Indexed OCR Text
Pages 221-240
منهم ثُلثاً، فإذا صادف ليلة من أحدهما كسلاً قال له: نم يا بني فأنا أصلي عنك نصيبك، فإن صادف من الآخر كسلاً قال له مثل ذلك، فربما كان يصلي في بعض الليالي الليل كله، ثم کان بعد ذلك من أکثر أهل الكوفة صلاةً بالليل. ١١٠٩ - وقال سفيان الثوري: ((كان سفيان بن فياض يخرج إلينا كأنما خرج من قبر من کثرة صلاته وعبادته)) . ١١١٠ - وكان صفوان بن سليم من العابدين المجتهدين، وكان قد أعطى الله عهداً أن لا يضع جنبه على فراش حتى يلقاه، فعاش بعد ذلك أربعين سنة لم يضع جنبه على فراش، فلما مرض قيل له: ألا تضطجع، قال: فما وفيت الله بالعهد إذاً، فاشتد به الأمر فما زال کذلك يُعالج حتى مات رحمة الله عليه. ١١١١ - وقال إبراهيم بن محمد بن المنكدر: خرج صفوان مع عمي إلى مكة، فكان يصلي ليلته كلها على المحمل ونحن نسير إلى أن ينعس فيضع خده على يده فينام جالساً، فإذا تفرق الناس مضاجعهم بالضحى قام يصلي، فلا يزال كذلك يصلي إلى نصف النهار، فإذا نعس وضع جبهته في الأرض على متاعه، فلم يزل كذلك ليلاً ونهاراً حتى رجعنا من مكة ما كان ينام إلا جالساً. ١١١٢ - وقال أبو عبد الرحمن المعري: لم يكن صفوان بن سليم يتوسد بالليل وساداً، وكان لا يضع جنبه على فراشٍ إنما كان يصلي فإذا غلبته عيناه أحبا قاعداً. ١١١٣ - وقال سعيد بن المسيب: ما من ليلةٍ تأتي على الناس إلا نادت: أنا ليلةٌ جديدةٌ لم آت عليكم قط ولا آتي عليكم بعد، فاعملوا فيَّ خيراً فإنكم مسؤولون عما عملتم فيَّ، وإذا جاء النهار نادى كذلك أيضاً، هكذا أبداً لم تزل الدنيا أبداً على ذلك. ١١١٤ - وقال الحسن البصري رحمه الله: ((لقد وقرتني كلمة سمعتها من الحجاج على أعواد هذا المنبر، سمعته يقول: إن امرىءَ ذهبت ساعةٌ من عمره في غير ما خلق له لجديرٌ أن يطول عليها حزنه يوم القيامة)). ١١١٥ - وقال أبو الدرداء: ((ما مر يومٌ على رجلٍ مسلم إلا اجتمع هواه وعمله، فإن كان هواه تابعاً لعمله فيومه يوم صالح، وإن كان عمله تابعاً لهواه فيومه يوم سوءٍ)). ١١١٦ - وكان عامر بن عبد قيس يصلي الصبح في المسجد ثم يقوم إلى ناحيةٍ فيأتيه قومٌ فيقرئهم القرآن حتى إذا طلعت الشّمس وكان وقت الصلاة قام فصلى إلى الظهر، فإذا صلى المغرب صلى إلى العشاء، فإذا صلى العشاء انصرف إلى بيته فأخذ أحد رغيفيه فأفطر عليه وشرب الماء، ثم نام نومة خفيفةً ثم قام فصلى إلى السحر، ثم يأخذ رغيفه الآخر ٢٢١ فيتسحر به، ثم يخرج إلى المسجد يصلي إلى الصبح، وكان يقول: إلهي خلقتني ولم تؤامرني، وتمتيني ولا تعلمني وجعلت معي عدواً يجري مني مجرى الدم، وجعلته يراني ولا أراه، ثم قلت لي: استمسك. إلهي كيف استمسك إلا بك إلهي، في الدنيا الهموم والأحزان، وفي الآخرة الحساب والعقاب، فأين الراحة والفرح. ١١١٧ - ويروى أنه كان يصلي فيتمثل له الشيطان في صورة حيةٍ فيدخل من تحت قميصه حتى يخرج من جيبه فلا يمسها ولا يمسكها ولا يقطع صلاته من أجلها، فقيل له: ألا تنحي الحية عنك، فقال: إني لأستحيي من الله أن أخاف سواه. فقيل له: إن الجنة تدرك بدون ذلك، فقال: والله لأجتهدن فإن نجوت فبرحمته، وإن دخلت النار فبعد جهدي، وكان قد سأل الله تعالى أن يهون عليه الطهور في الشتاء، فكان يؤتى بالماء وله بخارٌ كأنه إنما كان على النار. ١١١٨ - وكان محمد بن بسامٍ من البكائين وأقام نيفاً وأربعين سنة يصلي بالقرآن في كل ليلةٍ، وربما ختمه في الليل والنهار مرتين، وما ترك ذلك قط في سفرٍ ولا حضرٍ، ولا في أرض الروم ولا بطريق مكة، وكان إذا استثقل في النوم أتاه آتٍ فقال: السلام عليك يا أبا عبد الله ورحمة الله وبركاته، الصلاة يرحمك الله، الصلاة خيرٌ من النوم، وربما أحسَّ بأصبعه بعضٍ. ١١١٩ - وكان مسروق بن الأجدع قد انتفخت ساقاه من طول القيام في الصلاة، ولقد حج فما نام إلا ساجداً، وقال: ((ما أحزن على شيء من الدنيا يفوتني إلا السجود)) ولما نزل به الموت جزع فقيل له: ما هذا الجزع؟ فقال: ما لي لا أجزع، وإنما هي ساعةٌ واحدةٌ ولا أدري أين يُسلك بي. ١١٢٠ - وكان أبو الدرداء صاحب النبي عليه السلام يقول: ((لولا ثلاثٌ ما أحببت البقاء في الدنيا: الظمأ في الهواجر، والسجود في جوف الليل، ومجالسة أقوامٍ يتنقون أطايب الكلام كما يتنقون أطايب التمر)). ١١٢١ - وقال الأوزاعي: ((من أطال القيام بالليل هون عليه موقفه يوم القيامة)) وما أحسب الأوزاعي أخذ هذه الآية: ﴿ومن اللیل فاسجد له وسبحه ليلاً طويلاً إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوماً ثقيلا﴾ [الإنسان: ٢٦ - ٢٧]. ١٢٢ - وقال أبو الأحوص: ((إن كان الرجل ليطرق القسطاط فيسمع له دوياً كدوي النحل، فما بال هؤلاء يأمنون ما كان أولئك يخافون)). ١١٢٣ - وكان أويس القرني رحمه الله يقوم ليلهُ حتى يصبح ويقول: بلغني أن الله ٢٢٢ : عباداً قياماً أبداً، ثم يركع له أخرى حتى يصبح ثم يقول: بلغني أن لله عباداً ركوعاً أبداً، ثم يسجد ثالثة حتى يصبح ثم يقول: بلغني أن لله عباداً سجوداً أبداً. يريد أنه كان يقوم ليله في الركعة الأولى فإذا أحس بالفجر ركع وسجد ثم خفف في الركعة الثانية، ويخفف القيام في الركعة الأولى في الليلة الثانية فإذا ركع بقي راكعاً فإذا أحس بالفجر سجد ثم خفف في الركعة الثانية، وفي الليلة الثالثة يخفف القيام والركوع في الأولى ثم يسجد فيطول السجدة الأولى فإذا أحس بالفجر سجد الثانية ثم صلى الركعة الباقية وخفف فيها . ١١٢٤ - وقال له رجلٌ: ما لي أراك مريضاً؟ فقال: وما لأويس أن لا يكون مريضاً يطعم المريض وأويس غير طاعمٍ، وينام المريض وأويس غير نائمٌ. ١١٢٥ - وروي عن الربيع بن خثيم، قال: أتيت أويساً القرني يعني هذا فوجدته قد صلى الصبح وقعد، فقلت لا أشغله عن التسبيح، فلما كان وقت الصلاة قام فصلى إلى الظهر، فلما صلى الظهر صلى إلى العصر، فلما صلى العصر قعد يذكر الله إلى المغرب، فلما صلى المغرب صلى إلى العشاء، فلما صلى العشاء صلى إلى الصبح، فلما صلى الصبح جلس فأخذته غيبةٌ، ثم أتيته فسمعته يقول: اللهم إني أعوذ بك من عينٍ نوامةٍ، وبطن لا تشبع. وأويس هذا مشهورٌ في التابعين. ١١٢٦ - وهو الذي ذكره رسول الله وَ له فقال: ((إن خير التابعين رجل يقال له أويس بن عامر))(١). وهو مذكور في كتاب مسلم بن الحجاج. وأنشدوا: في ليلة يغشاك أو يوم أبرأ إلى الله من النوم وإن أوذيت بالعتب واللوم غير غذاءٍ تغتذيه وغصت الأجفان بالنوم وقم إذا امتد جنح الدجى ينهد منها أجلد القوم وأنت من ذنبك في روعةٍ وسم نفسك فيها شر ما سوم واقطع مدا عمرك سوماً وحم عليها أيما حوم واستنشق الجنة ريحانها ونلت عذب الورد بالصوم فربما نلت بترك الكرى ١١٢٧ - وقال أحمد بن حربٍ: ((عجباً لمن تُزين الجنة فوقه. وتستعر النار فوقه، کیف ینام بينهما)). (١) صحيح: أخرجه مسلم برقم (٢٢٤/٢٥٤٢)، دون قوله: ((ابن عامر))، من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه. ٢٢٣ ١١٢٨ - وقال هشام بن بشرٍ: ((مكث منصور بن زاذان يصلي الصبح بوضوء العشاء الآخرة عشرين سنة)). ١١٢٩ - وقال عمرو بن ميمون: وكذلك مكث هشيم يصلي الصبح بوضوء العشاء الآخرة عشرين سنة . ١١٣٠ - وكان ببيت المقدس رجل من المتعبدين يصوم النهار ويقوم الليل، وكان حمالاً يحمل للناس، فما أصاب من أجرة أخذ منها قوته وتصدق بالباقي، وكان إذا صلى الصبح في الجماعة قعد حتى تشرق الشمس ثم يصلي ركعتين ويتحدل على الأرض ثم يقول: عند الصباح تحمد القوم السرى وهذا البيت في رجزٍ قدیم قاله خالد بن الوليد حین سری به رافع بن خديج إلى حرب القادسية، فأخذ الناس يتمثلون به ويزينونه في أشعارهم. وأنشد بعضهم : وخاف من غارات فرسان الورى ما رأى من نفسه ما قد رأى وما يرى وما يرى وما يرى وبعدما بعد من أهوال اللقا وقطع الليل صلاةً ودعا شمر للأمر الذي قد شمرا وزفرة كأنها نار لظى وعبرة ممزوجة من الحشى من كسل في جسده أو من ونا وكلما يخافه إذا دجى عند الصباح تحمد القوم السرى أشد ما قاله من قد مضى وتشتفي العينان من طیب الکری ١١٣١ - ويروى أن قوماً دخلوا على عمر بن عبد العزيز رحمه الله يعودونه، وإذا فيهم شابٌ ناحل الجسم متغير اللون، فقال له عمر: يا فتى ما صنع بك ما أرى؟ قال: أمراضٌ وأسقامٌ يا أمير المؤمنين، فقال له عمر: نشدتك بالله إلا ما أخبرتني فقال: يا أمير المؤمنين ذقت الدنيا فتمررت عند حلاوتها واستوى عندي ذهبها وحجرها، وكأني أنظر إلى عرش ربي تبارك وتعالى والناس يساقون إلى الجنة والنار، فأظمأت لذلك نهاري وأسهرت له ليلي وقليل حقير كلما أنا فيه من جنب ثوب الله وعقابه. كان هذا الشاب معروفاً عندهم. ١١٣٢ - وقال يزيد الرقاشي: أما أن أقوم الليل كله فما أستطيع، ولكن إذا نمت من الليل ثم استيقظت لم أرجع إلى النوم ثانية فلا نامت عيني، وكان يقول في أيام الصيف: السلام على الماء البارد، وكان قد صام أربعين سنة، وكان كثير البكاء. ١١٣٣ - ودخل وكيع بن الجراح عبادان فعطل كل عابدٍ كان فيها كان يبيت ليلة قائماً ٢٢٤ يصلي إلى الصبح، ثم يسبح حتى تطلع الشمس، ثم يحدثهم حديث النبي عليه السلام حتى يرتفع النهار ثم ينام إلى الظهر، ثم يصلي الظهر إلى العصر، ثم يحدثهم حديث النبي عليه السلام من العصر إلى المغرب، فإذا صلى المغرب صلى العشاء الآخرة، فإذا صلى العشاء صلی إلی الصبح فما زال ذلك دأبه حتى خرج منها. ١١٣٤ - وقال حسان بن أبي الأسود: رأيت رجلاً يصلي الليل كله، فتتبعت أمره، فإذا هو مملوك يحمل على رأسه للناس فقلت له: يا هذا أجنيٌ أنت أم أنسيٌّ، أما تستريح تحمل بالنهار وتقوم الليل، فقال: اسلك يحرمه المؤمن، ألا ما كتمت عني، أنا عبدٌ مملوكٌ أؤدي الضريبة لمولاي من خدمتي وهو مخلوقٌ فكيف بالخالق سبحانه والأمر أسرع من ذلك، ثم دخلت عليه بعد ذلك فوجدته مریضاً قد اجتمع علیه الذباب ولیس أحدٌ وهو يقول: الساعة الساعة، ثم جعل يقول: الأمر أسرع من ذلك، الأمر أسرع من ذلك، فلم أزل حتى مات رحمة الله عليه . ١١٣٥ - وقال عبد الله بن وهبٍ: كل ملذوذٍ له لذةٌ واحدةٌ إلا العبادة فإن لها ثلاث لذاتٍ: إذا كنت فيها، وإذا تذكرتها، وإذا أُعطيت ثوابها . ١١٣٦ - قال بعضهم: من علم ما يطلب من ربه هان عليه ما يبذل من نفسه. ثم أنشد : أوصابه وحياته ومماته جلت مطالبه فهانت عنده وكانوا يقولون: المؤمن يتحامل. أي يتحمل المشاق في طاعة الله عزّ وجلّ. ١١٣٧ - قال الأوزاعي: طفت مع عبدة بن أبي لبابة فقعد يستريح ثم قال: قم فإن المؤمن يتحامل. ١١٣٨ - وقال عبيد الله بن عبد الله بن عمر: «تجد المؤمن مجتهداً فيما يطيق، متلهفاً على ما لا يطيق)). ١١٣٩ - وقال أبو مسعودٍ رضي الله عنه: ((ليس للمؤمن راحة دون لقاء الله عزّ وجلّ ومن كانت راحته في لقاء الله تعالى فكَأَنْ به». ١١٤٠ - وكان أبو ريحانة يقول: سبحانك ما أمن من عرفك راحةٌ دون لقائك. ١١٤١ - وروي أن الله عزّ وجلّ أوحى إلى موسى عليه السلام: ((يا موسى إنه إن انقطع حبلك مني لم يصل بحبل غيري فاعبدني، وقم بين يدي مقام، واذمم نفسك فهي أولى بالذم واذكر أنك ساكن القبر، وليمنعك