديث والدي
الشيخ محمد بهجة البيطار، رحمه الله وأجزل ثوابه عنه . لقد
صحبت والدي عشرات السنوات ، ولازمته في الحلّ والترحال فما
سمعته يذكر القاسمي مرة في بيته أو في ملأ من قومه إلا بقوله :
((شيخنا علامة الشام)) أو ((شيخنا القاسمي))، وما سمعته يذكره مرة إلا
والبكاء یکاد يغلبه .
لقد ترك القاسمي في نفوس طلابه ، بل وفي نفوس كثير من
الذين يردون مجلسه وينهلون من معين أدبه وعلمه أثراً باقياً . لقد كان
مربياً لطيف المعشر ، كريم الخلق ، كبير القلب ، بادي الحب ، لا
يرى منه الناس إلا وجهاً طلقاً، وجانباً ليناً ، وأنساً ممتعاً ، الى جانب
العلم الغزير، والأدب الوفير ، والإِحاطة بالمكتبة العربية قديمها
وحديثها في عصره ، وتتبع ينابيعها الغنية في المطبوع منها
والمخطوط .
٢١

عاش الشيخ حياته كلها مدافعاً عن عقيدته السلفية ، يدين الله
بها، ويدفع خصومها عنها ، ويجلو ما ألحقه الجهل والجمود من زيفٍ
بجوهرها ، وکان في ذلكکله مصداق قوله تعالى : ﴿ ادع إلى سبيل ربك
بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ﴾ ( سورة
النحل : ١٢٥)، غير أنه كان يغضب فيشتد غضبه إذا أحسّ بالمراء
يسدّ مسالك الحق ، والباطل يهضم جانب الإِنصاف ، فهو يؤثر العافية
والسلامة ويرغب في الأناة وحسن التأني للأمور (( اللهم إلا إذا قابَلَتْ
فرسان مضمار الحق جولة الباطلات ، فهنالك تصوَّب أسنة البراهين
نحو نحور الشبهات ))(١) .
وقد كان الشيخ شديد التحري للدقة والضبط ، ذا طبيعة علمية لا
يسوقها هوى أو يفسد صحتها عصبية ، يسعى إلى الحقيقة الغراء لا
يكبله تقليد أو يقعد به جمود ، وقد وضع لطلابه والمنتفعين بعلمه
المنهج الصالح لمن أراد أن يسير في طريق العلم الصحيح فقال :
((وفارق وَهْدَ التقليد إلى يفاع الاستبصار، وتسنم أوج التحقيق في
مطالع الأنظار ، والبس التقوى شعاراً ، والاتصاف بالإِنصاف دثاراً،
واجعل طلب الحق لك نحلة ، والاعتراف به لأهله ملّة ، ولا تَرِدْ
مشرع العصبية ، ولا تأنف من الإِذعان إذا لاح وجه القضية ، أَنَّفَة ذوي
النفوس العصية ، فذلك مرعى لسُوّامها وبيل ، وصدود عن سواء
السبيل))(٢).
(١) مقدمة محاسن التأويل ج ١ / ٥.
(٢) السابق ج ١ / ٦ .
٢٢

وكان الشيخ رحمه الله من أكبر العلماء المصلحين الذين اندفعوا
يبينون حقيقة الإِسلام ، ويحاولون بناء الشخصية الإسلامية في ضوء
الحنيفية السمحة والسلفية النقيّة، فكان حلقة مضيئة في السلسلة
الذهبية التي ابتدأت بالشيخ محمد بن عبد الوهاب ، وكان من أبرز
رجالها : جمال الدين الأفغاني ، ومحمد عبده ، ومحمد رشيد رضا ،
وعبد الرزاق البيطار ، وجمال الدين القاسمي . وقد تحمل الشيخ رحمه
الله في الدفاع عن عقيدته ضيقاً شديداً وعداوة مرهقة، وامتحن أكثر من
مرة ، وصودرت كتبه ، واتّهم بتأسيس مذهب جديد يُدعى بالمذهب
الجماليّ ، وكان في ذلك صابراً محتسباً ، مؤمناً بأنه يقوم بما أوجبه
الله عليه، وقد أشار إلى بعض ما لقيه وبيّن سببه في كتابه ((الفتوى
في الإِسلام)) فقال: ((إن العالِمَ لما أخذ الله عليه الصدع بالحق
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وألّ يخاف في الله لومة لائم كان
معرضاً من عبيد أنفسهم وعبيد أهوائهم للشنآن والنبز بالألقاب ، فتراهم،
إن وجدوه يميل للنظر في الأدلة على الأحكام والوقوف على مآخذ
المذاهب والأقوال وتحري الأقوم والأصلح بدون تعصب لإِمام ولا
تحزب لآخر ، نبزوه بالاجتهاد وسموه (( مجتهداً )) تحكماً ، مع أنه
بذلك لم يقم إلا بواجبه))(١) .
ولعل المحن المتوالية التي نزلت بساحته كانت من أقوى
البواعث له على المضي في رسالته الإصلاحية ، ولكنها جعلته يكثر في
تأليفه من النقول عن كتاب الله وسنة رسول الله وأقوال أئمة المسلمين
مما يتفق مع دعوته السامية ، كبتاً لخصومه وإبطالاً لحجتهم ، وبذلك
(١) الفتوى في الإِسلام ص : ٦٦، وانظر كتاب جمال الدين القاسمي ص : ٨٢ .
٢٣

