Indexed OCR Text

Pages 41-60

٢٣ - قال ابن حبان رحمه الله (٢٤٩١) :
سمعت الفضل بن الحباب يقول سمعت عبد الرحمن بن بكر بن الربيع بن مسلم يقول سمعت الربيع
ابن مسلم يقول سمعت محمداً يقول سمعت أبا هريرة يقول: مرَّ رسول الله صلى الله عليه وعلى
آله وسلم على رهط من أصحابه وهم يضحكون فقال :
(« لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا فأتاه جبريلُ فقال إن الله
يقول لك لمَ تُقَنِّط عبادي ؟ قال فرجع إليهم فقال سددوا وأبشروا )).
( حديث إسناده صحيح )(٢)
كَرَاهِيَةُ قَوْلِ الرَّجُلِ هَلَكَ النَّاسُ
٢٤ - قال الإِمام أحمد رحمه الله (٢٧٢/٢):
حدثنا عبد الرزاق أنا معمر عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله
عليه وعلى آله وسلم :
((إذا سمعتم رجلاً يقولُ قد هَلَكَ النَّاسُ فهو أُهلَكهم يقولُ الله : إنَّه هو.
هالك )) .
( حديث حسن )
= من آيس عباد الله من التوبة بعد هذا فقد جحد كتاب الله عز وجل ، ولكن
لا يقدر العبد أن يتوب حتى يتوب الله عليه .
(١) هو محمد بن زياد القرشي .
(٢) هذا الحديث إسناده صحيح إلا أنه لم يتيسر لي الجمع بينه وبين ما هو
أصح منه في الصحيحين ( عند البخاري ٦٤٨٦،٦٤٨٥ ، ومسلم ٤٢٦ )
عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: ((لو تعلمون ما أعلم
لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا)) فالعلم عند الله تعالى.
- ٤١ -

فَضْلُ الْخَوْفِ مِنَ اللَّهِ
٢٥ - قال الإمام البخاري رحمه الله (٦٤٨٠) :
حدثنا عثمان بن أبي شيبة جدثنا جرير عن منصور عن ربعى عن حذيفة عن النبي صلى الله عليه
وعلى آله وسلم قال :".
((كان رجل من كان قبلكم يسىء الظن بعمله فقال لأهله إذا أنا مت
فخذوني فذرُّوني في البحر في يومٍ صائِفٍ (١) ففعلوا فجمعَه الله ثم قال : ما
حملكَ على الذي صنَعت؟ قال ما حملني عليه إلا مخافَّتُكَ فَغْفَر له )).
( حديث صحيح )
[ وأخرجه النسائي (١١٣/٤)] .
٢٦ - قال الإمام البخاري رحمه الله ( حديث ٧٥٠٨ ) :
حدثنا عبد الله بن أبى الأسود حدثنا معتمر سمعت أبي ثنا قتادة عن عقبة بن عبد الغافر عن
أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم :
( أنه ذكر رجلاً فيمن سلف - أو فيمن كان قبلكم - قال كلمةً يعني
أعطاه الله مالاً وولداً فلما حضرت الوفاةُ قال لبنيه : أَّ أبٍ كُنُت لكم ؟ قالوا:
خيرَ أب قال فإنه لم يَبْتَر (٢) - أو لم يبتز - عند الله خيراً، وإن يقدر الله عليه
يعذِّبُهُ فَانظُرُوا إذا متُّ فَأَحْرِقوني حتى إذا صرتُ فحماً فاسحقُوني - أو قال
(١) في بعض الروايات في يوم حار ، وفي بعضها في يوم رائح ( أي شديد
الريح ) وفي بعضها في يوم عاصف .
(٢) في رواية البخاري (٦٤٨١) فسرها قتادة بأنها : لم يدخر .
- ٤٢

فاسحكوني - فإذا كان يومُ ريح عاصفٍ فَأَذْروني فيها فقال نبي الله صلى الله عليه
وعلى آله وسلم: ((فأخذ مواثيقَهم على ذلك ورَبِّى ففعلوا ثم أَذْرَوه في يوم.
عاصفٍ فقال الله عز وجل : كُنْ (١) فإذا هو رجلٌ قائمٌ قال الله : أي عبدي ما
حملك على أنْ فعلتَ ما فعلت ؟ قال : مخافتك - أو فَرَقٌّ منك - قال : فما
تلافاهُ أَن رَحمَهُ عندها))، وقال مرةً أخرى: ((فما تلافاه غيرُها)»(٢).
فحدثت به أبا عثمان فقال : سمعت هذا من سلمان غير أنه زاد فيه أذروني في
البحر أو كما حدَّث .
( حديث صحيح )
[ وأخرجه مسلم (٢٧٥٧) ] .
٢٧ - قال الإِمام البخاري رحمه الله ( حديث ٧٥٠٦ ) :
حدثنا إسماعيل حدثني مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله
عليه وعلى آله وسلم قال :
((قال رجلٌ لم يعمل خيراً قط إذا مات فحرِّقوه واذروا نصفَه في البر ونصفَه
في البحر فوالله لئن قَدَرَ الله(٣) عليه ليعذِّبنه عذاباً لا يعذِّبه أحداً من العالمين
فأمر الله البحرَ فجمع ما فيه وأمر البرَّ فجمع ما فيه ثم قال لم فعلتَ ؟ قال :
( حديث صحيح )
من خشيتك وأنت أعلمُ فِعْفَر له )) .
[ أخرجه مسلم (٢٧٥٦) والنسائي (١١٣/٤ ) ].
(١) في هذا بيان قدرة الله عز وجل ﴿ إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له
کن فیکون ﴾ .
(٢) أي فما تدراكه غيرها .
(٣) قال الحافظ ابن حجر (فتح الباري ٥٢٢/٦) قوله: ((فوالله لئن قدر الله
علي)) في رواية الكشميهني (( لئن قدر على ربي )) قال الخطابي قد يستشكل
هذا فيقال كيف يغفر له وهو منكر للبعث والقدرة على
=
- ٤٣ -