ذلك عن كثير من الشهوات)). كتاب التهجد - م١٥ ٢٢٥ ! ١١٤٢ - ومما يذكر أنه في الزبور: «یا داود قم الليل وقد سنی فیه وأكثر ذکري، فإن نوافل الليل نوافل توجب الجنة. يا داود اتل كتابي واخل به خلوة خليلٍ يحب خليله». ١١٤٣ - وروي عن العلاء بن كثير قال: ((من أدركت من سلف هذه الأمة ما يرضون من أبدانهم إلا بأشد ما يقدرون عليه من العبادة، يتعبون أنفسهم في ليلهم ونهارهم)). ١١٤٤ - ونظر رجلٌ إلى الحسن بن أبي الحسن البصري وهو يتحامل إلى المسجد في المطر وشدة الوحل فكلمه في ذلك فقال: أي أخي إنما هو الاجتهاد أو الهلكة. ١١٤٥ - وقال يزيد بن خالد الأودي: قال أبي: أي بني من أيقن ثواب عمله هانت عليه مشقته، ومن يصبر ينل ما يحب إن شاء الله. ١١٤٦ - ويروى أن عيسى عليه السلام قال: ((حب الفردوس وخشية جهنم يورثان الصبر على المشقة، ويبعدان العبد عن راحة الدنیا)). ١١٤٧ - وقال مجمع بن يحيى: في بعض كتب الله تعالى: أيحسب راعي إبلٍ أو غنمٍ إذا جنه الليل انجدل أن أجعله كقائم الليل وساجده وأنا الحكيم. ١١٤٨ - وذكر ميمون بن الحكم بن عبد الله بن إبراهيم، عن أبيه قال: سافر المغيرة بن حكيم إلى مكة أكثر من سبعين سفرة صائماً محرماً حافياً، وكان مع ذلك كله لا تفوته صلاة السحر يقوم إلى الصلاة ويرحل الناس، فإذا فرغ لحق متى لحق، وكان حزبه في صلاة الضحى من البقرة إلى سورة هود، ومن الزوال إلى العصر من هود إلى سورة الحج، ومن الليل من الحج إلى آخر القرآن، فكان يختم القرآن في يومه وليلته. ١١٤٩ - وقال إبراهيم بن عبد الله: احتمل العاملون لله الصبر على المكاره، وأنسوا بالوحدة، واستوحشوا من الخلق، وزهدوا في معاشرة الناس، ومقتوا الدنيا فلم يلتفتوا إلى طیب عيشها . وقال بعض المتعبدين: إني لأكره أن أعطي عيني شهوتها من الليل. وأنشدوا: وما كذا ذو بصيرة رقدا يا راقد الليل ملء مقلته من أن ترى غرة الصباح غدا هل أنت من صرفه على ثقةٍ إن هو إياكم بها قصدا أو هل تحصنت من مكارهه في نومه ذاك منه سهم ردا هيهات كم نائم قد أقصده إلا إلى غصةٍ لغير مدا فلم يفق من لذيذ رقدته يداه إلا تنفس الصعدا ولم يجد من جميع ما ذخرت ٢٢٦ وحسرة في الضلوع قد صدعت يا نائماً والمنون تطلبه قد ويك تيقظ والليل في سعةٍ واقدح لجنبيك نار تذكرة وامزج بخديك دمعها بدم قد ترك الدار منه مقفرةٌ واضرع لمن جوده ونائله لعله والمنى به علقت يعطيكها توبة مجليةً تجلو فليس إلا رجاؤه أملاً أكباده عند ذاكم كمدا مد رجلاً لأخذه ويدا والنوم فوق الجفون قد ركدا تأكل منك الفؤاد والكبدا من قلب حيران فارق الجلدا وأوحش الأهل منه والولدا جارٍ على الخلق دائماً أبدا إذ لم نجد عن ذراه ملتحدا الذي فيك من قذا وصدا وليس إلا جزاءه معتمدا ١١٥٠ - قال سفيان: ((كان يقال الموت راحة العابدين)). ١١٥١ - وقيل لبعض الصالحين وكان يتعب ويجتهد أما تستريح؟ فقال: ليس هذا زمان الراحة، هذا زمان التعب، الراحة أَمَاماً. ١١٥٢ - وكان بعض الصالحين إذا سمع بموت عابدٍ يقول: استراح المتعب وتم التعب. ١١٥٣ - وقال مالك بن دينارٍ: ((ما من عمل من أعمال البر إلا ودونه عقبةٌ، فإن صبر صاحبه أفضت به تلك العقبة إلی روحٍ وراحةٍ، وإن جزع ولم يصبر رجع)). ١١٥٤ - وذكر ابن وضاح من حديث أبي عثمان مرسلاً، عن النبي وَلجر: ((من حمل على نفسه ما تكره فله أجران))(١). ١١٥٥ - ومن مراسيل الحسن، قال: قال رسول الله وَله: ((يرحم الله أقواماً يحسبهم الناس مرضى وما هم بمرضى جهدتهم العبادة))(٢). ١١٥٦ - قال عمر بن عبد العزيز: ((قوة المؤمن في قلبه، وقوة المنافق في بدنه)). ١١٥٧ - وقال سليمان التيمي: أتاني آتٍ في منامي فقال لي: يا سليمان إن قوة المؤمن في قلبه. (١) ضعيف: وعلة ضعفه أنه مرسل، والمعروف كما في علم مصطلح الحديث أن الحديث المرسل ضعيف . (٢) ضعيف: وعلته الإرسال. ٢٢٧ ١١٥٨ - وقال قتادة: يا ابن آدم إن كنت تريد أن تأتي الخير الأعلى نشاطٍ، فإن نفسك إلى السآمة والفتور والكسل أميل، ولكن المؤمن هو المتحامل، والمؤمن هو المتقوي، والمؤمن هو المتشدد، والمؤمنون هم العجاجون إلى الله تعالى آناء الليل وآناء النهار، والله ما زالوا يقولون ربنا ربنا حتى استجاب لهم. ١١٥٩ - وكان عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما يقول: ((اجتهدوا في العمل فإن يكن الأمر فيه شدةٌ كنتم قد أخذتم بالوثيقة لأنفسكم، وإن يكن الأمر فيه لينٌ كانت أعمالکم درجاتٍ وقرباتٍ». ١١٦٠ - قال مثنى بن الصباح: مات عمّ لي فرأيته في النوم وهو يقول: الدنيا غرور والآخرة سرور، ولم نر شيئاً مثل اليقين والنصح الله والمسلمين، لا تحقرن من المعروف شيئاً، واعمل عمل من يعلم أنه مقصرٌ. ١١٦١ - وقال ثابت البناني: ((لا يسمى العابد عابداً حتى يكون في الصلاة والصيام كأنهما من لحمه ودمه))، وكان قد حببت إليه الصلاة، وكان يقول: ((اللهم إن كنت أذنت لأحدٍ أن يُصَلى في قبره فأذن لي)). ١١٦٢ - وكان داود الطائي أحد الفقهاء يتعبد ودأب واجتهد، وكان جعل غذاءه شُرب الفتيت وترك أكل الخبز، فقيل له في ذلك فقال: بين شرب الفتيت وأكل الخبز قراءة خمسين آية. وكان كثير الصلاة والسهر، كثير المداومة على العمل، لا ينام الليل فإذا غلبته عيناه بات مُحتبياً. وقال له رجل: ألا تستريح لجنبك؟ قال: إني إذاً لفارغ. ودخل عنده رجل فقال: أرى في سقف بيتك خشبةً مكسورةً، فقال: يا ابن أخي إن لي فيه عشرين سنة ما نظرت إلى سقفه. وكانوا يكرهون فضول النظر كما يكرهون فضول الكلام. ١١٦٣ - ورثی محمد بن السماك داود الطائي هذا بكلام بعد موته، وقال: یا داود ما كان أعجب شأنك، ومما يزيد في العجب أنك ألزمت نفسك العدل حتى قومتها وأتعبتها وإنما تريد راحتها، وأجعتها وإنما تريد شبعها، وأظمأتها وإنما تريد ريها، وخشنت اللباس وإنما تريد لينه، وأمت نفسك قبل أن تموت، ودفنتها قبل أن تدفن، وغيبتها عن الناس لكي لا تذكر، وأخملتها كيلا تشتهر، ولا ستر على بابك، ولا فراش تحتك، ولا إناء عندك تبرد فيه ماءك، ولا وعاء ترفع فيه طعامك، أما كنت تشتهي من الماء باردةً، ومن الطعام طيبةً، بلى ولكن زهدت فيه لما رغبت فيه من البر لأمر آخرتك، ولما خفت من عذاب ربك، ما أيسر ما بذلت، وأصغر ما أعطيت في جنب ما طلبت، أما أنت فظفرت بروح الله في العاجل، وسعدت إن شاء الله في الآجل، فمن سمع بمثلك صبر كمثل صبرك وعزم مثل عزمك، لا ٢٢٨ أحسبك إلا قد لحقت بالأولين، ولا أظنك إلا قد فضلت الآخرين، ولا أراك إلا قد أتعبت من يأتي بعدك من العابدين . ١١٦٤ - وفي خبرٍ آخر عنه: أن داود نظر إلى ما بين يديه من آخرته فأَعشى بصر قلبه من النظر إلى الدنيا فلم ينظر إلى ما إليه نظرتم ولا نظرتم إلى ما إليه نظر، فأنتم منه تعجبون وهو منكم أعجب، فلما رآكم مفتونين مغرورين قد أذهبت الدنيا عقولكم، وأماتت بحبها قلوبکم، استوحش منکم فترککم. ١١٦٥ - وقال هناد بن السري: رأيت داود بعد موته في النوم، فقلت له: أبو سليمان قال: أبو سليمان. قلت: ما فعل الله بك؟ قال: رضي عني وأتحفني وزوجني وأطعمني طعاماً طيباً، وسقاني شراباً طيباً وطيبني، وقال لي: نم كما كنت تسهر، وافرح كما كنت تحزن، واشبع كما كنت تجوع. ١١٦٦ - وقالت أم سعيد بن علقمة: كان بيننا وبين داودٍ الطائي حائط قصير، فكنت أسمع حسه عامة الليل لا يهدأ ولا يفتر، وربما سمعته يقول: همك عطل عليَّ الهموم وحالف بيني وبين السهاد، وشوقي إلى النظر إليك أوثق من الشهوات وحال بيني وبين اللذات، فأنا في سجنك أيها الكريم مظلومٌ. قالت: وربما ترنم بالآية فأرى أن نعيم جميع الدنيا جُمع في ترنمه. وکان یسکن وحده وكان لا يسرج سراجاً في بيته. ١١٦٧ - وكان سليمان التيمي من العلماء العاملين المجتهدين، ويذكر أنه صلى الصبح بوضوء العشاء أربعين سنة. وقال يحيى بن سعيد: ما رأيت أخوف لله من سليمان التيمي. ١١٦٨ - وقال رقبة بن مصقلة وكان من الصالحين: رأيت رب العزة في النوم، فقال: ((وعزتي وجلالي لأكرمن مثوى سليمان التيمي لأنه صلى الصبح بوضوء العشاء الآخرة أربعين سنة)). وروي أنه كان من مذهبه أن النوم إذا خامر القلب وجب منه الوضوء. ١١٦٩ - وكان أبو مالك ضيغم بن مالك من المجتهدين في العبادة، وکان ورده کل يومٍ أربعمائة ركعةٍ، ولقد انتصب يوماً راكعاً فما قدر أن يرفع رأسه وما رفع رأسه إلا بعد جهدٍ، وكان يقول: إنما قوى العابدون على العبادة بما جُعل في قلوبهم من حلاوة العبادة. وكان قد سُلط عليه البكاء، وربما انتقل في بيته من موضعٍ إلى موضعٍ من كثرة ما كان يبل الأرض بدموعه، ولما نزل به الموت قيل له: أوصنا، قَال: بلى أوّصيكم بما أوصى به إبراهيم بنيه ويعقوب: يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون، وأوصيكم بصلة الرحم، وحسن الجوار، وادفنوني مع المساكين. ٢٢٩ وأنشد بعضهم: ودمعه مرسلٌ سجاما قام من الليل حين قاما وبين جنبيه نار ذكرى لا لحشاه حشا مروعٌ ما باله لا يذوق غمضاً وكلما زدته ملاما تمتحش للحم والعظاما قام عليه الأسى قياما ما باله حرم الطعاما زادك في أمره مقاما قد ألبست قلبه ظلاما لعله ذاكرٌ ذنوباً غير مطيق بهـا قيامـا وأثقلت ظهره فأضحى تاه له ذو الحجا وهاما وعرضته لهول يوم إن كان هذا فلا تلمه فماله اليوم والملاما ودعه يبكي حتى يبكي من عابه في البكاء ولاما ولا رأت عينه مناما فلا رأى دمعه انسكابا ١١٧٠ - وقال حفص بن حميدٍ: أجمع العلماء والحكماء، أن النعيم لا يلتمس بالنعيم. يريد أن النعيم لا يطلب إلا بالجد والتشمير، والتعب والنصب، ولا يكون إلا بترك النعيم، قال تبارك وتعالى: ﴿رب السموات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته﴾ [مريم: ٦٥]. وقال عزّ وجلّ: ﴿وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها﴾ [طه: ١٣٢]. فجعل العبادة بالاصطبار. ١١٧١ - وقال يحيى بن معاذٍ: ((ليس محباً من لم يكن فيه ثلاث خصالٍ: يؤثر القرآن على كلام الخلق، والخلوة على مجالسة الخلق، والعبادة على خدمة الخلق)). ١١٧٢ - وقال بعض الصالحين: ((يستعان على قيام الليل بثلاثةٍ: بأكل الحلال، والاستقامة على التوبة، وغلبة خوف الوعيد أو شوق الموعود. والذي يُحَرمُ به العبد قيام الليل ويعاقب بطول الغفلة من أجله: أكل الحرام، والإصرار على المعاصي، وغلبة هم الدنيا على القلب)). ١١٧٣ - وقال القاسم بن راشد الشيباني: كان ربيعة نازلاً بالمحصب، وكان له أهل وبنات، فكان يقوم فيصلي ليلاً طويلاً، فإذا كان السحر نادى بصوته: أيها المعرسون أكل هذا الليل تنامون، ألا تقومون فترحلون. قال: فيتواثبون من لههنا باكِ، ومن هُهنا داعٍ، ومن هُهنا قارئٌ، ومن لههنا متوضىءٌ، فإذا طلع الفجر نادى بأعلى صوته: ٢٣٠ عند الصباح تحمد القوم السرى ١١٧٤ - وكانت معاذة العدوية تُحيي الليل كله، وكانت تلبس في البرد ثياباً رقاقاً ليصيبها البرد فيمنعها النوم، وكانت إذا جن الليل عليها، قالت: ((هذه ليلتي التي أموت فيها)) فإذا غلبها النوم جالت في الدار وهي تقول: ((يا نفس النوم أمامك لو قَدمُت لطالت رقدتك في قبرك، إما على حسرة أو سرور)). ١١٧٥ - وروي