Indexed OCR Text
Pages 21-40
فقد قيل ذاك ، ويُؤْتِى بالذي قُتِلَ في سبيلِ الله فيقول الله له : فيماذا قُتِلْتَ ؟ فيقولُ : أُمِرْتُ بالجهادِ في سبيلك فقاتلتُ حتى قُتِلْتُ فيقولُ الله تعالى له : كذبت وتقول له الملائكة : كذبتَ ويقول الله : بل أردت أن يُقال فلان جرىءٌ فقد قيل ذاك )) ثم ضرب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم على ركبتي فقال: ((يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أولُ خلقِ الله تُسْعَرُ بِهِم النَّارُ يومَ القيامةِ)) ( صحيح لغيره ) (١) [ وانظر سنن النسائي (٢٣/٦) ]. (١) حيث إن في إسناده الوليد بن أبي الوليد وهو لين الحديث لكن يشهد له الحديث المتقدم . - ٢١ - خَطَرُ الشِّرْكِ ٩ - قال الإِمام مسلم رحمه الله (٢٩٨٥) : حدثنى زهير بن حرب حدثنا إسماعيل بن إبراهيم أخبرنا روح بن القاسم عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (( قال الله تبارك وتعالى أنا أغنى الشُركاءِ عن الشرك من عَمِلَ عملاً أشرك فيه معي غيري تركتُهُ وشِرْكَه »(١) . ( حديث حسن ) (١) قال النووي رحمه الله: هكذا وقع في بعض الأصول ( وشركه ) وفي : بعضها ( وشريكه ) وفي بعضها ( وشركته ) ومعناه أنا غني عن المشاركة وغيرها فمن يعمل شيئا لي ولغيري لم أقبله بل أتركه لذلك الغير ، والمراد أن عمل المرائي باطل لا ثواب فيه ، ويأثم به . قلت : وفي معنى هذا الحديث ما أخرجه الترمذي (٣١٥٤) وحسنه من طريق زياد بن ميناء عن أبي سعد بن أبي فضالة الأنصاري - وكان من الصحابة - قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول : ((إذا جمع الله الناس ليوم القيامة ليوم لا ريب فيه نادى مناد: من كان أشرك في عمل عمله لله أحدا فليطلب ثوابه من عند غير الله فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك)) . وزياد بن ميناء قال فيه ابن المديني مجهول إلا أنه - أعني ابن المديني - قال عن إسناد الحديث : إسناد صالح يقبله القلب هذا وقد وردت آيات كثيرة في الكتاب العزيز تحذر من الشرك وتبين أنه يُحبط الأعمال . سفر ٢٢ _ ١٠ - قال الإِمام أحمد رحمه الله (٤٢٨/٥) : حدثنا يونس ثنا ليث عن يزيد - يعني ابن الهاد - عن عمرو عن محمود بن لبيد أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال : ((إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر)) قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: ((الرياء يقول الله عز وجل لهم يوم القيامة - إذا جزى الناس بأعمالهم - : اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء )) . ( حديث صحيح ) ١١ - قال الإِمام البخاري رحمه الله (٣٣٥٠) : حدثنا إسماعيل بن عبد الله قال أخبرني أخي عبد الحميد عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري = * قال تعالى: ﴿ولقد أوحى إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين ﴾ [الزمر: ٦٥ ]. وقال تعالى بعد أن ذكر جملة من الأنبياء في سورة الأنعام (٨٣- ٨٨) : ﴿ .. ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده ، ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون ﴾ . (١) وقد روى بعض أهل العلم هذا الحديث عن عمرو عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد ومما يدل على أن محمود بن لبيد صحابي ما أخرجه أحمد بسند حسن (٤٢٧/٥) عن محمود بن لبيد قال أتانا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فصلى بنا المغرب في مسجدنا فلما سلَّم منها قال: ((اركعوا هاتين الركعتين في بيوتكم للسبحة بعد المغرب)). فهذا يدل على أنه أدرك على عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم . - ٢٣ - 1 عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: : : « يَلْقى إبراهيمُ أباهٍ آزَرَ يومَ القيامةِ وعلى وجه آزَرَ قَتْرَةٌ وَغَبَرة فيقول لهُ إبراهيمُ : ألم أقل لكَ لا تَعْصِنِى ؟ فيقول أبوه : فاليومَ لا أعصيكَ . فيقول إبراهيم : يارب إنك وعدتني أن لا تُخْزِيَنِي يومَ يُبْعَثون فأَتَّ خزي أخزى من أبي الأبعد ؟ فيقول الله تعالى : إني حرَّمت الجنّة على الكافرين ثم يقال : يا إبراهيمُ ما تحت رِجَلَك فينظر فإذا هو بذَيخِ مُلْتَطِخ فيؤخذ بقوائمِهِ فَيُلْقَى ( حديث صحيح ) في النار )). بـ ٢٤ . طَلَبُ الْكَافِرِ الْفِدَاءَ بِمِلْءِ الْأَرْضِ ذَهَباً ١٢ - قال الإِمام البخاري رحمه الله (٦٥٥٧): حدثنى محمد بن بشار حدثنا غندر حدثنا شعبة عن أبي عمران قال : سمعت أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال : (( يقول الله تعالى لِأَهْوَن أهل النار عذاباً يومَ القيامة: لو أن لك ما في الأرضِ من شيءٍ أكنتَ تَفتدي به ؟ فيقول نعم . فيقول أردتُ منك أهوَنَ من هذاَ وأنت في صُلب آدم: أن لا تشرك بي شيئاً فأبيتَ إلا أن تُشْرِكَ بي))(١). ( حديث صحيح ) . [ وأخرجه مسلم (٢٨٠٥) ] . (١) وفي معنى هذا الحديث قوله تعالى: ﴿إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم ﴾ [ المائدة: ٣٧،٣٦] . قال النووي في شرح مسلم (٦٧٢/٥) .: معناه أن يقال : لو رددناك إلى الدنيا وكانت لك كلها أكنت تفتدى بها ؟ فيقول : نعم فيقال له : كذبت قد سئلت أيسر من ذلك فأبيت ، ويكون هذا من معنى قوله تعالى: ﴿ ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه﴾ [الأنعام: ٢٨] ولابد من هذا التأويل ليجمع بينه وبين قوله تعالى: ﴿ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيامة ﴾ [ الرعد: ١٨ ] أي لهم يوم القيامة ما في الأرض جميعا ومثله معه وأمكنهم الاقتداء لافتدوا . وفي هذا الحديث دليل على أنه يجوز أن يقول الإنسان : الله يقول وقد أنكره بعض السلف ، وقال : يكره أن يقول : الله يقول وإنما يقال: قال الله ، وقد قدمنا فساد هذا المذهب وبينا أن الصواب جوازه ، وبه قال عامة العلماء من السلف والخلف ، وبه جاء القرآن العزيز في قوله تعالى : ﴿ والله يقول الحق ﴾ وفي الصحيحين أحاديث كثيرة مثل هذا والله أعلم . - ٢٥ - كُفْرُ مَنْ قَالَ مُطِرْئًا بِنَوءِ كَذَا وَكَذَا ١٣ - قال الإِمام البخاري رحمه الله ( حديث ٨٤٦ ): حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن صالح بن كيسان عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ·ابن مسعود عن زيد بن خالد الجهني أنه قال : صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم صلاة الصبح بالحديبية - على إثر سماء(٢) كانت من الليلة - فلما انصرف أقبل على الناس فقال: ((هل تدرون ماذا قال ربكم؟ )) قالوا الله ورسولُهُ أعلم قال: (( أصبح من عبادي مؤمنٌ بي وكافر : فأما من قال : مُطْرنا بفضلِ الله ورحمته فذلك مؤمن بي وكافرٌ بالكوكب ، وأما من قال : بِنَوءٍ(٢) كذا وكذا فذلك كافرٌ بي ومؤمنٌ ( حديث صحيح ) بالكوكب )) : . [ وأخرجه مسلم (٧١) وأبو داود (٣٩٠٦) والنسائي (١٦٥/٣)]. (١) روى عبيد الله هذا الحديث عن زيد بن خالد ، ورواه عن أبي هريرة كما عند مسلم وسيأتي قريبا . (٢) أي عقب مطر . (٣) النوء هو النجم إذا مال للمغيب كذا في لسان العرب وفيه أيضا كانت العرب في الجاهلية إذا سقط منها نجم وطلع آخر قالوا لابد من أن