= إحياء الموتى ، والجواب أنه لم ينكر البعث وإنما جهل فظن أنه إذا فعل ذلك
به لا يعاد فلا يعذب وقد ظهر إيمانه باعترافه بأنه إنما فعل ذلك من خشية الله
قال ابن قتيبة : قد يغلط في بعض الصفات قوم من المسلمين فلا كمرون
بذلك ورده ابن الجوزي ، وقال جحده صفة القدرة كفر اتفاقا ، وإنما قيل
أن معنى قوله ((لئن قدر الله علي )) أي ضيق على، وهي كقوله ﴿ ومن
قدر عليه رزقه ﴾ أي ضيق، وأما قوله ((لعلّ أضل الله)) فمعناه لعلى أفوته
يقال ضل الشيء إذا فات وذهب ، وهو كقوله ﴿ لا يضل ربي ولا
ينسى ﴾ ولعل هذا الرجل قال ذلك من شدة جزعه وخوفه كما غلط ذلك
الآخر فقال ((أنت عبدي وأنا ربك))، أو يكون قوله (( لئن قدر علي))
بتشديد الدال أي قدر علي أن يعذبني ليعذبني أو على أنه كان مثبتا للصانع
وكان في زمن الفترة فلم تبلغه شرائط الإِيمان وأظهر الأقوال أنه قال ذلك
في حال دهشته وغلبة الخوف عليه حتى ذهب بعقله لما يقول ، ولم يقله
قاصدا لحقيقة معناه بل في حالة كان فيها كالغافل والذاهل والناسي الذي
لا يؤاخذ بما يصدر منه، وأبعد الأقوال قول من قال إنه كان في شرعهم
جواز المغفرة للكافر .
قلت : وكأن الحافظ رحمه الله أخذ الذي ذهب إليه من شيخه ابن الملقن
فقد عزا نحو هذا الكلام إليه ( فتح ٣١٤/١١) .
فائدة: عقب البخاري هذا الحديث في أحاديث الأنبياء (٣٤٨١)
بحديث (( عذبت امرأة في هرة ربطتها حتى ماتت فدخلت فيها النار لا
هي أطعمتها ولا سقتها إذ حبستها ولا هي تركتها تأكل من خشاش
الأرض )). وكذلك فعل مسلم رحمه الله وقال الزهري هناك ( عند
مسلم ) : ذلك لئلا يتكل رجل ولا ييأس رجل ، وقال النووي ( في =
: ٤٤ -

= تفسير معنى قول الزهري ) : معناه أن ابن شهاب لما ذكر الحديث الأول
خاف أن سامعه يتكل على ما فيه من سعة الرحمة وعظم الرجاء فضم إليه
حديث الهرة الذي فيه من التخويف ضد ذلك ليجتمع الخوف والرجاء ،
وهذا معنى قوله لئلا يتكل ولا ييأس ، وهكذا معظم آيات القرآن العزيز
يجتمع فيها الخوف والرجاء ، وكذا قال العلماء يستحب للواعظ أن يجمع
في موعظته بين الخوف والرجاء لئلا يقنط أحد ولا يتكل قالوا : وليكن
التخويف أكثر لأن النفوس إليه أحوج لميلها إلى الرجاء والراحة والاتكال ،
وإهمال بعض الأعمال .
انتهى كلام النووي رحمه الله .
العذر
ويأتي هنا بحث يتعلق ببعض الجوانب في هذا الحديث ومضمون هذا
البحث يتعلق بمن لم يأته نذير في دار الدنيا وكان كافرا حتى مات هل
هو من أهل النار لكفره أو هو معذور لأنه لم يأته نذير ، وقد كتبت في
هذا الموضوع كتابات متعددة نقتصر منها على كلام للشيخ الشنقيطي
رحمه الله ..
قال العلامة الشنقيطي رحمه الله في كتابه دفع إيهام الاضطراب عن آيات
الكتاب ( سورة بني إسرائيل ) .
قوله تعالى : ﴿ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ﴾ :
هذه الآية فيها التصريح بأن الله تعالى لا يعذب أحدا حتى ينذره على
ألسنة رسله عليهم الصلاة والسلام ، ونظيرها قوله تعالى: ﴿ رسلا =
- ٤٥ -

مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ﴾ وقوله
تعالى : ﴿ ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا
رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين ﴾ الآية، وقوله : ﴿ ذلك أن
لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون ﴾ إلى غير ذلك من الآيات
ويؤيده تصريحه تعالى بأن كل أفواج أهل النار جاءتهم الرسل في دار الدنيا
في قوله تعالى: ﴿ كلما ألقى فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا
بلى قد جاءنا نذير فكذبنا ﴾ الآية.
ومعلوم أن كلما صيغة عموم ، ونظيرها قوله تعالى : ﴿ وسيق الذين
كفروا إلى جهنم زمرا﴾ إلى قوله: ﴿قالوا بلى ولكن حقت كلمة
العذاب على الكافرين ﴾ فقوله : ﴿وسيق الذين كفروا ﴾ يعم كل كافر
لما تقرر في الأصول من أن الموصولات من صيغ العموم لعمومها كلما
تشمله صلاتها كما أشار له في مراقي السعود بقوله :.
صيغة كل أو الجميع
وقد تلا الذي التي فيالفرع
ومعنى قوله : وقد تلا الذي إلخ أن الذي والتي وفروعها صيغ عموم
ككل وجميع ونظيره أيضا قوله تعالى: ﴿وهم يصطرخون فيها ﴾ إلى
قوله: ﴿وجاءكم النذير﴾ فإنه عام أيضا لأن أول الكلام ﴿ والذين
كفروا لهم نار جهنم ﴾ .
وأمثال هذا كثيرة في القرآن مع أنه جاء في بعض الآيات ما يفهم منه
أن أهل الفترة في النار كقوله تعالى: ﴿ ما كان للنبي والذين آمنوا أن
يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب
الجحيم﴾ فإن عمومها يدل على دخول من لم يدرك النبي صلى الله : -
- ٤٦ -

.
عليه وعلى آله وسلم وكذلك عموم قوله تعالى: ﴿ ولا الذين يموتون وهم
كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما ﴾ وقوله تعالى: ﴿ إن الذين كفروا
وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ﴾
وقوله : ﴿إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء
الأرض ذهبا﴾ إلى غير ذلك من الآيات .
اعلم أولا أن من لم يأته نذير في دار الدنيا وكان كافرا حتى مات اختلف
العلماء هل هو من أهل النار لكفره أو هو معذور لأنه لم يأته نذير ؟ كما
أشار له في مراقي السعود بقوله :
ذو فترة بالفرع لا يراع
وفي الأصول بينهم نزاع
وسنذكر إن شاء الله جواب أهل كل واحد من القولين ونذكر ما
يقتضي الدليل رجحانه فنقول وبالله نستعين : لقد قال قوم إن الكافر في
النار ولو مات في زمن الفترة ، وممن جزم بهذا القول النووي في شرح
مسلم لدلالة الأحاديث على تعذيب بعض أهل الفترة .
وحكى القرافي في شرح التنقيح الإجماع على أن موتى أهل الجاهلية في
النار لكفرهم كما حكاه عنه صاحب نشر البنود .
وأجاب أهل هذا القول عن آية ﴿ وما كنا معذبين حتى نبعث
رسولا ﴾ وأمثالها من ثلاثة أوجه :
الأول : أن التعذيب المنفي في قوله : ﴿ وما كنا معذبين) وأمثالها هو
التعذيب الدنيوي فلا ينافي ثبوت التعذيب في الآخرة .
وذكر الشوكاني في تفسيره أن اختصاص هذا التعذيب المنفي بالدنيا =
- ٤٧ -

دون الآخرة ذهب إليه الجمهور واستظهر هو خلافه .
ورد التخصيص بعذاب الدنيا بأنه خلاف الظاهر من الآيات وبأن
الآيات المتقدمة الدالة على اعتراف أهل النار جميعا بأن الرسل أنذروهم في
دار الدنيا صريح في نفيه .
الثاني : أن محل العذر بالفترة المنصوص في قوله : ﴿ وما كنا معذبين
الآية وأمثالها في غير الواضح الذي لا يلتبس على عاقل .
أما الواضح الذي لا يخفى على من عنده عقل كعبادة الأوثان فلا يعذر
فيه أحد لأن جميع الكفار يقرون بأن الله هو ربهم وهو خالقهم ورازقهم ،
ويتحققون أن الأوثان لا تقدر على جلب نفع ولا على دفع ضر لكنهم
غالطوا أنفسهم فزعموا أنها تقربهم إلى الله زلفى ، وأنها شفعاؤهم عند الله
مع أن العقل يقطع بنفي ذلك ..
الثالث : أن عندهم بقية إنذار مما جاءت به الرسل الذين أرسلوا قبله
صلى الله عليه وعلى آله وسلم تقوم عليهم بها الحجة ، ومال إليه بعض الميل
ابن قاسم في الآيات البينات .
۔
وقد قدمنا في سورة آل عمران أن هذا القول يرده القرآن في آيات كثيرة
مصرحة بنفي أصل النذير عنهم كقوله: ﴿ لتذر قوما ما أنذر آباؤهم
وقوله : ﴿أم يقولون افتراه بل هو الحق من ربك لتنذر قوما ما أتاهم
من نذير من قبلك ﴾ . وقوله: ﴿ وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن
رحمة من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك ﴾
وقوله : ﴿وما آتيناهم من كتب يدرسونها ، وما أرسلنا إليهم =
- ٤٨ -