أنها لم تتوسد فراشاً بعد زوجها أبي الصهباء حتى ماتت، وكانت تقول: عجباً لعينٍ تنام وقد علمت طول الرقاد في ظلمات القبور. وروي أنها كانت تصلي بالنهار ستمائة ركعةٍ . وأنشدوا: كالميت الملقى وغيرك جاهدُ بلج الصباح وأنت جذعٌ راقدٌ ملئت جفونك نومةً لو قسمت في ليلةٍ عرضت وطال زمانها شهدت عليك بغفلةٍ وبطالةٍ شهدت عليك بذاك زهر نجومها يا راقداً ملأ الكرى أجفانه هلا أفقت وفي شبابك فضلةٌ وقطعت أسباب الهوادة في الهوى بل قد وصلت وقد وصلت وكلما فاستدركن ما فات منك بتوبة ونحول جسم قد تراه صبابةً وإذا الرجا ألقى إليك رداءه فاهجر فراشك عند ذلك فإنما واضرع لمن سلطانه لا ينقضي فلعله يعطيكها مقبولة ترقى ويعود مر العيش في مرضاته وإذا أتتك من المليك عنايةٌ في أمةٍ ما كان فيها ساجدُ فالكل من أقطارها متباعدُ كل عليك بشومه متعاضدُ والله ربك فوق ذلك شاهدٌ وإذا تيقظ فهو أيضاً راقد والموت لم يجفاك منه رايدُ إذ ليس إلا ما يسؤك عايدُ بقي عليك وأنت فيه واحدُ منها عليك دلايل وشواهدُ ومصادرٌ محمودةٌ ومواردُ ودعتك غيدٌ للفراش نواهدُ فرش اللبيب هنالك طرفٌ ساجدُ أبداً وسبب عطائه متزايدُ بها ذاك البلا وتشاهدُ حلواً ويدنو من هناك مباعدُ فالكل ساعٍ في هواك وجاهدُ ١١٧٦ - وكان كرز بن الحارث يصلي كل يوم وليلةٍ ألف ركعةٍ، وإن كان العصفور ليقع على ظهره يرى أنه جدارٌ يعني من طول سجوده، وهذا إنما يكون في بعض السجدات ٢٣١ لأن تطويل السجود لا يمكن مع كثرة الركعات. ١١٧٧ - وكذلك كان عيسى بن عقبة يسجد ويطول حتى تبول العصافير على ظهره ما كانت تحسبه إلا جَدرَ حائطٍ، ولم أسمع أنه كان يصلي هذا العدد. ١١٧٨ - وكان العلاء بن زيادٍ يختم كل ليلةٍ ختمةً، فقال لامرأته: إني أجد الليلة ثقلاً فإذا كان من الليل كذا لوقتٍ سماه فأيقظيني فأيقظته لذلك الوقت، فوجد ثقلاً عظيماً فقال: دعيني ساعة، ثم نام فإذا بآتٍ أتاه في المنام فأخذ بمقدم شعر رأسه، فقال: يا ابن زيادٍ قم فاذكر ربك يذكرك، فانتبه فزعاً، ولم تزل تلك الشعرات في مقدم رأسه قائمةً إلى أن مات رحمه الله . ١١٧٩ - وكان عبد الله بن حنظلة من المجتهدين، ولم يكن له فراشٌ ينام عليه، إنما كان يصلي فإذا أعيا توسد ذراعيه ورداءه ثم هج شيئاً. ١١٨٠ - وكان محمد بن كعب القرظي من المجتهدين، فقالت له أمه: يا بني لولا أني أعرفك صغيراً طيباً، وكبيراً طيباً لظننت أنك قد عملت ذنباً موبقاً لما أراك تصنع بنفسك، فقال: يا أماه وما يؤمنني أن يكون الله عزّ وجلّ قد اطلع عليَّ وأنا في بعض ذنوبي فمقتني وقال: لا أغفر لك مع أن عجائب القرآن توردني على أمورٍ حتى أنه لينقضي الليل ولم أفرغ من حاجتي. وكان محمد بن كعب هذا من بني قريظة من اليهود. ١١٨١ - وروي عن النبي وَلّر أنه قال: ((يخرج في الكاهنين رجلٌ يدرس القرآن دراسةً))(١). والكاهنان: قريظة والنضير. ويقال: إن هذا الرجل هو محمد بن كعب هذا المذكور. ١١٨٢ - وقال بعض الصالحين: ((إن في القرآن قصوراً وخاناتٍ إذا مر بها المتعبدون عرجوا عليها ونزلوا عندها وتدبروها وتفكروا فيها فتشوقوا إلى الجنة وتخوفوا من النار، وإذا تلوها في ظلمة الليل وقفوا عند عجائبها وبكوا عليها)). ١١٨٣ - ويروى عن بعض الصالحين قال: نمت ليلةً عن حزبي الذي كنت أصلي، فرأيت في المنام كأن قائلاً يقول: ومن فتى نام إلى الفجرِ عجبت من جسم ومن صحةٍ في ظلمة الليل إذا تسري والموت لا تؤمن خطفاته يفترش الأعمال في القبرِ من بين منقولٍ إلى حفرةٍ (١) لم نقف على هذا الحديث فيما لدينا من كتب؛ والله أعلى وأعلم. ٢٣٢ ٠ بات طويل الكبر والفخرِ وبين مأخوذٍ على غرة فمات محشوراً إلى الحشرِ عاجله الموت على غفلةٍ ١١٨٤ - وكان سليمان بن عميرة من الصالحين، وكان يختم القرآن كل يومٍ ثلاث مراتٍ. ١١٨٥ - وكان سعيد بن أبي الحسن إذا جن عليه الليل توضأ ثم عمد إلى محرابه فلم یزل یصلي حتى يصبح. قال: فنمت ذات ليلةٍ عن وقتي الذي كنت أقوم فيه فإذا بشابٍ جميل الوجه قد وقف عليَّ فقال: قم يا سعيد إلى خير ما أنت قائم إليه، فقلت: وما هو رحمك الله؟ قال: قم إلى تهجدك فإن فيه رضا ربك وحظ نفسك وهو شرف المؤمنين عند مليكهم يوم القيامة. قال: فحدثت به الحسن أخي فقال: لقد أطاف بي هذا الشاب الذي أطاف بك قديماً فما ذكرته لأحد حتى الآن، ولولا أنك أخبرتني ما أخبرتك. ١١٨٦ - وكان بقرطبة رجل من صالحيها يسمى عيسى بن أحمد، يكنى أبا الأصبغ، وكان إذا غلبته عينه عن القيام إلى حزبه من الليل على عادته صاح به صائحٌ يا أبا الأصبغ، فيقوم عند صياحه، وربما صاح به فلم يسمعه وسمعه بعض أهله فأيقظه وقال: قم قد صيح بك. ١١٨٧ - ويروى عن زياد النميري، قال: أتاني آتٍ في منامي فقال لي: قم يا زياد إلى عادتك من التهجد وحظك من قيام الليل فهو والله خيرٌ لك من نومةٍ توهن بدنك وینکسر بها قلبك. فاستيقظت فزعاً فأتتني والله النومة مرة أخرى فأتاني ذلك، أو غيره فقال: قم يا زياد فلا خير في الدنيا إلا للعابدين. قال: فوثبت فزعاً. ١١٨٨ - وقال عثمان بن عمرو البجلي: سمعت عمر بن ذر يقول وذكر قيام الليل: ((لما رأى العابدون الليل قد هجم عليهم، ونظروا إلى أهل السآمة والغفلة قد سكنوا إلى فرشهم ورجعوا إلى ملاذهم قاموا الله عزّ وجلّ فرحين مستبشرين بما وجب لهم من حسن عبادتهم وحسن التهجد لربهم، فاستقبلوا ظلمته الليل بأبدانهم، واستقبلوا بصفحات وجوههم، فانقضى عنهم وما انقضت لذتهم من التلاوة، ولا ملت أبدانهم من العبادة، فأصبح الفريقان وقد ولى عنهم بربح وغبن، أصبح