حفلت تآليفه بنقول نادرة من كتب أنفق في دراستها واستخراج كنوزها
عمره ، وقد عرف الناس الكثير منها عن طريق كتب القاسمي رحمه
الله .
آمن القاسمي بالعقل ، وبالحرية الفكرية في حدود ما أباح الله
وما دعا اليه، فالعقل في نظره: (( حجة الله القاطعة البالغة ، والنقل لا
يأتي بما يناقض العقل (١) . وإن العلماء اتفقوا على أنه إذا تعارض
العقل والنقل أوّل النقل بالعقل(٢). وإنَّ غَلّ الفكرِ عن النظر والتأمل هو
أعظم هادمٍ لصرح التحقيق ، فإن الحقيقة بنت البحث(٣). وإن الحق
ليس منحصراً في قول ولا مذهب وقد أنعم الله على الأمة بكثرة
مجتهديها(٤) . وليس الغرض من الإصلاح العلمي بالاجتهاد القيام بمذهب
خاص والدعوة له على انفراده ، وإنما المراد إنهاض همم روّاد العلم لتعرف
المسائل بأدلتها(٥) . إننا في الرأي مستقلون ولسنا بمقلدين ولا
متحزبين))(٦) .
والدين هو مدرسة أخلاق الأمة ودستور عقولها وقانون وجودها ،
يدعو للوحدة والتوحيد لا للتفرق والتحزب فيه ....
وللشيخ رحمه الله آراء رائعة في الدولة وقوتها، والوطن ،
(١) دلائل التوحيد ص : ١٢٩.
(٢) السابق ص : ٣١ .
(٣) الأجوبة المرضية ص : ٦ .
(٤) الاستئناس ص : ٤٤ .
(٥) ارشاد الخلق ص : ٤ .
(٦) الجرح والتعديل ص : ١٤ .
٢٤

والسياسة ، والجهاد في سبيل الله . وقد دعا إلى تولية الأكفاء وإعطاء
كلِّ ذي حقٍ حَقَّه وَوَضْع الأشياء مواضِعَها وتفويض الأعمال للقادرين
عليها ... (( لأن كلّ من تتبع تواريخ الأمم علم أنه ما انقلب عرش
مجدها إلا لتفويض الأعمال لمن لا يحسن القيام عليها ، ويضع الأشياء
في غير مواضعها))(١) .
مؤلفاته
ترك الشيخ رحمه الله كتباً ورسائل تجاوزت المئة على صغر سنّه
وكثرة أعماله ، فقد باشر التدريس وهو في الرابعة عشرة من عمره ،
ولم ينقطع عنه حتى اختاره الله إليه ، وكان لتلاميذه الكثيرين مجالس
مرتبة في المسجد والدار ، في الليل والنهار ، وهو على ذلك كله ألّف
وصنّف ، ولخّص ونسّق ، واستفاد من كل دقيقة من وقته ؛ وقد تحسر
مرة وهو واقف أمام مقهى امتلأ بأناس فارغين يزجون الوقت في اللهو
والتسلية فقال لبعض محبيه: آه ، كم أتمنى أن يكون الوقت مما يباع
لأشتري من هؤلاء جميعاً أوقاتهم .
ومؤلفاته غزيرة المادة مختلفة الموضوعات ، عالج بها أمور الدين
والدنيا جميعاً ، وعرض لقضايا العصر بعين العالم الفطن البصير ، وقد
استقصى ابن الشيخ الأستاذ النقيب ظافر مؤلفات أبيه في كتابه عنه
فكانت سبعة وثمانین كتاباً(ص: ٦٣٢ - ٦٦٨). وكنت أسمع من والدي
رحمه الله ، وكان من أكثر الطلاب ملازمة للشيخ وأخذاً عنه واحتفاء
بآثاره ، أنه احصى للشيخ مئة وعشرة مصنفات وقد مات دون الخمسين
٢٥