قبلك من نذير﴾ إلى غير ذلك من الآيات .
=
وأجاب القائلون بأن أهل الفترة معذورون عن مثل قوله : ﴿ ما كان
النبي﴾ إلى قوله: ﴿ من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم﴾ من
الآيات المتقدمة بأنهم لا يتبين لهم أنهم من أصحاب الجحيم ولا يحكم لهم
بالنار ولو ماتوا كفارا إلا بعد إنذارهم وامتناعهم من الإِيمان كأبي طالب ،
وحملوا الآيات المذكورة على هذا المعنى .
واعترض هذا الجواب بما ثبت في الصحيح من دخول بعض أهل الفترة
النار كحديث: ((إن أبي وأباك في النار)) الثابت في صحيح مسلم وأمثاله
من الأحاديث ، واعترض هذا الاعتراض بأن الأحاديث وإن صحت فهي
أخبار آحاد يقدم عليها القاطع كقوله: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث
رسولا ﴾ ، واعترض هذا الاعتراض أيضا بأنه لا يتعارض عام وخاص
فما أخرجه حديث صحيح خرج من العموم ، وما لم يخرجه نص صحيح
بقي داخلا في العموم ، واعترض هذا الاعتراض أيضا بأن هذا التخصيص
يبطل علة العام لأن الله تعالى تمدح بكمال الإنصاف ، وصرح بأنه لا
يعذب حتى يقطع حجة المعذب بإنذار الرسل في دار الدنيا ، وبين أن ذلك
الإنصاف التام علة لعدم التعذيب ، فلو عذب إنسانا واحدا من غير إنذار
لاختلت تلك الحكمة ، ولثبتت لذلك المعذب الحجة التي بعث الله الرسل
لقطعها كما صرح به في قوله: ﴿رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس
على الله حجة بعد الرسل ﴾ .
وهذه الحجة بينها في سورة طه بقوله: ﴿ولو أنا أهلكناهم بعذاب
من قبله ... ) الآية .
=
- ٤٩ -

=
وأشار لها في سورة القصص بقوله: ﴿ولولا أن تصيبهم مصيبة ﴾ إلى
قوله : ﴿ونكون من المؤمنين ﴾.
وهذا الاعتراض الأخير يجري على الخلاف في النقض هل هو قادح في
العلة أو تخصيص لها ، وهو اختلاف كثير معروف في الأصول عقده في
مراقي السعود بقوله في تعداد القوادح في الدليل :
سماه بالنقض رعاة العلم
منها وجود الوصف دون الحكم
بل هو تخصيص وذا مصحح
والأكثرون عندهم لا يقدح
إن يك الاستنباط لا التنصيص
وقد روى عن مالك تخصيص
: ومنتقى ذى الاختصار النقض
وعكس هذا قد رآه البعض
وليس فيما استنبطت بضائر
إن لم تكن منصوصة بظاهر
والوفق في مثل العرايا قد وقع
إن جاء لفقد الشرط أو لما منع
والمحققون من أهل الأصول على أن عدم تأثير العلة إن كان لوجود مانع
من التأثير أو انتفاء شرط التأثير ، فوجودها من تخلف الحكم لا ينقضها
ولا يقدح فيها ، وخروج بعض أفراد الحكم حينئذ تخصيص للعلة لا نقض
لها كالقتل عمدا عدوانا ، فإنه علة القصاص إجماعا ، ولا يقدح في هذه
العلة تخلف الحكم عنها في قتل الوالد لولده لأن تأثيرها منع منه مانع هو
الأبوة ، وأما إن كان عدم تأثيرها لا لوجود مانع أو انتفاء شرط فإنه يكون
نقضا لها وقدحا فيها ، ولكن يرد هذا التحقيق ما ذكره بعض العلماء من
أن قوله تعالى: ﴿ ذلك بأنهم شاقوا الله﴾ علة منصوصة لقوله: ﴿ولولا
أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم ﴾ الآية .
مع أن هذه العلة قد توجد ولا يوجد ما عذب به بنو النضير من =
٥ -