يكون عند ذلك مطر أو زياح فينسبون كل غيث يكون عند ذلك إلى ذلك النجم فيقولون مطرنا بنوء الثريا والذَّبران والسِّماك. أما بالنسبة للكلام على ما في هذا الحديث : قال الحافظ في الفتح (٥٢٣/٢): هذا من الأحاديث الإلهية وهي = - ٢٦ - تحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أخذها عن الله بلا = واسطة أو بواسطة . وقال أيضا قوله ((أصبح من عبادي)) هذه إضافة عموم بدليل التقسيم إلى مؤمن وكافر بخلاف مثل قوله تعالى : ﴿ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ﴾ فإنها إضافة تشريف . أما بالنسبة لقوله تعالى: ((مؤمن بي وكافر)) وهل هذا الكفر مخرج عن الملة أم هو من كفران النعم أي من باب كفر دون كفر فننقل هنا بعض أقوال أهل العلم في ذلك : " قال الشافعي رحمه الله ( الأم ٢٢٣/٢) : رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ( بأبي هو وأمي ) هو عربي واسع اللسان يحتمل قوله هذا معاني ، وإنما مُطر بين ظهراني قوم أكثرهم مشركون لأن هذا في غزوة الحديبية وأرى أن معنى قوله - والله أعلم - أن من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك إيمان بالله لأنه يعلم أنه لا يمطر ولا يعطى إلا الله عز وجل ، وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا على ما كان بعض أهل الشرك يعنون من إضافة المطر إلى أنه أمطره نوء كذا فذلك كفر كما قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأن النوء وقت والوقت مخلوق لا يملك لنفسه ولا لغيره شيئا ولا يمطر ولا يصنع شيئا فأما من قال مطرنا بنوء كذا على معنى مطرنا بوقت كذا فإنما ذلك كقوله مطرنا في شهر كذا ، ولا يكون هذا كفر ، وغيره من الكلام أحب إلَى منه . ثم ذكر الشافعي رحمه الله ما يؤيد رأيه . وقد نقل هذا القول أيضا عن الشافعي البيهقي رحمه الله ( السنن الكبرى ٣٥٨/٣ ) . = - ٢٧ - * قال النووي رحمه الله (٢٥٨/١): وأما معنى الحديث فاختلف العلماء .= في كفر من قال ((مطرنا بنوء كذا )» على قولين : : أحدهما : هو كفر بالله سبحانه وتعالى سالب لأصل الإِيمان مخرج عن ملة الإِسلام قالوا : وهذا فيمن قال ذلك معتقدا أن الكوكب فاعل مدبر منشىء : للمطر كما كان بعض أهل الجاهلية يزعم ، ومن اعتقد هذا فلا شك في كفره ، وهذا القول هو الذي ذهب إليه جماهير العلماء والشافعي منهم وهو ظاهر الحديث قالوا : وعلى هذا لو قال : مطرنا بنوء كذا معتقد أنه من الله تعالى وبرحمته وأن النوء ميقات له وعلامة اعتباراً بالعادة فكأنه قال : مظرنا في وقت كذا فهذا لا يكفر واختلفوا في كراهته والأظهر كراهته لكنها كراهة تنزيه لا إثم فيها وسبب الكراهة أنها كلمة مترددة بين الكفر وغيره فيساء الظن بصاحبها ولأنها شعار الجاهلية ومن سلك مسلکھم . والقول الثاني في أصل تأويل الحديث : أن المراد كفر نعمة الله تعالى لاقتصاره على إضافة الغيث إلى الكوكب ، وهذا فيمن لا يعتقد تدبير الكوكب ، ويؤيد هذا التأويل الرواية الأخيرة في الباب (( أصبح من الناس شاكر وكافر)) وفي الرواية الأخرى ((ما أنعمت على عبادي نعمة إلا أصبح فريق منهم بها كافرين)) وفي الرواية الأخرى (( ما أنزل الله من السماء من بركة إلا أصبح فريق من الناس بها كافرين)) فقوله (( بها)) يدل على أنه ٤ كفر بالنعمة والله أعلم . قلت : وفي معنى هذا الحديث قول الله عز وجل في سورة الواقعة. وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون ﴾ فقد قرأها ابن عباس - كما صحح الحافظ ابن حجر الإسناد إليه بذلك في الفتح ٥٢٢/٢ - وتجعلون = -: ٢٨ - ١٤ - قال الإِمام مسلم رحمه الله (٧٢) : حدثني حرملة بن يحيى وعمرو بن سواد العامري ومحمد بن سلمة المرادي قال المرادي حدثنا . عبد الله بن وهب عن يونس ، وقال الآخران أخبرنا ابن وهب قال أخبرني يونس عن ابن شهاب قال حدثني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن أبا هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : ((ألم تروا إلى ما قال ربكم ؟ قال : ما أنعمتُ على عِبَادِي من نعمةٍ إلا أصبح فريقٌ منهم بها كافرين يقولون الكواكِبُ وبالكواكبِ )) . ( حديث صحيح ) [ وأخرجه النسائي (١٦٤/٣ ) ] . = شكركم أنكم تكذبون ، وقد ورد في سبب نزولها ما أخرجه مسلم (٧٣) من حديث ابن عباس قال مطر الناس على عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر )». قالوا : هذه رحمة الله وقال بعضهم : لقد صدق نوء كذا وكذا قال فنزلت هذه الآية ﴿ فلا أقسم بمواقع النجوم ﴾ حتى بلغ ﴿ وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون ﴾ . ١ ومعنى الآية - كما نقل ذلك النووي عن ابن عباس والأكثرين تجعلون شكركم أنكم تكذبون ، ونقل عن الأزهري والفاسى تجعلون شكر رزقكم وعن الحسن تجعلون حظكم . والله أعلم . - ٢٩ - فَضْلُ التَّوْحِيدِ ١٥ - قال الإِمام مسلم رحمه الله ( حديث ٢٦٨٧ ) : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع حدثنا الأعمش عن المعرور بن سويد عن أبي ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (يقول الله عز وجل: من جاء بالحسنةِ فله عَشْرُ أمثالها(١) وأَزيدُ، ومن جاءَ بالسيئةِ فِجزاؤُهُ سيئةٌ مِثْلُها أو أَغْفِرُ ومن تقرَّب مني شبرا تقربت منه ذراعا ، ومن تقرَّب مني ذراعا تقربت منه باعا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة ، ومن لقيني بقراب الأرض خَطِيئةً لا يُشْرِكُ بي شيئاً لقيته بمثلها مغفرة)) . ( حديث صحيح ) قال إبراهيم حدثنا الحسن بن بشر حدثنا وكيع بهذا الحديث . [ وأخرجه ابن ماجة (٣٨٢١) وأحمد (١٨٠/٥) وانظر مسند أحمد (١٤٨/٥، ١٥٤،١٥٣، ١٧٢٠١٦٧،١٥٥) ٠٢ (١) في بعض الروايات ((أو أزيد)). وهذا الحديث وأمثاله في المستغفرين من ذنوبهم غير المصرين على العناد والشقاق ومخالفة أوامر الله ورسوله ، ثم هو محمول أيضا على غير مظالم. العباد فمظالم العباد لابد وأن تؤدى إليهم كما ورد في جملة آيات وأحاديث. ومما يؤيد ذلك حديث المفلس الذي أخرجه مسلم، وحديث ((أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان .. )) الحديث . وهو في الصحيحين إلى غير ذلك والله أعلم . وفي هذا الحديث من الفوائد بيان فضل الله على عباده في مضاعفة ٣٠ _ ١٦ - قال النسائي رحمه الله (١١٢/٨) : أخبرنا محمد بن رافع قال حدثنا عبد الرزاق قال أنبأنا معمر عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (( ما مجادلةُ أحدٍ كم في الحقِ يكون له في الدُّنيا بأشد مجادلة من المؤمنين لربهم في إخوانهم الذين أُذْخِلوا النَّار قال: يقولون ربنا إخوانُنَا كانوا يصلون معنا ويصومون معنا ويحجُّون معنا فأدخلتهم النار قال : فيقول : اذهبوا فأخرجوا الحسنات ، وقد تقدم ذلك في هذا الكتاب ، وفيه الحث على التوبة والاستغفار والتقرب إلى الله بالنيات الصالحة المصحوبة بالأعمال الصالحة ، والتحذير من الشرك فالله عز وجل لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء . وللحديث جملة شواهد منها ما أخرجه الترمذي من حديث أنس (٣٥٤٠) قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول : (( قال الله يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي ، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي ، يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا أتيتك بقرابها مغفرة)) ، وفي إسناده كثير بن فائد وهو ضعيف ومنها ما أخرجه أحمد (١٨٢/٥) والدارمي (٣٢٢/٢) من حديث أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى: (( يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك قبل ذلك ، ابن آدم إنك إن تلقاني بقراب الأرض خطايا لقيتك بقرابها مغفرة بعد أن لا تشرك بي شيئا ، ابن آدم إنك إن تذنب حتى يبلغ ذنبك عنان السماء ثم تستغفرني أغفر لك ولا أبالي » . - ٣١ - من عرفتم منهم قال : فيأتونهم فيعرفونهم بصورِهم فمنهم من أَخَذَتْهُ النَّارُ إلى أنصافٍ ساقيه ، ومنهم من أخذته إلى كعبيه فيخرجونهم فيقولون : ربَّنا قد أخرجنا من أمرتنا ، قال : ويقول : أخرجوا من كان في قلبه وزن دينار من الإِيمان ثم قال : من كان في قلبه وزن نصف دينار حتى يقول: من كان في . ( حديث صحيح ) قلبه وزن ذرةٍ » . [ قال أبو سعيد فمن لم يصدق فليقرأ هذه الآية ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء .. ﴾ إلى ﴿ عظيما﴾]. [ وأخرجه ابن ماجة (٦٠) ] . إخراج أهل التوحيد من النار (١) ١٧ - قال الإمام البخاري (٢٢) : حدثنا إسماعيل قال حدثني مالك عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال : (( يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النارِ النار ثم يقول الله تعالى أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردلٍ من إيمان فيخرجون منها قد اسودوا فيُلْقَون في نهر الحيا - أو الحياة - شك مالك - فينبُتُون كما تنبت الحبَّةُ في جانب السَّل ألم تر أنها تخرج صفراءَ مُلتوية؟ )). ( حديث صحيح ) [ وأخرجه مسلم (١٨٤)]. (١) ولذلك مزيد في أبواب الشفاعة، وله طرق مطولة في الصحيحين. - ٣٢ - حَدِيثُ البِطَاقَةِ وَفَضْلُ لَا إِلَهَ إِلَّ اللَّهِ ١٨ - قال الترمذي رحمه الله (٢٦٣٩): حدثنا سويد بن نصر أخبرنا عبد الله عن ليث بن سعد حدثني عامر بن يحيى عن أبي عبد الرحمن المعافري ثم الحبلي قال سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : ((إن الله سيُخلّصُ(١) رجلاً من أمتي على رءوس الخلائقِ يومَ القيامةِ فَيَنْشُرُ (٢) عليه تسعةً وتسعين سِجِلا كلُّ سِجِلْ مثلَ مدْ البصرِ ثم يقول: أَتُنْكِرُ من هذا شيئاً ؟ أَظَلَمَكَ كتبتي الحافظون ؟ فيقول : لا يارب فيقول: أَفَلَكَ عُذْرٌ ؟ فيقول : لا يارب فيقولُ بلى إن لك عندنا حسنةً(٢) فإنه لا ظُلم عليك اليوم فتخرجُ بِطاقةٌ فيها أشهدُ أن لا إله إلا الله وأَشْهَدُ أن محمداً عبده ورسوله فيقول : احضر وَزْئِكَ فيقول : يارب ما هذه البطاقةُ مع هذه السجلات فقال إنك لا تُظْلم قال : فتوضع السجلاتُ في كفةٍ والبطاقةُ في كفةٍ فطاشتِ السجلات(٤) وثَّقُلَتِ البطاقة فَلا يَتْقُل مع اسم الله شيءٌ)) . (حديث صحيح ) وقال الترمذي هذا حديث حسن غريب . [وأخرجه ابن ماجة (٤٣٠٠) وأحمد (٢١٣/٢) و (٢٢١/٢، ٢٢٢) ]. (١) قال المباركفوري ( تحفة الأحوذي ٣٩٥/٧): أي سيميز ويختار ، وفي رواية ابن ماجة ((يصاح برجل من أمتي يوم القيامة على رءوس الخلائق)). (٢) ينشر أي يفتح . (٣) أي واحدة عظيمة مقبولة . (٤) طاشت السجلات أي خفت السجلات . - ٣٣ - سِعَةُ رَحْمَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ١٩ - قال الإِمام مسلم رحمه الله ( ص ٢١٠٨ ) : حدثنى زهير بن حرب حدثنا سفيان بن عيينة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن. النبِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلَّم. قال: : ((قال الله عزَّ وجلَ: سَبَقَتْ رحمتي غَضَبي)) (١). (حديث صحيح) = وقال المباركفوري رحمه الله : فإن قيل الأعمال أعراض لا يمكن وزنها وإنما توزن الأجسام أجيب بأنه يوزن السجل الذي كتب فيه الأعمال ويختلف باختلاف الأحوال ، أو أن الله يجسم الأفعال والأقوال فتوزن فتثقل الطاعات وتطيش السيئات لثقل العبادة على النفس وخفة المعصية عليها، ولذا ورد ((حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات ونقل صاحب تيسير العزيز الحميد ( ص ٩٥ ) عن ابن القيم أنه قال : فالأعمال لا تتفاضل بصورها وعددها ، وإنما تتفاضل بتفاضل ما أبين القلوب فتكون صورة العمل واحدة وبينهما من التفاضل كما بين السماء والأرض قال : تأمل حديث البطاقة التي توضع في كفة ويقابلها تسعة وتسعون سجلا كل سجل منها مد البصر فتثقل البطاقة وتطيش السجلات فلا يعذب ، ومعلوم أن كل موحد له هذه البطاقة وكثير منهم يدخل النار بذنو به . قلت : وفي الحديث إثبات الميزان وقد ورد في جملة أحاديث وجملة آیات . (١) وأكثر طرقه في الصحيحين بلفظ (( لما قضى الله الخلق كتب في كتابه فهو: عنده فوق العرش إن رحمتي غلبت غضبي)). انظر صحيح البخاري (٣١٩٤، ٧٤٢٢،٧٤٠٤، ٧٥٥٤،٧٤٥٣) وصحيح مسلم (٢٧٥١). - ٣٤ - وفي هذا الحديث بشارة للمؤمنين بسعة رحمة رب العالمين وأنها تسبق = غضبه وقد ورد في هذا الباب جملة من الآيات والأحاديث في الصحيحين وغيرهما . * منها قول الله تعالى: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا﴾ [ الزمر: ٥٣ ]. ومنها ما أخرجه البخاري (٦٤٦٩) ومسلم (٢٧٥٢) من حديث أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول : ((إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة فأمسك عنده تسعة وتسعين رحمة وأرسل في خلقه كلهم رحمة واحدة ، لفظ البخاري . وفي بعض ألفاظ مسلم (( أنزل منها رحمة واحدة بين الإنس والجن والبهائم والهوام فيها يتعاطفون وبها يتراحمون وبها تعطف الوحش على ولدها وأخر الله تسعا وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة)). ولهذا الحديث طرق أخرى عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم . وأخرج البخاري (٥٩٩٩) ومسلم (٢٧٥٤) من حديث عمر بن : الخطاب رضي الله عنه قال : قدم على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بسبى فإذا امرأة من السبى تبتغي إذا وجدت صبيا في السبى أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : (( أترون هذه طارحة ولدها في النار)) قلنا لا والله وهي تقدر على أن لا تطرحه فقال (( لله أرحم بعباده من هذه بولدها)). وهناك جملة أحاديث في ثنايا هذا الكتاب في هذا الباب وبالله التوفيق . - ٣٥ - تَحْذِيرُ الْمُقْنِطِينَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ٢٠ - قال أبو داود رحمه الله (٤٩٠١) : حدثنا محمد بن الصباح بن سفيان أخبرنا علي بن ثابت عن عكرمة بن عمار قال حدثني ضمضم ابن جوس قال : قال أبو هريرة سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول : ((كان رجلان في بني إسرائيل مُتَوَاخِيَيْنِ فكان أحدهما يُذْنِبُ والآخر مجتهد في العبادة فكان لا يزال المجتهد يرى الآخر على الذَّئْبِ فيقول : أقصر فوجده يوماً على ذَئبٍ فقال له : أقصر . فقال : خلِّني وربي أُبُعِثْتَ علَي رقيباً ؟ فقال : والله لا يَغْفِرُ الله لك أو لا يدخلك الله الجنَّةَ فقبض أرواحَهما، فاجتمعا عند ربّ العالمين فقال هذا المجتهد أکنت بي عالماً ؟ أو کنت على ما في يدي قادرا ؟ وقال : للمُذْنِبِ اذهب فادخل الجنةَ بِرَحْمَتي، وقال للآخر: اذهبوا به إلى النار )) . ( حديث حسن ) قال أبو هريرة: والذي نفسي بيده لتكلم بكلمةٍ أَوْبَقَتْ(١) دنياه وآخرته .. ٢١ - قال الإِمام مسلم رحمه الله (٢٦٢١) : حدثنا سويد بن سعيد عن معتمر بن سليمان عن أبيه حدثنا أبو عمران الجوني عن جندب أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حدث : : (( أن رجلا قال : والله لا يغفر الله لفلان وإن الله تعالى قال: مَنْ ذا الذي يَتَّى علَّ (٢)أن لا أُغْفِرْ لِفُلانٍ فإنِي قِد غَفَرتُ لفلانٍ وَأحبطتُ عَمَلَكَ)) أو ( حديث صحيح ) كما قال . [ وأخرجه الطبراني حديث (١٦٧٩) ] (١) أوبقت : أهلكت (٢) يتألى : أي يحلف ٣٦ بـ ... ٢٢ - قال الإِمام البخاري رحمه الله (٣٤٧٠) : حدثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن أبي عدي عن شعبة عن قتادة عن أبي الصديق الناجي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال : ((كان في بني إسرائيل رجلٌ قتل تسعةً وتسعين إنساناً ثم خرج يسألُ فأتى راهباً فسأله فقال له : هل من توبةٍ ؟ قال : لا فقتله فجعل يسأل فقال له رجل: ائت قرية كذا وكذا فَأَدْرَكَهُ الموتُ فَتَاءَ (١) بصدره نحوها فاختصمت فيه ملائكةُ الرحمة وملائكة العذابِ فأوحى الله إلى هذه أن تقربي وأوحى الله إلى هذه أن تباعدي ، وقال قيسوا فوجد إلى هذه أقرب بشبرٍ فَغْفِرَ له))(٢) . ( حديث صحيح ) [ وأخرجه مسلم (٢٧٦٦)، وابن ماجة (٢٦٢٢) ] . (١) ناء بمعنى بَعُدَ . (٢) وله لفظ أطول عند مسلم وهو أن نبي الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال : ((كان فيمن قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسا فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على راهب فأتاه فقال إنه قتل تسعة وتسعين نفسا فهل له من توبة ؟ فقال : لا فقتله فكمل به مائة ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم فقال إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة ؟ فقال : نعم ومن يحول بينه وبين التوبة ؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناسا يعبدون الله ، فاعبد الله معهم ، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فقالت ملائكة الرحمة : جاء تائبا مقبلا بقلبه إلى الله ، وقالت ملائكة العذاب : إنه لم يعمل خيرا قط ، فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم فقال قيسوا ما بين الأرضين ، فإلى أيتهما كان أدنى فهو له فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد فقبضته ملائكة الرحمة)) .= - ٣٧ - قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (٥١٧/٦) : وفي الحديث مشروعية التوبة من جميع الكبائر حتى من قتل الأنفس ، ويحمل على أن الله تعالى إذا قبل توبة القاتل تكفل برضا خصمه . وقال الحافظ أيضًا : قال عياض : وفيه أن التوبة تنفع من القتل كما تنفع من سائر الذنوب ، وهو وإن كان شرعا لمن قبلنا وفي الاحتجاج به خلاف لكن ليس هذا من موضع الخلاف لأن موضع الخلاف إذا لم يرد في شرعنا تقريره وموافقته أما إذا ورد فهو شرع لنا بلا خلاف ، ومن الوارد في ذلك قول الله تعالى: ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ وحديث عبادة بن الصامت ففيه بعد قوله: ((ولا تقتلوا النفس)) وغير ذلك من المنهيات ((فمن أصاب من ذلك شيئا فأمره إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه )) متفق عليه . قلت : ( القائل هو الحافظ ) : ويؤخذ ذلك أيضا من جهة تخفيف الآصار عن هذه الأمة بالنسبة