من العمر ، وهذا هو معنى البركة في الوقت .
جاء في كتاب القاسمي عن أبيه (ص: ٦٣٢): ((أقدم ما
وقعت عليه من آثاره مجموع لطيف سماه ((السفينة ))، جمعه عام
١٢٩٩ هـ وله من العمر ست عشرة سنة، فيه مختارات من مطالعاته في
كتب شتى .... ومضى رحمه الله يكتب دون انقطاع في الليل وفي
النهار، في القطار، في النزهة ، في العربة ، في المسجد ، في
سدّته ، في بيته ، وأظن أن الطريق وحده هو الذي خلا من قلمه ...
وقد كان في جيبه دفتر صغير وقلم يقيّد الفكرة الشاردة إذا عنّت له حيثما
كان ... )) .
وأجلّ كتبه هو تفسيره المسمى: ((محاسن التأويل))، وقد طبع
في سبعة عشر مجدداً. ومن أنفع مؤلفاته ((قواعد التحديث )) وهو من
المراجع المهمة في بابه ، وكتاب (( موعظة المؤمنين )) الذي لخص فيه
كتاب (( إحياء علوم الدين)) للإِمام الغزالي بعد أن جرّده من الواهيات
وقصره على لباب اللباب، وقد طبعته (( دار النفائس))، في لبنان
بتحقيقنا .
ومن كتبه الجليلة: ((تعطير المشام في مآثر دمشق الشام)) في
أربعة مجلدات ضخمة، وكتاب (( شمس الجمال على منتخب كنز
العمال)) في مجلد واحد، وكتاب (( الفضل المبين على عقد الجوهر
الثمين)) وهو هذا الذي قمنا بتحقيقه وإعداده للطبع . ومن أحب أن
يستقصي مؤلفات الشيخ رحمه الله فليعد إلى كتاب (( جمال الدين
القاسمي)) (ص: ٦٣٢ - ٦٦٨) ففيه من التفصيل ما لا يستغني عنه
باحث .
٢٦

يقول الأستاذ ظافر القاسمي: (( ولم تتضمن كتبه ـ على
كثرتها ، وبعضها إنما وضع للرد على مخالفيه - لفظاً نابياً ، وإنما
اعتصم بالنقاش العلمي والأدبي )) .
ومن الواضح لمن يطلع على هذه الكتب أن القاسمي لم يكن
يريد من الرد على مخالفيه إفحام خصومه أو تصغير أقدارهم أو الحطّ
من مكانتهم ، وإنما كان يهدف إلى الهدى والرشاد وسواء السبيل ،
والدعوة إلى الصراط المستقيم ، حتى ينقلب المخطىء مصيبا ، وحتى
يعود المنحرف إلى الحق ... ))
﴿ ادْفَعْ بالتي هي أَحْسَنُ﴾ ( المؤمنون : ٩٦، السجدة: ٣٤)
طريقته الوحيدة في الدعوة الى الحق ، فلم تعرف عنه رغبة في لجاجة،
ولا إلحاح مع معاند ، ولا استمرار مع مكابر أو مغرض ... لقد
كان حلقة في سلسلة الهدى والإِصلاح التي لم ينقطع نورها عن العالم
الإِسلامي خلال القرون ، فجددت للناس حقائق الدين ، وَجَلَتْ عنها
ما علق بها من الخرافات والأوهام))(١).
(١) قاموس الصناعات الشامية ج ٢ / ٢٠٥ - ٢٠٦.
٢٧