جلاء أو تعذيب دنيوي ، وهو يؤيد كون النقض تخصيصا مطلقا لا قدحا
==
ويجاب عن هذا بأن بعض المحققين من الأصوليين قال : إن التحقيق المذكور
محله في العلة المستنبطة دون المنصوصة وهذه منصوصة كما قدمنا ذلك في
أبيات مراقي السعود في قوله :
وليس فيما استنبطت بضائر
إن جاء لفقد الشرط أو لما منع
هذا ملخص كلام العلماء وحججهم في المسألة ، والذي يظهر رجحانه
بالدليل هو الجمع بين الأدلة لأن الجمع واجب إذا أمكن بلا خلاف كما
أشار له في المراقي بقوله والجمع واجب ما أمكنا .. إلخ .
ووجه الجمع بين هذه الأدلة هو عذرهم بالفترة وامتحانهم يوم القيامة
بالأمر باقتحام نار فمن اقتحمها دخل الجنة ، وهو الذي كان يصدق الرسل
لو جاءته في الدنيا ، ومن امتنع عذب بالنار ، وهو الذي كان يكذب الرسل
لو جاءته في الدنيا ، لأن الله يعلم ما كانوا عاملين لو جاءتهم الرسل .
وبهذا الجمع تتفق الأدلة فيكون أهل الفترة معذورين وقوم منهم من أهل
النار بعد الامتحان ، وقوم منهم من أهل الجنة بعده أيضا ، ويحمل كل واحد
من القولين على بعض منهم علم الله مصيرهم وأعلم به نبيه صلى الله عليه
وعلى آله وسلم فيزول التعارض .
والدليل على هذا الجمع ورود الإخبار به عنه صلى الله عليه وعلى آله
وسلم قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿ وما كنا معذبين حتى نبعث
رسولا ﴾ بعد أن ساق الأحاديث الدالة على عذرهم وامتحانهم يوم القيامة
راداً على ابن عبد البر تضعيف أحاديث عذرهم وامتحانهم ما نصه :
والجواب عما قال إن أحاديث هذا الباب منها ما هو صحيح كما =
- ٥١ -

= نص على ذلك كثير من أئمة العلماء، ومنها ما هو حسن ، ومنها ما هو:
ضعيف يتقوى بالصحيح والحسن ، وإذا كانت أحاديث الباب الواحد
متصلة متعاضدة على هذا النمط أفادت الحجة عند الناظر فيها انتهى محل
الغرض بلفظه .
ثم قال : إن هذا قال به جماعة من محققي العلماء والحفاظ والنقاد وما
احتج به البعض لرد هذه الأحاديث من أن الآخرة دار جزاء لا دار عمل
وابتلاء مردود من وجهين :
الأول : أن ذلك لا ترد به النصوص الصحيحة عنه صلى الله عليه وعلى
آله وسلم ولو سلمنا عموم ما قال : من أن الآخرة ليست دار عمل لكانت
الأحاديث المذكورة مخصصة لذلك العموم .
الثاني : أنا لا نسلم انتفاء الامتحان في عرصات المحشر بل نقول دل القاطع
عليه لأن الله تعالى صرح في سورة القلم بأنهم يدعون إلى السجود في قوله
تعالى : ﴿ يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود ) الآية ومعلوم
أن أمرهم بالسجود تكليف في عرصات المحشر ، وثبت في الصحيح أن
المؤمنين يسجدون يوم القيامة وأن المنافق لا يستطيع ذلك ويعود ظهره
كالصفيحة الواحدة طبقا واحداً كلما أراد السجود خرَّ قفاه وفي الصحيحين
في الرجل الذي يكون آخر أهل النار خروجاً منها أن الله يأخذ عهوده
ومواثيقه أن لا يسأل غير ما هو فيه ويتكرر ذلك مرارا ويقول الله تعالى :
((يا ابن آدم ما أغدرك » ثم يأذن له في دخول الجنة ومعلوم أن تلك العهود
والمواثيق تكليف في عرصات المحشر، والعلم عند الله تعالى .
- ٥٢ -

اختِبَارُ بَعْضِ النَّاسِ فِى عُرُصَاتِ الْقِيَامَةِ
-
٢٨- قال الإِمام أحمد رحمه الله (٢٤/٢) :
حدثنا علي بن عبد الله ثنا معاذ بن هشام قال حدثني أبي ١) عن قتادة عن الأحنف بن قيس عن
الأسود بن سريع أن نبّي الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال :
((أربعةٌ (" يومَ القيامةِ رجلٌ أَصَمٌ لا يسمع شيئاً ورجلٌ أحمق ورجلٌ هَرم
ورجلٌ مات في فِترة فأما الأصمُ فيقول رب لقد جاء الإِسلامُ وما أسمعُ شيئاً ،
وأما الأحمق فيقولُ ربِّ لقد جاء الإِسلام والصبيان يحذفوني بالْبَعْر، وأما الهرمُ
فيقول ربي لقد جاء الإِسلامُ وما أَعْقِلُ شيئاً وأما الذي مات في الفترة فيقولُ
ربِّ ما أتاني لك رسولٌ فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه فيرسلُ إليهم أن ادخلوا النار)»
قال: ((فوالذي نفس محمد بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردا وسلاما)).
( حديث صحيح )
قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى فى الحديث القدسى :
(( أَنَّا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِى بِى)).
٢٩ - قال الإمام أحمد رحمه الله (٣٩١/٢):
حدثنا حسن بن موسى ثنا ابن لهيعةُ ثنا أبو يونس عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله
(١) وقد روى من طريق علي بن عبد الله ثنا معاذ بن هشام قال حدثني أبي
عن الحسن عن أبي رافع عن أبي هريرة مرفوعا بلفظ قريب ( عند أحمد
٢٤/٢) وقد ذكر الشيخ ناصر لهذا الحديث بعض الشواهد في السلسلة
الصحيحة (١٤٣٤) .
(٢) وقع عند ابن حبان (١٨٢٧) : أربعة يحتجون يوم القيامة ... ووقع هناك
سقط في الإسناد فسقط قتادة بين هشام والأحتف .
(٣) وقد توبع ابن لهيعة كما عند ابن حبان (٢٣٩٤) وللحديث شاهد آخر =
- ٥٣ -