هؤلاء وقد نالوا الراحة الفانية، وأصبح هؤلاء متطلعين إلى مجيء الليل، وشتان ما بين الفريقين، فاستعملوا أنفسكم رحمكم الله في الليل وسواده، فإن المغبون من غبن خير الليل والنهار، والمحروم من حرم خيرهما، إنما جعلا سبيلاً للمؤمنين إلى طاعة ربهم. وبالاً على الآخرين بالغفلة عن أنفسهم فأحيوا أنفسكم بذكره فإنما تحيى القلوب بذكر الله عزّ وجلّ، وكم من نائم قد ندم على طول نومته لما رأى ٢٣٣ كرامة الله تعالى للعابدين، واتساع رحمته للمجتهدين، فاغتنموا مقر الساعات في الليالي وفي الأيام رحمكم الله تعالی. وأنشدوا: ما فاتهم ويحهم وما فقدوا لو يعلم الراقدون إذا رقدوا غمضاً ولا في النهار ما قعدوا ما طعمت في الظلام أعينهم أهلٌ ولا صاحبٌ ولا ولدُ ولا أثنى عزمهم إذا عزموا على زمانٍ ضياعه قصدوا ولو دروا ويحهم ندامتهم وخانهم عند ذاكم الجلد لتصدعت حسرة قلوبهم ما ليس يأتيهم به الأبد لكنهم ما دروا ففاتهم لا يرتضيه لنفسه أحد ومثل ذا الغبن ويح أمهم ١١٨٩ - وقال بكر العابد: كنا نكون عند زرعة ــ يعني العابد - فهو في أول الليل في سورة البقرة وفي آخر الليل في المفصل، ورأيته يوماً يرفع يديه وقال: ((اللهم لا تجعل حظي منك أكلةً ولا شربةً ولا لبس هذه المرقعة)). ١١٩٠ - وكان سفيان بن عيينة يبكي ويقول: يا بكر كيف قال زرعةُ. ١١٩١ - وقال أبو يعقوب إسماعيل بن زيادٍ: قد رأيت العابدين والمجتهدين فما رأيت أحداً قط أصبر على صلاة الليل والنهار من مسروق بن أبي عوانة، كان يصلي لا يفتر، وقدم علينا مرة فاعتل بعلةٍ فقال: أخرجوني إلى الساحل حتى أنظر إلى الماء لكي لا أنام. ١١٩٢ - وقال عمار بن عمرو البجلي: خرجنا مع محمد بن النضر الحارثي إلى مكة، فما كنا نستيقظ إلا رأيناه على محمله قاعداً يصلي، فإذا نزل بالنهار إنما كان في خدمة أصحابه، فكانوا يقولون له: يا أبا عبد الرحمن نحن نكفيك فيقول: أتأسفون عليَّ بالثواب، فكنا نرى أنه مات في ذلك الطريق. ١١٩٣ - وحج ثابت البناني من البصرة إلى مكة، قال هشام بن حسان: فكنا إن نزلنا ليلاً فهو قائم يصلي حتى يصبح، وإلا فما شئت أن تراه أو تحسن به إن سرينا رأيته باكياً أو قارئاً، وكان يقول: ((ما من شيء أجده في قلبي ألذ عندي من قيام الليل)). ١١٩٤ - وكان أبو مسلم الخولاني رحمه الله يصلي بالليل، فإذا أصابه كَلَالٌ أخذ سوطاً قد أعده فضرب به ساقيه وقال: قومي يا نفس فأنت أولى بالضرب من الدابة، والله لأزحفن بك زحفاً حتى يكون الكلال منك لا مني. وكان يقول: أيظن أصحاب محمدٍ وَالقر أن يستأثروا به دوننا، والله لنزاحمنهم زحاماً حتى يعلموا أن قد خلفوا خلفهم رجالاً . ٢٣٤ وكان أبو مسلم الخولاني هذا يخوف نفسه بذلك السوط ويذكرها به سوق الزبانية أهل النار بسياط أهل النار. ١١٩٥ - وقال الربيع بن عبد الرحمن: قال الحسن البصري: ((لقد صحبنا أقواماً يبيتون لربهم في سواد الليل سُجداً وقياماً، يقومون هذا الليل على أطرافهم، تسيل دموعهم على خدودهم، فمرة ركعاً ومرة سجداً يناجون ربهم في فكاك رقابهم، لم يملوا كملال السهر لما خالط قلوبهم من حسن الرجاء في يوم المرجع فأصبح القوم بما أصابوا من النصب لله في أبدانهم فرحين، وبما يؤملون من حسن ثوابه مستبشرين، رحم الله امرىء نافسهم في مثل هذه الأعمال ولم يرض من نفسه لنفسه بالتقصير في أمره، واليسير من فعله، فإن الدنيا من أهلها منقطعة، والأعمال على أهلها مردودة». قال: ثم یبکي حتی یبل لحيته بدموعه. ١١٩٦ - وقال الحسن أيضاً: ((إن لله عباداً هم والجنة كمن رآها فهم فيها متنعمون، والنار كمن رآها فهم فيها معذبون، قلوبهم محزونة، وشرورهم مأمونة، وحاجاتهم خفيفة، وأنفسهم عفيفة، أما الليل: فصافي أقدامهم مفترشي جباههم، يناجون ربهم في فكاك رقابهم، وأما النهار: فحلماء علماء، أبرار أتقياء، قد براهم الخوف فهم أمثال القداح، ينظر الناظر إليهم فيقول مرضى وما هم بمرضى، ويقول قد خلطوا وما خلطوا، وقد خالط القوم أمر عظيم» . ١١٩٧ - وقال الهيثم بن محمد البكاء: قال أبو محمد حبيبٌ - هو العجمي - ليزيد الرقاشي بالفارسية كلاماً هذا معناه: بأي شيء تقر عيون العابدين في الدنيا؟ وبأي شيء تقر عيونهم في الآخرة؟ فقال له يزيد: يا أبا محمدٍ، أما الذي تقر به أعينهم في الدنيا فما أعلم شيئاً أقر لعيونهم في الدنيا من التهجد في ظلمة الليل، وأما الذي تقر به أعينهم في الآخرة فما أعلم شيئاً من سرور الجنة وخزها ألذ عند العابدين ولا أقر لعيونهم من النطر إلى ذي الكبرياء العظيم إذا رفعت تلك الحجب وتجلى لهم الكريم جل جلاله. قال: فصاح حبيبٌ صيحة خر مغشياً عليه. ١١٩٨ - وقال إبراهيم بن بشارٍ خادم إبراهيم بن أدهم: بؤسي لأهل النار لو نظروا إلى زوار الرحمن وقد حشروا وفداً، وزفوا إلى الله عزّ وجلّ على النجائب زفاً، وقد نصبت لهم المنابر ووضعت لهم الكراسي، وقد أقبل عليهم الجليل جل جلاله بوجهه الكريم يسرهم ويكرمهم ويرضيهم، وهو يقول لهم: إليَّ عبادي المخلصين، إليَّ أوليائي المطيعين، إليَّ أحبائي المشتاقين، إليَّ أصفيائي المحزونين ، هأنذا فاعرفوني، من كان مشتاقاً أو محباً أو متملقاً فليتمتع بالنظر إلى وجهي. فوعزتي لأفرحنكم بجواري، ولأشرفنكم بقربي، ٢٣٥ ولأمنحنكم كرامتي من الغرفات تشرفون وتتكئون على الأسرة فتتحدثون، تقيمون في دار الكرامة أبداً لا تظعنون، آمنون فلا تخافون، فرحون فلا تحزنون، تصحون فلا تسقمون، تتنعمون في رغد العيش فلا تبئسون، وتحيون فلا تموتون، وتعانقون الحور العين فلا تملون، فكلوا واشربوا هنيئاً، وتمتعوا كثيراً بما أنحلتم الأبدان، وأنهكتم الأجسام، ولزمتم الصيام، وسهرتم بالليل والناس نيام. ١١٩٩ - وقال عباد بن كثيرٍ: للمصلي ثلاث خلالٍ: تحف به الملائكة من قدميه إلى عنان السماء، ويتناثر عليه البر من السماء إلى مفرق رأسه، وينادي منادٍ: لو يعلم المناجي من يناجي ما انفتل. يعني ما انصرف من صلاته. ١٢٠٠ - وكان مغيث بن ثابتٍ من القائمين الله في ظُلم الليل، قال: رأيت في منامي امرأة لا تشبه نساء الدنيا، فقلت: من أنت يا أمة الله؟ قالت: حوراء، قلت: زوجيني نفسك، قالت: اخطبني إلى سيدي وامهرني، قلت: وما مهرك؟ قالت: طول التهجد. ١٢٠١ - وروي عن يحيى بن بسطام، عن عبد الملك بن صبيح، عن أبيه، عن هرمز بن حيان - وكان من الصالحين - قَال: قمت من جوف الليل فقرأت ثلاثاً من الحواميم، ثم غُلبت فنمت، فإذا أنا في منامي بجوارٍ أربع وقفن على مزيناتٍ فقلن: يا هرمز بن حيان أيحل لك أن تفرق بيننا وبين إخواننا، فقلت: من أنتن؟ قلن: نحن الأربعة البواقي من الحواميم التي تقرأنا، قال: فاستيقظت. والحواميم معروفة أولهن سورة غافر وآخرهن سورة الأحقاف. ١٢٠٢ - وقال عبد الواحد بن زيدٍ ــ وكان من العابدين - أصابتني علةٌ في ساقي، فكنت أتحامل عليها للصلاة، قال: قمت عليها فأجهدت وجعاً، فجلست ثم لففت إزاري في محرابي ووضعت رأسي عليه ونمت، فبينما أنا كذلك وإذا بجاريةٍ تفوق الدنيا حُسناً تخطر بين جوارٍ مزيناتٍ حتى وقفت عليَّ وهن خلفها، فقالت لبعضهن: ارفعنه ولا تُهجنه، قال: فأقبلن نحوي فاحتملنني على الأرض وأنا أنظر إليهن في منامي، ثم قالت لغيرهن من الجواري اللاتي معها: افرشنه ومهدنه ووطئن له ووسدنه، قال: ففرش تحتي سبع حشايا لم أر لهن في الدنيا مثلاً ووضعن تحت رأسي وسائد خُضراً، ثم قالت للذي يحملنني: احملته على الفُرش رويداً لا تهجنه، قال: فجعلت على تلك الفرش وأنا أنظر إليها وما تأمرهن من شأني، ثم قالت: احففنه بالريحان فجئنني بياسمين فحف به الفرش، ثم قامت إليَّ فوضعت يدها على موضع علتي التي كنت أجد في ساقي فمسحت ذلك المكان بيدها، ثم قالت: قم شفاك الله إلى صلاتك غير مضرورٍ، قال: فاستيقظت والله وكأني نشطت من عقالٍ، فما اشتكيت العلة بعد ليلتي ولا ذهب حلاوة منطقها من فمي، قم شفاك الله إلى صلاتك غير ٢٣٦ مضرورٍ. ذکر هذه القصة أبو بكر بن أبي الدنيا، قال: حدثني محمد بن الحسین، حدثنا حكيم بن جعقٍ، قال: نا يحيى بن حبان الأسود، قال: حدثني عبد الواحد بن زيدٍ . ١٢٠٣ - وقال أبو بكر - أيضاً وذكر بعض المجتهدين ــ حدثنا أحمد بن عمران، حدثنا حفص بن غياث، نا محمد بن إسحاق، قال: قدم علينا عبد الرحمن بن الأسود بن زيدٍ حاجاً فاعتلت إحدى قدميه فقام يصلي على قدم حتى أصبح. قال: وصلى الصبح بوضوء العشاء. وقدم علينا ليث بن أبي سليم فصنع مثله. ١٢٠٤ - وقال بعضهم: يا ابن آدم لو علمت مقدار صلاتك بالليل لأكثرت على فوقها من العويل والويل، ولو علمت تنوير هذا الظلام للقلوب والأجسام لقمت في سواده، وتقلبت في حداده، ورغبت في طوله وازدياده. وأنشدوا: سائل الليل عله أن يقيما واقدح النار فيه بين ضلوع وإذا ما المنام خالط جفناً واسكب الدمع فوق خدٍ قريحٍ وقليل وإن تصدع قلبٌ بين الأمور جنيتها معقباتٍ لك لم تخف ما جنيت منها حديثاً أنسيت الحديث أم قد تناسيت أو ما أنت ذاكر سقطانٍ لم تدع شوهت خلقك الجميل وألقت فالبس الحزن في الظلام شعاراً وأسألن واضرعن وناد كريما يا إلهي ومن مددت إليه كف أثقلت ظهري الذنوب صغيراً يرتجي فضلك العظيم وسيباً ينعس البائس الفقير ويُحيى وإذا لم يصبه منك نصيب ولك الحمد عند ذاك وهذا ونجوم السماء أن لا تريما حملت من حواك أمراً عظيما فاحذرن أن تنام أو أن تنيما ترك الدمع منه فيه رسوما جنبيك حسـرة وهمـومـا بعد الممات حُسراً وشوما لا ولا ما جنيت منها قديما وقد كنت قبل ذاك عليما منك عظماً إلا رميما بين عينيك سفعة وحميما واشددن للقيام فيه حزيما دائم الجود والسماح رحيما واهي القوى حقيراً ذميما وكبيراً فجاء نضواً سقيما لم يزل للعصاة غمراً عميما بتباشيره الحطيم الهشيما فله الويل ظاعناً ومُقيما خصراً كان ورده أو وخيما ٢٣٧ ١٢٠٥ - قالت عبدة بنت أبي سؤال ــ وكانت من خيار إماء الله - كانت رابعة العدوية تصلي الليل، فإذا طلع الفجر هجعت في مُصلاها هجعةً خفيفةً حتى يُسفر الفجر، فكنت أسمعها تقول إذا وثبت من رقدتها: ويلك يا نفسُ إلى كم تنامي، وإلى كم ترقدين، أوشك أن تنامين نومةً لا تقومين إلا بصرخة النشور. قالت عبدة: فكان هذا دأبها حتى ماتت، فلما حضرتها الوفاة دعتني فقالت: يا عبدة لا تؤذني بموتي أحداً، وكفنيني في جبتي هذه لجبة شعرٍ كانت تصلي فيها من الليل فكفناها في تلك الجبة وفي خمار صوفٍ كانت تلبسه رحمة الله عليها قالت: فرأيتها بعد ذلك بسنةٍ أو نحوها في منامي وعليها حُلةٌ من سندس أخضرٍ لم أر شيئاً قط أحسن منها، فقلت: يا رابعة ما فعلت تلك الجبة التي كفناك فيها، فقالت: نزع ذلك عني وبدلت به هذا الذي ترين عليَّ، وطويت أكفاني ورفعت في عليين ليكمل لي بها ثوابي يوم القيامة، فقلت لها: ما لهذا كنت تعملين في أيام الدنيا. قالت: وما هذا عندنا رأيت من ثواب الله وكرامته لأوليائه، قلت: فما فعلت عميرة بنت أبي كلام؟ قالت: سبقتنا والله إلى الدرجات العُلى، قلت: وبم ذاك وقد كنت أنت في الناس أكثر منها - تعني أكثر عملاً؟ قالت: إنها لم تكن تبالي على أي حالٍ أصبحت من الدنيا، قالت: قلت: فما فعل بشر بن منصورٍ؟ قالت: بخ بخ أُعطي والله فوق ما كان يأمل، قالت: فقلت: أوصني بشيءٍ أتقرب به إلى الله عزّ وجلَّ، فقالت: أكثري ذكر الله تعالى، وعليك بذكر الموت فإنه يوشك أن تغتبطي بذلك في قبرك. ١٢٠٦ - وقال عبد العزيز بن سليمان: ((ما للعابد وما للنوم، لا نوم والله في دار الدنيا إلا نومٌ غالبٌ)). ١٢٠٧ - وعن سهل بن حاتم وكان من العابدين قال: بت ليلةً في مسجد بيت المقدس، فقمت في آخر الليل فقضيت وردي، ثم جلست فإذا قائل يقول: بطاعم غمضٍ بعده الموت منتصب أيا عجباً للناس لذت عيونهم وأهون من نارٍ تفور وتلتهب فطول قيام الليل أدنى مؤنة وقد قيل: كثرة النوم تبلد الذهن وتورث الوهن وتفسد من صاحبها المقلة والجفن. وأنشدوا: قبل أن يفسدها بالرقاد أكحل الجفن بكحل السهاد القلب أدنى عندهم للفساد وإذا ما خيف هذا فعين وعضالٌ أبداً في ازدياد ومن الأدواء داءٌ قريب باعتزام صادق واجتهاد فلتبادر هجمـات المنـايـا ٢٣٨ وإذا ما الليل أرخى سدولاً فلتثب وثبة شاةٍ غفولٍ وافض عبرة باك ذنوباً وتذلل وتضرع وناد يا كريماً وسع الخلق جوداً وتطعمت لذيذ المهاد نهشتها في الحال قِشاء واد جعلته ذا حيرة في العباد فعساه يسمع صوت المناد دائم السيب خفياً وباد مثقل الظهر ضعيف العماد عبدك البائس وافاك نضوا مضمرٌ بين الحشايا حديثاً واعد ثم عد ثم ردد بات منه فوق شوك القتاد صوت مضطرٍ مروع الفؤاد ملكه من ناطقٍ أو جماد وإذا الباك الباك ما في ١٢٠٨ - وكان عبد العزيز بن سليمان - هذا - لا ينام إلا مغلوباً ولم يكن له فراشٌ ينام عليه. ١٢٠٩ - وقال عبد السلام: ما رأيت أحداً أصبر على سهر الليل من خلف بن حوشبٍ، لقد سافرت معه إلى مكة فما رأيته نام بليلٍ حتى رجع. ١٢١٠ - ويروى أن الله عزّ وجلّ أوحى إلى عيسى ابن مريم عليه السلام: ((اذكرني في الدنيا أذكرك في الآخرة، وتيقظ في ساعات الليل واسمعني لذاذة الإنجيل في مساجدي، ولتخشع جوارحك وليضطرب قلبك خوفاً مني، وقل لقومك إذا دخلوا مسجداً لا يدخلوه إلا بقلوبٍ خاشعةٍ، وأبصارٍ خافضةٍ، وأيدٍ طاهرةٍ، وأخبرهم أني لا أقبل دعاء ظالمٍ حتى يرد المظلمة إلى صاحبها. يا عيسى إني ذاكر من ذكرني أجزي المحسن وألعن الظالم. يا عيسى لا تجالس الخطائين فإن مجالستهم معصية تقي القلب، وتوبوا إليه تعالى بمفارقتهم». ١٢١١ - وكان كرز بن وبرة من المجتهدين، وكان من المقيمين بمكة، وكان يطوف في كل يوم سبعين أسبوعاً وفي الليل مثل ذلك، فحسب ذلك فكان ثلاثين ميلاً، ويصلي لكل أسبوع ركعتين فتلك مائتان وثمانون ركعة سوى ما يصلي من نوافل الليل والنهار، ويختم القرآن في اليوم والليل ثلاث مراتٍ. ١٢١٢ - ودخل عليه بعض أصحابه فوجده يبكي فقال: ما لك أتاك موت بعض أهلك قال: أشد، لم أقرأ حزبي البارحة. وقد تقدم بأكثر من هذا في الكلام الآخر. ١٢١٣ - وقال ابن شبرمة: كان كرز بن وبرة قد سأل الله تعالى أن يعطيه اسمه الأعظم على أن لا يسأل به شيئاً من الدنيا فأعطاه الله إياه، فسأل الله به أن يقويه على أن يختم القرآن في اليوم والليل ثلاث مراتٍ. ٢٣٩ ١٢١٤ - وقال أبو جعفر السائح: سمعت أبا بشر يقول: كان كرز بن وبرة من أعبد الناس وأخشى الناس في زمانه، وامتنع من الطعام حتى أنه لم يوجد عليه من اللحم ما يوجد على العصفور، وكان يطوي أياماً، وكان إذا دخل في الصلاة نسي مواقيتها من كثرة اشتغاله بالصلاة وفكرته فيها. وقال له سليمان الأعمش وليث بن أبي سليم: يرحمك الله كيف نشاطك للصلاة؟ قال: ما أظن واجداً يسمع بذكر الجنة والنار تأتي عليه ساعةٌ إلا يكون فيها راكعاً أو ساجداً أو داعياً. ودخل مكة فقال عُبَادُهَا لما رأوا من عبادته وصبره: نشهد أنك أعبد أهل الأرض. ١٢١٥ - ويروى أنه الله عزّ وجلّ أوحى إلى بعض الأنبياء: ((إن لي عباداً من عبادي يحبوني وأحبهم، ويذكروني وأذكرهم، ويشتاقون إليَّ وأشتاق إليهم، وينظرون إليَّ وأنظر إليهم، فإن حذوت حذوهم أحببتك، وإن عدلت عنهم مقتك)) قال: يا رب وما علامتهم؟ قال: يُراعونَ الظلال بالنهار كما يُراعي الراعي غنمه، ويحنون إلى غروب الشمس كما تحن الطيرة إلى أوكارها، فإذا جن عليهم الليل وخلى كل حبيبٍ بحبيبه نصبوا إلي أقدامهم وافترشوا إلي وجوههم وناجوني بكلامي، وتملقوني بأنعامي، فبين صارخٍ وباكٍ، وبين متأوهٍ وشاكٍ، بعيني ما يتحمل المتحملون من أجلي، وبسمعي ما يشتكون من حبي، أول ما أعطيهم أقذف من نوري في قلوبهم فيخبرون عني كما أخبر عنهم، والثانية: لو كانت السموات السبع والأرضون في موازينهم لاستعللتها لهم، والثالثة: أقبل بوجهي عليهم فترى من أقبل بوجهي عليه يَعُلم أحدٌ ما أعطيه)). ١٢١٦ - وقال بعضهم: نهارك وليلك رأسمالك فلا تصرفهما إلا فيما هو أعود عليك ولا تقطعهما إلا فيما هو أرجح لك، ولا تضيعهما فيذهبا من يديك فيتنافى عضدك، واغتنم منهما النفس الواحد واللحظة الواحدة فربما كان فيهما ربحك وفي تضييعهما خسرانك. ١٢١٧ - زار قيس بن مسلم محمد بن جحادة بعد صلاة العشاء فوجده قائماً يصلي فأحرم قيس بالصلاة في ناحيةٍ من المسجد ورأى أن لا ينتظره قاعداً دون صلاة، فلم يعلم محمد بن جحادة فلم يزل هذا يصلي وهذا يصلي حتى طلع الفجر، فلما طلع رجع قيس إلى محلته وكان إمام قومه فصلى بهم الصبح في مسجدهم، فلما صلى محمد بن جحادة الصبح قيل له: زارك البارحة أخوك قيس بن مسلم فلم تلتفت إليه، فقال: ما علمت بمكانه، ثم مشی إلیه فلما رآه قیس مقبلاً قام إليه حتى تلقّاه فاعتنقا فجعلا جميعاً يبكيان. وأنشد بعضهم: يانائم المقلة والقلب وغافلا عن صرعة الذنب ٢٤٠