1
1

ترجمَة جَامِع الأربعين
الشيخ إسْمَاعيل العَجُلُوني
نسبه ومنشؤه
هو الشيخ إسماعيل بن محمد جَرّاح بن عبد الهادي بن عبد
الغني بن جرّاح الجرّاحي نسبة إلى جرّاح المذكور ، كما نقله الشارح
من ثبت المؤلف ((حلية أهل الفضل والكمال باتصال الأسانيد بكمَّل
الرجال )).
قال المرادي : إسماعيل بن محمد بن عبد الهادي الشهير
بالجراحي الشافعي العجلوني المولد ، الدمشقي المنشأ والوفاة .
دراسته وشيوخه
وقد نقل القاسمي رحمه الله أنه ولد عام ( ١٠٨٧ ) هـ ، ولما
(١) تجد ترجمته في ((حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر)) للبيطارج ١ ص ١٦٠،
الرياض النضرة ج ٢ ص ٣١٧، وفي ((منتخبات تواريخ دمشق)) للحصني ج ٢ من : ٦٢١ ،
وكلاهما أخذ الترجمة عن .. سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر ((للمرادي )) ج ١ ص:
٢٥٩ - ٢٧٢، وارجع إلى ما كتبه القاسمي رحمه الله في ترجمته ص: ٩٠ . نقلا عن سلك
الدرر .
١
٢٩

بلغ سنّ التمييز حفظ القرآن عن ظهر قلب، ثم قدم الى دمشق لطلب
العلم عام (١١٠٠) هـ وسنه ثلاث عشرة سنة ، فحضر دروس العلماء
الأعلام ، وقرأ الأمهات من الكتب في مختلف العلوم ، قال المرادي
(ج ١ ص : ٢٥٩): ومشائخه كثيرون . والكتب التي قرأها لا تعد
لكثرتها ما بين كلام وتفسير وحديث وفقه وأصول وقراءات وفرائض
وحساب وعربية بأنواعها ومنطق وغيرها . اهـ
عدّد المرادي من شيوخ المترجم ثلاثين تقريباً أحصاهم نقلاً عن
ثبت المؤلف ((حلية أهل الفضل والكمال باتصال الأسانيد بكمّل
الرجال )) الذي ترجم به مشايخه، وذكر العلامة القاسمي كثيراً منهم،
ومن الواضح أن المؤلف رحمه الله كان رحالة في طلب العلم ،
حريصاً على لقاء كبار العلماء في الأمصار والأخذ عنهم ، كالشيخ
سليمان بن أحمد الرومي واعظ أياصوفيا ، والشيخ محمد الخليلي
المقدسي ، والشيخ محمد شمس الدين الحنفي الرملي ، والشيخ تاج
الدين القلعي مفتي مكة ، والشيخ يونس الدمرداشي المصري ثم
المكي ، وغيرهم كثير .
وقال المرادي : والجرّاحي نسبة الى أبي عبيدة الجراح أحد
الصحابة العشرة المبشرين بالجنة رضي الله عنهم أجمعين . ا هـ (ج
١ ص : ٢٧٢) . وقد اشتهرت هذه النسبة في عجلون وغيرها من
الأمصار حتى ذكرها المرادي في تاريخه ، ومن العجيب أن يذكرها
والمترجم نفسه قد أبان أن ((الجرَّاحي)) هي نسبة الى جدّه الثالث
جرّاح ، وأن أبا عبيدة رضي الله عنه لم يعقب ذرية ، وقد قال المحب
الطبري : ( وکان له من الولد یزید وعمیر، أمهما هند بنت جابر ، ودرجا
ولم يبق له عقب)) ( الرياض النضرة ج ٣١٧/٢)
٣٠
١