عليه وعلى آله وسلم :
((إِنَّ الله عزَّ وجلَّ قال أنا عِنْدَ ظنِّ عَبْدِي بي إن ظنَّ بي خيراً فله وإن
( حديث صحيح لغيره )
ظن شراً فله )).
= عند ابن حيان (٢٣٩٣) وابن المبارك في الزهد (٩٠٩) من حديث واثلة بن
الأسقع رضي الله عنه مرفوعا ، وأول الحديث في الصحيحين ( البخاري
٧٤٠٥) ومسلم (٢٦٧٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي
صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (( يقول الله تبارك وتعالى: أنا عند ظن
عبدي بي، وأنه معه إذا ذكرني ... )) الحديث وهو في هذا الكتاب :.
قال الحافظ في الفتح (٣٨٦/١٣): وقال القرطبي في المفهم قيل معنى
((ظن عَبْدِي بي)) ظن الإِجابة عند الدعاء ، وظن القبول عند التوبة ، وظن
المغفرة عند الاستغفار وظن المجازاة عند فعل العبادة بشروطها تمسكا بصادق
وعده ، قال ويؤيده قوله في الحديث الآخر («ادعوا الله وأنتم موقنون
بالإجابة)) ( قال مصطفى الحديث ضعيف، وإن حسنه الشيخ ناصر في
صحيح الجامع وذكره في الصحيحة مصححا له رقم ٥٩٤ إلا أننا لا نوافقه
على تحسينه ذلك ) ثم قال القرطبي : ولذلك ينبغي للمرء أن يجتهد في القيام
بما عليه موقنا بأن الله يقبله ويغفر له لأنه وعد بذلك وهو لا يخلف الميعاد ،
فإن اعتقد أو ظن أن الله لا يقبلها وأنها لا تنفعه فهذا هو اليأس من رحمة الله
وهو من الكبائر ، ومن مات على ذلك وكل إلى ما ظن كما في بعض طرق.
الحديث المذكور (( فليظن بي عبدي ما شاء)) قال وأما ظن المغفرة مع
الإصرار فذلك محض الجهل والغرة وهو يجر إلى مذهب المرجئة .
قلت : وقد ورد في هذا الباب جملة آيات فليراجع تفسيرها من أراد
المزيد نحو قوله تعالى : ﴿ يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون =
- ٥٤ -

: هل لنا من الأمر من شيء قل إن الأمر كله لله .. ) الآية .
[ سورة آل عمران: ١٥٥ ]
وقوله تعالى: ﴿ الظآنين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء ﴾
[ الفتح: ٧ ] وقوله تعالى: ﴿وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا
ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار﴾ [ ص : ٢٧ ].
وقوله تعالى عن الثلاثة الذين خلفوا: ﴿وظنوا أن لا ملجأ من الله
إلا إليه ﴾ [ التوبة: ١١٨] إلى غير ذلك من الآيات الواردة في هذا الباب ،
وقد ذكرها بتوسع صاحب تيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد
ص ٦٧٥ فما بعدها وكان فيما ذكره قول ابن القيم رحمه الله : فمن قنط
من رحمته وآيس من روحه فقد ظن به ظن السوء ، ومن جَوَّز عليه أن
يعذب أولياءه مع إحسانهم وإخلاصهم ويسوى بينهم وبين أعدائه فقد ظن
به ظن السوء ، ومن ظن أنه يترك خلقه سدى معطلين عن الأمر والنهي ،
ولا يرسل إليهم رسله ولا ينزل إليهم كتبه فقد ظن به ظن السوء ، ومن
ظن أنه لن يجمعهم بعد موتهم للثواب والعقاب في دار يجازي فيها المحسن
بإحسانه والمسىء بإساءته ويبين لخلقه حقيقة ما اختلفوا فيه ويظهر للعالمين
كلهم صدقه وصدق رسله ، وأن أعدائه كانوا هم الصادقين ( كذا هي
والذي يبدو أنها الكاذبين ) فقد ظن به ظن السوء ، ومن ظن أنه يضيع
عليه عمله الصالح الذي عمله خالصاً لوجهه على امتثال أمره ويبطله عليه
بلا سبب من العبد أو أنه يعاقبه على فعله سبحانه به ، أو ظن أنه يجوز
عليه أن يؤيد أعداءه الكاذبين عليه بالمعجزات التي يؤيد بها أنبياءه ورسله ،
وأنه يحسن منه كل شيء حتى يعذب من أفنى عمره في طاعته أي : كمحمد
صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيخلده في الجحيم أو في أسفل سافلين ، =
- ٥٥ -