إلى من قبلهم من الأم ، فإذا شرع لهم قبول توبة القاتل فمشروعيتها لنا يطريق الأولى . قلت : وقد قال الله تعالى : ﴿ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم ﴾ [ الزمر : ٥٣] . وأخرج الحاكم في تفسيره هذه الآية ( المستدرك ٤٣٥/٢) بإسناد حسن من حديث عمر رضي الله عنه قال كنا نقول ما لمفتتن توبة ، وما الله بقابل منه شيئا فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم المدينة أنزل فيهم : ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله = . ٣٨ - = إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم ﴾ والآيات التي بعدها قال عمر فكتبتها فجلست على بعيري ثم طفت المدينة (٢١ ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ينتظر أن يؤذن له بالهجرة ... الحديث . هذا وقد وردت جملة آيات في الكتاب العزيز تحض على التوبة مهما كان ذنب المذنب . قال تعالى: ﴿إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم الله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليما﴾ [ النساء : ١٤٥، ١٤٧]. (١) في هذا تخليط شديد وقال المعلق على الحاكم لعله قد سقط من هنا ألفاظ في الحديث. قلت : وقد ذكر ابن كثير هذا الأثر في تفسيره (٦٠/٤) ولفظه وكنا نقول ( القائل عمر ) ما الله بقابل ممن افتتن صرفا ولا عدلا ولا توبة عرفوا الله ثم رجعوا إلى الكفر البلاء أصابهم قال : وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم قال: فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنزل الله تعالى فيهم وفي قولنا وقولهم لأنفسهم ﴿ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون﴾ قال عمر رضي الله عنه : فكتبتها بيدي في صحيفة وبعثت بها إلى هشام بن العاص رضي الله عنه قال : فقال هشام : لما أتتني جعلت أقرأها بذي طوى أصعد بها فيه وأصوت ولا أفهمها حتى قلت اللهم أفهمنيها قال : فألقى الله عز وجل في قلبي أنها إنما أنزلت فينا وفيما كنا نقول في أنفسنا ويقال فينا فرجعت إلى بعيري فجلست عليه فلحقت برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالمدينة .= - ٣٩ - وقال سبحانه ﴿ لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة ، وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم ﴾ . . [ المائدة : ٧٣ - ٧٤ ]. * وقال جل وعلا ﴿ إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق ﴾ [البروج: ١٠] . قال الحسن البصري - كما نقل عنه ابن كثير - : انظروا إلى هذا الكرم والجود قتلوا أولياءه وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة. * وقال تعالى لموسى ﴿اذهب إلى فرعون إنه طغى فقل هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى ﴾ [ النازعات : ١٧ -١٩ ] . ففرعون رغم عتوه وفجوره وظلمه وطغيانه في قوله ﴿ أنا ربكم الأعلى ﴾ [ النازعات : ٢٤ ] وفي قوله ﴿ ما علمت لكم من إله غيري ﴾ [ القصص: ٣٨] وفي ذبحه للأنبياء واستحيائه للنساء ، وفي تحديه لربه تبارك وتعالى في قوله ﴿ يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذباً ﴾ [غافر: ٢٩-٣٧] رغم كل هذا يدعوه ربه إلى التوبة فسبحانك ربنا ما أرحمك يا الله وما أحكمك وما أعدلك فتحت لنا باب التوبة والمغفرة فلك الحمد يا ربنا كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك لك الحمد يا إلهنا ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد لك الحمد في الأولى والآخرة يا رحمن يا رحيم . هذا وقد نقل ابن كثير رحمه الله (٥٩/٤) عن ابن عباس قوله : = - ٤٠