وذكر العلامة القاسمي رحمه الله نقلاً عن سلك الدرر أن
المترجم رحل الى بلاد الروم عام تسعة عشر ومئة وألف . وأنه كُلّف
التدريس تحت قبة النسر في جامع بني أمية عام (١١٢١) هـ فقام
بالأمر خير قيام ، واستمر فيه إلى أن توفي عام (١١٦٢) هـ، ومدة
تدريسه إحدى وأربعون سنة .
المحدثون في الشام
قال الوالد الشيخ محمد بهجة البيطار في حاشيته على حلية
البشر (ج ١ ص : ١٥٠): عُرفت الشام من الصدر الأول بأنها بلد
السنّة . فمسند الشاميين - أي الصحابة الذين نزلوا الشام - هو جزء كبير
من مسند الإمام أحمد المطبوع بمصر ومعه ((منتخب كنز العمال)) سنة
١٣١٣ هـ، ويجده المطالع في الجزء الرابع منه . وبالأسانيد المتصلة
بهؤلاء الشاميين وغيرهم من الصحابة الذين تفرقوا في الأمصار أخرج
الأئمة الحفاظ أحاديثهم كالبخاري (ت : ٢٥٦) ومسلم (٢٦١ )
وأصحاب السنن والمسانيد والمعاجم والجوامع ، وعنهم أخذ أئمة
الرواية والدراية مدرسو دار الحديث الأشرفية بدمشق ، كابن الصلاح
( ٦٤٣) وابن شامة ( ٦٦٥ ) والنواوي (٦٧٦ ) وابن الوكيل (٧١٦ )
وابن الزملكاني (٧٢٧) والحافظ المزي (٧٤٢) وعلم الدين البرزالي
(٧٣٩) والحافظ الذهبي (٧٤٨) والتقي السبكي (٧٥٦) والحافظ
ابن كثير (٧٧٤) وابن جماعة(١) ( ٧٣٣) أولئك الذين كانوا من مفاخر
الدنيا في عصورهم .
(١) هو محمد بن إبراهيم الشهير بابن جَمَاعة ، كما اشتهر بذلك أيضاً عالمان كبيران هما
عبد العزيز بن محمد (ت: ٧٦٧) ومحمد بن أبي بكر (ت: ٨١٩).
٣١
:

وروى بالسند عن هؤلاء الأئمة الحفاظ طائفة من محدّثي قبة
النسر الأعلام ، ومن أكبر الأسر التي تسلسل فيها العلم في ديار
الشام ، وقد كان من شروط قبة النسر أن يقوم على درس الحديث فيها
أعلم علماء دمشق ، فآل أمرها بالاستحقاق والكفاءة إلى وارث علوم
أولئك الأئمة خليفتهم وخاتمتهم شيخنا الشيخ بدر الدين الحسني
المتوفى سنة (١٣٥٤)هـ، ولم يأت بعده من يخلفه في علمه
وعمله .. رحم الله أولئك الأبرار وعوّض الأمة عنهم خيراً. اهـ .
وقد عقد الجد الشيخ عبد الرزاق البيطار في كتابه ( حلية البشر )
ج١ ص ١٤٨ - ١٦٧ فصلاً ذكر فيه المحدثين تحت قبة النسر بعد العصر
في الأشهر الثلاثة رجب وشعبان ورمضان ، وعدّد منهم سبعة عشر عالماً
أولهم الشمس محمد الميداني المتوفى عام (١٠٠٦ )هـ وآخر من ذكره
منهم الشيخ أحمد بن عبد الرحمن الكزبري المتوفى عام
( ١٢٩٩ ) هـ ...
مؤلفات العجلوني
وللمترجم رحمه الله مؤلفات كثيرة تدل موضوعاتها المختلفة على
زاد خصب من العلم والمعرفة ، غير أن أكثر انصرافه كان إلى علم
الحديث وما يتعلق به بسبب ، فقد جمع هذا الكتاب من أربعين مجموعة
من الحديث وسماه : (( عقد الجوهر الثمين في أربعين حديثاً من أحاديث
سيد المرسلين)) ومن كتبه: (( كشف الخفاء ومزيل الإِلباس عما اشتهر
من الأحاديث على ألسنة الناس)) (طبع في مصر ١٣٥١هـ) و (( الفوائد
الدراري في ترجمة الإِمام البخاري)) و ((إضاءة البدرين في ترجمة
الشيخين)) و ((استرشاد المسترشدين لفهم الفتح المبين على شرح
٣٢