ومن استنفذ عمره في عداوته وعداوة رسله ودينه كأبي جهل فيرفعه في
أعلى عليين وكلا الأمرين في الحسن سواء عنده ولا يعرف امتناع أحدهما
ووقوع الآخر إلا بخبر صادق ، وإلا فالعقل لا يقضي بقبح أحدهما وحب
الآخر فقد ظن به ظن السوء. ثم ذكر ابن القيم رحمه الله كلاما قيما
فلیراجعه من شاء
٠ ٥٦
١

فَضُْ الذِّكْرِ وَالتَّقُرُّبِ إِلَى اللَّهِ بِصَالِحِ الْأَعْمَالِ
٣٠ - قال الإمام البخاري رحمه الله ( حديث ٧٤٠٥ ) :
حدثنا عمر بن حفص حدثنا أبي حدثنا الأعمش سمعت أبا صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه
قال : قال النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم :
((يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي (١) وأنا معه إذا ذكرني فإن ذكرني
في نفسه ذكرتُهُ في نفسي ، وإن ذكرني في ملأ ذكرتُهُ في ملأ خير منهم، وإن
تقرَّب إلَّ شبرا تقربت إليه ذراعا ، وإن تقرَّب إلَي ذراعا تقربت إليه باعا ،
( حديث صحيح )
وإن أتاني يمشي أتيته هَرْوَلة )) .
1 وأخرجه مسلم (٢٦٧٥) والترمذي (٣٦٠٣) وابن ماجة (٣٨٢٢)].
٣١ - قال الإِمام مسلم رحمه الله ( في طرق حديث ٢٦٧٥ ) :
حدثنا محمد بن رافع حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن همام بن منبه قال هذا ما حدثنا أبو هريرة
عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فذكر أحاديث منها : وقال رسول الله صلى الله عليه
وعلى آله وسلم .
(١) في رواية الترمذي (٢٣٨٨): ((وأنا معه إذا دعاني)).
(٢) في بعض روايات مسلم ( ص ٢١٠٢): ((والله لله أفرح بتوبة عبده من
أحدكم يجد ضالته بالفلاة)) .
وهذا من الأحاديث التي كررها مسلم في عدة مواطن من صحيحه .
انظر ص ٢٠٦٨ وص ٢١٠٢ .
.هذا وقد وردت في فضل الذكر جملة أحاديث وآيات ذكرناها في كتابنا
الصحيح المسند من أذكار اليوم والليلة فليراجعها من شاء ..
- ٥٧ -

((إن الله قال: إذا تلقاني عبدي بشبر تلقيته بذراع، وإذا تلقائي بذراع
( حديث صحيح )
تلقیته بباع وإذا تلقائي بباع جئته أتيته (١)بأسرع » .
٣٢ - قال الإِمام أحمد رحمه الله (٣/٤٧٨):
حدثنا إسحاق بن عيسى بن الطباع قال ثنا جرير يعني ابن حازم عن واصل الأحدب عن أبي
وائل عن شريح قال سمعت رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول : قال
النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم :
(( قال الله تعالى يا ابن آدم قم إلَّي أمش إليك وامش إلَّي أهرول إليك.
( حديث صحيح )
٣٣ - قال الحاكم رحمه الله (٣٢٦/٤):
حدثنا محمد بن صالح بن هانىء ثنا يحيى بن محمد بن يحيى ثنا حفص بن عمر الحوضي ثنا
سلام بن أبي مطيع ثنا معاوية بن قرة عن معقل بن يسار رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله
عليه وعلى آله وسلم :
((يَقُولُ ربُّكم تبارك وتعالى يا ابن آدمَ تَفَرَّعْ لِعِبادتي أملا قلبَك غنى وأملأ
يديك رزقاً يا ابن آدم لا تباعد مني فأملاً قلبك فقراً وأملاً يديك شُعْلاً))(٣).
( حديث صحيح لغيره )
[ وقال الحاكم هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ] .
(١) قال النووي: هكذا هو في أكثر النسخ جئته أتيته ، وفي بعضها جئته بأسرع
فقط، وفي بعضها أتيته ، وهاتان ظاهرتان ، والأول صحيح أيضا والجمع
بينهما للتوكيد وهو حسن لا سيما عند اختلاف اللفظ .
قلت : أما قوله عليه السلام .. بباع : فالباع هو قدر مدَّ اليدين وما
بينهما من البدن (إكذا في اللسان ) .
(٢) بالمسند سريج ، والصواب ما أثبتناه والله أعلم ..
(٣) وله شاهد عند الترمذي (٢٤٦٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
1
٠ ٥٨ =

فَضْلُ الذِّكْرِ وَمُجَالَسَةِ الصَّالِحِينَ(١).
٣٤ - قال الإِمام البخاري رحمه الله ( حديث ٦٤٠٨ ):
حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا جرير عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال : قال رسول الله
صلى الله عليه وعلى آله وسلم :
(( إن لله ملائكة يطوفون في الطُرق يلتمسون أهلَ الذِّكر ، فإذا وجدوا قوماً
يذكرون الله (٢) تنادوا هلموا إلى حاجتكم)) قال: ((فيحفونهم بأجنحتهم إلى
السماء الدنيا)) قال: ((فيسألهم ربهم عز وجل - وهو أعلم منهم - ما يقولُ
عِبادِى؟)) قال: ((تقول : يُسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك
قال : فيقول : هل رأوني ؟ قال : فيقولون : لا والله ما رأوك قال: فيقول :
كيف لو رأوني ؟ قال : يقولون : لو رأوك كانوا أشد لك عبادة وأشد لك
تمجيداً وأكثر لك تسبيحا قال : يقول : فما يسألوني ؟ قال : يسألونك الجنة
قال : يقول : وهل رأوها ؟ قال : يقولون : لا والله يارب ما رأوها قال
فيقول : فكيف لو أنهم رأوها ؟ قال: يقولون: لو أنهم رأوها كانوا أشدَّ عليها
حرصا ، وأشد لها طلبا وأعظم فيها رغبة قال : فمم يتعوذون ؟ قال : يقولون :
من النار قال : يقول : وهل رأوها ؟ قال : فيقولون: لا والله يارب ما رأوها
قال : يقول : فكيف لو رأوها ؟ قال : يقولون : لو رأوها كانوا أشد منها فراراً
(١) ولمزيد في هذا الباب راجع كتابنا الصحيح المسند من أذكار اليوم والليلة .
(٢) يلزم أن تكون صفة الذكر وكيفيته على ما كان عليه النبي صلى الله عليه
وعلى آله وسلم وأصحابه فخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وعلى آله
وسلم ، وخير الناس قرنه ، وكل محدثة بدعة ومن أحدث في أمرنا هذا
ما ليس منه فهو رد وبالله التوفيق .
- ٥٩ -

وأشدَّ لها مخافة قال فيقول فأُشهِدُكم أني قد غَفَرتُ لهم .. قال يقول مَلَكٌّ من
الملائكة فيهم فلانٌ ليس منهم إنما جاء لحاجة قال هم الجلساء لا يشقى:
( حديث صحيح )
1
جليسهم )) .
[ رواه شعبة عن الأعمش أو لم يرفعه، ورواه سهيل عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله
عليه وعلى آله وسلم ] .
٣٥ - قال الإِمام مسلم رحمه الله (٢٦٨٩) :
حدثنا محمد بن حاتم بن ميمون حدثنا بهز حدثنا وهيب حدثنا سهيل عن أبيه عن أبي هريرة
عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال :
((إن لله تبارك وتعالى ملائكةً سيّارةً فُضْلاً( ١) يَتَبعون مجالس الذِّكر فإذا
وجدوا مجلساً فيه ذِكْرٌ قعدوا معهم وحقّ بعضهم بعضا بأجنحتهم حتى يملؤوا
ما بينهم وبين السماءِ الدُّنيا فإذا تفرقوا عَرَجوا وصَعَدوا إلى السماء )) قال :
((فيسألهم الله عز وجل وهو أعلمُ بهم من أين جئتم ؟ فيقولون : جئنا من عند
عبادٍ لك في الأرض يسبحونك ويكبرونك ويهللونك ويحمدُونك ويسألونك
قال : وماذا يسألوني ؟ قالوا : يسألونك جنتك قال : وهل رأوا جنتي ؟ قالوا :
لا أي ربِّ! قال: فكيف لو رأُوا جَنَّتي ؟ قالوا : ويستجيرونك قال : وم
: يستجيرونني ؟ قالوا : من نارٍك يارب قال: وهل رأوا ناري ؟ قالوا : لا قال :
فكيف لو رأوا ناري ؟ قالوا : ويستغفرونك قال : فيقول : قد غفرتُ لهم
فأعطيتهم ما سألوا وأجرتهم مما استجاروا قال : فيقولون : رب فيهم فلان عبد
خطّاء إنما مر فجلس معهم قال : فيقول وله غفرت هم القوم لا يشقى بهم
( حديث صحيح )
جليسهم )) .
(١) قال الحافظ في الفتح (٢٠١١/١١): معناه أنهم زائدون على الحفظة وغيرهم
من المرتبين مع الخلائق لا وظيفة لهم إلا حلق الذكر .
٦٠ -