الأربعين النووية)) لابن حجر المكي و (( الفيض الجاري بشرح صحيح
البخاري )) قال المرادي ( سلك الدرر: ج٢٦١/١): كتب من مسوداته
مئتين واثنتين وتسعين كراسة وصل فيها إلى قول البخاري : باب مرجع
النبي صلى الله عليه وسلم من الأحزاب ومخرجه إلى بني قريظة
ومحاصرته إياهم من المغازي . قال : ولو كمل هذا الشرح لكان من
نتائج الدهر .
وله كتب في التفسير والتاريخ والتراجم والعربية . وكتبه
بمجموعها تدلّ على أنه كان مشاركاً في العلوم المختلفة ، واسع
الاطلاع على المكتبة العربية في عصره ، مطبوعها ومخطوطها ، ولعلّ
كتابه ((كشف الخفاء )) دليل واضح على تمكنه من علم الحديث ، وسبره
الأغوار الكتب التي أحصت علله ، وبينت الصحيح منه والسقيم ،
والحسن والضعيف ، وقد أشار في مقدمته إلى الغرض من تأليفه فقال :
وأنصُّ إن شاء الله في هذا المجموع على بيان الحديث من غيره ،
وتمييز المقبول منه السالم من غيره ، إذ من النصيحة في الدين ، كما
قال الحافظ ابن حجر في خطبة كتابه (( اللآلىء المنثورة في الأحاديث
المشهورة)) ، التنبيه على ما يشتهر بين الناس مما ألفه الطبع وليس له
أصل في الشرع . (ج١ ص : ٧).
جمع العجلوني - رحمه الله - في كتابه هذا واحداً وثمانين ومئتين
وثلاثة آلاف من الأحاديث التي ذاعت واشتهرت على ألسنة الناس ،
وقد لخص فيه كثيراً من كتب العلل والموضوعات التي سبقته كالمقاصد
الحسنة للسخاوي ، واللّآلىء المنثورة لابن حجر ، وتمييز الطيب من
الخبيث لابن الديبع ، والدرر المنتثرة للسيوطي ، وحلية الأولياء لأبي
٣٣

نعيم ، وإتقان ما يحسن من الأخبار الدائرة على الألسن للغزي ،
والأسرار المرفوعة لملا علي القاري ، والمشارق للصنعاني ...
وغيرها مما جعله أغزر هذه الكتب مادة وأكثرها شمولا .
والمؤلف عالم مدقق يعرض كل حديث على الصحاح وكتب
السنة المعتمدة ، ويشير إلى من رواه من أثبات العلماء ، ويدل على
موضعه من كتبهم .
وقد عقد في نهاية الجزءالثاني من كتابه فصلاً ختم به الكتاب ردّ فيه
بعض الروايات التاريخية ، وصحح نسبة بعض الكتب إلى أصحابها ،
وسرد كثيراً من القواعد التي يعرف بها الحديث الموضوع، وهي خاتمة
بُسطت في خمس وعشرين صفحة ، على أنه لم يكن فيها سباقاً
مبتدعاً ، بل كان مسبوقاً متبعاً .
شعره ، خلقه وصفاته
روى له المرادي شعراً هو أقرب إلى النظم ، قال ( ص :
٢٦١) : وكان ينظم الشعر، وشعره شعر علماء لأنهم لا يشغلون
أنفسهم به . اهـ .
فمن شعره قوله :
أنجزه لي يا حماك الله من زلل
يا بدرُ واعدتني والوصل يحسُنُ لي
له قضاءً ، أتى عن سيّد الرُّسُلِ
فالوعد دَيْنٌ وخير الناس أحسنُهُمْ
وقوله مضمّنا :
وارعاهُمُ إن أعرضوا أو أكرموا
إِنْ جُزتَ رَبْعَ الحيّ حبّي حَيّهِمْ
ولأجلِ عينٍ ألفُ عَيْنٍ تُكرَمُ
واعلم عذولي أن حبّي فيهم
٣٤
٠

وكان العجلوني كريم الخلق ، نقي السريرة ، ظاهر التقوى ،
عظيم الخشية لله ، منصرفاً للعبادة ، فقيراً صابراً كما قال :
ولم تنفق كإنفاق الرجال
لئن قالوا : قبضت يديك بخلاً
فإنفاقي على مقدار حالي
أقول لهم : أخلائي ذروني
وقد وصفه المرادي وصفاً عاماً بقوله: ((السلك ج١ ص ٢٦١):
((وكان صاحب الترجمة حليماً، سليم الصدر، سالماً من الغش
والمقت ، صابراً على الفاقة والفقر ، وملازماً للعبادات والتهجّد
والاشتغال بالدروس العامة والخاصة ، كافاً لسانَه عما لا يعنيه ، مع
وجاهة نيرة ، ولم يزل مستقيماً على حالته الحسنة المرغوبة إلى أن
مات )) اهـ .
وقال (ص : ٢٧١): (( وبالجملة فهو أحد الشيوخ الذي لهم
القدم العالي في العلوم والرسوخ ، وكانت وفاته بدمشق في محرم
الحرام افتتاح سنة اثنتين وستين ومئة وألف ، ودفن بتربة الشيخ أرسلان
رضي الله عنه)).
٣٥

كتَابٌ (عقْدُ الجَوْهَرِ الثَّيْن)
في أربَعْن حَدِيثًا مِنْ أَحَادِيْث سَيّدِ المُرسَلينْ
جَمَع المؤلف الشيخ إسماعيل العجلوني الجرّاحي هذه
الأحاديث لسببين اثنين أشار إليهما في خطبة كتابه :
أولهما : أنه جرى على نهج علماء سبقوه ووضعوا مجموعات من
الأحاديث اختاروها من كتب الحديث الموثوقة ليقرأها عليهم من يريد ،
وليستجيزوهم بها وبرواية الكتب التي أخذت منها ، وقد أشار إلى
مجموع وقع بيده جمعه صاحبه من كتب كثيرة ، قال: ((ولعل غرضه
من جمعها تسهيل قراءتها على الشيوخ طلباً للإِجازة منهم بهذه الكتب ،
وقد تقدم لنا أن جماعةً قرؤوها علينا واحداً بعد واحد واستجازونا بها)).
اهـ (ص : ١٠٢ ).
ثانيهما : الرغبة فيما عند الله من الأجر والمثوبة ، وابتغاء
الدرجات في اليوم الآخر ، قال بعد أن عدّد الكتب التي اختار منها
مجموعه : ((فصار المتحصل أربعين حديثاً من أربعين كتاباً ، واخترت
ذلك لأكون ممن حفظ على أمة محمد صلى الله عليه وسلم أربعين
حديثاً، فلعلي أبعث في زمرة من جمع ذلك من العلماء العاملين)).
اهـ ( ص : ١٠٩)
٣٧

ولو تتبعنا الروايات المختلفة لهذا الحديث الذي يشير إليه لأدركنا
كثرة ( الأربعينات ) في مجموعات الحديث ، على أقوال العلماء في
صحة هذا الحديث أو قوته ، وعلى ما ذهب إليه بعض العلماء بأنه
ضعيف أو موضوع مما فصل القول فيه العلامة القاسمي في شرحه .
وقد بنى المؤلف كتابه على رسالة وقعت بيده للعلامة الشيخ عبد
الله بن سالم البصري المكي وقال في وصفها: (( وقد وقفت على رسالة
أظنها لبعض المكيين ... وهي مشتملة على ذكر أحاديث من أوائل
بعض كتب الحديث ، منها الكتب الستة المشهورة وقد ذَكَرَ من أوائل
كل كتابٍ منها حديثاً غالباً ، وقد يذكر أكثر منه ، وقد يذكر من أواخرها.))
اهـ (ص : ٩٣)
وهذه الرسالة كانت أصلاً لكتابه على أنه حذف منها ، وزاد
عليها ، حتى استوت على الصورة التي أرادها ، وقد بيّن عمله في
خطبة كتابه بقوله : ((وقد أحببت أن أقتصر من أول كل كتابٍ منها على
حديث واحد لحصول الغرض بذلك ، إلا من صحيح البخاري فذكرت
من أوله حديثين ... وإلا من مصنف عبد الرزاق فذكرت منه
حديثين ... وحذفت مما ذكره منها سنن البيهقي ثانيا ... وأحد
سندي البزار ... وزدت على ما فيها مسند الإمام أبي حنيفة النعمان
تنويها بأنه من أهل هذا الشأن ، وكتاب الشفا للقاضي عياض ... و))
ا هـ (ص : ١٠٤ ).
وقد بدأ كتابه بصحيح البخاري وختمه بكتاب ابن السني في
عمل اليوم والليلة ، لما جاء فيه من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه
وقال: (( آخر كلمة فارقت عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت :
٣٨

يا رسول الله أخبرني بأحب الأعمال إلى الله عزّ وجل ، قال : أن تموت
ولسانُكَ رَطْبٌ من ذكر الله عز وجل)).
قال القاسمي رحمه الله : وفي ختم المصنف رحمه الله تعالى
رسالته بهذا الحديث. حسن اختتام ، وتلميح بأن مآل الدنيا إلى
الانصرام ، فهي كسحابة صيف ، وخيال طيف ، وزيارة ضيف
(ص : ٤٤٩ ) .
٣٩

1
1
1
: